Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
القول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحا لهم ، وإشارة إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر الذيل ، إذا كان بعيدا عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب : إذا كان مقدما على ما لا ينبغي . القول الثالث : قال الضحاك : مر عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري ، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال مقاتل بن سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلا على خواص الرجل وبطانته . المسألة الثانية : اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا ؟ . فالقول الأول : إنه عليه السلام مر بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم ( تعالوا نصطاد الناس ) قالوا : من أنت ؟ قال : ( أنا عيسى بن مريم ، عبد الله ورسوله ) فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، فهم الحواريون . القول الثاني : قالوا : سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : ههنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فاصبغها بتلك الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جبا واحدا ، وجعل الجميع فيه وقال : ( كوني بإذن الله كما أريد ) فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت علي الثياب ، قال : ( قم فانظر ) فكان يخرج ثوبا أحمر ، وثوبا أخضر ، وثوبا أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون . القول الثالث : كانوا الحواريون إثنى عشر رجلا اتبعوا عيسى عليه السلام ، وكانوا إذا قالوا : يا روح الله جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله : عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك فقال : ( أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من / كسبه ) فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين . القول الرابع : أنهم كانوا ملوكا قالوا وذلك أن واحدا من الملوك صنع طعاما ، وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت ؟ قال : أنا عيسى بن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام / وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته . المسألة الثالثة : المراد من قوله { الحواريون نحن أنصار الله } أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه .
أما قوله { بالله فإذا } فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه . ثم قالوا : { واشهد بأنا مسلمون } وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضا ، ثم فيه قولان الأول : المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم . واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا : { ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين } وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية المتقدمة { بالله فإذا } ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا { بما أنزلت واتبعنا } وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا { واتبعنا الرسول } فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) الثاني : وهو منقول أيضا عن ابن عباس { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) . وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلا ، فأحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام . / والقول الثالث : { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا { واشهد بأنا مسلمون } فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيدا للأمر ، وتقوية له ، وأيضا طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوة . القول الرابع : إن قوله { فاكتبنا مع الشاهدين } إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السماوات مع الملائكة قال الله تعالى : { كلا إن كتاب الابرار لفى عليين } ( المطففين : 18 ) فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين . القول الخامس : إنه تعالى قال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك . والقول السادس : إن جبريل عليه السلام لما سأل محمدا صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة / فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } .
القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك . ثم قال تعالى : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، قال الزجاج : يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال الله تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) وقال : { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } ( يوسف : 102 ) وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } ( يونس : 71 ) فلما كان المكر رأيا محكما قويا مصونا عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكرا . المسألة الثانية : أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه الأول : مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله / { وأيدناه بروح القدس } ( البقرة : 87 ) فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتا فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت : كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت : كان ابن الله ، والأخرى قالت : كان عبد الله ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفي الجملة ، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه . الوجه الثاني : أن الحواريين كانوا إثنى عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهمه الوجه الثالث : ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام ، فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل ، فقال : لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانيا ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له : مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله .
القول الرابع : أن الله تعالى سلط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم ، وهو قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد } ( الإسراء : 5 ) فهذا هو مكر الله تعالى بهم . القول الخامس : يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره ، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود والله أعلم . المسألة الثالثة : المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر ، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوها أحدها : أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر ، كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء والثاني : أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث : أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال / الشر إلى الغير ، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم . ! 7 < { إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 55 ) إذ قال الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : العامل في { إذ } قوله { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } أي وجد هذا المكر إذ قال الله هذا القول ، وقيل التقدير : ذاك إذ قال الله . المسألة الثانية : اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات : الصفة الأولى : { إني متوفيك } ونظيره قوله تعالى حكاية عنه { فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم } ( المائدة : 117 ) واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما : إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ولا تأخير فيها والثاني : فرض التقديم والتأخير فيها ، أما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول : معنى قوله { إني متوفيك } أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن والثاني : { متوفيك } أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق قالوا : والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها : قال وهب : توفي ثلاثة ساعات ، ثم رفع وثانيها : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه الثالث : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها } ( الزمر : 42 ) . الوجه الرابع : في تأويل الآية أن الواو في قوله { متوفيك ورافعك إلى } تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف يفعل ، ومتى يفعل ، فالأمر فيه موقوف على الدليل ، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه سينزل ويقتل الدجال ) ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك .
/ الوجه الخامس : في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي ، وهو أن المراد { إني متوفيك } عن شهواتك وحظوظ نفسك ، ثم قال : { ورافعك إلى } وذلك لأن من لم يصر فانيا عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله ، وأيضا فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة ، والغضب والأخلاق الذميمة . والوجه السادس : إن التوفي أخذ الشيء وافيا ، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : { وما يضرونك من شىء } ( النساء : 113 ) . والوجه السابع : { إني متوفيك } أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى ، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن . الوجه الثامن : إن التوفي هو القبض يقال : وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه ، كما يقال : سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه ، وقد يكون أيضا توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفيا له . فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله { ورافعك إلى } تكرارا . قلنا : قوله { إني متوفيك } يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء ، فلما قال بعده { ورافعك إلى } كان هذا تعيينا للنوع ولم يكن تكرارا . الوجه التاسع : أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير : متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك { ورافعك إلى } أي ورافع عملك إلي ، وهو كقوله { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشره بقبول طاعته وأعماله ، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه ، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها . الطريق الثاني : وهو قول من قال : لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير ، قالوا إن قوله { ورافعك إلى } يقتضي أنه رفعه حيا ، والواو لا تقتضي الترتيب ، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير ، والمعنى : أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا ، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن . واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر والله أعلم . والمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في المساء ، وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ / على التأويل ، وهو من وجوه : الوجه الأول : أن المراد إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم ومثله قوله { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) وإنما ذهب إبراهيم صلى الله عليه وسلم من العراق إلى الشام وقد يقول السلطان : ارفعوا هذا الأمر إلى القاضي ، وقد يسمي الحجاج زوار الله ، ويسمى المجاورون جيران الله ، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم فكذا ههنا . الوجه الثاني : في التأويل أن يكون قوله { ورافعك إلى } معناه إنه يرفع إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام فأما السماوات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله .
الوجه الثالث : إن بتقدير القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك سببا لانتفاعه وفرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب والروح والراحة والريحان ، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن المراد : ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك ، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان لله تعالى . الصفة الثالثة : من صفات عيسى قوله تعالى : { ومطهرك من الذين كفروا } والمعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم ، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى . الصفة الرابعة : قوله { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } وجهان الأول : أن المعنى : الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به ، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة ، فيكون ذلك إخبارا عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة ، فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون ، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال / ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكا يهوديا ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك الثاني : أن المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة والدليل . واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله { ورافعك إلى } هو الرفعة بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان والجهة ، كما أن الفوقية في هذه ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة . أما قوله { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } فالمعنى أنه تعالى بشر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة ، والدرجات الرفيعة العالية ، وأما في القيامة / فإنه يحكم بين المؤمنين به ، وبين الجاحدين برسالته ، وكيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه الآية وبقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال : { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } ( النساء : 157 ) والأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت ، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه ، وتارة يروى أنه عليه السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه حتى يقتل مكانه ، وبالجملة فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات : الإشكال الأول : إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة ، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانيا فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانيا ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات ، وأيضا فالصحابة الذين رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع ، وأيضا فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية .
والإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال ، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله { إذ أيدتك بروح القدس } ( المائدة : 110 ) ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضا أنه عليه السلام لما كان قادرا على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟ . والإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادرا على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟ . والإشكال الرابع : أنه إذا ألقي شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه هو عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس ، وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى . والإشكال الخامس : أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا مصلوبا ، فلو أنكرنا ذلك كان طعنا فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ذلك باطل . / والإشكال السادس : أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع ، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم ، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : والجواب عن الأول : أن كل من أثبت القادر المختار ، سلم أنه تعالى قادر على أن يخلق إنسانا آخر على صورة زيد مثلا ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم : والجواب عن الثاني : أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء ، وذلك غير جائز . وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقي شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء . والجواب عن الرابع : أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس . والجواب عن الخامس : أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيدا للعلم . والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلما وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه ، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله ولي الهداية . ! 7 < { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والا خرة وما لهم من ناصرين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 56 ) فأما الذين كفروا . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما ذكر { إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } بين بعد ذلك مفصلا ما في ذلك الاختلاف ، أما الاختلاف فهو أن كفر قوم وآمن آخرون ، وأما الحكم فيمن كفر فهو / أن يعذبه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ، وأما الحكم فيمن آمن وعمل الصالحات ، فهو أن يوفيهم أجورهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما عذاب الكافر في الدنيا فهو من وجهين أحدهما : القتل والسبي وما شاكله ، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به ، فذلك داخل في عذاب الدنيا والثاني : ما يلحق الكافر من الأمراض والمصائب ، وقد اختلفوا في أن ذلك هل هو عقاب أم لا ؟ قال بعضهم : إنه عقاب في حق الكافر ، وإذا وقع مثله للمؤمن فإنه لا يكون عقابا بل يكون ابتلاء وامتحانا ، وقال الحسن : إن مثل هذا إذا وقع للكافر لا يكون عقابا بل يكون أيضا ابتلاء وامتحانا ، ويكون جاريا مجرى الحدود التي تقام على النائب ، فإنها لا تكون عقابا بل امتحانا ، والدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها والرضا بها والتسليم لها وما هذا حاله لا يكون عقابا . فإن قيل : فقد سلمتم في الوجه الأول إنه عذاب للكافر على كفره ، وهذا على خلاف قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة } ( النحل : 61 ) وكلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فوجب أن لا توجد المؤاخذة في الدنيا ، وأيضا قال تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) وذلك يقتضي حصول المجازاة في ذلك اليوم ، لا في الدنيا ، قلنا : الآية الدالة على حصول العقاب في الدنيا خاصة ، والآيات التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام . المسألة الثانية : لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة ، يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد ، ولسنا نجد الأمرر كذلك ، فإن الأمر تارة يكون على الكفار وأخرى على المسلمين ، ولا نجد بين الناس تفاوتا . قلنا : بل التفاوت موجود في الدنيا ، لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام ، ونري الذلة والمسكنة لازمة لهم ، فزال الإشكال . المسألة الثالثة : وصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم ويدفع ذلك العذاب عنهم . فإن قيل : أليس قد يمتنع على الأئمة والمؤمنين قتل الكفار بسبب العهد وعقد الذمة . قلنا : المانع هو العهد ، ولذلك إذا زال العهد حل قتله . ! 7 < { وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين } . > 7 < آل عمران : ( 57 ) وأما الذين آمنوا . . . . . > > فيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { فيوفيهم } بالياء ، يعني فيوفيهم الله ، والباقون بالنون حملا على ما تقدم من قوله { فاحكم فأعذبهم } وهو الأولى لأنه نسق الكلام . المسألة الثانية : ذكر الذين آمنوا ، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات ، وذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، وقد تقدم ذكر هذه الدلالة مرارا . المسألة الثالثة : احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله { فيوفيهم أجورهم } فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر ، والكلام فيه أيضا قد تقدم والله أعلم .
المسألة الرابعة : المعتزلة احتجوا بقوله { والله لا يحب الظالمين } على أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي ، قالوا : لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون محبا له ، إذا كان ذلك الشيء من الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقتا بالأشخاص ، فقد يقال : أحب زيدا ، ولا يقال : أريده ، وأما إذا علقتا بالأفعال : فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة ، فصار قوله { والله لا يحب الظالمين } بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) هكذا قرره القاضي ، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه المسألة قد ذكرناها مرارا وأطوارا . ! 7 < { ذالك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } . > 7 < آل عمران : ( 58 ) ذلك نتلوه عليك . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما ، وهو مبتدأ ، خبره { نتلوه } و { من الايات } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ، و { نتلوه } صلته ، و { من الايات } الخبر . المسألة الثانية : التلاوة والقصص واحد في المعنى ، فإن كلا منهما يرجع معناه إلى شيء يذكر بعضه على إثر بعض ، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية ، وفي قوله { نتلوا عليك من نبإ موسى } ( القصص : 3 ) وأضاف القصص إلى نفسه فقال : { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وكل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى ، وهذا تشريف عظيم للملك ، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى الله عليه وسلم لما كان بأمره من غير تفاوت أصلا أضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى . المسألة الثالثة : قوله { من الايات } يحتمل أن يكون المراد منه ، أن ذلك من آيات القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك ، لأنها أخبار لا يعلمها إلا / قارىء من كتاب أو من يوحى إليه ، فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ ، فبقي أن ذلك من الوحي . المسألة الرابعة : { والذكر الحكيم } فيه قولان الأول : المراد منه القرآن وفي وصف القرآن بكونه ذكرا حكيما وجوه الأول : إنه بمعنى الحاكم مثل القدير والعليم ، والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه والثاني : معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه والثالث : أنه بمعنى المحكم ، فعيل بمعنى مفعل ، قال الأزهري : وهو شائع في اللغة ، لأن حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى ، فرد إلى الأصل ، ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى : { الر كتاب } ( هود : 1 ) والرابع : أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة ، فوصف بكونه حكيما على هذا التأويل . القول الثاني : أن المراد بالذكر الحكيم ههنا غير القرآن ، وهو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك ، والله أعلم بالصواب . ! 7 < { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 59 ) إن مثل عيسى . . . . .
> > أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى ، فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابنا لله تعالى ، فكذا القول في عيسى عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم ؟ بل هذا أقرب إلى العقل ، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس ، هذا تلخيص الكلام . ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : { مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } أي صفته كصفة آدم ونظيره قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) أي صفة الجنة . المسألة الثانية : قوله تعالى : { خلقه من تراب } ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم ، قال الزجاج : هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد ، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا . / المسألة الثالثة : اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية ، وقال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) وقال : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } ( الأعراف : 189 ) ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوها كثيرة أحدها : أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية والثاني : أنه مخلوق من الماء ، قال الله تعالى : { وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا } ( الفرقان : 54 ) والثالث : أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } ( السجدة : 7 ، 8 ) والرابع : أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 11 ، 13 ) الخامس : أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } ( الصافات : 11 ) السادس : إنه مخلوق من صلصال قال تعالى : { إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } ( الحجر : 28 ) السابع : أنه مخلوق من عجل ، قال تعالى : { خلق الإنسان من عجل } ( الأنبياء : 37 ) الثامن : قال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } ( البلد : 4 ) أما الحكماء فقالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه : الأول : ليكون متواضعا الثاني : ليكون ستارا الثالث : ليكون أشد التصاقا بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض ، قال تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) الرابع : أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام / ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية ، وخلق السماوات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانا باهرا ودليلا ظاهرا على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس : خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئا لنار الشهوة ، والغضب ، والحرص ، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيا تتجلى فيه صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طينا وهو قوله { إنى خالق بشرا من طين } ثم إنه في المرتبة الرابعة قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع :
أحدها : أنه من صلصال والصلصال : اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت . والثاني : الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير لونه إلى السواد . والثالث : تغير رائحته قال تعالى : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } ( البقرة : 259 ) أي لم يتغير . فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام . / المسألة الرابعة : في الآية إشكال ، وهو أنه تعالى قال : { خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدما على قول الله له { كن } وذلك غير جائز . وأجاب عنه من وجوه الأول : قال أبو مسلم : قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديما من الأزل إلى الأبد ، وأما قوله { كن } فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله { كن } . والجواب الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له { كن } أي أحياه كما قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم عليه السلام موجودا . أجاب القاضي وقال : بل كان موجودا وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي : إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل . الجواب : الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك ، تسمية لما سيقع بالواقع . والجواب الثالث : أن قوله { ثم قال له كن فيكون } يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) ويقول القائل : أعطيت زيدا اليوم ألفا ثم أعطيته أمس ألفين ، ومراده : أعطيته اليوم ألفا ، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله { خلقه من تراب } أي صيره خلقا سويا ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له { كن } . المسألة الخامسة : في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال : ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال : { كن فيكون } . والجواب : تأويل الكلام ، ثم قال له { كن فيكون } فكان . واعلم يا محمد أن ما قال له ربك { كن } فإنه يكون لا محالة . ! 7 < { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } . > 7 < آل عمران : ( 60 ) الحق من ربك . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء ، والزجاج قوله { الحق } خبر مبتدأ محذوف ، والمعنى : الذي أنبأتك من قصة عيسى عليه السلام ، أو ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام { الحق } فحذف لكونه / معلوما ، وقال أبو عبيدة هو استئناف بعد انقضاء الكلام ، وخبره قوله { من ربك } وهذا كما تقول الحق من الله ، والباطل من الشيطان ، وقال آخرون : الحق ، رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق . وقيل : أيضا إنه مرفوع بالصفة وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : من ربك الحق فلا تكن .
المسألة الثانية : الامتراء الشك ، قال ابن الأنباري : هو مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب ، يقال قد مارى فلان فلانا إذا جادله ، كأنه يستخرج غضبه ، ومنه قيل الشكر يمتري المزيد أي يجلبه . المسألة الثالثة : في الحق تأويلان الأول : قال أبو مسلم المراد أن هذا الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود ، فالنصارى قالوا : إن مريم ولدت إلاها ، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار ، فالله تعالى بين أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه ، ومعنى ممتري مفتعل من المرية وهي الشك . والقول الثاني : أن المراد أن الحق في بين هذه المسألة ما ذكرناه من المثل وهو قصة آدم عليه السلام فإنه لا بيان لهذه المسألة ولا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فلا تكن من الممترين } خطاب في الظاهر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكا في صحة ما أنزل عليه ، وذلك غير جائز ، واختلف الناس في الجواب عنه ، فمنهم من قال : الخطاب وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنه في المعنى مع الأمة قال تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } والثاني : أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمعنى : فدم على يقينك ، وعلى ما أنت عليه من ترك الامتراء . ! 7 < { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 61 ) فمن حاجك فيه . . . . . > > اعلم أن الله تعالى بين في أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى / بالزوجة والولد ، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام ، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم ، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابنا لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابنا لله ، تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضا انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام ، ومن أنصف وطلب الحق ، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى ، فعند ذلك قال تعالى : { فمن حاجك } بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال : { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } إلى آخر الآية ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : اتفق أني حين كنت بخوارزم ، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم ، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي : ما الدليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام ، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن رددنا التواتر ، أو قبلناه لكن قلنا : إن المعجزة لا تدل على الصدق ، فحينئذ بطلت نبوة سائر الأنبياء عليهم السلام ، وإن اعترفنا بصحة التواتر ، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق ، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعا بنبوة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول ، فقال النصراني : أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبيا بل أقول إنه كان إلاها ، فقلت له الكلام في النبوة لا بد وأن يكون مسبوقا بمعرفة الإلاه وهذا الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإلاه عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته ، يجب أن لا يكون جسما ولا متحيزا ولا عرضا وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوما وقتل بعد أن كان حيا على قولكم وكان طفلا أولا ، ثم صار مترعرعا ، ثم صار شابا ، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديما والمحتاج لا يكون غنيا والممكن لا يكون واجبا والمتغير لا يكون دائما . والوجه الثاني : في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حيا على الخشبة ، وقد مزقوا ضلعه ، وأنه كان يحتال في الهرب منهم ، وفي الاختفاء عنهم ، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد ، فإن كان إلاها أو كان الإلاه حالا فيه أو كان جزءا من الإلاه حاك فيه ، فلم لم يدفعهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهما وبالله أنني لأتعجب جدا ! إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته ، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده . / والوجه الثالث : وهو أنه : إما أن يقال بأن الإلاه هو هذا الشخص الجسماني المشاهد ، أو يقال حل الإلاه بكليته فيه ، أو حل بعض الإلاه وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول : فلأن إلاه العالم لو كان هو ذلك الجسم ، فحين قتله اليهود كان ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إلاه العالم ، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إلاها ثم إن أشد الناس ذلا ودناءة اليهود ، فالإلاه الذي تقتله اليهود إلاه في غاية العجزا وأما الثاني : وهو أن الإلاه بكليته حل في هذا الجسم ، فهو أيضا فاسد ، لأن الإلاه لم يكن جسما ولا عرضا امتنع حلوله في الجسم ، وإن كان جسما ، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم ، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإلاه ، وإن كان عرضا كان محتاجا إلى المحل ، وكان الإلاه محتاجا إلى غيره ، وكل ذلك سخف ، وأما الثالث : وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإلاه ، وجزء من أجزائه ، فذلك أيضا محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلاهية ، فعند انفصاله عن الإلاه ، وجب أن لا يبقى الإلاه إلاها ، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلاهية ، لم يكن جزأ من الإلاه ، فثبت فساد هذه الأقسام ، فكان قول النصارى باطلا .
الوجه الرابع : في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى ، ولو كان إلاها لاستحال ذلك ، لأن الإلاه لا يعبد نفسه ، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور ، دالة على فساد قولهم ، ثم قلت للنصراني : وما الذي دلك على كونه إلاها ؟ فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإلاه تعالى ، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا ؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع ، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، فأقول : لما جوزت حلول الإلاه في بدن عيسى عليه السلام ، فكيف عرفت أن الإلاه ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات وجماد ؟ فقال : الفرق ظاهر ، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول ، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه ، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك ، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود ههنا ، فقلت له : تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإلاه في بدن عيسى : فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل ، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك ، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت : إن مذهبا يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية النحسة والركاكة . الوجه الخامس : أن قلب العصا حية ، أبعد في العقل من إعادة الميت حيا ، لأن المشاكلة / بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان ، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلاها ولا ابنا للإلاه ، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلاهية كان ذلك أولى ، وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام والله أعلم .
المسألة الثانية : روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام : ( إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم ) فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود / وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فإني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفى حلة : ألفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعا عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا ، وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث . المسألة الثالثة : { فمن حاجك فيه } أي في عيسى عليه السلام ، وقيل : الهاء تعود إلى الحق ، في قوله { الحق من ربك } ( هود : 17 ) { من بعد ما جاءك من العلم } ( البقرة : 145 ) بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية ، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل ، فقل تعالوا : أصله تعاليوا ، لأنه تفاعلوا من العلو ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فسكنت ، ثم حذفت لاجتماع الساكنين ، وأصله العلو والارتفاع ، / فمعنى تعالى ارتفع ، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء ، وصار بمنزلة هلم .
المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعد أن يدعو أبناءه ، فدعا الحسن والحسين ، فوجب أن يكونا ابنيه ، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام { ومن ذريته داوود وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله { وزكريا ويحيى وعيسى } ( الأنعام : 85 ) ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب ، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابنا والله أعلم . المسألة الخامسة : كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي ، وكان معلم الاثنى عشرية ، وكان يزعم أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام ، قال : والذي يدل عليه قوله تعالى : { وأنفسنا وأنفسكم } وليس المراد بقوله { وأنفسنا } نفس محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد منه ، أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة ، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمدا عليه السلام كان نبيا وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أن محمدا عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه / فيبقى فيما وراءه معمولا به ، ثم الإجماع دل على أن محمدا عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية ، ثم قال : ويؤيد الاستدلال بهذه الآية ، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف ، وهو قوله عليه السلام : ( من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في هيبته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم ، وذلك يدل على أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الآية على أن عليا رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل ، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم ، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضا من سائر الصحابة ، هذا تقدير كلام الشيعة ، والجواب : أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا عليه السلام أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان ، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، وأجمعوا على أن عليا رضي الله عنه ما كان نبيا ، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم ، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام .
/ المسألة السادسة : قوله { ثم نبتهل } أي نتباهل ، كما يقال اقتتل القوم وتقاتلوا واصطحبوا وتصاحبوا ، والابتهال فيه وجهان أحدهما : أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء ، وإن لم يكن باللعن ، ولا يقال : ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد والثاني : أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله ، أي لعنته وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن ، لأن معنى اللعن هو الإبعاد والطرد وبهله الله ، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله وناقة باهل لا صرار عليها ، بل هي مرسلة مخلاة ، كالرجل الطريد المنفي ، وتحقيق معنى الكلمة : أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنسانا ، فقال : علي بهلة الله إن كان كذا ، يقول : وكلني الله إلى نفسي ، وفرضني إلى حولي وقوتي ، أي من كلاءته وحفظه ، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها ، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها ، ويقال أيضا : رجل باهل ، إذا لم يكن معه عصا ، وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه ، والقول الأول أولى ، لأنه يكون قوله { ثم نبتهل } أي ثم نجتهد في الدعاء ، ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير : ثم نبتهل ، أي ثم نلتعن { فنجعل لعنت الله على الكاذبين } وهي تكرار ، بقي في الآية سؤالات أربع . السؤال الأول : الأولاد إذا كانوا صغارا لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد في الخبر أنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه ؟ . والجواب : إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنساء ، فيكون ذلك في حق البالغين عقابا ، وفي حق الصبيان لا يكون عقابا ، بل يكون جاريا مجرى إماتتهم وإيصال الآلام والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جدا فربما جعل الإنسان نفسه فداء لهم وجنة لهم ، وإذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر وأقوى في تخويف الخصم ، وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق معه . السؤال الثاني : هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ . الجواب : أنها دلت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين أحدهما : وهو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقا بذلك ، لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير : أن يرغبوا في مباهلته ، ثم لا ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان من أعقل الناس ، فلا يليق به أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم وثانيهما : إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته ، وإلا لما / أحجموا عن مباهلته . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم كانوا شاكين ، فتركوا مباهلته خوفا من أن يكون صادقا فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟ .
قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول : أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني : أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا : إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل ، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى . السؤال الثالث : أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله عليه وسلم ؟ حيث قالوا { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة ، فكذا ههنا ، وأيضا فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضا لقوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) . والجواب : الخاص مقدم على العام ، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك . السؤال الرابع : قوله { إن هاذا لهو القصص الحق } هل هو متصل بما قبله أم لا ؟ . والجواب : قال أبو مسلم : إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله { الكاذبين } وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان حق { ءان } أن تكون مفتوحة ، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله { لهو } كما في قوله { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ( العاديات : 11 ) وقال الباقون : الكلام تم عند قوله { على الكاذبين } وما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها والله أعلم . ! 7 < { إن هاذا لهو القصص الحق وما من إلاه إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } . > 7 < آل عمران : ( 62 - 63 ) إن هذا لهو . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قوله { إن هذا } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ومن الدعاء إلى المباهلة { لهو القصص الحق } والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين ، ويرشد / إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره ، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل . المسألة الثانية : { هو } في قوله { لهو القصص الحق } فيه قولان أحدهما : أن يكون فصلا وعمادا ، ويكون خبر { ءان } هو قوله { القصص الحق } . فإن قيل : فكيف جاز دخول اللام على الفصل ؟ . قلنا : إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود ، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ . والقول الثاني : إنه مبتدأ ، والقصص خبره ، والجملة خبر { ءان } . المسألة الثالثة : قرىء { لهو } بتحريك الهاء على الأصل ، وبالسكون لأن اللام ينزل من { هو } منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد . المسألة الرابعة : يقال : قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا ، وأصله اتباع الأثر ، يقال : خرج فلان قصصا ، وفي أثر فلان ، وقصا ، وذلك إذا اقتص أثره ، ومنه قوله تعالى : { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) وقيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبرا بعد خبر ، وسوقه الكلام سوقا ، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة .
ثم قال : { وما من إلاه إلا الله } وهذا يفيد تأكيد النفي ، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أنه ليس عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله { وما من إلاه إلا الله } مبالغة في أنه لا إلاه إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى . ثم قال : { وإن الله لهو العزيز الحكيم } وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى ، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلاهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزا غالبا لا يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه ؟ والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فيكون إلاها ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلاهية ، بل لا بد وأن يكون حكيما ، أي عالما بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر { العزيز الحكيم } ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } ( آل عمران : 6 ) . ثم قال : { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } والمعنى : فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو / الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزا غالبا قادرا على جميع المقدورات ، حكيما عالما بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزا غالبا ، وما كان حكيما عالما بالعواقب والنهايات . فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين / مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة ، قادر على مجازاتهم . ! 7 < { قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . > 7 < آل عمران : ( 64 ) قل يا أهل . . . . . > > @76@ واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا ، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كان عليه السلام حريصا على إيمانهم ، فكأنه تعالى قال : يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال ، و { قل ياأهل أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه ، وهي { أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } هذا هو المراد من الكلام ولنذكر الآن تفسير الألفاظ .
أما قوله تعالى : { من أهل الكتاب } ففيه ثلاثة أقوال أحدها : المراد نصارى نجران والثاني : المراد يهود المدينة والثالث : أنها نزلت في الفريقين ، ويدل عليه وجهان الأول : أن ظاهر اللفظ يتناولهما والثاني : روي في سبب النزول ، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام ، ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزيرا فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعندي أن الأقرب حمله على النصارى ، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولا ، ثم باهلهم ثانيا ، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف ، وترك المجادلة ، وطلب الإفحام والإلزام ، ومما يدل عليه ، أنه خاطبهم ههنا بقوله تعالى : { من أهل الكتاب } وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلا / لكتاب الله ، ونظيره ، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب الله ، وللمفسر يا مفسر كلام الله ، فإن هذا اللقب يدل على أن قاتله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه ، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف . أما قوله تعالى : { تعالوا } فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالا من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال ، ثم كثر استعماله حتى صار دالا على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه . أما قوله تعالى : { إلى كلمة سواء بيننا } فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ، لا ميل فيه لأحد على صاحبه ، والسواء هو العدل والإنصاف ، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف ، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير ، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف ، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال ، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل . ثم قال الزجاج { سوآء } نعت للكملة يريد : ذات سواء ، فعلى هذا قوله { كلمة سواء } أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية ، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة ، ثم قال : { أن لا نعبد إلا الله } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : محل { ءان } في قوله أن لا نعبد / فيه وجهان الأول : إنه رفع بإضمار ، هي : كأن قائلا قال : ما تلك الكلمة ؟ فقيل هي أن لا نعبد إلا الله والثاني : خفض على البدل من : كلمة . المسألة الثانية : إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها : { أن لا نعبد إلا الله } وثانيها : أن { لا نشرك به شيئا } وثالثها : أن { لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح ، ويشركون به غيره وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة : أب وابن وروح القدس ، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء ، وإنما قلنا : إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة ، لأنهم قالوا : إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح ، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم ، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم ، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا ، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فيدل عليه وجوه :
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?