Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V07/P098–V07/P099

ثم قال تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله . ثم قال : { ممن ترضون من الشهداء } وهو كقوله تعالى في الطلاق { وأشهدوا ذوى عدل منكم } ( الطلاق : 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرا بالغا مسلما عدلا عالما بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ، ولا بترك المروأة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة . ثم قال : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى } والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { أن تضل } بكسر إن { فتذكر } بالرفع والتشديد ، ومعناه : الجزاء موضع { تضل } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف { فتذكر } رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ / وأما سائر القراء فقرؤا بنصب { ءان } وفيه وجهان أحدهما : التقدير : لأن تضل ، فحذف منه الخافض والثاني : على أنه مفعول له ، أي إرادة أن تضل . فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للاذكار لا الإضلال . قلنا : هاهنا غرضان أحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودا ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم . المسألة الثانية : الضلال في قوله { أن تضل إحداهما } فيه وجهان أحدهما : أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم الثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة .

Section V07/P099–V07/P100

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي { فتذكر } بالتشديد والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالا ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر } ( الغاشية : 21 ) ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعديا بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله { فتذكر إحداهما الاخرى } أن تجعلها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى . الوجه الثاني : أن قوله { فتذكر } مقابل لما قبله من قوله { أن تضل إحداهما } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسرا بما يقابل النسيان . ثم قال تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، / وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولا ، والأداء ثانيا ، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء . فإن قيل : يشكل هذا بقوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وكذلك سماه كاتبا قبل أن يكتب . قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمرر بتحمل الشهادة داخلا في قوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } إلى الأمر بالأداء حملا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها . واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعينا وجب عليه أداء الشهادة / وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضا على الكفاية .

Section V07/P100–V07/P101

المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهدا فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ، ثم بالإشهاد ثانيا ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأما وسآمة ، والمقصود من / الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال : { ولا يأب } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا . فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . المسألة الثانية : { ءان } في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . المسألة الثالثة : الضمير في قوله { أن تكتبوه } لا بد وأن يعود إلى المذكورر سابقا ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . المسألة الرابعة : قرىء { ولا } بالياء فيهما . ثم قال تعالى : { ذالكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا } اعلم أن الله تعالى بين أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : الفائدة الأولى : قوله { ذالكم أقسط عند الله } وفي قوله { ذالكم } وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله { أن تكتبوه } لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أقسط عند الله } أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة : 8 ) ( الحجرات : 9 ) ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله } ( الأحزاب : 5 ) أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . والفائدة الثانية : قوله { أقوم للشهادة } معنى { أقوم } أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج . فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .

Section V07/P101–V07/P102

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : / بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . والفائدة الثالثة : هي قوله { وأدنى أن لا ترتابوا } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقا أو كذبا ، وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب . ثم قال تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { إلا } فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبا ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني : أن هذا استثناء من قوله { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه } وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعا فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاما مستأنفا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد . المسألة الثانية : قوله { أن تكون } فيه قولان أحدهما : أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وإن كان ذو عسرة } والثاني : قال الفراء : إن شئت جعلت { كان } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم . المسألة الثالثة : قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا / أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .

Section V07/P102–V07/P103

المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين / فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ألا ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ثم قال : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ( البقرة : 282 ) معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . ثم قال تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان . واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط . ثم قال تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد . واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في { لا يضار } أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لا تضار والدة بولدها } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه { ولا } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { ولا } بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول / الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم قال وذلك لان اسم بكل شيء عليم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } ( البقرة : 283 ) والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطابا للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابا للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم . ثم قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته . ثم قال تعالى : { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاما ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .

Section V07/P103–V07/P104

ثم قال : { ويعلمكم الله } والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين { والله بكل شيء عليم } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة . ! 7 < { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 283 ) وإن كنتم على . . . . . > > إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعا / آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) ونعيده هاهنا قال أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين الشيء ويوضحه ، وسمي السفر سفرا ، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، أي يكشف ، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ، وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم . المسألة الثانية : أصل الرهن من الدوام ، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت ، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة . إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر . يقال : رهنت عند الرجل أرهنه رهنا إذا وضعت عنده ، قال الشاعر : يراهنني فيرهنني بنيه وأرهنه بني بما أقول إذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ، فإذا قال : رهنت عند زيد رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوبا ، ولما جعل اسما بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى : آليت لا أعطيه من أبنائنا رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا وقال بعيث : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن ونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال الزجاج : فعل وفعلى قليل ، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش / وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب .

Section V07/P104–V07/P105

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير أبو عمرو { فرهان } بضم الراء والهاء ، وروي عنهما أيضا { فرهان } برفع الراء وإسكان الهاء والباقون { فرهان } قال أبو عمرو : لا أعرف الرهان إلا في الخيل ، فقرأت { فرهان } للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن ، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء ، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا قليلا شاذا كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها ، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد ، وخيل ورد . المسأل الرابعة : في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه رهن مقبوضة ، وإن شئنا جعلناه خبرا وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة . المسألة الخامسة : اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذا بظاهر الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ، كقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) وليس الخوف من شرط جواز القصر . المسألة السادسة : مسائل الرهن كثيرة ، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضا والعقل أيضا يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود ، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضا فوجب ألا يصح رهن المشاع . ثم قال تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته } واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية ، وهو بيع الأمانة ، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه ، قال تعالى : { هل امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه } ( يوسف : 64 ) فقوله { فإن أمن بعضكم بعضا } أي لم يخف خيانته وجحوده { فليؤد الذى اؤتمن أمانته } أي فليؤد المديون الذي كان أمينا ومؤتمنا في ظن الدائن ، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن . ثم قال : { وليتق الله ربه } أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن يؤديه إليه عند / حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول . المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : { ولا تكتموا الشهادة } وفي التأويل وجوه :

Section V07/P105–V07/P106

الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائنا جاحدا للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة / أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله ( خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ) . الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم } ( البقرة : 140 ) والمراد الجحود وإنكار العلم . الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد . ثم قال : { ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابيا { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرىء { قلبه } بالفتح كقوله { سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وقرأ ابن أبي عبلة { قلبه والله } أي جعله آثما . / المسألة الثالثة : إعلم أن كثيرا من المتكلمين قالوا . إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ) وذكرنا طرفا منه في تفسير قوله { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثما . وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب . ثم قال عز وجل : { والله بما تعملون عليم } وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفا حذرا من مخالفة أمر الله تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا .

Section V07/P106–V07/P107

! 7 < { لله ما في السماوات وما فى الا رض وإن تبدوا ما فيأنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير } . > 7 < البقرة : ( 284 ) لله ما في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد . / وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } ملكا وملكا ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية . والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { والله بما تعملون عليم } ( البقرة : 283 ) ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : { لله ما فى السماوات وما في الارض } ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها . الوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض . الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السماوات والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله { لله } ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق . المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقاق ، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلا .

Section V07/P107–V07/P108

/ ثم قال تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) فنسخت هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به ) . واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به ، والثاني : لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) وقال في آخر هذه السورة { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وقال : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) هذا هو الجواب المعتمد . والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو وقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب . والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي العموم والغموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) . / قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام .

Section V07/P108–V07/P110

الوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : { يحاسبكم به الله } ولم يقل : يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب . الوجه السابع في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرا على تلك الخواطر مستحسنا لها . الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه . الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( القرة : 286 ) وهذا أيضا ضعيف لوجوه أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي . واعلم أن الناس اختلافا في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه والله أعلم . ثم قال : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيبا للمؤمن يرثه المذنب بأعماله . المسألة الثانية : قرأ عاصم وابن عامر { فيغفر يعذب } برفع الراء والباء ، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف ، والتقدير : فهو يغفر ، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله { يغفر لمن يشاء } قال صاحب ( الكشاف ) : إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب ، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية . / ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وقد بين بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } أنه كامل الملك والملكوت ، وبين بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أنه كامل العلم والإحاطة ، ثم بين بقوله { والله على كل شيء قدير } أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له ، خاضعا لأوامره ونواهيه محترزا عن سخطه ونواهيه ، وبالله التوفيق . ! 7 < { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } . > 7 ! < <

Section V07/P110

البقرة : ( 285 ) آمن الرسول بما . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : وهو أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة كمال الملك ، وكمال العلم ، وكمال القدرة لله تعالى ، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى ، وذلك هو كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية ، وقد ظهر منا كمال العبودية ، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللهم حقق هذا الأمل . الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى لما قال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ( القبرة : 284 ) بين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء ألبتة ، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا ، فقال : { الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل } كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك ، فلا أظهر من أحوالك ، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحا لك وثناء عليك ، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة ، فأنا الكامل في الجود والرحمة ، وفي إظهار الحسنات ، وفي الستر على السيئات . الوجه الثالث : أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة / ومما رزقناهم ينفقون ، وبين في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } وهذا هو المراد بقوله في أول السورة { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) . ثم قال ههنا { وقالوا سمعنا وأطعنا } وهو المراد بقوله في أول السورة { ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . ثم قال ههنا { غفرانك ربنا وإليك المصير } وهو المراد بقوله في أول السورة { وبالأخرة هم يوقنون } ( البقرة : 4 ) ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : 286 ) إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة { أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها .

Section V07/P110–V07/P111

والوجه الرابع : وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله ، وقال له : إن الله بعثك رسولا إلى الخلق ، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطانا ضالا مضلا ، وذلك الملك أيضا إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير ، وهذه المراتب معتبرة أولها : قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره ، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها : قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه ، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان وثالثها : أن تقوم المعجزة على يد الرسولعند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولا من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك ، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام ، قال : { الرسول بما } فبين أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه ، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف ، وليس بشيطان مضل ، ثم ذكر إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهو المرتبة المتقدمة ، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة ، فقال : { والمؤمنون كل ءامن بالله } ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور ، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته . / المسألة الثانية : قوله تعالى : { الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى ، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين ، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة ، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام . فأما قوله { والمؤمنون } ففيه احتمالان أحدهما : أن يتم الكلام عند قوله { والمؤمنون } فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله { كل ءامن بالله } والمعنى : كل واحد من المذكورين فيما تقدم ، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله .

Section V07/P111–V07/P112

الاحتمال الثاني : أن يتم الكلام عند قوله { بما أنزل إليه من ربه } ثم يبتدىء من قوله { والمؤمنون كل ءامن بالله } ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه ، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمنا بربه ، ثم صار مؤمنا به ، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال ، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه ، كما قال : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال ، فقد كان حاصلا منذ خلقه الله من أول الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال : إني عبد الله آتاني الكتاب ، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولا من عند الله حين كان طفلا ، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان عارفا بربه من أول ما خلق كامل العقل . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خص الرسول بذلك ، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاما متلوا يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به ، وقد يكون وحيا لا يعلمه سواه ، فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصا بالإيمان به ، ولا يتمكن غيره من الإيمان به ، فلهذا السبب كان الرسول مختصا في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره . ثم قال الله تعالى : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إعلم أن هذه الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان . فالمرتبة الأولى : هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعا قادرا على جميع المقدورات ، عالما بجميع المعلومات ، غنيا عن كل الحاجات ، لا يمكن معرفة صدق / الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل ، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر . والمرتبة الثانية : أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة ، فقال : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) وقال : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } ( الشورى : 51 ) وقال : { فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وقال : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وقال : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائك فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر ، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية ، ولهذا السر قال أيضا : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . والمرتبة الثالثة : الكتب ، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب ، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة ، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة .

Section V07/P112–V07/P113

والمرتبة الرابعة : الرسل ، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة ، فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة ، واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة ، وحكما عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف . المسألة الثانية : المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده ، وبصفاته ، وبأفعاله ، وبأحكامه ، وبأسمائه . أما الإيمان بوجوده ، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها ، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرا بوجود الإلاه تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئا آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها ، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات . وأما الإيمان بصفاته ، فالصفات إما سلبية ، وإما ثبوتية . فأما السلبية : فهي أن يعلم أنه فرد منزه عن جميع جهات التركيب ، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فهو مركب ، فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ما ليس ممكنا لذاته ، بل كان واجبا لذاته امتنع أن / يكون مركبا بوجه من الوجوه ، بل كان فردا مطلقا ، وإذا كان فردا في ذاته لزم أن لا يكون متحيزا ، ولا جسما ، ولا جوهرا ، ولا في مكان ، ولا حالا ، ولا في محل ، ولا متغيرا / ولا محتاجا بوجه من الوجوه ألبتة . وأما الصفات الثبوتية : فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي ، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال ، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات ، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه ، فحينئذ يعرفه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موصوفا منعوتا بالجلال وصفات الكمال ، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } ( البقرة : 255 ) . وأما الإيمان بأفعاله ، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث ، وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته ، بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم ، وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات ، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها . فإن قلت : إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت ، وإن شئت أن لا أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري . فنقول : قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك ، وسكونك بمشيئتك لسكونك ، فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن ، وعند حصول مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك . إذا ثبت هذا فنقول : هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلا أو يكون بمحدث ، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى ، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل ، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى .

Section V07/P113–V07/P114

إذا ثبت هذا فنقول : لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ، ولا حصول الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، وفي معارضته إشكالان أحدهما : كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني : أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب على العبد ، فهذا هو الحرف المعول عليه من / جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضا في العلم على ما قررناه في مواضع عدة . وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله : فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن يعلم في أحكامه أمورا أربعة أحدها : أنها غير معللة بعلة أصلا ، لأن كل ما كان معللا بعلة كان صاحبه ناقصا بذاته ، كاملا بغيره ، وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها : أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق ، فإنه منزه عن جلب المنافع ، ودفع المضار وثالثها : أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها : أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، لأن الكل ملكه وملكه ، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي ، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي . وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله : فمعرفة أسمائه قال في الأعراف { ولله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال في بني إسرائيل { أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى } ( الإسراء : 110 ) وقال في طه { الله لا إلاه إلا هو له الاسماء الحسنى } ( طه : 8 ) وقال في آخر الحشر { له الاسماء الحسنى يسبح له ما فى السماوات والارض } ( الحشر : 24 ) والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة على ألسنة أنبيائه المعصومين ، وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله . وأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه أولها : الإيمان بوجودها ، والبحث عن أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية . والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة : العلم بأنهم معصومون مطهرون { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) { لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } ( الأنبياء : 19 ) فإن لذتهم بذكر الله ، وأنسهم بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته . والمرتبة الثالثة : أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه : { والصافات صفا فالزجرات زجرا } ( الصافات : 1 ، 2 ) وقال : { والذريات ذروا فالحاملات وقرا } ( الذاريات : 1 ، 2 ) وقال : { والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا } ( المرسلات : 1 ، 2 ) وقال : { والنازعات غرقا والناشطات نشطا } ( النازعات : 1 ، 2 ) ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسرارا مخفية ، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها .

Section V07/P114–V07/P115

/ والمرتبة الرابعة : أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال الله تعالى : { إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين } ( التكوير : 19 ، 20 ، 21 ) فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم . وأما الإيمان بالكتب : فلا بد فيه من أمور أربعة أولها : أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها : أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان ألقى قوله : تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولا عظيما ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن . والمرتبة الثالثة : أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة . والمرتبة الرابعة : أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه يكشف عن متشابهه . وأما الإيمان بالرسل : فلا بد فيه من أمور أربعة : المرتبة الأولى : أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب ، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } ( البقرة : 36 ) وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى . والمرتبة الثانية : من مراتب الإيمان بهم : أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب . المرتبة الثالثة : قال بعضهم : أنهم أفضل من الملائكة / وقال كثير من العلماء : إن الملائكة السماوية أفضل منهم ، وهم أفضل من الملائكة الأرضية ، وقد ذكرنا هذه المسألة في تفسير قوله { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم } ( البقرة : 34 ) ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات غامضة . المرتبة الرابعة : أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض ، وقد بينا ذلك في تفسير قوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } ( البقرة : 253 ) ومنهم من أنكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له في هذه الآية { لا نفرق بين أحد من رسله } ( البقرة : 253 ) . / وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر ، وهو أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور المعجزة على وفق دعاويهم ، فإذا كان هذا هو الطريق ، وجب في حق كل من ظهرت المعجزة على وفق دعواه أن يكون صادقا ، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته ، فأما أن يدل على رسالة البعض دون البعض فقول فاسد متناقض ، والغرض منه تزييف طريقة اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى ، ويكذبون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو المقصود من قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } لا ما ذكرتم من أنه لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله .

Section V07/P115–V07/P117

المسألة الثالثة : قرأ حمزة { وكتابه } على الواحد ، والباقون { أوتى كتابه } على الجمع ، أما الأول ففيه وجهان أحدهما : أن المراد هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل والثاني : على معنى الجنس فيوافق معنى الجمع ، ونظيره قوله تعالى : { فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق } ( البقرة : 213 ) . فإن قيل : اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقرونا بالألف واللام ، وهذه مضافة . قلنا : قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة ، قال الله تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) وقال الله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ( البقرة : 187 ) وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام قال العلماء : والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه ، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله { ورسله } على ضم السين ، وعن أبي عمرو سكونها ، وعن نافع { وكتبه ورسله } مخففين ، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين ، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات ، لأنهم كرهوا ذلك ، ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفا ، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد توالى فيه خمس متحركات ، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة . المسألة الرابعة : قوله { لا نفرق بين أحد من رسله } فيه محذوف ، والتقدير : يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله { والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا } ( الأنعام : 93 ) معناه يقولون : أخرجوا وقال : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } ( الزمر : 3 ) أي قالوا هذا . المسألة الخامسة : قرأ أبو عمرو { يفرق } بالياء على أن الفعل لكل ، وقرأ عبد الله { لا يفرقون } . المسألة السادسة : أحد في معنى الجمع ، كقوله { فما منكم من أحد عنه حاجزين } ( الحاقة : 47 ) والتقدير : / لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع ، لأنه يصير التقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرق بين أحد من الرسل ، وبين غيره في النبوة ، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام ، والله أعلم . ثم قال الله تعالى : { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول : وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة النظرية بالعلم ، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) فالحكم كمال القوة النظرية { وألحقنى بالصالحين } كمال القوة العملية ، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب .

Section V07/P117

إذا عرفت هذا فنقول : الأمر في هذه الآية أيضا كذلك ، فقوله { كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون . والوجه الثاني : من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياما ثلاثة : الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود { ولله غيب السماوات والارض وإليه يرجع الامر كله } ( هود : 123 ) وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله { ولله غيب السماوات والارض } إشارة إلى كمال العلم ، وقوله { وإليه يرجع الامر كله } إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضا مرتبتان : البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال : { فاعبده وتوكل عليه } ( هود : 123 ) وأما علم المعاد فهو قوله { وما ربك بغافل عما يعملون } ( الأنعام : 132 ) أي فيومك غدا سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضا قوله / سبحانه وتعالى : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ( الصافات : 180 ) وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال : { وسلام على المرسلين } ( الصافات : 181 ) وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال : { والحمد لله رب العالمين } ( الصافات : 182 ) وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 100 ) . إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله { الرسول بما } إلى قوله { لا نفرق بين أحد من رسله } إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } إشارة إلى علم الوسط ، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالما مشتغلا بها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله { غفرانك ربنا وإليك المصير } إشارة إلى علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السماوات . الوجه الثالث في النظم : أن المطالب قسمان أحدهما : البحث عن حقائق الموجودات والثاني : البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله { والمؤمنون كل ءامن بالله } والقسم الثاني هو المراد بقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله قوله { سمعنا وأطعنا } أي سمعنا قوله وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلا عليه من حيث مدحوا به .

Section V07/P117–V07/P118

وأقول : هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه ظاهرا وتقديرا أولى لأنك إذا جعلت التقدير : سمعنا قوله ، وأطعنا أمره ، فإذن ههنا قول آخر غير قوله ، وأمر آخر يطاع سوى أمره ، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته : أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى . المسألة الثالثة : إعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون : سمعنا وأطعنا ، فقوله { سمعنا } ليس المراد منه السماع الظاهر ، لأن ذلك لا يفيد المدح ، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا ، أي عقلناه وعلمنا صحته ، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ، قال الله تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } ( ق: 37 ) والمعنى : لمن سمع الذكرى بفهم حاضر ، وعكسه قوله تعالى : { كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا } ( لقمان : 7 ) ثم قال بعد ذلك { وأطعنا } فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علما وعملا . / ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا { غفرانك ربنا وإليك المصير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية سؤال ، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها ، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة . والجواب من وجوه الأول : أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم ، فلما جوزوا ذلك قالوا { غفرانك ربنا } ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيرا ، فكان يستغفر الله منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضا غير مستبعد والثالث : أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلاهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال : { وما قدروا الله حق قدره } ( الأنعام : 91 ) وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالما جدا إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله واستغفر لذنبك } ( محمد : 19 ) فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) فسبحانك اللهم إشارة إلى التنزيه . ثم إنه قال : { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا .

Questions