Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
> > فقيل : المراد من يؤتي كتابه بشماله أو وراء ظهره ، وقد تقدم وصف الله لهم بأنهم : { فى سموم وحميم وظل من يحموم } ( الواقعة : 42 ) إلى غير ذلك . ثم قال تعالى : ! 7 < { عليهم نار مؤصدة } . > 7 ! < < البلد : ( 20 ) عليهم نار مؤصدة > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء والزجاج والمبرد : يقال آصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته ، فمن قرأ مؤصدة بالهمزة أخذها من آصدت فهمز اسم المفعول ، ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنه همز على لغة من يهمز الواو وإذا كان قبلها ضمة نحو مؤسي ، ومن لم يهمز احتمل أيضا أمرين : أحدهما : أن يكون من لغة من قال : أوصدت فلم يهمز اسم المفعول كما يقال : من أوعدت موعد . الآخر : أن يكون من آصد مثل آمن ولكنه خفف كما في تخفيف جؤنة وبؤس جونة وبوس فيقلبها في التخفيف واوا ، قال الفراء : ويقال من هذا الأصيد والوصيد وهو الباب المطبق ، إذا عرفت هذا فنقول : قال مقاتل { عليهم نار مؤصدة } يعني أبوابها مطبقة فلا يفتح لهم باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح أبد الآباد ، وقيل : المراد إحاطة النيران بهم ، كقوله : { أحاط بهم سرادقها } ( الكهف : 29 ) . المسألة الثانية : { المؤصدة } هي الأبواب ، وقد جرت صفة للنار على تقدير : عليهم نار مؤصدة الأبواب ، فكلما تركت الإضافة عاد التنوين لأنهما يتعاقبان ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الشمس ) 1 < > ( خمس عشرة آية مكية ! 7 < { والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها } . > 7 ! / < < الشمس : ( 1 ) والشمس وضحاها > > قبل الخوض في التفسير لا بد من مسائل : المسألة الأولى : المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي . واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائما بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها ، لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب ، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى . المسألة الثانية : قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا : التقدير ورب الشمس ورب سائر ما ذكره إلى تمام القسم ، واحتج قوم على بطلان هذا المذاهب ، فقالوا : إن في جملة هذا القسم قوله : { يغشاها والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) وذلك هو الله تعالى فيلزم أن يكون المراد ، ورب السماء وربها وذلك كالمتناقض ، أجاب القاضي عنه بأن قوله : { وما بناها } لا يجوز أن يكون المراد منه هو الله تعالى ، لأن ما لا تستعمل في خالق السماء إلا على ضرب من المجاز ، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه ، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه ، فإذا لا بد من التأويل وهو أن { ما } مع ما بعده في حكم المصدر فيكون التقدير : والسماء وبنائها ، اعترض صاحب ( الكشاف ) عليه فقال : لو كان الأمر على هذا الوجه لزم من عطف قوله : { فألهمها } ( الشمس : 8 ) عليه فساد النظم .
المسألة الثالثة : القراء مختلفون في فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو : { واليل إذا يغشى } ، { والضحى واليل إذا سجى } فقرءوها تارة بالإمالة وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم ، قال الفراء : بكسر ضحاها ، والآيات التي بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو : تلاها ، وصحاها ودحاها ، فكذلك أيضا . فإنه لماابتدئت السورة بحرف الياء أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن الياء ، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز في أفعالها أن تنقلب إلى الياء نحو : تلى ودحى ، فلما حصلت هذه الموافقة استجازوا إمالته / كما استجازوا إمالة ما كان من الياء ، وأما وجه من ترك الإمالة مطلقا فهو أن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات ولا ينحون فيها نحو الياء ، ويقوى ترك الإمالة للألف أن الواو في موسر منقلبة عن الياء ، والياء في ميقات وميزان منقلبة عن الواو ولم يلزم من ذلك أن يحصل فيه ما يدل على ذلك الانقلاب ، فكذا ههنا ينبغي أن تترك الألف غير ممالة ولا ينحى بها نحو الياء ، وأما إمالة البعض وترك إمال البعض ، كما فعله حمزة فحسن أيضا ، وذلك لأن الألف إنما تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها عن الياء ولم يكن في تلاها وطحاها ودحاها ألف منقلبة عن الياء إنما هي منقلبة عن الواو بدلالة تلوت ودحوت . المسألة الرابعة : أن الله تعالى قد أقسم بسبعة أشياء إلى قوله : { قد أفلح } ( الشمس : 9 ) وهو جواب القسم ، قال الزجاج : المعنى لقد أفلح ، لكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضا منها . قوله تعالى : { والشمس وضحاها } ذكر المفسرون في ضحاها ثلاثة أقوال قال مجاهد والكلبي : ضوؤها ، وقال قتادة : هو النهار كله ، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة ، وقال مقاتل : هو حر الشمس ، وتقرير ذلك بحسب اللغة أن نقول : قال الليث : الضحو ارتفاع النهار ، والضحى فويق ذلك ، والضحاء ممدودا امتد النهار ، وقرب أن ينتصف . وقال أبو الهيثم : الضح نقيض الظل وهو نور الشمس على وجه الأرض وأصله الضحى ، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فقلبوها وقال : ضح ، فالضحى هو ضوء الشمس ونورها ثم سمى به الوقت الذي تشرق فيه الشمس على ما في قوله تعالى : { إلا عشية أو ضحاها } ( النازعات : 46 ) فمن قال من المفسرين : في ضحاها ضوؤها فهو على الأصل ، وكذا من قال : هو النهار كله ، لأن جميع النهار هو من نور الشمس ، ومن قال : في الضحى إنه حر الشمس فلأن حرها ونورها متلازمان ، فمتى اشتد حرها فقد اشتد ضؤوها وبالعكس ، وهذا أضعف الأقوال ، واعلم أنه تعالى إنما أقسم بالشمس وضحاها لكثرة ما تعلق بها من المصالح ، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل ، فلما ظهر أثر الصبح في المشرق صار ذلك كالصور الذي ينفخ قوة الحياة ، فصارت الأموات أحياء ، ولا تزال تلك الحياة في الازدياد والقوة والتكامل ، ويكون غاية كمالها وقت الضحوة ، فهذه الحالة تشبه أحوال القيامة ، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها ، وقوله : { والقمر إذا تلاها } قال الليل : تلا يتلو إذا تبع شيئا وفي كون القمر تاليا وجوه أحدها : بقاء القمر طالعا عند غروب الشمس ، وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس ، فإذا القمر يتبعها في الإضاءة ، وهو قول عطاء عن ابن عباس وثانيها : أن الشمس إذا غربت فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب ، وهو قول قتادة والكلبي وثالثها : قال الفراء : المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال : فلان يتبع فلانا في كذا أي يأخذ منه ورابعها : قال الزجاج : تلاها حين استدار وكمل ، فكأنه يتلو الشمس في الضياء والنور يعني إذا كمل ضوؤه فصار كالقائم مقام الشمس في الإنارة ، وذلك في الليالي / البيض وخامسها : أنه يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس ، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها .
! 7 < { والنهار إذا جلاها } . > 7 ! < < الشمس : ( 3 ) والنهار إذا جلاها > > معنى التجلية الإظهار ، والكشف والضمير في جلاها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه عائد إلى الشمس وذلك لأن النهار عبارة عن نور الشمس . فكلما كان النهار أجلى ظهورا كانت الشمس أجلى ظهورا ، لأن قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر ، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها ، كقوله تعالى : { لا يجليها لوقتها إلا هو } أي لا يخرجها الثاني : وهو قول الجمهور أنه عائد إلى الظلمة ، أو إلى الدنيا ، أو إلى الأرض . وإن لم يجر لها ذكر ، يقولون : أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء . ! 7 < { واليل إذا يغشاها } . > 7 ! < < الشمس : ( 4 ) والليل إذا يغشاها > > يعني يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها ، وهذه الآية تقوي القول الأول في الآية التي قبلها من وجهين الأول : إنه لما جعل الليل يغشى الشمس ويزيل ضوءها حسن أن يقال : النهار يجليها ، على ضد ما ذكر في الليل والثاني : أن الضمير في يغشاها للشمس بلا خلاف ، فكذا في جلاها يجب أن يكون للشمس حتى يكون الضمير في الفواصل من أول السورة إلى ههنا للشمس ، قال القفال : وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس في الحقيقة لكن بحسب أوصاف أربعة أولها : الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار . وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان واضطراب الناس للمعاش ، ومنها تلو القمر لها وأخذه الضوء عنها ، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء الليل ، ومن تأمل قليلا في عظمة الشمس ثم شاهد بعين عقله فيها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي ، والتركب من الأجزاء انتقل منه إلى عظمة خالقها ، فسبحانه ما أعظم شأنه . ! 7 < { والسمآء وما بناها } . > 7 ! < < الشمس : ( 5 ) والسماء وما بناها > > فيه سؤالات : السؤال الأول : أن الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) من أن { ما } ههنا لو كانت مصدرية لكان عطف { فألهمها } عليه يوجب فساد النظم حق ، والذي ذكره القاضي من أنه لو كان هذا قسما بخالق السماء ، لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس ، فهو إشكال جيد ، والذي يخطر ببالي في الجواب عنه : أن أعظم المحسوسات هو الشمس ، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها ، ثم ذكر ذاته المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهي تدبيره سبحانه للسماء والأرض وللمركبات ، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهي النفس ، والغرض من هذا الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج بالشمس ، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدىء لها ، فحينئذ يحظى العقل ههنا بإدراك / جلال الله وعظمته على ما يليق به ، والحس لا ينازعه فيه . فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات إلى يفاع عالم الربوبية ، وبيداء كبرياء الصمدية ، فسبحان من عظمت حكمته وكملت كلمته .
السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { والسماء وما بناها } ؟ الجواب : أنه سبحانه لما وصف الشمس بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها ، أتبعه ببيان ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام السماوية ، فنبه بهذه الآية على تلك الدلالة ، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية ، وكل متناه فإنه مختص بمقدار معين . مع أنه كان يجوز في العقل وجود ما هو أعظم منه ، وما هو أصغر منه ، فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين ، لا بد وأن يكون لتقدير مقدر وتدبير مدبر ، وكما أن باني البيت يبنيه بحسب مشيئته ، فكذا مدبر الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته ، فقوله : { وما بناها } كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماويات . السؤال الثالث : لم قال : { وما بناها } ولم يقل : ومن بناها ؟ الجواب : من وجهين الأول : أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها والثاني : أن ما تستعمل في موضع من كقوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء } ( النساء : 22 ) والاعتماد على الأول . السؤال الرابع : لم ذكر في تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهي السماء والأرض والنفس ؟ والجواب : لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا بالشاهد ، والشاهد ليس إلا العالم الجسماني وهو قسمان بسيط ومركب ، والبسيط قسمان : العلوية وإليه الإشارة بقوله : { والسماء } والسفلية وإليه الإشارة بقوله : { والارض } ( الشمس : 6 ) والمركب هو أقسام ، وأشرفها ذوات الأنفس وإليه الإشارة بقوله : { ونفس وما سواها } ( الشمس : 7 ) . أما قوله تعالى : ! 7 < { والا رض وما طحاها } . > 7 ! < < الشمس : ( 6 ) والأرض وما طحاها > > ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما أخر هذا عن قوله : { والسماء وما بناها } لقوله : { والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) . المسألة الثانية : قال الليث : الطحو كالدحوا وهو البسط ، وإبدال الطاء من الدال جائز ، والمعنى وسعها . قال عطاء والكلبي : بسطها على الماء . ! 7 < { ونفس وما سواها } . > 7 < الشمس : ( 7 ) ونفس وما سواها > >
أما قوله تعالى : { ونفس وما }إن حملنا النفس على الجسد ، فتسويتها تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح ، وإن حملناها على القوة المدبرة ، فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة / كالقوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكورة ، على ما يشهد به علم النفس فإن قيل : لم نكرت النفس ؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : أن يريد به نفسا خاصة من بين النفوس ، وهي النفس القدسية النبوية ، وذلك لأن كل كثرة ، فلا بد فيها من واحد يكون هو الرئيس ، فالمركبات جنس تحته أنواع ورئيسها الحيوان ، والحيوان جنس تحته أنواع ورئيسها الإنسان ، والإنسان أنواع وأصناف ورائيسها النبي . والأنبياء كانوا كثيرين ، فلا بد وأن يكون هناك واحد يكون هو الرئيس المطلق ، فقوله : { طحاها ونفس } إشارة إلى تلك النفس التي هي رئيسة لعالم المركبات رياسة بالذات الثاني : أن يريد كل نفس ، ويكون المراد من التنكير التكثير على الوجه المذكور في قوله : { علمت نفس ما أحضرت } وذلك لأن الحيوان أنواع لا يحصى عددها إلا الله على ما قال بعد ذكر بعض الحيوانات : { ويخلق مالا تعلمون } ولكل نوع نفس مخصوصة متميزة عن سائرها بالفضل المقوم لماهيته ، والخواص اللازمة لذلك الفصل ، فمن الذي يحيط عقله بالقليل من خواص نفس البق والبعوض ، فضلا عن التوغل في بحار أسرار الله سبحانه . أما قوله تعالى : ! 7 < { فألهمها فجورها وتقواها } . > 7 ! < < الشمس : ( 8 ) فألهمها فجورها وتقواها > > فالمعنى المحصل فيه وجهان الأول : أن إلهام الفجور والتقوى ، إفهامها وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما شاء منهما ، وهو كقوله : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) وهذا تأويل مطابق لمذاهب المعتزلة ، قالوا : ويدل عليه قوله بعد ذلك : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( الشمس : 10 , 9 ) وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وعن جمع من أكابر المفسرين والوجه الثاني : أنه تعالى ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم الكافر فجوره ، قال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها ، وقال ابن زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها بالفجور ، واختار الزجاج والواحدي ذلك ، قال الواحدي : التعليم والتعريف والتبيين ، غير والإلهام غير ، فإن الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئا ، وإذا أوقع في قلبه شيئا فقد ألزمه إياه . وأصل معنى الإلهام من قولهم : لهم الشيء ، والتهمه إذا ابتلعه ، وألهمته ذلك الشيء أي أبلغته ، وهذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد ، لأنه كالإبلاغ ، فالتفسير الموافق لهذا الأصل قول ابن زيد ، وهو صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه ، وفي الكافر فجوره ، وأما التمسك بقوله : { قد أفلح من زكاها } فضعيف لأن المروي عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي أن المعنى قد أفلحت وسعدت نفس زكاها الله تعالى وأصلحها وطهرها ، والمعنى وفقها للطاعة ، هذا آخر كلام الواحدي وهو تام . وأقول قد ذكرنا أن الآيات الثلاثة ذكرت للدلالة على كونه سبحانه مدبرا للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة ، فههنا لم يبق شيء مما في عالم المحسوسات إلا وقد ثبت بمقتضى ذلك التنبيه أنه واقع بتخليقه وتدبيره ، بقي شيء / واحد يختلج في القلب أنه هل هو بقضائه وقدره وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية ، فنبه سبحانه بقوله : { فألهمها فجورها وتقواها } على أن ذلك أيضا منه وبه وبقضائه وقدره ، وحينئذ ثبت أن كل ما سوى الله فهو واقع بقضائه وقدره . وداخل تحت إيجاده وتصرفه . ثم الذي يدل عقلا على أن المراد من قوله : { فألهمها فجورها وتقواها } هو الخذلان والتوفيق ما ذكرنا مرارا أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات ، فحصولها إن كان لا عن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل ، وفيه نفي الصانع ، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل ، وإن كان عن الله فهو المقصود ، وأيضا فليجرب العاقل نفسه . فإنه ربما كان الإنسان غافلا عن شيء فتقع صورته في قلبه دفعة ، ويترتب على وقوع تلك الصورة في القلب ميل إليه ، ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل ، وذلك يفيد القطع بأن المراد من قوله : { فألهمها } ما ذكرناه لا ما ذكره المعتزلة .
! 7 < { قد أفلح من زكاها } . > 7 ! أما قوله تعالى : { قد أفلح من زكاها } < < الشمس : ( 9 ) قد أفلح من . . . . . > > فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء ، وفي الآية قولان أحدهما : أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني : قد أفلح من زكاها الله ، وقبل القاضي هذا التأويل ، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك ، كما يقال في العرف : إن فلانا يزكي فلانا ، ثم قال : والأول أقرب ، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهرا ، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم المذكور لا أنه مذكور . واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد ، بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه . وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف ، لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره ، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . أما قوله ذكر النفس قد تقدم ، قلنا : هذا بالعكس أولى ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد ، وقوله : { فألهمها } أقرب إلى قوله : { ما } منه إلى قوله : { ونفس } فكان الترجيح لما ذكرناه ، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ : { قد أفلح من زكاها } وقف وقال : ( اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها وأنت مولاها ، وزكها أنت خير من زكاها ) . أما قوله تعالى : ! 7 < { وقد خاب من دساها } . > 7 < الشمس : ( 10 ) وقد خاب من . . . . . > > فقالوا : { دساها } أصله دسسها من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء في الشيء ، فأبدلت إحدى السينات ياء ، فأصل دسى دسس ، كما أن أصل تقضى البازي تقضض البازي ، وكما قالوا : الببت والأصل لببت ، وملبي والأصل ملبب ، ثم نقول : أما / المعتزلة فذكروا وجوها توافق قولهم : أحدها : أن أهل الصلاح يظهرون أنفسهم ، وأهل الفسق يخفون أنفسهم ويدسونها في المواضع الخفية ، كما أن أجواد العرب ينزلون الربا حتى تشتهر أماكنهم ويقصدهم المحتاجون ، ويوقدون النيران بالليل للطارقين . وأما اللئام فإنهم يخفون أماكنهم عن الطالبين وثانيها : { خاب من دساها } أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم وثالثها : { من دساها } في المعاصي حتى انغمس فيها ورابعها : { من دساها } من دس في نفسه الفجور ، وذلك بسبب مواظبته عليها ومجالسته مع أهلها وخامسها : أن من أعرض عن الطاعات واشتغل بالمعاصي صار خاملا متروكا منسيا ، فصار كالشيء المدسوس في الاختفاء والخمول . وأما أصحابنا فقالوا : المعنى خابت وخسرت نفس أضلها الله تعالى وأغواها وأفجرها وأبطلها وأهلكها ، هذه ألفاظهم في تفسير { دساها } قال الواحدي رحمه الله : فكأنه سبحانه أقسم بأشرف مخلوقاته على فلاح من طهره وخسار من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه أو إهلاكها بالمعصية من غير قدر متقدم وقضاء سابق . أما قوله تعالى : ! 7 < { كذبت ثمود بطغواهآ } . > 7 ! أما قوله تعالى : { كذبت ثمود بطغواها } < < الشمس : ( 11 ) كذبت ثمود بطغواها
> > قال الفراء : الطغيان والطغوى مصدران إلا أن الطغوى أشبه برؤوس الآيات فاختير لذلك وهو كالدعوى من الدعاء وفي التفسير وجهان : أحدهما : أنها فعلت التكذيب بطغيانها ، كما تقول : ظلمني بجراءته على الله تعالى ، والمعنى أن طغيانهم حملهم على التكذيب به هذا هو القول المشهور والثاني : أن الطغوى اسم لعذابهم الذي أهلكوا به ، والمعنى كذبت بعذابها أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب ، وهذا لا يبعد لأن معنى الطغيان في اللغة مجاوزة القدر المعتاد فيجوز أن يسمى العذاب الذي جاءهم طغوى لأنه كان صيحة مجاوزة للقدر المعتاد أو يكون التقدير كذبت بما أوعدت به من العذاب ذي الطغوى ويدل على هذا التأويل قوله تعالى : { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ( الحاقة : 4 ) أي بالعذاب الذي حل بها ، ثم قال : { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية . ! 7 < { إذ انبعث أشقاها } . > 7 ! < < الشمس : ( 12 ) إذ انبعث أشقاها > > انبعث مطاوع بعث يقال : بعثت فلانا على الأمر فانبعث له ، والمعنى أنه كذبت ثمود بسبب طغيانهم حين انبعث أشقاها وهو عاقر الناقة وفيه قولان : أحدهما : أنه شخص معين واسمه قدار بن سالف ويضرب به المثل يقال : أشأم من قدار ، وهو أشقى الأولين بفتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني : يجوز أن يكونوا جماعة ، وإنما جاء على لفظ الوحدان لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تقول : هذان أفضل الناس وهؤلاء أفضلهم ، وهذا يتأكد بقوله : { فكذبوه فعقروها } ( الشمس : 14 ) وكان يجوز أن يقال أشقوها كما يقال أفاضلهم . أما قوله تعالى : ! 7 < { فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها } . > 7 ! / < < الشمس : ( 13 ) فقال لهم رسول . . . . . > > ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد من الرسول صالح عليه السلام { ناقة الله } أي أنه أشار إليه لما هموا بعقرها وبلغه ما عزموا عليه ، وقال لهم هي : { ناقة الله } وآيته الدالة على توحيده وعلى نبوتي ، فاحذروا أن تقوموا عليها بسوء ، واحذروا أيضا أن تمنعوها من سقياها ، وقد بينا في مواضع من هذا الكتاب أنه كان لها شرب يوم ولهم ولمواشيهم شرب يوم ، وكانوا يستضرون بذلك في أمر مواشيهم ، فهموا بعقرها ، وكان صالح عليه السلام يحذرهم حالا بعد حال من عذاب ينزل بهم إن أقدموا على ذلك ، وكانت هذه الحالة متصورة في نفوسهم ، فاقتصر على أن قال لهم : { ناقة الله وسقياها } لأن هذه الإشارة كافية مع الأمور المتقدمة التي ذكرناها . المسألة الثانية : { ناقة الله } نصب على التحذير ، كقولك الأسد الأسد ، والصبي الصبي بإضمار ذروا عقرها واحذروا سقياها ، فلا تمنعوها عنها ، ولا تستأثروا بها عليها . ! 7 < { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } . > 7 ! < < الشمس : ( 14 ) فكذبوه فعقروها فدمدم . . . . .
> > ثم بين تعالى أن القوم لم يمتنعوا عن تكذيب صالح ، وعن عقر الناقة بسبب العذاب الذي أنذرهم الله تعالى به وهو المراد بقوله : { فكذبوه فعقروها } ثم يجوز أن يكون المباشر للعقر واحدا وهو قدار ، فيضاف الفعل إليه بالمباشرة ، كما قال : { فتعاطى فعقر } ويضاف الفعل إلى الجماعة لرضاهم بما فعل ذلك الواحد . قال قتادة : ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال الفراء : قيل إنهما كانا إثنين . أما قوله تعالى : { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } فاعلم أن في الدمدمة وجوها أحدها : قال الزجاج : معنى دمدم أطبق عليهم العذاب ، يقال : دمدمت على الشيء إذا أطبقت عليه ، ويقال : ناقة مدمومة ، أي قد ألبسها الشحم ، فإذا كررت الإطباق قلت دمدمت عليه . قال الواحدي : الدم في اللغة اللطخ ، ويقال للشيء السمين : كأنما دم بالشحم دما ، فجعل الزجاج دمدم من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه ، فعلى هذا معنى دمدم عليهم ، أطبق عليهم العذاب وعمهم كالشيء الذي يلطخ به من جميع الجوانب الوجه الثاني : تقول للشيء : يدفن دمدمت عليه ، أي سويت عليه ، فيجوز أن يكون معنى فدمدم عليهم ، فسوى عليهم الأرض بأن أهلكهم فجعلهم تحت التراب الوجه الثالث : قال ابن الأنباري : دمدم غضب ، والدمدمة الكلام الذي يزعج الرجل ورابعها : دمدم عليهم أرجف الأرض بهم رواه ثعلب عن ابن الأعرابي ، وهو قول الفراء ، أما قوله : { فسواها } يحتمل وجهين ، وذلك لأنا إن فسرنا الدمدمة بالإطباق والعموم ، كان معنى { فسوى } / الدمدمة عليهم وعمهم بها ، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل عليه السلام ، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعا ، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم ، وإن فسرناها بالتسوية ، كان المراد فسوى عليهم الأرض . ! 7 < { ولا يخاف عقباها } . > 7 ! أما قوله تعالى : { ولا يخاف عقباها } < < الشمس : ( 15 ) ولا يخاف عقباها > > ففيه وجوه أولها : أنه كناية عن الرب تعالى إذ هو أقرب المذكورات ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : لا يخاف تبعة في العاقبة إذ العقبى والعافية سواء ، كأنه بين أنه تعالى يفعل ذلك بحق . وكل ما فعل ما يكون حكمة وحقا فإنه لا يخاف عاقبة فعله . وقال بعضهم : ذكر ذلك لا على وجه التحقيق لكن على وجه التحقير لهذا الفعل ، أي هو أهون من أن تخشى فيه عاقبة ، والله تعالى يجل أن يوصف بذلك ، ومنهم من قال : المراد منه التنبيه على أنه بالغ في التعذيب ، فإن كل ملك يخشى عاقبة ، فإنه يتقي بعض الاتقاء ، والله تعالى لما لم يخف شيئا من العواقب ، لا جرم ما اتقى شيئا وثانيها : أنه كناية عن صالح الذي هو الرسول أي ولا يخاف صالح عقبى هذا العذاب الذي ينزل بهم وذلك كالوعد لنصرته ودفع المكاره عنه . لو حاول محاول أن يؤذيه لأجل ذلك وثالثها : المراد أن ذلك الأشقى الذي هو أحيمر ثمود . فيما أقدم من عقر الناقة { ولا يخاف عقباها } وهذه الآية وإن كانت متأخرة لكنها على هذا التفسير في حكم المتقدم ، كأنه قال : ( { إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها لا ندرى أشر أريد بمن فى الارض أم أراد بهم ربهم رشدا وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الارض ولن نعجزه هربا وأنا لما سمعنا الهدىءامنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف } والله أعلم ، روي أن صالحا لما وعدهم العذاب بعد ثلاث ، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلموا فلنقتل صالحا ، فإن كان صادقا فأعجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته . فأتوه ليبيتوه فدمغتهم الملائكة بالحجار ، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح ، فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه لبسوا السلاح وقالوا لهم : والله لا تقتلونه قد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث ، فإن كان صادقا زدتم ربكم عليكم غضبا ، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون ، فانصرفوا عنه تلك الليلة فأصبحوا وجوههم مصفرة فأيقنوا بالعذاب فطلبوا صالحا ليقتلوه فهرب صالح والتجأ إلى سيد بعض بطون ثمود وكان مشركا فغيبه عنهم فلم يقدروا عليه ثم شغلهم عنه ما نزل بهم من العذاب ، فهذا هو قوله : { ولا يخاف عقباها } والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
< > 1 ( سورة الليل ) 1 < > إحدى وعشرون آية مكية ( سورة الليل ) قال القفال رحمه الله : نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين ، وفي أمية بن خلف وبخله وكفره بالله ، إلا أنها وإن كانت كذلك لكن معانيها عامة للناس ، ألا ترى أن الله تعالى قال : { إن سعيكم لشتى } ( الليل : 4 ) ، وقال : { فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ) ويروى عن علي عليه السلام أنه قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فقال : ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار ، فقلنا يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } ( الليل : 7 , 5 ) فبان بهذا الحديث عموم هذه السورة . ! 7 < { واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى } . > 7 ! < < الليل : ( 1 ) والليل إذا يغشى > > اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ما قال سبحانه : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ( الفرقان : 62 ) ، { وسخر لكم الشمس والقمر } ( إبراهيم : 33 ) أما قوله : { واليل إذا يغشى } فاعلم أنه تعالى لميذكر مفعول يغشى ، فهو إما الشمس من قوله : { واليل إذا يغشاها } ( الشمس : 4 ) وإما النهار من قوم : { وهو الذى والنهار } ( الرعد : 3 ) وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله : { إذ وقب } ) الفلق : 3 ) وقوله : { والنهار إذا تجلى } أي ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس . ! 7 < { وما خلق الذكر والا نثى } . > 7 < الليل : ( 3 ) وما خلق الذكر . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسيره وجوه أحدها : أي والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وقيل : هما آدم وحواء وثانيها : أي وخلقه الذكر والأنثى وثالثها : ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى ، أي والذي خلق الذكر والأنثى . / المسألة الثانية : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { والذكر والانثى } وقرأ ابن مسعود : ( والذي خلق الذكر والأنثى ) وعن الكسائي : { وما خلق الذكر والانثى } بالجر ، ووجهه أن يكون معنى : { وما خلق } أي وما خلقه الله تعالى ، أي مخلوق الله ، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلا منه ، أي ومخلوق الله الذكر والأنثى ، وجاز إضهار اسم الله لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو .
المسألة الثالثة : القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات ، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو في نفسه لا بد وأن يكون إما ذكرا أو أنثى ، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه لم يلق في هذا اليوم لا ذكرا ولا أنثى ، وكان قد لقى خنثى فإنه يخنث في يمينه . ! 7 < { إن سعيكم لشتى } . > 7 ! < < الليل : ( 4 ) إن سعيكم لشتى > > هذا الجواب القسم ، فأقسم تعالى بهذه الأشياء ، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض ، وإنما قيل للمختلف : شتى ، لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه قيل : إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، وبعضه يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما ، ويقرب من هذه الآية قوله : { لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة } ( الحشر : 20 ) وقوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا } ( السجدة : 18 ) وقوله : { ساء ما يحكمون وخلق الله السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون أفرأيت من } ( الجاثية : 21 ) وقال : { ولا الظل } ( فاطر : 21 ) قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان . ! 7 < { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } . > 7 < الليل : ( 5 - 10 ) فأما من أعطى . . . . . > > ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب ، فقال : { لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } . < < الليل : ( 5 ) فأما من أعطى . . . . . > > وفي قوله أعطى وجهان : أحدهما : أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجبا أو نفلا ، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } ( الأنفال : 3 ) فإن المراد منه كل ذلك إنفاقا في سبيل الله سواء كان واجبا أو نفلا ، وقد مدح الله قوما فقال : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } ( الإنسان : 8 ) وقال في آخر هذه السورة : { وسيجنبها الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } ( الليل : 20 , 17 ) ، وثانيهما : أن قوله : { أعطى } يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى ، يقال : فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله : { واتقى } فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي ، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقيا أن يكون محترزا عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وقوله : { وصدق بالحسنى } فالحسنى فيها وجوه أحدها : أنها قول لا إله إلا الله ، والمعنى : فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى ، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } إلى قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 , 14 ) وثانيها : أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل : أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها : أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } ( سبأ : 39 ) والمعنى : أعطى من ماله في طاعة الله مصدقا بما وعده الله من الخلف الحسن ، وذلك أنه قال : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } ( البقرة : 261 ) فكان الخلف لما كان زائدا صح إطلاق لفظ الحسنى عليه ، وعلى هذا المعنى : { وكذب بالحسنى } أي لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود ، كما قال بعضهم : منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود ، وروي عن أبي الدرداء أنه قال : ( ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين . اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا ) ورابعها : أن الحسنى هو الثواب ، وقيل : إنه الجنة ، والمعنى واحد ، قال قتادة : صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود ، قال القفال : وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة ، قال الله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ( التوبة : 52 ) يعني النصر أو الشهادة ، وقال تعالى : { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ( الشورى : 23 ) فسمى مضاعفة الأجر حسنى ، وقال : { إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) .
وأما قوله : { فسنيسره لليسرى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجوه أحدها : أنها الجنة وثانيها : أنها الخير وقالوا في العسرى : أنها الشرك وثالثها : المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك ، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه ورابعها : اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولا ، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله ، وقالوا : في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية ، قال القفال : ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة ، وذلك لأن الأعمال بالعواقب ، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة ، فإن ذلك من اليسرى ، وذلك وصف كل الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر / وتعب فهو من العسرى ، وذلك وصف كل المعاصي . المسألة الثانية : التأنيث في لفظ اليسرى ، ولفظ العسرى فيه وجوه أحدها : أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال ، فوجه التأنيث ظاهر ، وإن كان المراد عملا واحدا رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة ، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود ( ة ) إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث إلى العود ( ة ) ، وكأنه قال : فسنيسره للعود ( ة ) التي هي كذا وثانيها : أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال : للطريقة اليسرى والعسرى وثالثها : أن العبادات أمور شاقة على البدن ، فإذا علم المكلف أنها تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه ، بسبب توقعه للجنة ، فسمى الله تعالى الجنة يسرى ، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى وقوله : { فسنيسره لليسرى } بالضد من ذلك . المسألة الثالثة : في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه : وذلك لأن من فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة بسهولة وإكرام ، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 24 , 23 ) وقوله : { طبتم فادخلوها خالدين } ( الزمر : 73 ) وقوله : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين والمنافقين من الكسل ، قال الله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ( البقرة : 45 ) وقال : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ( النسار : 142 ) وقال : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } ( التوبة : 38 ) فكان التيسير هو التنشيط .
المسألة الرابعة : استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان ، فقالوا : إن قوله تعالى : { فسنيسره لليسرى } يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق ، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية ، وقوله : { فسنيسره للعسرى } يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان ، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة ، وإذا دلت الآية على حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك ، ومعلوم أن حال الاستواء يمتنع الرجحان ، فحال المرجوحية أولى بالامتناع ، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض . أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه أحدها : أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور ، قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الإنشقاق : 24 ) فلما سمى الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيرا لليسرى ، سمى ترك هذه الألطاف تيسيرا للعسرى وثانيها : أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له دون الفاعل . كما قيل في الأصنام : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) وثالثها : أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه والجواب : عن الكل أنه عدول عن الظاهر ، وذلك غير جائز ، لاسيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع ، ثم / إن أصحابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار ، قلنا : أفلا نتكل ؟ قال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله ، كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا جوابا عن سؤالهم ، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله ، وهذا يدل على قولنا : أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير والله أعلم . المسألة الخامسة : في دخول السين في قوله : { فسنيسره } وجوه أحدها : أنه على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين ، كما في قوله : { اعبدوا ربكم } { لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) وثانيها : أن يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصيا ، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعا ، فهذا السبب كان التغيير فيه محالا وثالثها : أن الثواب لما كان أكثره واقعا في الآخرة ، وكان ذلك مما لم يأت وقته ، ولا يقف أحد على وقته إلا الله ، لا جرم دخله تراخ ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر ، والله أعلم . أما قوله تعالى : ! 7 < { وما يغنى عنه ماله إذا تردى } . > 7 ! < < الليل : ( 11 ) وما يغني عنه . . . . .
> > فاعلم أن ما هنا يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا . وأما { تردى } ففيه وجهان الأول : أن يكون ذلك مأخوذا من قولك : تردى من الجبل : قال الله تعالى : { والمتردية والنطيحة } ( المائدة : 3 ) فيكون المعنى : تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ، وتقدير الآية : إنا إذا يسرناه للعسرى ، وهي النار تردى في جهنم ، فماذا يغني عنه ماله الذي بخل به وتركه لوارثه ، ولم يصحبه منه إلى آخرته ، التي هي موضع فقره وحاجته شيء ، كما قال : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) أخبر أن الذي ينتفع الإنسان به هو ما يقدمه الإنسان من أعمال البر وإعطاء الأموال في حقوقها ، دون المال الذي يخلفه على ورثته الثاني : أن تردى تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت . أما قوله تعالى : ! 7 < { إن علينا للهدى } . > 7 ! < < الليل : ( 12 ) إن علينا للهدى > > فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسيء من العسرى ، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال : { إن علينا للهدى } أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعا مما يكون به عاصيا ، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فعلنا ما كان / فعله واجبا علينا في الحكمة ، والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها : أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه وطاقته ، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها : أن كلمة على للوجوب ، فتدل على أنه قد يجب للعبد على الله شيء وثالثها : أنه لو لم يكن العبد مستقلا بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة ، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه الوجوه مشهورة ، وذكر الواحدي وجها آخر نقله عن الفراء فقال المعنى : إن علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال كما قال : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) وهي تقي الحر والبرد ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال : يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي فذكر معنى الإضلال ، قالت المعتزلة : هذا التأويل ساقط لقوله تعالى : { وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر } ( النحل : 9 ) فبين أن قصد السبيل على الله ، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على الله ولا منه ، واعلم أن الاستقصاء قد سبق في تلك الآية . أما قوله تعالى : ! 7 < { وإن لنا للا خرة والا ولى } . > 7 ! < < الليل : ( 13 ) وإن لنا للآخرة . . . . . > > ففيه وجهان الأول : أن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم ولو شئنا لمنعناكم من المعاصي قهرا ، إذ لنا الدنيا والآخرة ولكننا لا نمنعكم من هذا الوجه ، لأن هذا الوجه يخل بالتكليف ، بل نمنعكم بالبيان والتعريف ، والوعد والوعيد الثاني : أن لنا ملك الدارين نعطي ما نشاء من نشاء ، فيطلب سعادة الدارين منا ، والأول أوفق لقول المعتزلة ، والثاني أوفق لقولنا . أما قوله تعالى :
! 7 < { فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاهآ إلا الا شقى الذى كذب وتولى } . > 7 ! < < الليل : ( 14 ) فأنذرتكم نارا تلظى > > تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج ، يقال : تلظت النار تلظيا ، ومنه سميت جهنم لظى ، ثم بين أنها لمن هي بقوله : { لا يصلاها إلا الاشقى } قال ابن عباس : نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمدا والأنبياء قبله ، وقيل : إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال : لست فيها بأوحد أي بواحد ، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله ، وتولى أي أعرض عن طاعة الله . واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار ، قال القاضي : ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقتضي أن لا يدخل النار { إلا الاشقى الذى كذب وتولى } فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار وثانيها : أن هذا إغراء بالمعاصي ، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى : لمن صدق بالله ورسوله ولم / يكذب ولم يتول : أي معصية أقدمت عليها ، فلن تضرك ، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة ، وتعالى الله عن ذلك وثالثها : أن قوله تعالى : من بعد { وسيجنبها الاتقى } ( الليل : 17 ) يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق ، أنه ليس بأتقى ، لأن ذلك مبالغة في التقوى ، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى ، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار ، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار ، وكل مكلف لا يجنب النار ، فلا بد وأن يكون من أهلها ، ولما ثبت أنه لا بد من التأويل ، فنقول : فيه وجهان الأول : أن يكون المراد بقوله : { نارا تلظى } نارا مخصوصة من النيران ، لأنها دركات لقوله تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى ، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني : أن المراد بقوله : { نارا تلظى } النيران أجمع ، ويكون المراد بقوله : { لا يصلاها إلا الاشقى } أي هذا الأشقى به أحق ، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى . واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة . أما قوله أولا : يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه : أن كل كافر لا بد وأن يكون مكذبا للنبي في دعواه ، ويكون متوليا عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي ، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة ، وأنه { كذب وتولى } وإذا كان كل كافر داخلا في الآية سقط ما قاله القاضي . وأما قوله ثانيا : إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضا ، لأنه يكفي في الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب ، ولعله يعذبه بطريق آخر ، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب في إدخال النار . وأما قوله ثالثا : { وسيجنبها الاتقى } فهذا لا يدل على حال غير الأتقى إلا على سبيل المفهوم ، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به ؟ والذي يؤكد هذا أن هذا يقتضي فيمن ليس بأتقى دخول النار ، فيلزم في الصبيان والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل .
وأما قوله رابعا : المراد منه نار مخصوصة ، وهي النار التي تتلظى فضعيف أيضا ، لأن قوله : { نارا تلظى } يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران ، وأن يكون صفة لنار مخصوصة ، لكنه تعالى وصف كل نار جهنم بهذا الوصف في آية أخرى ، فقال : { كلا إنها لظى نزاعة للشوى } . وأما قوله : المراد إن هذا الأشقى أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير دليل ، فثبت ضعف الوجوه التي ذكرها القاضي ، فإن قيل : فما الجواب عنه على قولكم ، فإنكم لا تقطعون بعدم وعيد الفساق ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ما ذكره الواحدي وهو أن معنى : { لا يصلاها } لا يلزمها في حقيقة اللغة ، يقال : صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسيا شدتها وحرها ، وعندنا أن هذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر ، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها تخلص منها الثاني : أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق ، والله أعلم . قوله تعالى : ! 7 < { وسيجنبها الا تقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لاحد عنده من نعمة تجزى } . > 7 ! < < الليل : ( 17 ) وسيجنبها الأتقى > > معنى سيجنبها أي سيبعدها ويجعل منها على جانب يقال : جنبته الشيء أي بعدته وجنبته عنه ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : أجمع المفسرون منا على أن المراد منه أبو بكر رضي الله تعالى عنه . واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية ، ويقولون : إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام والدليل عليه قوله تعالى : { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( المائدة : 55 ) فقوله : { الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى } إشارة إلى ما في الآية من قوله : { يؤتون الزكواة وهم راكعون } ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت : أقيم الدلالة العقلية على أن المراد من هذه الآية أبو بكر وتقريرها : أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل الخلق ، فإذا كان كذلك ، وجب أن يكون المراد هو أبو بكر ، فهاتان المقدمتان متى صحتا صح المقصود ، إنما قلنا : إن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) والأكرم هو الأفضل ، فدل على أن كل من كان أتقى وجب أن يكون أفضل ، فإن قيل : الآية دلت على أن كل من كان أكرم كان أتقى ، وذلك لا يقتضي أن كل من كان أتقى كان أكرم ، قلنا وصف كون الإنسان أتقى معلوم مشاهد ، ووصف كونه أفضل غير معلوم ولا مشاهد ، والإخبار عن المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن ، أما عكسه فغير مفيد ، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة في أن الأكرم عند الله من هو ؟ فقيل : هو الأتقى ، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقاكم أكرمكم عند الله ، فثبت أن الأتقى المذكور ههنا لا بد وأن يكون أفضل الخلق عند الله ، فنقول : لا بد وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله ، إما أبو بكر أو علي ، ولا يمكن حمل هذه الآية على علي بن أبي طالب ، فتعين حملها على أبي بكر ، وإنما قلنا : إنه لا يمكن حملها على علي بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى } وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب ، لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ، ويكسوه ، ويربيه ، وكان الرسول منعما عليه نعمة يجب جزاؤها ، أما أبو بكر فلم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام عليه دنيوية ، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين ، إلا أن هذا لا يجزى ، لقوله تعالى : { ما أسألكم عليه من أجر } ( الفرقان : 57 ) والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى ، فعلمنا أن هذه الآية لا تصلح لعلي بن أبي طالب ، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من كان أفضل الخلق وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة ، إما أبو بكر أو علي ، وثبت أن الآية غير صالحة لعلي ، تعين / حملها على أبي بكر رضي الله عنه ، وثبت دلالة الآية أيضا على أن أبا بكر أفضل الأمة ، وأما الرواية فهي أنه كان بلال ( عبدا ) لعبد الله بن جدعان ، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشركون فعله ، فوهبه لهم ، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم ، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول : أحد ، أحد ، فمر به رسول الله ، وقال : ينجيك أحد ، أحد .
ثم أخبر رسول الله أبا بكر أن بلالا يعذب في الله : فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به ، فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده ، فنزل : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى } { إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } ( الليل : 20 ) وقال ابن الزبير وهو على المنبر : كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري أريد . فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) في محل : { يتزكى } وجهان : إن جعلت بدلا من يؤتي فلا محل له ، لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلات لا محل لها . وإن جعلته حالا من الضمير في { يؤتى } فمحله النصب . ! 7 < { إلا ابتغآء وجه ربه الا على ولسوف يرضى } . > 7 < الليل : ( 20 - 21 ) إلا ابتغاء وجه . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : { ابتغاء وجه ربه } مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي { ما لاحد عنده } ( الليل : 19 ) نعمة { إلا ابتغاء وجه ربه } كقولك ما في الدار أحدا إلا حمارا ، وذكر الفراء فيه وجها آخر وهو أن يضمر الإنفاق على تقدير : ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، كقوله : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } ( البقرة : 272 ) . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين أن هذا : { الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى } ( الليل : 18 , 17 ) لا يؤتيه مكافأة على هدية أو نعمة سالفة ، لأن ذلك يجري مجرى أداء الدين ، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب بل إنما يستحق الثواب إذا فعله ، لأجل أن الله أمره به وحثه عليه . المسألة الثالثة : المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة { ربه الاعلى } وإن ذلك يقضي وجود رب آخر ، وقد تقدم الكلام على كل ذلك . المسألة الرابعة : ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإمامة ، فقال : الآية الواردة في حق علي عليه السلام : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ( الإنسان : 10 , 9 ) والآية الواردة في حق أبي بكر : { إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى } فدلت الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل لوجه الله إلا أن آية علي تدل على أنه فعل ما فعل لوجه الله ، وللخوف من يوم القيامة على ما قال : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } وأما آية أبي بكر فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبة في ثواب / أو رهبة من عقاب ، فكان مقام أبي بكر أعلى وأجل . المسألة الخامسة : من الناس من قال : ابتغاء الله بمعنى ابتغاء ذاته وهي محال ، فلا بد وأن يكون المراد ابتغاء ثوابه وكرامته ، ومن الناس من قال : لا حاجة إلى هذا الإضمار ، وحقيقة هذه المسألة راجعة إلى أنه هل يمكن أن يحب العبد ذات الله ، أو المراد من هذه المحبة محبة ثوابه وكرامته ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في تفسير قوله : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة : 165 ) . المسألة السادسة : قرأ يحيى بن وثاب : { إلا ابتغاء وجه ربه } بالرفع على لغة من يقول : ما في الدار أحد إلا حمارا وأنشد في اللغتين ، قوله : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
أما قوله : { ولسوف يرضى } فالمعنى أنه وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه ، وهو كقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) وفيه عندي وجه آخر ، وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله ، ولسوف يرضى الله عنه ، وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه ، وبالجملة فلا بد من حصول الأمرين على ما قال : { راضية مرضية } ( الفجر : 28 ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الضحى ) 1 < > إحدى عشرة آية مكية وأنا على عزم أن أضم إلى تفسير هذه السورة ما فيها من اللطائف التذكارية . ! 7 < { والضحى واليل إذا سجى } . > 7 < الضحى : ( 1 - 2 ) والضحى > > لأهل التفسير في قوله : { والضحى } وجهان : أحدهما : أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها وثانيها : الضحى هو النهار كله بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله . وأما قوله : { واليل إذا سجى } فذكر أهل اللغة في { سجى } ثلاثة أوجه متقاربة : سكن وأظلم وغطى أما الأول : فقال أبو عبيد والمبرد والزجاج : سجى أي سكن يقال : ليلة ساجية أي ساكنة الريح ، وعين ساجية أي فائزة الطرف . وسجى البحر إذا سكنت أمواجه ، وقال في الدعاء : يا مالك البحر إذا البحر سجى وأما الثاني : وهو تفسير سجى بأظلم . فقال الفراء : سجى أي أظلم وركد في طوله . وأما الثالث : وهو تفسير سجى بغطى ، فقال الأصمعي وابن الأعرابي سجى الليل تغطيته النهار ، مثل ما يسجى الرجل بالثوب ، واعلم أن أقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الوجوه الثلاثة فقال ابن عباس : غطى الدنيا بالظلمة ، وقال الحسن : ألبس الناس ظلامه ، وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير : إذا أقبل الليل غطى كل شيء ، وقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد : سكن بالناس ولسكونه معنيان أحدهما : سكون الناس فنسب إليه كما يقال ليل نائم ونهار صائم والثاني : هو أن سكونه عبارة عن استقرار ظلامه واستوائه فلا يزداد بعد ذلك ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما الحكمة في أنه تعالى في السورة الماضية قدم ذكر الليل ، وفي هذه السورة أخره ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أن بالليل والنهار ينتظم مصالح المكلفين ، والليل له فضيلة السبق لقوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) وللنهار فضيلة النور ، بل الليل كالدنيا والنهار كالآخرة ، فلما كان لكل واحد فضيلة ليست للآخر ، لا جرم قدم هذا على ذاك تارة وذاك ، على هذا أخرى ، / ونظيره أنه تعالى قدم السجود على الركوع في قوله : { واسجدى واركعى } ( آل عمران : 43 ) ثم قدم الركوع على السجود في قوله : { اركعوا واسجدوا } ( الحج : 77 ) وثانيها : أنه تعالى قدم الليل على النهار في سورة أبي بكر لأن أبا بكر سبقه كفر ، وههنا قدم الضحى لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما سبقه ذنب وثالثها : سورة والليل سورة أبي بكر ، وسورة الضحى سورة محمد عليه الصلاة والسلام ثم ما جعل بينهما واسطة ليعلم أنه لا واسطة بين محمد وأبي بكر ، فإذا ذكرت الليل أولا وهو أبو بكر ، ثم صعدت وجدت بعده النهار وهو محمد ، وإن ذكرت والضحى أولا وهو محمد ، ثم نزلت وجدت بعده ، والليل وهو أبو بكر ، ليعلم أنه لا واسطة بينهما . السؤال الثاني : ما الحكمة ههنا في الحلف بالضحى والليل فقط ؟ والجواب : لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول : الزمان ساعة ، فساعة ساعة ليل ، وساعة نهار ، ثم يزداد فمرة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار ، ومرة بالعكس فلا تكون الزيادة لهوى ولا النقصان لقلى . بل للحكمة ، كذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس ، فلا كان الإنزال عن هوى ، ولا كان الحبس عن قلى وثانيها : أن العالم لا يؤثر كلامه حتى يعمل به ، فلما أمر الله تعالى بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، لم يكن بد من أن يعمل به ، فالكفار لما ادعوا أن ربه ودعه وقلاه ، قال : هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه وما قلاه وثانيها : كأنه تعالى يقول : انظروا إلى جوار الليل مع النهار لا يسلم أحدهما عن الآخر بل الليل تارة يغلب وتارة يغلب فكيف تطمع أن تسلم على الخلق . السؤال الثالث : لم خص وقت الضحى بالذكر ؟ الجواب : فيه وجوه أحدها : أنه وقت اجتماع الناس وكمال الأنس بعد الاستيحاش في زمان الليل / فبشروه أن بعد استيحاشك بسبب احتباس الوحي يظهر ضحى نزول الوحي وثانيها : أنها الساعة التي كلم فيها موسى ربه ، وألقى فيها السحرة سجدا ، فاكتسى الزمان صفة الفضيلة لكونه ظرفا ، فكيف فاعل الطاعة ا وأفاد أيضا أن الذي أكرم موسى لا يدع إكرامك ، والذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?