Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V29/P152

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { هاذا نزلهم يوم الدين } . > 7 ! < < الواقعة : ( 56 ) هذا نزلهم يوم . . . . . > > يعني ليس هذا كل العذاب بل هذا أول ما يلقونه وهو بعض منه وأقطع لأمعائهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرءيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } . > 7 ! < < الواقعة : ( 57 ) نحن خلقناكم فلولا . . . . .

Section V29/P152

> > دليلا على كذبهم وصدق الرسل في الحشر لأن قوله : { ءأنتم تخلقونه } إلزام على الإقرار بأن الخالق في الابتداء هو الله تعالى ، ولما كان قادرا على الخلق أولا كان قادرا على الخلق ثانيا ، ولا مجال للنظر في ذاته وصفاته تعالى وتقدس ، وإن لم يعترفوا به ، بل يشكون ويقولن : الخلق الأول من مني بحسب الطبيعة ، فنقول : المنى من الأمور الممكنة ولا وجود للممكن بذاته بل بالغير على ما عرف ، فيكون المنى من القادر القاهر ، وكذلك خلق الطبيعة وغيرها من الحادثات أيضا ، فقال لهم : هل تشكون في أن الله خلقكم أولا أم لا ؟ فإن قالوا : لا نشك في أنه خالقا ، فيقال : فهل تصدقون أيضا بخلقكم ثانيا ؟ فإن من خلقكم أولا من لا شيء لا يعجز أن يخلقكم ثانيا من أجزاء هي عنده معلومة ، وإن كنتم تشكون وتقولون : الخلق لا يكون إلا من منى وبعد الموت لا والده ولا مني ، فيقال لهم : هذا المنى أنتم تخلقونه أم الله ، فإن كنتم تعترفون بالله وبقدرته وإرادته وعمله ، فذلك / يلزمكم القول بجواز الحشر وصحته ، و ( لولا ) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث والأصل فيه : لم لا ، فإذا قلت : لم لا أكلت ولم ما أكلت ، جاز الاستفهامان ، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له ، كما تقول : لم فعلت ؟ موبخا ، يكون معناه فعلت أمرا لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرف الاستفهام عن الحكم ، فقالوا : هلا فعلت ؟ كما يقولون في موضع : لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده ، أتفعل هذا وأنت عاقل ؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل : لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة ، ومعناه أن علته غير معلومة وغير ظاهرة ، فلا يجوز ظهور وجوده ، وقوله : أفعلت ، سؤال عن حقيقته ، ومعناه أنه في جنسه غير ممكن ، والسائل عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلوما وسأل عن العلة كما يقول القائل : زيد جاء فلم جاء ، والسائل عن الوجود لم يسلمه ، وقول القائل : لم فعلت وأنت تعلم ما فيه دون قوله : أفعلت وأنت تعلم ما فيه ، لأن في الأول جعله كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه ، وفي الثاني جعله مخطئا في أول الأمر ، وإذا علم ما بين لم فعلت ، وأفعلت ، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل ، وأما ( لولا ) فنقول : هي كلمة شرط في الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفي النظر والتواني ، فيقول : لولا تصدقون ، بدل قوله : لم لا ، وهلا ، لأنه أدل على نفي ما دخلت عليه وهو عدم التصديق وفيه لطيفة : وهي أن لولا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ( التوبة : 122 ) فما وجه اختصاص المستقبل ههنا بالذكر وهلا قال : فلولا صدقتم ؟

Section V29/P152–V29/P153

نقول : هذا كلام معهم في الدنيا والإسلام فيها مقبول ويجب ما قبله فقال : لم لا تصدقون في ساعتكم ، والدلائل واضحة مستمر والفائدة حاصلة ، فأما في قوله : { فلولا نفر } لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال : لو سافرتم لحصل لكم الفائدة في الحال وقد فات ذلك ، فإن كنتم لا تسافرون في الحال تفوتكم الفائدة أيضا في الاستقبال ، ثم قال تعالى : { أفرءيتم ما تمنون } من تقرير قوله تعالى : { نحن خلقناكم } وذلك لأنه تعالى لما قال : { نحن خلقناكم } قال الطبيعيون : نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة وقبل كل واحد نطفة واحد فقال تعالى ردا عليهم : هل رأيتم هذا المنى وأنه جسم ضعيف متشابه الصورة لا بد له من مكون ، فأنتم خلقتم النطفة أم غيركم خلقها ، ولا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعا للتسلسل الباطل وإلى ربنا المنتهى ، ولا يرتاب فيه أحد من أول ما خلق الله النطفة وصورها وأحياها ونورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد صمد قادر على الأشياء ، فإنه يعيدكم كما أنشأكم في الابتداء ، والاستفهام يفيد زيادة تقرير وقد علمت ذلك مرارا .

Section V29/P153–V29/P154

[ بم قال تعالى : ! 7 < { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فى ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الا ولى فلولا تذكرون } . > 7 ! / فيما لا تعلمون ، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } < < الواقعة : ( 60 ) نحن قدرنا بينكم . . . . . > > وفيه مسائل . المسألة الأولى : في الترتيب فيه وجهان أحدهما : أنه تقرير لما سبق وهو كقوله تعالى : { } وفيه مسائل . المسألة الأولى : في الترتيب فيه وجهان أحدهما : أنه تقرير لما سبق وهو كقوله تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) فقال : { نحن خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) ثم قال : { نحن قدرنا بينكم الموت } فمن قدر على الإحياء والإماتة وهما ضدان ثبت كونه مختارا فيمكن الإحياء ثانيا منه بعد الإماتة بخلاف ما لو كان الإحياء منه ولم يكن له قدرة على الإماتة فيظن به أنه موجب لا مختار ، والموجب لا يقدر على كل شيء ممكن فقال : نحن خلقناكم وقدرنا الموت بينكم فانظروا فيه واعلموا أنا قادرون أن ننشئكم ، ثانيهما : أنه جواب عن قول مبطل يقول : إن لم تكن الحياة والموت بأمور طبيعية في الأجسام من حرارات ورطوبات إذا توفرت بقيت حية ، وإذا نقصت وفنيت ماتت لم يقع الموت وكيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئا يتقن خلقه ويحسن صورته ثم يفسده ويعدمه ثم يعيده وينشئه ، فقال تعالى : نحن قدرنا الموت ، ولا يرد قولكم : لماذا أعدم ولماذا أنشأ ، ولماذا هدم ، لأن كمال القدرة يقتضي ذلك وإنما يقبح من الصائغ والباني صياغة شيء وبناؤه وكسره وإنشاؤه لأنه يحتاج إلى صرف زمان إليه وتحمل مشقة وما مثله إلا مثل إنسان ينظر إلى شيء فيقطع نظره عنه طرفة عين ، ثم يعاوده ولا يقال له : لم قطعت النظر ولم نظرت إليه ، ولله المثل الأعلى من هذا ، لأن هنا لا بد من حركة وزمان ولو توارد على الإنسان أمثاله لتعب لكن في المرة الواحدة لا يثبت التعب والله تعالى منزه عن التعب ولا افتقار لفعله إلى زمان ولا زمان لفعله ولا إلى حركة بجرم ، وفيه وجه آخر ألطف منها ، وهو أن قوله تعالى : { أفرءيتم ما تمنون } ( الواقعة : 58 ) معناه أفرأيتم ذلك ميتا لا حياة فيه وهو منى ، ولو تفكرتم فيه لعلمتم أنه كان قبل ذلك حيا متصلا بحي وكان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون في كونه ميتا كالجمادات ، ثم إن الله تعالى يخلقه آدميا ويجعله بشرا سويا فالنطفة كانت قبل الانفصال حية ، ثم صارت ميتة ثم أحياها الله تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولا ثم قدرنا بينكم الموت ثانيا ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستبعدوا ذلك كما في النطف . المسألة الثانية : ما الفرق بين هذا الموضع وبين أول سورة تبارك حيث قال هناك : { خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) بتقديم ذكر الموت ؟ نقول : الكلام هنا على الترتيب الأصلي كما قال تعالى في مواضع منها قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) ثم قال بعد ذلك : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون } ( المؤمنون : 15 ) وأما في سورة الملك فنذكر إن شاء الله تعالى فائدتها ومرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال : خلق الموت في النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت وهو دليل الحشر ، وقيل : المراد من الموت هنا الموت الذي بعد الحياة ، والمراد هناك الذي قبل الحياة .

Section V29/P154

/ المسألة الثالثة : قال ههنا : { نحن قدرنا } وقال في سورة الملك : { خلق الموت والحيواة } فذكر الموت والحياة بلفظ الخلق ، وههنا قال : { خلقناكم } وقال : { قدرنا بينكم الموت } فنقول : كان المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين مطلقا لا في الناس على الخصوص ، وهنا لما قال : { خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) خصصهم بالذكر فصار كأنه قال : خلقنا حياتكم ، فلو قال : نحن قدرنا موتكم ، كان ينبغي أنه يوجد موتهم في الحال ولم يكن كذلك ، ولهذا قال : { قدرنا بينكم } وأما هناك فالموت والحياة كانا مخلوقين في محلين ولم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص . المسألة الرابعة : هل في قوله تعالى : { بينكم } بدلا عن غيره من الألفاظ فائدة ؟ نقول : نعم فائدة جليلة ، وهي تبين بالنظر إلى الألفاظ التي تقوم مقامها فنقول : قدرنا لكم الموت ، وقدرنا فيكم الموت ، فقوله : قدرنا فيكم يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشيء في الشيء يستدعي كونه ظرفا له إما ظرف حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال : البياض في الجسم والكحل في العين ، فلو قال : قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقا فينا وليس كذلك ، وإن قلنا : قدرنا لكم الموت كان ذلك ينبىء عن تأخره عن الناس فإن القائل إذا قال : هذا معد لك كان معناه أنه اليوم لغيرك وغدا لك ، كما قال تعالى : { وتلك الايام نداولها بين الناس } ( آل عمران : 140 ) .

Section V29/P154–V29/P155

المسألة الخامسة : قوله : { وما نحن بمسبوقين } المشهور أن المراد منه : وما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم ، يقال : فاته الشيء إذا غلبه ولم يقدر عليه ومثله سبقه وعلى هذا نعيد ما ذكرناه من الترتيب ، ونقول : إذا كان قوله : { نحن قدرنا بينكم } لبيان أنه خلق الحياة وقدر الموت ، وهما ضدان وخالق الضدين يكون قادرا مختارا فقال : { وما نحن بمسبوقين } عاجزين عن الشيء بخلاف الموجب الذي لا يمكنه من إيقاع كل واحد من الضدين فيسبقه ويفوته ، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن طبيعتها موجبة للتسخين ، وأما إن قلنا بأنه ذكره ردا عليهم حيث قالوا : لو لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية وانطفاء الحرارة الغريزية وكان بخلق حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبني ويهدم ويوجد ويعدم فقال : { وما نحن بمسبوقين } أي عاجزين بوجه من الوجوه التي يستبعدونها من البناء والصائغ فإنه يفتقر في الإيجاد إلى زمان ومكان وتمكين من المفعول وإمكان ويلحقه تعب من تحريك وإسكان والله تعالى يخلق بكن فيكون ، فهو فوق ما ذكرنا من المثل من قطع النظر وإعادته في أسرع حين حيث لا يصح من القائل أن يقول : لم قطعت النظر في ذلك الزمان اللطيف الذي لا يدرك ولا يحس بل ربما يكون مدعى القدرة التامة على الشيء في الزمان اليسير بالحركة السريعة يأتي بشيء ثم يبطله ثم يأتي بمثله ثم يبطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد ، حيث يوهم أنه يفعل شيئا ثم يبطله ، ثم يأتي بمثله إراءة من نفسه القدرة ، وعلى هذا فنقول قوله في سورة تبارك : { خلق الموت والحيواة ليبلوكم } ( الملك : 2 ) معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار ، فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتموه / موجبا لما عملتم شيئا على هذا التفسير المشهور ، والظاهر أن المراد من قوله : { وما نحن بمسبوقين } حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما : أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما : في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا : { وما نحن بمسبوقين } معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه / فإنكم إن كنتم تقولون : قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق ، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري ، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام ، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولا والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة ، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب ، ويقول : لا بد للكل من إله ، وهو ليس بمسبوق فيما فعله ، فمعناه أنه فعل ما فعل ، ولم يكن لمفعوله مثال ، وأما إن قلنا : إنه ليس بمسبوق ، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) ويؤيده قوله تعالى : { على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فى مالا تعلمون } فإن قيل : هذا لا يصح ، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل ، والمراد ما ذكرنا كأنه قال : وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين ، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا ، وذلك لأن قوله تعالى : { إنا لقادرون } أفاد فائدة انتفاء العجز عنه ، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى : { وما نحن بمسبوقين } فائدة ظاهرة ، ثم قال تعالى : { على أن نبدل أمثالكم } في الوجه المشهور ، قوله تعالى : { على أن نبدل } يتعلق بقوله : { وما نحن بمسبوقين } أي على التبديل ، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل .

Section V29/P155–V29/P156

والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه ، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء ، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب ، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى : { نحن قدرنا } وتقديره : نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر ، كما يقول القائل : خرج فلان على أن يرجع عاجلا ، أي على هذا الوجه خرج ، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر ، فإن قيل : على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم ، أي أشكالكم وأوصافكم ، ويكون الأمثال جمع مثل ، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم ، ونجعلكم في صورة قردة وخنازير ، فيكون كقوله تعالى : { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } ( يس : 67 ) وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين ، وجعلت المتعلق لقوله : { على أن نبدل أمثالكم } هو قوله : { نحن قدرنا } فيكون قوله : { نبدل أمثالكم } معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم ، نقول : هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل ، وهو الظاهر كما في قوله تعالى : { ثم لا يكونوا أمثالكم } ( محمد : 38 ) وقوله : { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } ( الإنسان : 28 ) فإن قوله : { إذا } دليل الوقوع ، وتغير أوصافهم بالمسخ ليس أمرا يقع والجواب أن يقال : الأمثال / إما أن يكون جمع مثل ، وإما جمع مثل ، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه ، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالا ، ثم شبانا ، ثم كهولا ، ثم شيوخا ، ثم يدرككم الأجل ، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا : هو جمع مثل فنقول معنى : { نبدل أمثالكم } نجعل أمثالكم بدلا وبدله بمعنى جعله بدلا ، ولم يحسن أن يقال : بدلناكم على هذا الوجه ، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلا فلا يدل على وقوع الفناه عليهم ، غاية ما في الباب أن قول القائل : جعلت كذا بدلا لا تتم فائدته إلا إذا قال : جعلته بدلا عن كذا لكنه تعالى لما قال : { نبدل أمثالكم } فالمثل يدل على المثل / فكأنه قال : جعلنا أمثالكم بدلا لكم ، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعا ثم ننشئهم ، وقوله تعالى : { فيما لا تعلمون } على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق ، والظاهر أن المراد : { فيما لا تعلمون } من الأوصاف والزمان ، فإن أحدا لا يدري أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا : ومتى الساعة والإنشاء ؟ فقال : لا علم لكم بهما ، هذا إذا قلنا : إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة : وهي أن قوله : { فيما لا تعلمون } تقرير لقوله : { تخلقونه أم نحن الخالقون نحن } ( الواقعة : 59 ) وكأنه قال : كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به ؟

Section V29/P156

وهو كقوله تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم } ( النجم : 32 ) وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل الصالح ، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعا في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة ، وقال تعالى : { ولقد علمتم النشأة الاولى } تقريرا لإمكان النشأة الثانية .

Section V29/P156–V29/P157

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أفرءيتم ما تحرثون أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } . > 7 < الواقعة : ( 63 - 64 ) أفرأيتم ما تحرثون > > ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله : { أفرءيتم ما تمنون } إشارة إلى دليل الخلق وبه الابتداء ، وقوله : { أفرءيتم ما تحرثون } إشارة إلى دليل الرزق وبه البقاء ، وذكر أمورا ثلاثة المأكول ، والمشروب ، وما به إصلاح المأكول ، ورتبه ترتيبا فذكر المأكول أولا لأنه هو الغذاء ، ثم المشروب لأن به الاستمراء ، ثم النار للتي بها الإصلاح وذكر من كل نوع ما هو الأصل ، فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل ، ومن المشروب الماء لأنه هو الأصل ، وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها ، ودخل في كل واحد منها ما هو دونه ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير فنقول : الفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته / من كراب الأرض ، وإلقاء البذر ، وسقي المبذور ، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه واستوائه على الساق ، فقوله : { أفرءيتم ما تحرثون } أي ما تبتدئون منه من الأعمال أأنتم تبلغونها المقصود أم الله ؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس ، وليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي ، فإن قيل : هذا يدل على أن الله هو الزارع ، فكيف قال تعالى : { يعجب الزراع } ( الفتح : 29 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الزرع للزارع ) قلنا قد ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع ، فالحرث أوائل الزرع ، والزرع أواخر الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر ، لكن قوله : { يعجب الزراع } بدلا عن قوله : يعجب الحراث ، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي ، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهى ، ولا يعجبه إلا شيء عظيم ، فقال : { يعجب الزراع } الذين تعودوا أخذ الحراث ، فما ظنك بإعجابه الحراث ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( الزرع للزارع ) فيه فائدة ، لأنه لو قال : للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض وتسويتها يصير حارثا ، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر وهو إلقاء البذر ، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وهذا أظهر ، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع للملقى سواء كان مالكا أو غاصبا . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون } . > 7 ! < < الواقعة : ( 65 ) لو نشاء لجعلناه . . . . .

Section V29/P157

> > وهو تدريج في الإثبات ، وبيانه هو أنه لما قال : { تزرعونه أم نحن الزرعون لو } ( الواقعة : 64 ) لم يبعد من معاند أن يقول : نحن نحرث وهو بنفسه يصير زرعا ، لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا ، فقال تعالى : ولو سلم لكم هذا الباطل هذا الباطل ، فما تقولون في سلامته عن الآفات التي تصيبه ، فيفسد قبل اشتداد الحب وقبل انعقاده ، أو قبل اشتداد الحب وقبل ظهور الحب فيه ، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه ، أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه تلك الآفات ، كما تقولون : إنه بنفسه ينبت ، ولا يشك أحد أن دفع الآفات بإذن الله تعالى ، وحفظه عنها بفضل الله ، وعلى هذا أعاده ليذكر أمورا مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر الأول : للمهتدين والثاني : للظالمين والثالث : للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذي لا شك فيه في آخر الأمر إقامة للحجة على الضال المعاند .

Section V29/P157–V29/P158

وفيه سؤال وهو أنه تعالى ههنا قال : { لجعلناه } بلام الجواب وقال في الماء : { جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 7 ) من غير لام فما الفرق بينهما ؟ نقول : ذكر الزمخشري عنه جوابين أحدهما : قوله تعالى : { لو نشاء لجعلناه حطاما } كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانيا ، وهذا ضعيف لأن / وقوله تعالى : { لو نشاء لطمسنا على أعينهم } ( يس : 66 ) مع قوله : { لو نشاء لمسخناهم } ( يس : 67 ) أقرب من قوله : { لجعلناه حطاما } و { جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 30 ) اللهم إلا أن نقول : هناك أحدهما قريب من الآخر ذكرا لا معنى لأن الطمس لا يلزمه المسخ ولا بالعكس والمأكول معه المشروب في الدهر ، فالأمران تقاربا لفظا ومعنى والجواب الثاني : أن اللام يفيد نوع تأكيد فذكر اللام في المأكول ليعلم أن أمر المأكول أهم من أمر المشروب وأن نعمته أعظم وما ذكرنا أيضا وارد عليه لأن أمر الطمس أهون من أمر المسخ وأدخل فيهما اللام ، وههنا جواب آخر يبين بتقديم بحث عن فائدة اللام في جواب لو ، فنقول : حرف الشرط آذا دخل على الجملة يخرجها عن كونها جملة في المعنى فاحتاجوا إلى علامة تدل على المعنى ، فأتوا بالجزم في المستقبل لأن الشرط يقتضي جزاء ، وفيه تطويل فالجزم الذي هو سكون أليق بالموضع وبينه وبين المعنى أيضا مناسبة لكن كلمة لو مختصة بالدخول على الماضي معنى فإنها إذا دخلت على المستقبل جعلته ماضيا ، والتحقيق فيه أن الجملة الشرطية لا تخرج عن أقسام فإنها إذا ذكرت لا بد من أن يكون الشرط معلوم الوقوع لأن الشرط إن كان معلوم الوقوع فالجزاء لازم الوقوع فجعل الكلام جملة شرطية عدول عن جملة إسنادية إلى جملة تعليقية وهو تطويل من غير فائدة فقول القائل : آتيك إن طلعت الشمس تطويل والأولى أن يقول : آتيك جزما من غير شرط فإذا علم هذا فحال الشرط لا يخلو من أن يكون معلوم العدم أو مشكوكا فيه فالشرط إذا وقع على قسمين فلا بد لهما من لفظين وهما إن ولو ، واختصت إن بالشكوك ، ولو بمعلوم لأمر بيناه في موضع آخر لكن ما علم عدم يكون الآخر فقد أثبت منه فهو ماض أو في حكمه لأن العلم بالأمور يكون بعد وقوعها وما يشك فيه فهو مستقبل أو في معناه لأننا نشك في الأمور المستقبلة أنها تكون أولا تكون والماضي خرج عن التردد ، وإذا ثبت هذا ، فنقول : لما دخل لو على الماضي وما اختلف آخر بالعامل لم يتبين فيه إعراب ، وإن لما دخل على المستقبل بان فيه الإعراب ، ثم إن الجزاء على حسب الشرط وكان الجزاء في باب لو ماضيا فلم يتبين فيه الحال ولا سكون / فيضاف له حرف يدل على خروجه عن كونه جملة ودخوله في كونه جزء جملة ، إذا ثبت هذا فنقول : عندما يكون الجزاء ظاهرا يستغني عن الحرف الصارف ، لكن كون الماء المذكور في الآية ، وهو الماء المشروب المنزل من المزن أجاجا ليس أمرا واقعا يظن أنه خبر مستقل ، ويقويه أنه تعالى يقول : { جعلناه أجاجا } على طريقة الإخبار والحرث والزرع كثيرا ما وقع كونه حطاما فلو قال : جعلناه حطاما ، كان يتوهم منه الإخبار فقال هناك : { لو نشاء لجعلناه } ليخرجه عما هو صالح له في الواقع ، وهو الحطامية وقال الماء المنزل المشروب من المزن جعلناه أجاجا لأنه لا يتوهم ذلك فاستغنى عن اللام ، وفيه لطيفة : أخرى نحوية ، وهي أن في القرآن إسقاط اللام عن جزاء لو حيث كانت لو داخلة على مستقبل لفظا ، وأما إذا كان ما دخل عليه لو ماضيا ، وكان الجزاء موجبا فلا كما في قوله تعالى : { ولو شئنا لاتينا } ( السجدة : 13 ) { لو هدانا الله لهديناكم } ( إبراهيم : 21 ) وذلك لأن لو إذا دخلت على فعل مستقل كما في / قوله : { لو نشاء } فقد أخرجت عن حيزها لفظا ، لأن لو للماضي فإذا خرج الشرط عن حيزه جاز في الجزاء الإخراج عن حيزه لفظا وإسقاط اللام عنه ، لأن إن كان حيزها المستقبل وتدخل على المستقبل ، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضيا كقولك : إن جئتني ، جاز في الخبر الإخراج عن حيزه وترك الجزم فنقول : أكرمك بالرفع ، وأكرمك بالجزم ، كما تقول في : { لو نشاء لجعلناه } وفي : { لو نشاء جعلناه } ( الواقعة : 70 ) وما ذكرناه من الجواب في قوله : { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } ( يس : 47 ) إذا نظرت إليه تجده مستقيما ، وحيث لم يقل : لو شاء الله أطعمه ، علم أن الآخر جزاء ولم يبق فيه توهم ، لأنه إما أن يكون عند المتكلم ، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه ، وإما أن يكون عندهم وذلك غير جائز ههنا ، لأن قولهم : لو شاء الله أطعمه رد على المؤمنين في زعمهم يعني أنتم تقولون : إن الله لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء الله أطعمه على زعمكم ، فلما كان أطعمه جزاءا معلوما عند السامع والمتكلم استغنى عن اللام ، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من الفت والجذ والفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر ، أما في المعاني : فكالسبات والفواق والزكام والدوار والصداع لأمراض وآفات في الناس والنبات .

Section V29/P158–V29/P159

وأما في الأعيان : فكالجذاذ والحطام والفتات وكذا إذا لحقته الهاء كالبرادة والسحالة ، وفيه زيادة بيان وهو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ذكرنا في الأفعال فإنا نقول : فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق وهو الضم ، فإذا ثبت فهو لعارض ، إن علم كما ذكرنا فلا كلام وإن لم يعلم كما في برد وقفل فالأمر خفي يطول ذكره والوضع يدل عليه في الثلاثي . وقوله تعالى : { إنا لمغرمون بل نحن محرومون } وفيه وجهان : أما على الوجه الأول : كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول : وحينئذ يحق أن تقولوا : إنا لمعذبون دائمون في العذاب . وأما على الوجه الثاني : فيقولون : إنا لمعذبون ومحرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى ، يقولون : إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء والوجه الثاني : في الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه .

Section V29/P159–V29/P160

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أفرءيتم المآء الذى تشربون أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } . > 7 ! < < الواقعة : ( 68 ) أفرأيتم الماء الذي . . . . . > > خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيرا لهم بالإنعام عليهم ، والمزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات / السحاب الذي مس الأرض وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة ، والظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم ، وقد ذكرناه في قوله تعالى : { هاذا عذب فرات وهاذا ملح أجاج } ( الفرقان : 53 ) ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة ، وفي الماء الآخر أيضا صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية لمسه وهي الحرارة ، ثم قال تعالى : { فلولا تشكرون } لم يقل عند ذكر الطعام الشكر وذلك لوجهين أحدهما : أنه لم يذكر في المأكول أكلهم ، فلما لم يقل : تأكلون لم يقل : تشكرون وقال في الماء : { تشربون } فقال : { تشكرون } والثاني : أن في المأكول قال : { تحرثون } ( الواقعة : 63 ) فأثبت لهم سعيا فلم يقل : تشكرون وقال في الماء : { أنزلتموه من المزن أم } لا عمل لكم فيه أصلا فهو محض النعمة فقال : { فلولا تشكرون } وفيه وجه ثالث : وهو الأحسن أن يقال : النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئا مخافة العطش ، فلما ذكر المأكول أولا وأتمه بذكر المشروب ثانيا قال : { فلولا تشكرون } على هذه النعمة التامة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أفرءيتم النار التى تورون أءنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون } . > 7 ! < < الواقعة : ( 71 ) أفرأيتم النار التي . . . . . > > وفي شجرة النار وجوه أحدها : أنها الشجرة التي تورى النار منها بالزند والزندة كالمرخ وثانيها : الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار ، لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق بالحطب وثالثها : أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج الأشياء والباقي ظاهر . ! 7 < { نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } . > 7 ! < < الواقعة : ( 73 ) نحن جعلناها تذكرة . . . . . > > في قوله : { تذكرة } وجهان أحدهما : تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة وثانيهما : تذكرة بصحة البعث ، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا } ( يس : 80 ) والمقوى : هو الذي أوقده فقواه وزاده وفيه لطيفة : وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها متاعا ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فسبح باسم ربك العظيم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 74 ) فسبح باسم ربك . . . . . > > وفيه مسائل :

Section V29/P160

المسألة الأولى : في وجه تعلقه بما قبله ؟ نقول : لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم الإيمان قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : / أن وظيفتك أن تكمل في نفسك وهو علمك بربك وعملك لربك : { فسبح باسم ربك } وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } ( طه : 130 ) وفي موضع آخر . المسألة الثانية : التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الاسم ولم يقل : فسبح بربك العظيم ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : هو المشهور وهو أن الاسم مقحم ، وعلى هذا الجواب فنقول : فيه فائدة زيادة التعظيم ، لأن من عظم عظيما وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه ، فلا يذكر اسمه في موضع وضيع ولا على وجه الاتفاق كيفما اتفق ، وذلك لأن من يعظم شخصا عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه ، فإن كان بمحضر منه لا يقول ذلك ، فإذا عظم عنده لا يذكره في حضوره وغيبته إلا بأوصاف العظمة ، فإن قيل : فعلى هذا فما فائدة الباء وكيف صار ذلك ، ولم يقل : فسبح اسم ربك العظيم ، أو الرب العظيم ، نقول : قد تقدم مرارا أن الفعل إذا كان تعلقه بالمفعول ظاهرا غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال : ضربت بزيد بمعنى ضربت زيدا ، وإذا كان في غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف فلا يقال : ذهبت زيدا بمعنى ذهبت بزيد ، وإذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول : سبحته وسبحت به وشكرته وشكرت له ، إذا ثبت هذا فنقول : لما علق التسبيح بالاسم وكان الاسم مقحما كان التسبيح في الحقيقة متعلقا بغيره وهو الرب وكان التعلق خفيا من وجه فجاز ادخال الباء ، فإن قيل : إذا جاز الإسقاط والإثبات فما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى : { سبح اسم ربك الاعلى } ؟ ( الأعلى : 1 ) فنقول : ههنا تقديم الدليل على العظمة أن يقال : الباء في قوله : { باسم } غير زائدة ، وتقريره من وجهين أحدهما : أنه لما ذكر الأمور وقال : نحن أم أنتم ، فاعترف الكل بأن الأمور من الله ، وإذا طولبوا بالوحدانية قالوا : نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناما آلهة في الاسم ونسميها آلهة والذي خلقها وخلق السموات هو الله فنحن ننزهه في الحقيقة فقال : { فسبح باسم ربك } وكما أنك أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراكهما في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما في الاسم ، ولا تقل لغيره إله ، فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة ، وعلى هذا فالخطاب لا يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون كما يقول الواعظ : يا مسكين أفنيت عمرك وما أصلحت عملك ، ولا يريد أحدا بعينه ، وتقديره يا أيها المسكين السامع وثانيهما : أن يكون المراد بذكر ربك ، أي إذا قلت : وتولوا ، فسبح ربك بذكر اسمه بين قومك واشتغل بالتبليغ ، والمعنى اذكره باللسان والقلب وبين وصفه لهم وإن لم يقبلوا فإنك مقبل على شغلك الذي هو التبليغ ، ولو قال : فسبح ربك ، ما أفاد الذكر لهم ، وكان ينبىء عن التسبيح بالقلب ، ولما قال : فسبح باسم ربك ، والاسم هو الذي يذكر لفظا دل على أنه مأمور بالذكر اللساني وليس له أن يقتصر على الذكر القلبي ويحتمل أن يقال : فسبح مبتدئا باسم ربك العظيم فلا تكون الباء زائدة .

Section V29/P160–V29/P161

المسألة الثالثة : كيف يسبح ربنا ؟ نقول : إما معنى ، فبأن يعتقد فيه أنه واحد منزه عن / الشريك وقادر بريء عن العجز فلا يعجز عن الحشر وإما لفظا فبأن يقال : سبحان الله وسبحان الله العظيم ، وسبحانه عما يشركون / أو ما يقوم مقامه من الكلام الدال على تنزيهه عن الشريك والعجز فإنك إذا سبحته واعتقدت أنه واحد منزه عن كل مالا يجوز في حقيقته ، لزم أن لا يكون جسما لأن الجسم فيه أشياء كثيرة وهو واحد حقيقي لا كثرة لذاته ، ولا يكون عرضا ولا في مكان ، وكل مالا يجوز له ينتفي عنه بالتوحيد ولا يكون على شيء ، ولا في شيء ، ولا عن شيء ، وإذا قلت : هو قادر ثبت له العلم والإرادة والحياة وغيرها من الصفات وسنذكر ذلك في تفسير سورة الإخلاص إن شاء الله تعالى . المسألة الرابعة : ما الفرق بين { العظيم } وبين { الاعلى } ، وهل في ذكر { العظيم } هنا بدل { الاعلى } وذكر { الاعلى } في قوله : { سبح اسم ربك الاعلى } ( الأعلى : 1 ) بدل { العظيم } فائدة ؟ نقول : أما الفرق بين العظيم والأعلى فهو أن العظيم يدل على القرب ، والأعلى يدل على البعد ، بيانه هو أن ما عظم من الأشياء المدركة بالحس قريب من كل ممكن ، لأنه لو بعد عنه لخلا عنه موضعه ، فلو كان فيه أجزاء أخر لكان أعظم مما هو عليه فالعظيم بالنسبة إلى الكل هو الذي يقرب من الكل ، وأما الصغير إذا قرب من جهة فقد بعد عن أخرى ، وأما العلي فهو البعيد عن كل شيء لأن ما قرب من شيء من جهة فوق يكون أبعد منه وكان أعلى فالعلي المطلق بالنسبة إلى كل شيء هو الذي في غاية البعد عن كل شيء ، إذا عرفت هذا فالأشياء المدركة تسبح الله ، وإذا علمنا من الله معنى سلبيا فصح أن نقول : هو أعلى من أن يحيط به إدراكنا وإذا علمنا منه وصفا ثبوتيا من علم وقدرة يزيد تعظيمه أكثر مما وصل إليه علمنا ، فنقول : هو أعظم وأعلى من أن يحيط به علمنا ، وقولنا : أعظم معناه عظيم لا عظيم مثله ، ففيه مفهوم سلبي ومفهوم ثبوتي وقوله : أعلى ، معناه هو علي ولا علي مثله ، والعلي إشارة إلى مفهوم سلبي والأعلى مثله بسبب آخر ، فالأعلى مستعمل على حقيقته لفظا ومعنى ، والأعظم مستعمل على حقيقته لفظا ، وفيه معنى سلبي ، وكأن الأصل في العظيم مفهوم ثبوتي لا سلب فيه فالأعلى أحسن استعمالا من الأعظم هذا هو الفرق . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } . > 7 ! < < الواقعة : ( 75 ) فلا أقسم بمواقع . . . . . > > وفيه مسائل :

Section V29/P161–V29/P162

المسألة الأولى : في الترتيب ووجهه هو أن الله تعالى لما أرسل رسوله الهدى ودين الحق آتاه كل ما ينبغي له وطهره عن كل مالا ينبغي له فآتاه الحكمة وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها ، والموعظة الحسنة وهي الأمور المفيدة المرققة للقلوب المنورة للصدور ، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق فأتى بها وعجز الكل عن معارضته بشيء ولم يؤمنوا والذي يتلى عليه ، كل ذلك ولا يؤمن لا يبقى له غير أنه يقول : هذا البيان ليس لظهور المدعى بل لقوة ذهن المدعى وقوته على تركيب الأدلة وهو يعلم أنه يغلب بقوة جداله لا بظهور مقاله وربما يقول أحد المناظرين للآخر عند / انقطاعه أنت تعلم أن الحق بيدي لكن تستضعفني ولا تنصفني وحينئذ لا يبقى للخصم جواب غير القسم بالأيمان التي لا مخارج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف ، وذلك لأنه لو أتى بدليل آخر لكان له أن يقول : وهذا الدليل أيضا غلبتني فيه بقوتك وقدرتك ، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما آتاه الله جل وعز ما ينبغي قالوا : إنه يريد التفضل علينا وهو يجادلنا فيما يعلم خلافه ، فلم يبق له إلا أن يقسم فأنزل الله تعالى عليه أنواعا من القسم بعد الدلائل ، ولهذا كثرت الأيمان في أوائل التنزيل وفي السبع الأخير خاصة . المسألة الثانية : في تعلق الباء ، نقول : إنه لما بين أنه خالق الخلق والرزق وله العظمة بالدليل القاطع ولم يؤمنوا قال : لم يبق إلا القسم فأقسم بالله إني لصادق . المسألة الثالثة : ما المعنى من قوله . { فلا أقسم } مع أنك تقول : إنه قسم ؟ نقول : فيه وجوه منقولة ومعقولة غير مخالفة للنقل ، أما المنقول فأحدها : أن ( لا ) زائدة مثلها في قوله تعالى : { لئلا يعلم } ( الحديد : 29 ) معناه ليعلم ثانيها : أصلها لأقسم بلام التأكيد أشبعت فتحتها فصارت لا كما في الوقف ثالثها : لا ، نافية وأصله على مقالتهم والقسم بعدها كأنه قال : لا ، والله لا صحة لقول الكفار أقسم عليه ، أما المعقول فهو أن كلمة لا هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازا تركيبيا ، وتقديره أن نقول : لا في النفي هنا كهي في قول القائل لا تسألني عما جرى علي ، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة ويصير كأنه قال : جرى على أمر عظيم . ويدل عليه أن السامع يقول : له ماذا جرى عليك ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال : ماذا جرى عليك ، فيصح منه أن يقول : أخطأت حيث منعتك عن السؤال ، ثم سألتني وكيف لا ، وكثيرا ما يقول ذلك القائل الذي قال : لا تسألني عند سكون صاحبه عن السؤال ، أو لا تسألني ، ولا تقول : ماذا جرى عليك ولا يكون للسامع أن يقول : إنك منعتني عن السؤال كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي ، إذا علم هذا فنقول في القسم : مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية الظهور فيقول : لا أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر ، وأكثر من أن ينكر ، فيقول : لا أقسم ولا يريد به القسم ونفيه ، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة ، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به ، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يمينا بل ألف يمين ، ولا أقسم برأس الأمير بل برأس السلطان ويقول : لا أقسم بكذا مريدا لكونه في غاية الجزم والثاني : يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته / وإنما جاءت أمور مخلوقة والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء كما في قوله : { والصافات } ( الصافات : 1 ) المراد منه رب الصافات ورب القيامة ورب الشمس إلى غير ذلك فإذا قوله : { لا أقسم بمواقع النجوم } أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه ، وأن يتطرق الشك إليه .

Section V29/P162–V29/P163

/ المسألة الرابعة : مواقع النجوم ما هي ؟ فنقول : فيه وجوه الأول : المشارق والمغارب أو المغارب وحدها ، فإن عندها سقوط النجوم الثاني : هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها الثالث : مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة الرابع : مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم ، وأما مواقع نجوم القرآن ، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين ، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها . المسألة الخامسة : هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة ؟ قلنا : نعم فائدة جليلة ، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل ، وقد بيناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وغيرها ، فنقول : هي هنا أيضا كذلك ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المنى وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته واختياره ، ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضا قدرته واختياره ، فقال : { أفرءيتم ما تحرثون } ( الواقعة : 63 ) { أفرءيتم الماء } ( الواقعة : 68 ) إلى غير ذلك ، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاما ، وخلقه الماء فراتا عذبا ، وجعله أجاجا ، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار ، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئا ، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم ، وقال : مواقع النجوم ، فإنها أيضا دليل الاختيار ، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار ، فقال : { بمواقع النجوم } ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) وهذا كقوله تعالى : { وفى الارض ءايات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 20 ، 21 ) { وفى السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ) حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال تعالى : { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى : { فلا أقسم } فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال : ضربته قويا ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية :

Section V29/P163–V29/P164

فالمسألة الأولى : هو أن يقال : جواب { لو تعلمون } ماذا ، وربما يقول بعض من لا يعلم : إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع ، لأن جواب الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها ، فلا يقال : زيدا إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني ، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال : قائما ضربت زيد ، أو ضربا شديدا ضربته ، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني ، إذا ثبت هذا فنقول : عمل حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة ، فإذا قلت : من ، وأن ، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على / عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدما ومتأخرا / وعمل الأفعال عمل معنوي ، وعمل الحروف عمل مشبه بالمعنى ، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى : { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى } ( يوسف : 24 ) قال بعض الوعاظ متعلق بلولا ، فلا يكون الهم وقع منه ، وهو باطل لما ذكرنا ، وهنا أدخل في البطلان ، لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر ، فإن من قال : لو تعلمون إن زيدا لقائم ، لم يأت بالعربية ، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال : الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب ، وإنما يراد نفي ما دخلت عليه لو ، وكأنه قال : وإنه لقسم لا تعلمون ، وتحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره ، فلا بد من انتفاء الأول ، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف ، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم ، وهو كقولهم في الفعل المتعدي فلان يعطى ويمنع ، حيث لا يقصد به مفعول ، وإنما يراد إثبات القدرة ، وعلى هذا إن قيل : فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة ، وترك قوله : إنه لقسم ولا تعلمون ؟ فنقول : فائدته تأكيد النفي ، لأن من قال : لو تعلمون كان ذلك دعوى منه ، فإذا طولب وقيل : لم قلت إنا لا نعلم يقول : لو تعلمون لفعلتم كذا ، فإذا قال في ابتداء الأمر : لا تعلمون كان مريدا للنفي ، فكأنه قال : أقول : إنكم لا تعلمون قولا من غير تعلق بدليل وسبب وثانيهما : أن يكون له جواب تقديره : لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه ، فعلم أنكم لا تعلمون ، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم ، ولا تعظيم فلا تعلمون . المسألة الثانية : إن قيل قوله : { لو تعلمون } هل له مفعول أم لا ؟ قلنا : على الوجه الأول لا مفعول له ، كما في قولهم : فلان يعطي ويمنع ، وكأنه قال : لا علم لكم ، ويحتمل أن يقال : لا علم لكم بعظم القسم ، فيكون له مفعول ، والأول أبلغ وأدخل في الحسن ، لأنهم لا يعلمون شيئا أصلا لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة ، فهو كقوله : { صم بكم } ( الفرقان : 44 ) وقوله : { كالانعام بل هم أضل } وعلى الثاني أيضا يحتمل وجهين أحدهما : لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه وثانيهما : لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه .

Section V29/P164–V29/P165

المسألة الثالثة : كيف تعلق قوله تعالى : { لو تعلمون } بما قبله وما بعده ؟ فنقول : هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره : وإنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم ، فإن قيل : فما فائدة الاعتراض ؟ نقول : الاهتمام بقطع اعتراض المعترض ، لأنه لما قال : { وإنه لقسم } أراد أن يصفه بالعظمة بقوله : عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم ، وكانوا يقولون : لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم وظن ، فقال : لو تعلمون لحصل لكم القطع ، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا ، وذلك لأنا قلنا : إن قوله : { لا أقسم } معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين ، والكفار كانوا يقولون : أين الظهور ونحن نقطع بعدمه ، فقال : لو تعلمون شيئا لما كان كذلك ، والأظهر منه أنا بينا أن كل ما جعله الله قسما فهو في نفسه دليل على المطلوب وأخرجه مخرج القسم ، فقوله : { وإنه لقسم } معناه عند التحقيق ، وإنه دليل وبرهان قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله ، وهو التوحيد / والقدرة على الحشر ، وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه ، وأما المعنوية : فالمسألة الأولى : ما المقسم عليه ؟ نقول : فيه وجهان الأول : القرآن كانوا يجعلونه تارة شعرا وأخرى سحرا وغير ذلك وثانيهما : هو التوحيد والحشر وهو أظهر ، وقوله : { لقرءان } ابتداء كلام وسنبين ذلك . المسألة الثانية : ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله : { وإنه لقسم } فنقول : لما قال : { فلا أقسم } وكان معناه : لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به عليه . قال : لست تاركا للقسم بهذا ، لأنه ليس بقسم أو ليس بقسم عظيم ، بل هو قسم عظيم ولا أقسم به ، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر وعلمي بحقيقته . المسألة الثالثة : اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة ، والعظم يقال : في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام ، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة . وأما في حق الله عز وجل فبالعظيم وذلك هو المناسب ، لأن معناه هو الذي قرب قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى العظيم فيه ذلك ، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة وملأ أماكن كثيرة من العظم ، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة ، وملأ صدورا كثيرة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إنه لقرءان كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين } . > 7 < الواقعة : ( 77 - 80 ) إنه لقرآن كريم > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله تعالى : { أنه } عائد إلى ماذا ؟ فنقول : فيه وجهان أحدهما : إلى معلوم وهو الكلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان معروفا عند الكل ، وكان الكفار يقولون : إنه شعر وإنه سحر ، فقال تعالى ردا عليهم : { إنه لقرءان } عائد إلى مذكور وهو جميع ما سبق في سورة الواقعة من التوحيد ، والحشر ، والدلائل المذكورة عليهما ، والقسم الذي قال فيه : { وإنه لقسم } ( الواقعة : 76 ) وذلك لأنهم قالوا : هذا كله كلام محمد ومخترع من عنده ، فقال : { إنه لقرءان كريم فى كتاب مكنون } .

Section V29/P165

المسألة الثانية : القرآن مصدر أو اسم غير مصدر ؟ فنقول : فيه وجهان أحدهما : مصدر أريد به المفعول وهو المقروء ومثله في قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) وهذا كما يقال في الجسم العظيم : أنظر إلى قدرة الله تعالى أي مقدوره وهو كما في قوله تعالى : { هاذا خلق الله فأرونى } ( لقمان : 11 ) ثانيهما : اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب به ، والحلوان لما يحلى به فم المكاري أو الكاهن / وعلى هذا سنبين فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزكاة : يعطى شيئا أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو يعطى شيئا دونه ، ويعطى الجبران أيضا ، حيث قال : الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى ، فيقال له هو كالقرآن بمعنى المقروء ، ويجوز أن يقال : لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال : هو اسم لما يجبر به كالقربان . المسألة الثالثة : إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ينكرون كونه مقروءا فما الفائدة في قوله : { إنه لقرءان } ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : أنه إخبار عن الكل وهو قوله : { قرءان كريم } فهم كانوا ينكرون كونه قرآنا كريما وهم ما كانوا يقرون به وثانيهما : وهو أحسن من الأول ، أنهم قالوا : هو مخترع من عنده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنه مسموع سمعته وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءا ، وما كانوا يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفرق بين القراءة والإنشاء ، فلما قال : { إنه لقرءان } أثبت كونه مقروءا على النبي صلى الله عليه وسلم ليقرأ ويتلى فقال تعالى : { إنه لقرءان } سماه قرآنا لكثرة ما قرىء ، ويقرأ إلى الأبد بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة .

Questions