Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V09/P047–V09/P049

واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة الله ، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم ههنا بالحشر إلى الله ، يروى أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم آثار العبادة ، فقال ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب الله ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ، فقالوا : نطلب الجنة والرحمة ، فقال : هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر ، فسألهم فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون ، فانظر في ترتيب هذه الآيات فانه قال في الآية الأولى : { لمغفرة من الله } وهو إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه ، ثم قال { ورحمة } وهو إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه ، ثم قال في خاتمة الآية : { لإلى الله تحشرون } وهو إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية ، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة ، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) وقال للمقربين من أهل الثواب : { عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه ، واستئناسهم بكرمه ، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته ، وهذا مقام فيه إطناب ، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه . ولنرجع إلى التفسير : كأنه قيل ان تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياما قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة ، ثم تتركونها لا محالة ، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم ، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها / وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى الله ، ووقوفكم على عتبة رحمة الله ، وتلذذكم بذكر الله ، فشتان ما بين هاتين الدرجتين والمنزلتين . واعلم أن في قوله : { لإلى الله تحشرون } دقائق : أحدها : أنه لم يقل : تحشرون إلى الله بل قال : لالى الله تحشرون ، وهذا يفيد الحصر ، معناه إلى الله يحشر العالمون لا إلى غيره ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو ، قال تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) وقال تعالى : { والامر يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ) وثانيها : أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال / على كمال الرحمة وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . وثالثها : إدخال لام التأكيد في اسم الله حيث قال : { لإلى الله } وهذا ينبهك على أن الالهية تقتضي هذا الحشر والنشر ، كما قال : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) ورابعها : أن قوله : { تحشرون } فعل ما لم يسم فاعله ، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله ، وإنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي ، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدىء ويعيد ، ومنه الانشاء والاعادة ، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة ، ونظيره قوله تعالى : { وقيل ياأرض أرض ابلعى ماءك } ( هود : 44 ) وخامسها : أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم ، وذلك ينبه العقل على أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة ، فهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الالهية . وسادسها : أن قوله : { تحشرون } خطاب مع الكل ، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون ويوقفون في عرصة القيامة وبساط العدل ، فيجتمع المظلوم مع الظالم ، والمقتول مع القاتل ، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور ، كما قال : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ) فمن تأمل في قوله تعالى : { لإلى الله تحشرون } وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية ، وتمسك القاضي بهذه الآية على أن المقتول ليس بميت ، قال : لأن قوله : { ولئن متم أو قتلتم } يقتضي عطف المقتول على الميت ، وعطف الشيء على نفسه ممتنع .

Section V09/P049

! 7 < { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الا مر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 159 ) فبما رحمة من . . . . . > > واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتغليط والتشديد ، وإنما خاطبهم بالكلام اللين ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم ، زاد / في الفضل والاحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على عفوه عنهم ، وتركه التغليظ عليهم فقال : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام . وفي الآية مسائل :

Section V09/P049–V09/P050

المسألة الأولى : اعلم أن لينه صلى الله عليه وسلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى : { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } ( الشعراء : 215 ) وقال : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ، وقال : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) وقال : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين لرءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه ) فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين ، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا . وروى أن امرأة عثمان دخلت عليه صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح ، فقالت : ما فعل ابن عفان ؟ أما والله لا تجدونه امام القوم ، فقال لها علي : ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم ، فقال عليه الصلاة والسلام ( مه ) وروي أنه قال حيئنذ : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا ، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال : ( لقد ذهبتم فيها عريضة ) وروي عن بعض الصحابة أنه قال : لقد أحسن الله إلينا كل الاحسان ، كنا مشركين ، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة ، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا ، فما كنا ندخل في الاسلام ، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة ، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الايمان ، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة . وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إنما أنا لكم مثل الوالد فاذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران : اعتبار حال القائل ، واعتبار حال الفاعل ، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) وقال : ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة ، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات ، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة ، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله : { نور على نور } ( النور : 35 ) وقوله : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وأما في القوة العملية ، فكما وصفه الله بقوله : { وإنك لعلى خلق عظيم } كأنها من جنس أرواح الملائكة ، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب / ولا تتأثر من حب المال والجاه ، فان من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر ، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات / كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات ، وإذا لم تمل اليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات ، وهذه الخواص نظرية ، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال .

Section V09/P050

وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ) فانه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الالهية ، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر ، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب ، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به ، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات ، فلا ينازع أحدا من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها ، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها ، ومتى كان الانسان كذلك كان حسن الخلق ، طيب العشرة مع الخلق ، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق ، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق .

Section V09/P050

المسألة الثانية : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله : { فبما رحمة من الله لنت لهم } وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق ، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى ، فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين ، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والارشاد ، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، فاذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء ، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفادا من رحمة الله ، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا ، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره ، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد ، لأن كل ما كان ممكنا من الألطاف ، فقد فعله في حق المكلفين ، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف ، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله ، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف ، ووجب إيصاله اليه ، ومتى لم يفعل امتنع ايصاله ، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله . المسألة الثالثة : ذهب الأكثرون إلى أن ( ما ) في قوله : { فبما رحمة من الله } صلة زائدة ومثله في القرآن كثير ، كقوله : { عما قليل } و { جند ما هنالك } ( ص : 11 ) { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ، المائدة : 13 ) { من خطاياهم } ( العنكبوت : 12 ) قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه ، قال تعالى : { فلما أن جاء البشير } ( يوسف : 96 ) أراد فلما جاء ، فأكد بأن ، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر ، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب تقديره : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة / ثم انه ما أظهر ألبتة ، تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا هو الأصوب عندي .

Section V09/P050–V09/P051

المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة ، فاذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئا من ذلك / واذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الافعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : ان كل رحيم سوى الله تعالى فانه يستفيد برحمته عوضا ، اما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ، أو طلبا للذكر الجميل ، فاذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فان من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الالم ، فيخلصه عن ذلك الالم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الاعراض لم يرحم ألبتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ، وثالثها : ان كل من رحم غيره فانه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الاعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام : ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) وقال في صفة محمد عليه السلام : { بالمؤمنين لرءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ثم قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } . واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل . المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه الله تعالى : الفظ ، الغليظ الجانب السيء الخلق ، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله : حذر من حذرت ، وفرق من فرقت ، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب ، وأصله صبب ، وأما ( الفض ) بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم تفرقوا ، قال تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك . فان قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟ قلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ، فقد / لا يكون الانسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه .

Section V09/P051–V09/P052

المسألة الثانية : ان المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا اذا مالت قلوبهم اليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا اذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام باعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : { ولو كنت فظا القلب لانفضوا من حولك } ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة . وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال : { فبما رحمة من الله لنت لهم } يوم أحد حين عادوا اليك بعد الانهزام { ولو كنت فظا غليظ القلب } وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم . المسألة الثالثة : اللين والرفق انما يجوز اذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ، فأما اذا أدى إلى ذلك لم يجز ، قال تعالى : { العظيم ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ( النور : 2 ) . وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية ، وأمره بالغلظة في قوله : { واغلظ عليهم } فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو كقوله : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقوله : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) وتحقيق القول فيه ان طرفي الافراط والتفريط مذمومان ، والفضيلة في الوسط ، فورود الامر بالتغليظ تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط ، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم ، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . ثم قال تعالى : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر } واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل . المسألة الأولى : ان كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى ، قال عليه السلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : ( فاعف عنهم ) فيما يتعلق بحقك ( واستغفر لهم ) فيما يتعلق بحق الله تعالى . المسألة الثالثة : ظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى : { فاعف عنهم } يدل على التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال ، وهذا يدل على كمال الرحمة الالهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم . واعلم أن قوله : { فاعف عنهم } إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم اليه فقال تعالى : { والعافين عن الناس } ليعلم أن حسنات الأبرار سيآت المقربين . وثانيها : قوله تعالى : { واستغفر لهم } وفي الآية مسائل :

Section V09/P052–V09/P054

المسألة الأولى : في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر ، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى : { ومن يولهم يومئذ دبره } إلى قوله : { فقد باء بغضب من الله } ( الأنفال : 16 ) فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم انه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعفو عنهم ، ثم أمره بالاستغفار لهم ، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا . المسألة الثانية : قوله تعالى : { واستغفر لهم } أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر ، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه اليه ، لأن ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى . المسألة الثالثة : أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله : { ولقد عفا الله عنهم } ( آل عمران : 155 ) ثم أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له : يا محمد استغفر لهم فاني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فاني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها : قوله تعالى : { وشاورهم فى الامر } وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله : { وإذ هم نجوى } ( الإسراء : 47 ) قيل : المشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته / وقيل مأخوذة من قولهم : شرت الدابة شورا إذا عرضتها ، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشوارا ، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره ، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها . / المسألة الثانية : الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه : الأول : أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم ، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته ، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك اهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة . الثاني : أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فانه عليه السلام قال : ( أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم ) ولهذا السبب قال عليه السلام : ( ما تشاور قوم قط الا هدوا لأرشد أمرهم ) الثالث : قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته . الرابع : أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى أن يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر . فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة . الخامس : وشاورهم في الأمر ، لا لتستفيد منهم رأيا وعلما ، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم . السادس : وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج اليهم ، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات . وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد . السابع : لما أمر الله محمدا عليه السلام بمشاورتهم ذل ذلك على أن لهم عند الله قدرا وقيمة ، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق . الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم ، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وان عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة ، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل أنا أزيد فيها ، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم ، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك ، والسبب فيه انكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، والآن تعولون على فضلي وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم . والوجوه الثلاثة الأول مذكورة ، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع والله أعلم بمراده وأسرار كتابه .

Section V09/P054–V09/P055

/ المسألة الثالثة : اتفقوا على ان كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال الكلبي وكثير من العلماء : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجته ان الألف واللام في لفظ ( الأمر ) ليسا للاستغراق ، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه ، فوجب حمل الألف واللام ههنا على المعهود السابق ، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو ، فكان قوله : { وشاورهم فى الامر } مختصا بذلك / ثم قال القائلون بهذا القول : قد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه ، فأشار عليه السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا ، فقبل منهما وخرق الصحيفة ، ومنهم من قال : اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي ، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال : { فاعتبروا ياأولى أولى الابصار } ( الحشر : 2 ) وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار ، ومدح المستنبطين فقال : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( النساء : 83 ) وكان أكثر الناس عقلا وذكاء ، وهذا يدل على أنه كان مأمورا بالاجتهاذ إذا لم ينزل عليه الوحي ، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأمورا بالمشاورة . وقد شاورهم يوم بدر في الاساري وكان من أمور الدين ، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم ، ثم ان ابليس خص نفسه بالقياس وهو قوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) فصار ملعونا ، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب . المسألة الرابعة : ظاهر الأمر للوجوب فقوله : { وشاورهم } يقتضي الوجوب ، وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام : ( البكر تستأمر في نفسها ) ولو أكرهها الأب على النكاح جاز ، لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا ههنا . المسألة الخامسة : روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال : الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعندي فيه اشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية ، إلا أن أبا بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية والله أعلم . ثم قال : { فإذا عزمت فتوكل على الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه / بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع الأمور . المسألة الثانية : دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الانسان نفسه ، كما يقوله بعض الجهال ، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل ، بل التوكل هو أن يراعي الانسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعول بقلبه عليها ، بل يعول على عصمة الحق .

Section V09/P055–V09/P056

المسألة الثالثة : حكي عن جابر بن زيد أنه قرأ { فإذا عزمت } بضم التاء ، كأن الله تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل ، وهذا ضعيف من وجهين : الأول : وصف الله بالعزم غير جائز ، ويمكن أن يقال : هذا العزم بمعنى الايجاب والالزام ، والمعنى وشاورهم في الأمر ، فاذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه . فتوكل علي ، ولا تشاور بعد ذلك أحدا . والثاني : أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن والله أعلم . ثم قال تعالى : { إن الله يحب المتوكلين } والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع إلى الله تعالى والاعراض عن كل ما سوى الله . ! 7 < { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 160 ) إن ينصركم الله . . . . . > > قال ابن عباس : ان ينصركم الله كما نصركم يوم بدر . فلا يغلبكم أحد ، وان يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة ، والتحذير عن المعصية ، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله ، وهو قوله : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة } ( آل عمران : 125 ) ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له ، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين ، ان من اتقى الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فانه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه ، ويصير غالبا لا يغلبه أحد ، وأما من أتى بالمعصية فان الله يخذله ، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها ، وذل لا عز معه . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الايمان لا يحصل الا باعانة الله ، والكفر لا يحصل الا بخذلانه ، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله . المسألة الثالثة : قرأ عبيد بن عمير { وإن يخذلكم } من أخذله اذا جعله مخذولا . المسألة الرابعة : قوله : { من بعده } فيه وجهان : الأول : يعني من بعد خذلانه ، والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن اليك من بعد فلان . ثم قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله ، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه ، وجب أن لا يتوكل المؤمن الا عليه ، وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يفيد الحصر ، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره . ! 7 < { وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 161 ) وما كان لنبي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بلغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد . ومن جملتها المنع من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل :

Section V09/P056–V09/P057

المسألة الأولى : الغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في الصدر . والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه ) وقال : ( هدايا الولاة غلول ) وقال : ( ليس على المستعير غير المغل ضمان ) وقال : ( لا إغلال ولا إسلال ) وأيضا يقال : أغله اذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل ) بفتح الياء وضم الغين ، أي ما كان للنبي أن يخون ، وقرأ الباقون من السبعة ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ، أي ما كان للنبي أن يخان . واختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى . وبعضها يوافق القراءة الثانية . / أما النوع الأول : ففيه روايات : الأولى : أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم ) فأنزل الله هذه الآية . الثاني : أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي ، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم ، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية . الثالث : روى عكرمة وسعيد بن جبير : أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت هذه الآية . الرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية . الخامس : روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية . السادس : قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم ) فنزلت هذه الآية . واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول ، بأن يعطى للبعض دون البعض .

Section V09/P057

وأما ما يوافق القراءة الثانية : فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين ، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية . واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر ، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين ) وعن عبدالله بن عمرو : أن رجلا كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له : كركرة فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو في النار ، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما / وقال عليه الصلاة والسلام : ( أدوا الخيط والمخيط فانه عار ونار وشنار يوم القيامة ) وروي رويفع بن ثابت الانصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى اذا أخلقه رده ) وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان / كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل علي جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( شراك أو شراكان من نار ) ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال القوم لما مات : هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام : ( كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا ) واعلم أنه يستثنى عن هذ النهي حالتان . الحالة الأولى : أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبدالله بن أبي أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا على اسم الله . الحالة الثانية : اذا احتاج اليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به . المسألة الثالثة : أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) يعني : الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أي ما كان الله ليتخذ ولدا .

Section V09/P057–V09/P058

الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : ان القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وقوله : { ولو نقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 44 ) فقوله : { وما كان لنبى أن يغل } أي ما كان يحل له ذلك ، واذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهاذا } ( النور : 16 ) أي ما يحل لنا . وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : أحدها : أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه / إلى الفاعل كقوله : { ما كان لنا أن نشرك بالله } و { ما كان ليأخذ أخاه } ( يوسف : 76 ) { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : 145 ) { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ( يوسف : 38 ) { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) وقل أن يقال : ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالاعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء . وثالثها : أن هذه القراءة اختيار ابن عباس : فقيل له ان ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس : كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون المعنى : ما كان للنبي أن يخان . واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد : أحدها : أن المجنى عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها : أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها : ان المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش . الوجه الثاني : في التأويل : أن يكون من الاغل : أن يخون ، أي ينسب إلى الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته إلى الكفر ، قال العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : يعلل ، كما قيل : يفسق ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال : إنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك . قال صاحب ( الكشاف ) : وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن هذا المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا ، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان غالا .

Section V09/P058–V09/P059

المسألة الرابعة : قد ذكرنا ان الغلول هو الخيانة ، إلا أنه في عرف الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة ، وقد جاء هذا أيضا في غير الغنيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فان اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من الأرضين السبع ) وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ عن جميع الخيانات ، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات أن يخون الناسا ثم قال تعالى : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وفيه وجهان : الأول : وهو قول أكثر / المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها ، قالوا : وهي نظير قوله في مانع الزكاة { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا } ( التوبة : 35 ) ويدل عليه قوله : ( لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ) وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ثم يقال له : انزل اليه فخذه فينزل اليه ، فاذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه . قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته . الوجه الثاني : أن يقال : ليس المقصود منه ظاهره ، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير ، ونظيره قوله تعالى : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السماوات أو فى الارض يأت بها الله } ( لقمان : 16 ) فانه ليس المقصود نفس هذا الظاهر : بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين : الأول : قال أبو مسلم : المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه ، لأنه لا يخفى عليه خافية . الثاني : قال أبو القاسم الكعبي : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء ، واعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة ، إلا إذا قام دليل يمنع منه ، وههنا لا مانع من هذا الظاهر ، فوجب اثباته . ثم قال تعالى : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } وفيه سؤالان : السؤال الأول : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله ؟ والجواب : الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيرا أو شرا ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب . السؤال الثاني : المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا ، وفي إثبات وعيد الفساق . أما الأول : فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه ، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه . وأما الثاني : فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد : { فجزاؤه جهنم } ( النساء : 93 ) وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساف . والجواب : أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص / في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو .

Section V09/P059–V09/P060

ثم قال تعالى : { وهم لا يظلمون } قال القاضي : هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال : ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة : ان أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك . الجواب : نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما أن قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) لا يدل على صحتهما عليه . ! 7 < { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } . > 7 ! < < آل عمران : ( 162 ) أفمن اتبع رضوان . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } ( البقرة : 281 ، آل عمران : 161 ) أتبعه بتفصيل هذه الجملة ، وبين ان جزاء المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو ، فقال : { أفمن اتبع رضوان الله } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجوه : الأول : { أفمن اتبع رضوان الله } في ترك الغلول { كمن باء بسخط من الله } في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي والضحاك . الثاني : أفمن اتبع رضوان الله بالايمان به والعمل بطاعته ، كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته ، الثالث : { أفمن اتبع رضوان الله } وهم المهاجرون ، { كمن باء بسخط من الله } وهم المنافقون ، الرابع : قال الزجاج : لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ، ففعله بعضهم وتركه آخرون . فقال : { أفمن اتبع رضوان الله } وهم الذين امتثلوا أمره { كمن باء بسخط من الله } وهم الذين لم يقبلوا قوله ، وقال القاضي : كل واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه { أفمن اتبع رضوان الله } وكل من أخلد إلى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله : { كمن باء بسخط من الله } أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب . المسألة الثانية : قوله : { أفمن اتبع } الهمزة فيه للانكار ، والفاء للعطف على محذوف تقديره : أمن اتقى فاتبع رضوان الله . / المسألة الثالثة : قوله : { باء بسخط } أي احتمله ورجع به ، وقد ذكرناه في سورة البقرة . المسألة الرابعة : قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه : { رضوان الله } بضم الراء ، والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان . المسألة الخامسة : قوله : { ومأواه جهنم } من صلة ما قبله والتقدير : كمن باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم ، فأما قوله : { وبئس المصير } فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها .

Section V09/P060–V09/P061

المسألة السادسة : نظير هذه الآية قوله تعالى : { ما يحكمون وخلق الله السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا } ( الجاثية : 21 ) وقوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) وقوله : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا : انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، والا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسيء بالمحسن ، فان فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات . ! 7 < { هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 163 ) هم درجات عند . . . . . > > وفيه مسائل . المسألة الأولى : تقدير الكلام : لهم درجات عند الله ، الا أنه حسن هذا الحذف ، لان اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها . فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون : ان النفوس الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الامزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) وقال : ( الارواح جنود مجندة ) واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات . المسألة الثانية : هم : عائد إلى لفظ ( من ) في قوله : { أفمن اتبع رضوان الله } ( آل عمران : 162 ) ولفظ ( من ) يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن يكون قوله : { هم } عائدا اليه ، ونظيره قوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } فان قوله : { يستوون } صيغة الجمع وهو عائد إلى ( من ) . المسألة الثالثة : هم : ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائدا إلى الاول ، أو إلى الثاني ، أو اليهما معا ، والاحتمالات ليست الا هذه الثلاثة .

Section V09/P061–V09/P062

الوجه الأول : أن يكون عائدا إلى { من اتبع رضوانه الله } وتقديره : أفمن اتبع رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، والذي يدل على ان هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : الأول : ان الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . الثاني : أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله : { هم درجات } وصفا لمن اتبع رضوان الله . الثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فان الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، قال تعالى : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } وقال : { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) فما أضاف هذه الدرجات إلى نفسه حيث قال : { هم درجات عند الله } علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب . ورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ( الإسراء : 21 ) . والوجه الثاني : أن يكون قوله : { هم درجات } عائدا على { من باء بسخط من الله } والحجة أن الضمير عائد إلى الأقرب وهو قول الحسن ، قال : والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله : { ولكل درجات مما عملوا } ( الأحقاف : 19 ) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان فيها أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يعلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي ) . الوجه الثالث : أن يكون قوله : { هم } عائدا إلى الكل ، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ، لأنه تعالى قال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب . المسألة الرابعة : قوله : { عند الله } أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما يقال : هذه المسألة عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله : { ومن عنده لا يستكبرون } ( الأنبياء : 19 ) وقوله : { عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) .

Section V09/P062–V09/P063

/ ثم قال تعالى : { والله بصير بما يعملون } والمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفى لكل أحد بقدر عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا اذا كان عالما بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان ، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى ، وهو قوله : { والله بصير بما يعملون } وذكر محمد بن إسحاق صاحب المغازي في تأويل قوله : { وما كان لنبى أن يغل } ( آل عمران : 161 ) وجها آخر فقال : ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به اليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال : { أفمن اتبع رضوان الله } يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق ، وسخط الله على سخط الخلق ، { كمن باء بسخط من الله } فرجح سخط الخلق على سخط الله ، ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما قال : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر } ( آل عمران : 159 ) بين أن ذلك إنما يكون معتبرا اذا كان على وفق الدين ، فأما اذا كان على خلاف الدين فانه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته ، وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة فهو عرف حادث . ! 7 < { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 164 ) لقد من الله . . . . . > > اعلم أن في وجه النظم وجوها : الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لان هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والامانة والدعوة إلى الله والاعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة . الوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال : لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : ان وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فانه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الانسان إلى الخيانة . الوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : انه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول / والدناءة ، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح اليه على خلاف العقل . الوجه الرابع : انه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل :

Section V09/P063–V09/P064

المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ( البقرة : 57 ) وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( البقرة : 264 ) وثالثها : القطع وهو قوله : { لهم أجر غير } ( فصلت : 8 ) { بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون } ورابعها : الانعام والاحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : { هاذا عطاؤنا فامنن أو أمسك } ( ص: 39 ) وقوله : { ولا تمنن تستكثر } والمنان في صفة الله تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : { لقد من الله على المؤمنين } أي أنعم عليهم وأحسن اليهم ببعثه هذا الرسول . المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) مع أنه هدى للكل ، كما قال : { هدى للناس } ( البقرة : 185 ) وقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) . المسألة الثالثة : اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم انه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين : أحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره . أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) قال أبو عبدالله الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : ان الخلق وان كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من / الغلط ومن الاقدام على ما لا ينبغي . والثالث : أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى انه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها . الرابع : أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر ، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل الا عند سطوع نور الشمس ، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس ، فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة . وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات ، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله : { من أنفسهم } .

Section V09/P064–V09/P065

واعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه : الأول : أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف ، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة على الصدق ، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة ، وبعده عن الخيانة والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح أنواع الكذب ، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى . الثاني : أنهم كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا ، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة ، ثم انه بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين ، ثم انه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم ، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا بالوحي السماوي والالهام الالهي . الثالث : أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة ، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله ، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا ، فاذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها ، فلما لم يفعل شيئا من ذلك علم أنه كان صادقا . الرابع : أن الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير الطاعات ، ومعلوم أن كمال الانسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله . الخامس : أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان ، / وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة . ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها . ولا شك أن فيه أعظم المنة . إذا عرفت هذه الوجوه فنقول : ان محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال . فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال : { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخر لهم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وذلك لأن الافتخار بابراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب . ثم ان اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والانجيل ، فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة في قوله : { من أنفسهم } . ثم قال بعد ذلك : { يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } .

Questions

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 89 · Qur'an & Sunnah