Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V04/P035–V04/P036

المسألة الأولى : قال أهل التحقيق : المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله : { للناس إماما } يدل على أنه تعالى جعله إماما لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا بالشرع لأنه لو كان تبعا لرسول آخر لكان مأموما لذلك الرسول لا إماما له ، فحينئذ يبطل العموم . وثانيها : أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبيا . وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم ، قال الله تعالى : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } ( الأنبياء : 73 ) والخلفاء أيضا أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضا أئمة لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضا إماما لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به . قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم ) فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضا من يؤتم به في الباطل ، قال الله تعالى : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } ( القصص : 41 ) إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيدا ، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى : { يدعون إلى النار } كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى : { فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء } ( هود : 101 ) وقال : { وانظر إلى إلاهك الذى ظلت عليه عاكفا } ( طه : 97 ) إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه ، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان ، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة . المسألة الثانية : أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماما للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة ، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام ، وقال الله تعالى في كتابه : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) وقال : { من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وقال في آخر سورة الحج : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } ( الحج : 78 ) وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . المسألة الثالثة : القائلون بأن الإمام لا يصير إماما إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى بين أنه إنما صار إماما بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة ، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه ، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص ، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات .

Section V04/P036–V04/P037

المسألة الرابعة : قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } يدل على أنه عليه السلام كان معصوما عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى ، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك ، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعا من فعله وكونه واجبا عبارة عن كونه ممنوعا من تركه والجميع محال . أما قوله : { من ذريتى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الذرية : الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وه وأن تكون منسوبة إلى الذر . المسألة الثانية : قوله ؛ { ومن ذريتى } عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيدا . المسألة الثالثة : قال بعضهم : إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر ؟ فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالما لا يصلح لذلك وقال آخرون : إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة ، فأجابه الله تعالى صريحا بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم ، فإن قيل : هل كان إبراهيم عليه السلام مأذونا في قوله : { ومن ذريتى } أو لم يكن مأذونا فيه ؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه ؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنبا ، قلنا : قوله : { ومن ذريتى } يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمدا صلى الله عليه وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام . أما قوله تعالى : { قال لا ينال عهدي الظالمين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم : { عهدي } بإسكان الياء ، والباقون بفتحها ، / وقرأ بعضهم : { لا ينال عهدي الظالمون } أي من كان ظالما من ذريتك فإنه لا ينال عهدي . المسألة الثانية : ذكروا في العهد وجوها . أحدها : أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا . وثانيها : { عهدي } أي رحمتي عن عطاء . وثالثها : طاعتي عن الضحاك . ورابعها : أماني عن أبي عبيد ، والقول الأول أولى لأن قوله : { ومن ذريتى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله : { إنى جاعلك للناس إماما } فقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } لا يكون جوابا عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة . المسألة الثالثة : الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل ، ولولا ذلك لكان الجواب : لا ، أو يقول : لا ينال عهدي ذريتك ، فإن قيل : أفما كان إبراهيم عليه السلام عالما بأن النبوة لا تليق بالظالمين ، قلنا : بلى ، ولكن لم يعلم حال ذريته ، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم .

Section V04/P037–V04/P038

المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه . الأول : أن أبا بكر وعمر كانا كافرين ، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة . الثاني : أن من كان مذنبا في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهرا وباطنا وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة . الثالث : قالوا : كانا مشركين ، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة ، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق ، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية ، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما ، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم ، وقولنا : وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين ، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركا بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين ، فلا يلزم من نفى كونه ظالما في الحال نفي كونه ظالما والذي يدل عليه نظرا إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمنا والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائما ، فدل على أنه يسمى مؤمنا لأن الإيمان كان حاصلا قبل ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالما لظلم وجد من قبل ، وأيضا فالكلام عبارة عن حروف متوالية ، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة ، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها ، فلو كان حصول المشتق منه شرطا في كون الإسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلا ، وأنه باطل قطعا / فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطا لكون الاسم المشتق حقيقة ؟ والجواب : كل ما ذكرتموه معارض ، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرا قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث ، فدل على ما قلناه ، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافرا والتائب عن المعصية لا يسمى عاصيا ، فكذا القول في نظائره ، ألا ترى إلى قوله : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } ( هود : 113 ) فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم ، وقوله : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) معناه : ما أقاموا على الإحسان ، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية : النبوة ، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة .

Section V04/P038–V04/P039

المسألة الخامسة : قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين : الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا ؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها من وجهين . الأول : ما بينا أن قوله : { لا ينال عهدي الظالمين } جواب لقوله : { ومن ذريتى } وقوله : { ومن ذريتى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ليكون الجواب مطابقا للسؤال ، فتصير الآية كأنه تعالى قال : لا ينال الإمامة الظالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالة على ما قلناه ، فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهرا وباطنا ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة ، قلنا : أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرا وباطنا ، وأما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك ، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة ، فإن قيل : أليس أن يونس عليه السلام قال : { سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) وقال آدم : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) قلنا : المذكور في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام . الوجه الثاني : أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر ، قال الله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى وإذ أخذ أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس : 60 ) يعني ألم آمركم بهذا ، وقال الله تعالى : { قالوا إن الله عهد إلينا } ( آل عمران : 183 ) يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول : لا يخلو قوله ؛ { لا ينال عهدي الظالمين } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين ، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق ، قال عليه السلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ، ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما ، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم ، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فتياه إذا أفتى ، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته ، قال أبو بكر الرازي : ومن الناس من يظن / أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماما وخليفة ، ولا يجوز كون الفاسق قاضيا ، قال : وهذا خطأ ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة ، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ، وأحكامه غير نافذة ، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء ، وضربه فامتنع من ذلك فحبس ، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطا ، فلما خيف عليه ، قال له الفقهاء : تول له شيئا من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب ، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه ، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن / ثم قال : وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة : أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة ، والصلاة خلفه جائزة ، لأن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة ، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه ، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه ، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولا ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذا وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم .

Section V04/P039

المسألة السادسة : الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين . الأول : أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد : الإمامة . ولا شك أن كل نبي إمام ، فإن الإمام هو الذي يؤتم به ، والنبي أولى الناس ، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقا ، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقا فاعلا للذنب والمعصية أولى . الثاني : قال : { ولا ينالون عهدي الظالمين } فهذا العهد إن كان هو النبوة ؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به ، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم .

Section V04/P039–V04/P040

المسألة السابعة ؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهدا ، ولك معه عهدا ، وبين أنك متى تفي بعهدك ، فإنه سبحانه يفي أيضا بعهده فقال : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر ، وأفرد عهد نفسه أيضا بالذكر ، أما عهدك فقال فيه : { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } ( البقرة : 177 ) وقال : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 ) وقال : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وقال : { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 32 ) وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه : { ومن أوفى بعهده من الله } ( التوبة : 111 ) م بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال : { ولقد عهدنا إلى من ربه قبل فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) ثم بين كيفية عهده إلينا فقال : { ألم أعهد إليكم يبنى وإذ أخذ } ( يس : 60 ) ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال : { إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول } ( آل عمران : 183 ) ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } ( البقرة : 125 ) ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال : { لا ينال عهدي الظالمين } فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول : العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية ، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية ، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد ، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد ، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول : أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال : { وما خلقنا السماء والارض وما بينها لاعبين } ( الأنبياء : 16 ) { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) وقال أيضا : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) وقال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلا مميزا فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته . وثانيها : أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل ، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية .

Section V04/P040–V04/P041

وثالثها : أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله : { وما بكم من نعمة فمن الله } ( النحل : 53 ) ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال : { فأولئك كان سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 19 ) فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال : { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : 17 ) فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك . ورابعها : أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) . وخامسها : أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسنا إلى الفقراء : { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ( الحديد : 24 ) ( النساء : 37 ) . وسادسها : أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلا على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إلى السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولا بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا / بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكرا على حدة وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعا وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعا ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية : { لا ينال عهدي الظالمين } وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل / فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين .

Section V04/P041–V04/P042

! 7 < { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطآئفين والعاكفين والركع السجود } > 7 ! < < البقرة : ( 125 ) وإذ جعلنا البيت . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ، وهذا شرح التكليف الثاني ، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه ، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة ، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه ( أمنا ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى : { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة : 28 ) ، المراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية أخرى : { أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ( العنكبوت : 67 ) وقال الله تعالى في آية أخرى مخبرا عن إبراهيم : { رب اجعل هاذا البلد امنا } ( إبراهيم : 35 ) فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت . أما قوله تعالى : { مثابة للناس } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبا إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين ، والثواب من هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل : إن مثابا ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج ، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة ، وأصل مثابة مثوبة مفعلة .

Section V04/P042

المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } ( إبراهيم : 37 ) وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه ، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه / يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند الله تعالى . المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } ووجه الاستدلال به أن قوله : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للناس ، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس ، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء ، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب ، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى ، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف ، فوجب تحققه / في الطواف ، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه . أما قوله تعالى : { وأمنا } أي موضع أمن ، ثم لا شك أن قوله : { جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر ، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر . أما القول الأول : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ( العنكبوت : 67 ) وقوله : { أو لم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شىء } ( القصص : 57 ) ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) فأخبر عن وقوع القتل فيه .

Section V04/P042–V04/P043

القول الثاني : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل ، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه ، لا يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشا : أهل الله تعظيما له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها كما كانت ) ، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز ، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله : { وأمنا } ليس فيه بيان أنه جعله أمنا فيماذا فيمكن أن يكون أمنا من القحط / وأن يكون أمنا من نصب الحروب ، وأن يكون أمنا من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى . أما قوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ففيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي : { واتخذوا } بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر .

Section V04/P043–V04/P044

أما القراءة الأولى : فقوله : { واتخذوا } عطف على ماذا ، وفيه أقوال ، الأول : أنه عطف على قوله : { اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 122 ) ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } . الثاني : إنه عطف على قوله : { } . الثاني : إنه عطف على قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك : { إنى جاعلك للناس إماما } وقال : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره قوله تعالى : { وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ءاتيناكم بقوة } ( الأعراف : 171 ) . الثالث : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، أما من قرأ : { واتخذوا } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفا على : { جعلنا البيت } واتخذوه مصلى ، ويجوز أن يكون عطفا على : { وإذ جعلنا البيت } وإذ اتخذوه مصلى . المسألة الثانية : ذكروا أقوالا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو : القول الأول : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ذكروا وجهين : أحدهما : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضا فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس . وثانيها : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } ( البقرة : 127 ) فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام .

Section V04/P044–V04/P045

القول الثاني : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد . الثالث : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء . الرابع : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه . الأول : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر . وثانيها : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع / . وثالثها : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى . قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية . ورابعها : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى . وخامسها : أنه تعالى قال : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع . وسادسها : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال : ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقا وقد أعطاني الله من فلان أخا صالحا ووهب الله لي منك وليا مشفقا وإنما تدخل ( من ) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم . المسألة الثالثة : ذكروا في المراد بقوله : { مصلى } وجوها . أحدها : المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } ( الأحزاب : 56 ) وهو قول مجاهد ، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم . وثانيها : قال الحسن : أراد به قبلة . وثالثها : قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا عنده . قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة ، وقد دل عليه أيضا فعل النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضا فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان ، أحدهما : فرض لقوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } والأمر للوجوب . والثاني : سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال : هل على غيرها ، قال : لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلا مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضا في هذه المسألة والله أعلم .

Section V04/P045–V04/P046

المسألة الرابعة : في فضائل البيت : روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال : ( قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولا ؟ قال : المسجد الحرام ، قال : قلت ثم أي ؟ قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ) أخرجاه في الصحيحين ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : ( أول بقعة وضعت / في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال ) . وعن وهب بن منبه قال : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحدا غيره / فقال : يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري . فقال الله تعالى : إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتا أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض ، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما آمنا أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي ، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض ، يأتونه أفواجا شعثا غبرا : { وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ( الحج : 27 ) يعجون بالتكبير عجا إلي ويثجون بالتلبية ثجا ، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي ، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ونبيا بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حيا ، فإذا انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه ، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتا قائما بأمري داعيا إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس . وعن عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال : يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة ؟

Section V04/P046

قال : بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتا تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت ، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهارا وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ، وسأل عمر كعبا فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام ، فقال : / يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده . وعن علي رضي الله عنه قال : البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح ، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا ، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب ، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا : يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ، وعن الزهري قال : بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب ، في الصفح الأول : أنا الله ذوبكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حفا وباركت لأهلها في اللحم واللبن . وفي الصفح الثاني : أنا الله ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته . وفي الثالث : أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه .

Section V04/P046–V04/P047

المسألة الخامسة : في فضائل الحجر والمقام ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : ( الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي ) وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : ( إنه كان أشد بياضا من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك ) ، وعن ابن عباس قال عليه السلام : ( ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق ) . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . أخرجاه في الصحيح . أما قوله تعالى : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمرا وثقنا عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق . أما قوله : { أن طهرا بيتى } فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت ، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار ، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى : وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله . وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوها . أحدها : أن معنى : { طهرا بيتى } ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى ، كقوله تعالى : { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله } ( التوبة : 109 ) . وثانيها : عرفا الناس أن بيتي / طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ومجازه : اجعلاه طاهرا عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا ، وأبو حنيفة ينجسه . وثالثها : ابنياه ولا تدعا أحدا من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال : طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : { ولهم فيها أزواج مطهرة } ( البقرة : 25 ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهرا ، والله أعلم . ورابعها : معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك . وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجودا فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيرا للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتا لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتا ولكنه مجاز . أما قوله تعالى : { للطائفين والعاكفين والركع السجود } ففيه مسائل : المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفا إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف / وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه .

Section V04/P047–V04/P048

المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك . والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفا فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصليا فهو من الرجع السجود . المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور . أحدها : أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل . وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت . وثالثها : تدل على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجا عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن / يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه ، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } ( الحج : 29 ) وأيضا المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك بقوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه . والجواب : أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجها إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلا تحت الآية . ورابعها : أن قوله : { للطائفين } يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصا عليه في كتاب الله تعالى ، كقوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق } أو ثبت حكمه بالسنة ، أو كان من المندوبات . ! 7 < { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الا خر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } > 7 ! < < البقرة : ( 126 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ( البقرة : 128 ) وإن كان متأخرا في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل :

Section V04/P048–V04/P049

المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمنا من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟ الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئا آخر . السؤال الثاني : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنا كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق / بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها . والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة . المسألة الثانية : { بلدا آمنا } يحتمل وجهين . أحدهما : مأمون فيه كقوله تعالى : { فى عيشة راضية } ( القارعة : 7 ) أي مرضية . والثاني : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد . المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولا ، ثم سأله الرزق ثانيا ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات } وقال في آية أخرى : { رب اجعل هاذا البلد امنا } ثم قال في آخر القصة : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع } إلى قوله : { وارزقهم من الثمرات } ( إبراهيم : 37 ) واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة .

Section V04/P049–V04/P050

المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبدا لقوله عليه السلام : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ) وأيضا قال إبراهيم : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم } ( إبراهيم : 37 ) وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : ( اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ) . والقول الثالث : إنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة . فالأول : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل . / المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : { بلدا آمنا } على التنكير وقال في سورة إبراهيم : { هاذا البلد امنا } على التعريف لوجهين . الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع } ( إبراهيم : 37 ) فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمنا . الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدا ، فقوله : { اجعل هاذا بلدا آمنا } تقديره : اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، كقولك : كان اليوم يوما حارا ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا } معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : { رب اجعل هاذا البلد امنا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : { وارزق أهله من الثمرات } فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : { من الثمرات من } فهو يدل من قوله : { أهله } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ( آل عمران : 97 ) واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوما كفارا بقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : { فلا تأس على القوم الكافرين } ( المائدة : 124 ) وأما القياس فمن وجهين :

Section V04/P050–V04/P051

الوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) فصار ذلك تأديبا في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : { فأمتعه قليلا } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه . الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : { ومن كفر فأمتعه قليلا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { فأمتعه } بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف . المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق ، وقيل : بالبقاء في الدنيا ، وقيل : بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله / تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلا ، إذ كان واقعا في مدة عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جدا ، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله : { ثم أضطره إلى عذاب النار } فاعلم أن في الإضطرار قولين : أحدهما : أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } و { يوم يسبحون فى النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) يقال : اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارها له ، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها . والثاني : أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا ، كقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } ( البقرة : 173 ) ( الأنعام : 145 ) ( النحل : 115 ) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير ، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده . ! 7 < { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } > 7 <

Section V04/P051–V04/P052

البقرة : ( 127 - 129 ) وإذ يرفع إبراهيم . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وإذ يرفع } حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم . المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودا قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها . المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكا لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكا له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفا على إبراهيم في ذلك ، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين . أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران . والثاني : أن يكون أحدهما بانيا للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيىء له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلا صغيرا وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئا من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : { من البيت } ثم ابتدؤا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكا في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : { تقبل منا } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم . المسألة الرابعة : إنما قال : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء . / النوع الأول : في قوله تعالى : { تقبل منا إنك أنت السميع العليم } وفيه مسائل :

Questions