Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( جعلنا ) بمعنى صيرنا لتعديه إلى مفعولين وقد تقدم ( البيت ) يعني الكعبة ( مثابة ) أي مرجعا يقال : ثاب يثوب مثابا ومثابة وثؤوبا وثوبانا فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب إليه أي يرجع إليه قال ورقة بن نوفل في الكعبة : مثابا لأفناء القبائل كلها تخب إليها اليعملات الذوامل وقرأ الأعمش مثابات على الجمع ويحتمل أن يكون من الثواب أي يثابون هناك وقال مجاهد : لا يقضى أحد منه وطرا قال الشاعر : جعل البيت مثابا لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر والأصل مثوبة قلبت حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفا اتباعا لثاب يثوب وانتصب على المفعول الثاني ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا فهي كنسابة وعلامة قاله الأخفش وقال غيره : هي هاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة فإن قيل : ليس كل من جاءه يعود إليه قيل : ليس يختص بمن ورد عليه وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة ولا يعدم قاصدا من الناس والله تعالى أعلم الثانية قوله تعالى : ( وأمنا ) استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه وعضدوا ذلك بقوله تعالى ومن دخله كان آمنا آل عمران كأنه قال آمنوا من دخل البيت والصحيح إقامة الحدود في الحرم وأن ذلك من المنسوخ لأن الإتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت ويقتل خارج البيت وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا والحرم لا يقع عليه أسم البيت حقيقة وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به ولو آتى حدا أقيد منه فيه ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه وقال أبو حنيفة : من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج فنحن نقتله بالسيف وهو يقتله بالجوع والصد فأي قتل أشد من هذا وفي قوله : وأمنا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة ولا يحج إليه الناس ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه وسياتي بيان هذا في المائدة إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : واتخذوا قرأ نافع وبن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم وهو معطوف على جعلنا أي جعلنا البيت مثابة واتخذوه مصلى وقيل هو معطوف على تقدير إذ كأنه قال : وإذ جعلنا البيت مثابة وإذ اتخذوا فعلى الأول الكلام جملة واحدة وعلى الثاني جملتان وقرأ جمهور القراء واتخذوا بكسر الخاء على جهة الأمر قطعوه من الأول وجعلوه معطوفا جملة على جملة قال المهدوي : يجوز أن يكون معطوفا على اذكروا نعمتي كأنه قال ذلك لليهود أو على معنى إذ جعلنا البيت لأن معناه اذكروا إذ جعلنا أو على معنى قوله : مثابة لأن معناه ثوبوا الثانية روى بن عمر قال قال عمر وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر خرجه مسلم وغيره وخرجه البخاري عن أنس قال قال عمر : وافقت الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث الحديث وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس بن مالك قال قال عمر : وافقت ربي في أربع قلت يا رسول الله : لو صليت خلف المقام فنزلت هذه الآية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت : يا رسول الله لو ضربت على نسائك الحجاب فانه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ونزلت هذه الآية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت : فتبارك الله أحسن الخالقين ودخلت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : لتنتهن أو ليبدلنه الله بأزواج خير منكن فنزلت الآية : عسى ربه إن طلقكن قلت : ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى فتكون موافقة عمر في خمس الثالثة قوله تعالى : ( من مقام ) المقام في اللغة : موضع القدمين قال النحاس : مقام من قام يقوم ويكون مصدرا وأسما للموضع ومقام من أقام فأما قول زهير : وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل فمعناه : فيهم أهل مقامات واختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم وهذا قول جابر بن عبد الله وبن عباس وقتادة وغيرهم وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت إستلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فصلى ركعتين قرأ فيهما ب قل هو الله أحد الإخلاص وقل يا أيها الكافرون الكافرون وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات لأهل مكة أفضل ويدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل على ما ياتي وفي البخاري : أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت وغرقت قدماه فيه قال أنس : رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم حكاه القشيري وقال السدي : المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه وعن بن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وعطاء : الحج كله وعن عطاء : عرفة ومزدلفة والجمار وقاله الشعبي النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم وقاله مجاهد قلت : والصحيح في المقام القول الأول حسب ما ثبت في الصحيح وخرج أبو نعيم من حديث محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام أو الباب والمقام وهو يدعو ويقول : اللهم اغفر لفلان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ( فقال : رجل استودعني أن أدعو له في هذا المقام فقال : ( ارجع فقد غفر لصاحبك ( قال أبو نعيم : حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي قال حدثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدثنا عبد الرحمن بن القاسم القطان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن محمد بن سوقة فذكره قال أبو نعيم : كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر وإنما يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن بن عباس ومعنى مصلى : مدعي يدعى فيه قاله مجاهد وقيل : موضع صلاة يصلي عنده قاله قتادة وقيل : قبلة يقف الإمام عندها قاله الحسن قوله تعالى : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعهدنا ) قيل : معناه أمرنا وقيل : أوحينا ( أن طهرا ) أن في موضع نصب على تقدير حذف الخافض وقال سيبويه : إنها بمعنى أي مفسرة فلا موضع لها من الإعراب وقال الكوفيون : تكون بمعنى القول وطهرا قيل معناه : من الأوثان عن مجاهد والزهري وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير : من الآفات والريب وقيل : من الكفار وقال السدي : أبنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة فيجيء مثل قوله : أسس على التقوى وقال يمان : بخراه وخلقاه ( بيتي ) أضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك وقرأ الحسن وبن أبي إسحاق وأهل المدينة وهشام وحفص : بيتي بفتح الياء والآخرون باسكانها الثانية قوله تعالى : ( للطائفيين ) ظاهره الذين يطوفون به وهو قول عطاء وقال سعيد بن جبير : معناه للغرباء الطارئين على مكة وفيه بعد ( وللعاكفين ) المقيمين من بلدي وغريب عن عطاء وكذلك قوله : للطائفين والعكوف في اللغة : اللزوم والإقبال على الشيء كما قال الشاعر : عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال مجاهد : العاكفون المجاورون بن عباس : المصلون وقيل : الجالسون بغير طواف والمعنى متقارب ( والركع السجود ) أي المصلون عند الكعبة وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلى إلى الله تعالى وقد تقدم معنى الركوع والسجود لغة والحمد لله الثالثة لما قال الله تعالى أن طهرا بيتي دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمة في التطهير والنظافة وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها أو لكونها أعظم حرمة والأول أظهر والله أعلم وفي التنزيل في بيوت أذن الله أن ترفع وهناك يأتي حكم المساجد إن شاء الله تعالى وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا أتدري أين أنت وقال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين أنذر قومك ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة والسنة صادقة وأيد نقية وفروج طاهرة وألا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ( الرابعة استدل الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت قال الشافعي رحمه الله : إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة وكذلك من صلى على ظهرها لأنه لم يستقبل منها شيئا وقال مالك : لا يصلي فيه الفرض ولا السنن ويصلي فيه التطوع غير أنه إن صلى فيه الفرض اعاد في الوقت وقال أصبغ : يعيد أبدا قلت : وهو الصحيح لما رواه مسلم عن بن عباس قال : أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج منه فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين وقال : ( هذه القبلة ( وهذا نص فإن قيل : فقد روى البخاري عن بن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي البيت فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته : هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم بين العمودين اليمانيين وأخرجه مسلم وفيه قال : جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة قلنا : هذا يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا كما قال أسامة ويحتمل أن يكون صلى الصلاة العرفية وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به فإن قيل : فقد روى بن المنذر وغيره عن أسامة قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم صورا في الكعبة فكنت آتية بماء في الدلو يضرب به تلك الصور وخرجه أبو داود الطيالسي قال : حدثنا بن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال حدثنا عمير مولى بن عباس عن أسامة بن زيد قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صورا قال : فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول : ( قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون ( فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حالة مضي أسامة في طلب الماء فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة فكان من أثبت أولى ممن نفى وقد قال أسامة نفسه : فأخذ الناس بقول بلال وتركوا قولي وقد روى مجاهد عن عبد الله بن صفوان قال قلت لعمر بن الخطاب : كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة قال : صلى ركعتين قلنا : هذا محمول على النافلة ولا نعلم خلافا بين العلماء في صحة النافلة في الكعبة وأما الفرض فلا لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى : فولوا وجوهكم شطره على ما يأتي بيانه وقوله صلى الله عليه وسلم لما خرج : ( هذه القبلة ( فعينها كما عينها الله تعالى ولو كان الفرض يصح داخلها لما قال : ( هذه القبلة ( وبهذا يصح الجمع بين الأحاديث وهو أولى من إسقاط بعضها فلا تعارض والحمد لله الخامسة واختلفوا أيضا في الصلاة على ظهرها فقال الشافعي ما ذكرناه وقال مالك : من صلى على ظهر الكعبة أعاد في الوقت وقد روي عن بعض أصحاب مالك : يعيد أبدا وقال أبو حنيفة : من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه السادسة واختلفوا أيضا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به فقال مالك : الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل وذكر عن بن عباس وعطاء ومجاهد والجمهور على أن الصلاة أفضل وفي الخبر : ( لولا رجال خشع وشيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصببنا عليكم العذاب صبا ( وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب ( السابق واللاحق ) عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المذنبين صبا ( لم يذكر فيه وشيوخ ركع وفي حديث أبي ذر ( الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل ( خرجه الآجرى والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور والله تعالى أعلم < <
البقرة : ( 126 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . > > < > ( البقره 126 ) <
> وفيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( بلدا آمنا ) يعني مكة فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا فسميت الطائف لذلك ثم أنزلها تهامة وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرأ لا ماء ولا نبات فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها وأنبت فيها أنواع الثمرات على ما يأتي بيانه في سورة إبراهيم إن شاء الله تعالى الثانية اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين : أحدهما أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين ومن الخسوف والزلازل وسائر المثلات التي تحل بالبلاد وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها أمنا من القحط والجدب والغارات وأن يرزق أهله من الثمرات لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لابراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال : طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم هذا بعيد جدا الثاني أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا احتج أهل المقالة الأولى بحديث بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلاها ( فقال العباس : يا رسول الله الإ الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : ( الا الإذخر ( ونحوه حديث أبي شريح أخرجهما مسلم وغيره وفي صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة ( قال بن عطية : ولا تعارض بين الحديثين لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور وكان القول الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالا لنفسه ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه وقال الطبري : كانت مكة حراما فلم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها الثالثة قوله تعالى : ( وارزق أهله من الثمرات من آمن ) تقدم معنى الرزق والثمرات جمع ثمرة قد تقدم من آمن بدل من أهل بدل البعض من الكل والإيمان : التصديق وقد تقدم ( قال ومن كفر ) من في قوله ومن كفر في موضع نصب والتقدير وارزق من كفر ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وهي شرط والخبر فأمتعه وهو الجواب واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام فقال أبي بن كعب وبن إسحاق وغيرهما : هو من الله تعالى وقرءوا فأمتعه بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء ( ثم أضطره ) بقطع الألف وضم الراء وكذلك القراء السبعة خلا بن عامر فإنه سكن الميم وخفف التاء وحكي أبو إسحاق الزجاج أن في قراءة أبي فنمتعه قليلا ثم نضطره بالنون وقال بن عباس ومجاهد وقتادة : هذا القول من إبراهيم عليه السلام وقرءوا فأمتعه بفتح الهمزة وسكون الميم ثم أضطره بوصل الألف وفتح الراء فكان إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين وعليه فيكون الضمير في قال لإبراهيم وأعيد قال لطول الكلام أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين والفاعل في قال على قراءة الجماعة أسم الله تعالى واختاره النحاس وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة قال : ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا ثم جاء بقوله عز وجل : وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ولم يفصل بينه بقال ثم قال بعد : قال ومن كفر فكان هذا جوابا من الله ولم يقل بعد : قال إبراهيم وأما التفسير فقد صح عن بن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب وهذا لفظ بن عباس : دعا عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار قال أبو جعفر : وقال الله عز وجل : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وقال جل ثناؤه : وأمم سنمتعهم قال أبو إسحاق : إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين لأن الله تعالى قال : لا ينال عهدي الظالمين < <
البقرة : ( 127 ) وإذ يرفع إبراهيم . . . . . > > < > ( البقره 127 ) <
> قوله تعالى : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) القواعد : أساسه في قول أبي عبيدة والفراء وقال الكسائي : هي الجدر والمعروف أنها الأساس وفي الحديث : ( إن البيت لما هدم أخرجت منه حجارة عظام ( فقال بن الزبير : هذه القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام وقيل : إن القواعد كانت قد اندرست فأطلع الله إبراهيم عليها بن عباس : وضع البيت على أركان رآها قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته والقواعد واحدتها قاعدة والقواعد من النساء واحدها قاعد واختلف الناس فيمن بنى البيت أولا وأسسه فقيل : الملائكة روي عن جعفر بن محمد قال : سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت فقال : إن الله عز وجل لما قال : إني جاعل في الأرض خليفة قالت الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك البقرة فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة اشواط يسترضون ربهم حتى رضي الله عنهم وقال لهم ابنوا لي بيتا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي فأرضى عنه كما رضيت عنكم فبنوا هذا البيت وذكر عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء وبن المسيب وغيرهما أن الله عز وجل أوحى إلى آدم : إذا هبطت بن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في السماء قال عطاء : فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل : من حراء ومن طور سينا ومن لبنان ومن الجودي ومن طور زيتا وكان ربضة من حراء قال الخليل : والربض ها هنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر ومنه يقال لما حول المدينة : ربض وذكر الماوردي عن عطاء عن بن عباس : قال لما أهبط آدم من الجنة إلى الأرض قال له : يا آدم اذهب فابن لي بيتا وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي فأقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض وقبضت له المفازة فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عمرانا حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة السفلى وقذفت إليه الملائكة بالصخر فما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا وانه بناه من خمسة أجبل كما ذكرنا وقد روي في بعض الأخبار : أنه أهبط لآدم عليه السلام خيمة من خيام الجنة فضربت في موضع الكعبة ليسكن إليها ويطوف حولها فلم تزل باقية حتى قبض الله عز وجل آدم ثم رفعت وهذا من طريق وهب بن منبه وفي رواية : أنه أهبط معه بيت فكان يطوف به والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق ثم رفعه الله فصار في السماء وهو الذي يدعى البيت المعمور روي هذا عن قتادة ذكره الحليمي في كتاب منهاج الدين له وقال : يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت أي أهبط معه مقدار البيت المعمور طولا وعرضا وسمكا ثم قيل له : بن بقدره وتحرى أن يكون بحياله فكان حياله موضع الكعبة فبناها فيه وأما الخيمة فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة طمانينة لقلب آدم صلى الله عليه وسلم ما عاش ثم رفعت فتتفق هذه الأخبار فهذا بناء آدم عليه السلام ثم بناه إبراهيم عليه السلام قال بن جريج وقال ناس : أرسل الله سحابة فيها رأس فقال الرأس : يا إبراهيم إن ربك يأمرك ان تأخذ بقدر هذه السحابة فجعل ينظر إليها ويخط قدرها ثم قال الرأس : إنه قد فعلت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أن الله تعالى لما أمر إبراهيم بعمارة البيت خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر وبعث معه السكينة لها لسان تتكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت ويروح معها إذا راحت حتى انتهت به إلى مكة فقالت لإبراهيم : بن علي موضعي الأساس فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الركن فقال لابنه يا بني آبغني حجرا أجعله علما للناس فجاءه بحجر فلم يرضه وقال : آبغني غيره فذهب يلتمس فجاءه وقد أتى بالركن فوضعه موضعه فقال : يا أبة من جاءك بهذا الحجر فقال : من لم يكلني إليك بن عباس : صالح أبو قبيس : يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت : أن ارفعا علي تربيعي فهذا بناء إبراهيم عليه السلام وروي أن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن رفع قواعد البيت روى الترمذي الحكيم حدثنا عمر بن أبي عمر حدثني نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب بن همام أخو عبد الرزاق عن بن جريج عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال : كانت الخيل وحشا كسائر الوحش فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك أسمه : ( إني معطيكما كنزا ادخرته لكما ( ثم أوحى إلى إسماعيل أن أخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز فخرج إلى أجياد وكانت وطنا ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز فألهمه فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنته من نواصيها وذللها له فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين وهي ميراث أبيكم إسماعيل فإنما سمي الفرس عربيا لأن إسماعيل أمر بالدعاء وإياه أتى وروى عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه قال : أول من بنى البيت بالطين والحجارة شيث عليه السلام وأما بنيان قريش له فمشهور وخبر الحية في ذلك مذكور وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن اجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله تعالى وقالوا : ربنا لم ترع أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فأفعل فسمعوا خواتا من السماء والخوات : حفيف جناح الطير الضخم فإذا هو بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز مخاليبه في قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها نحو أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يرفع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة فنودى : يا محمد خمر عورتك فلم ير عريانا بعد وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن أبي الطفيل وذكر عن معمر عن الزهري : حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن أختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعه حتى شجر بينهم فقالوا : تعالوا نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فأطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه صلى الله عليه وسلم قال بن إسحاق : وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم بدر ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا فيه : أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن وعن أبي جعفر محمد بن علي قال : كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم عليه السلام بالأرض حتى بنته قريش خرج مسلم عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال : ( نعم ( قلت : فلم لم يدخلوه في البيت قال : ( إن قومك قصرت بهم النفقة ( قلت فما شأن بابه مرتفعا قال : ( فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن الزق بابه بالأرض ( وخرج عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : حدثتني خالتي ( يعني عائشة ) ( رضي الله عنها ) قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ( وعن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشا حين بنت الكعبة استقصرت ولجعلت لها خلفا ( وفي البخاري قال هشام بن عروة : يعني بابا وفي البخاري أيضا : ( لجعلت لها خلفين ( يعني بابين فهذا بناء قريش ثم لما غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم هدمها بن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع وجعل لها بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه كذا في صحيح مسلم وألفاظ الحديث تختلف وذكر سفيان عن داؤد بن شابور عن مجاهد قال : لما أراد بن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيه قال للناس : أهدموا قال : فأبوا أن يهدموا وخافوا أن ينزل عليهم العذاب قال مجاهد : فخرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثا ننتظر العذاب قال وارتقى بن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترءوا على ذلك قال : فهدموا فلما بناها جعل لها بابين : بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه وزاد فيه مما يلي الحجر ستة أذرع وزاد في طولها تسعة أذرع قال مسلم في حديثه : فلما قتل بن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن بن الزبير قد وضع البناء على اس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك : إنا لسنا من تلطيخ بن الزبير في شيء أما ما زاد في طوله فاقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه في رواية : قال عبد الملك : ما كنت أظن أبا خبيب ( يعني بن الزبير ) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال الحارث بن عبد الله بلى أنا سمعته منها قال : سمعتها تقول ماذا قال : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع ( في أخرى : قال عبد الملك : لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى بن الزبير فهذا ما جاء في بناء الكعبة من الآثار وروي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده على بناء بن الزبير لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله بن الزبير فقال له مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس وذكر الواقدي : حدثنا معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد الحميري وهو تبع وهو أول من كسا البيت وهو تبع الآخر قال بن إسحاق : كانت تكسى القباطي ثم كسيت البرد وأول من كساها الديباج الحجاج قال العلماء : ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء فإنه مهدى إليها ولا ينقص منها شيء روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قفدها قفدة لا يألو أن يوجعها وقال عطاء : كان أحدنا إذا أراد أن يستشفى به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر ثم أخذه قوله تعالى ( ربنا تقبل منا ) المعنى : ويقولان ربنا فحذف وكذلك هي في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود : واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا وتفسير إسماعيل : اسمع يا الله لأن إيل بالسريانية هو الله وقد تقدم فقيل : إن إبراهيم لما دعا ربه قال : اسمع يا إيل فلما أجابه ربه ورزقه الولد سماه بما دعاه ذكر الماوردي قوله تعالى ( إنك أنت السميع العليم ) اسمان من أسماء الله تعالى قد أتينا عليهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى < <
البقرة : ( 128 ) ربنا واجعلنا مسلمين . . . . . > > < > ( البقره 128 ) <
> قوله تعالى ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) أي صيرنا ومسلمين مفعول ثان سألا التثبيت والدوام والإسلام في هذا الموضع : الايمان والأعمال جميعا ومنه قوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام ففي هذا دليل لمن قال : إن الإيمان والإسلام شيء واحد وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وقرأ بن عباس وعوف الأعرابي مسلمين على الجمع ) أي ومن ذريتنا فأجعل فيقال : إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة ومن في قوله : ومن ذريتنا للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين وحكى الطبرى : أنه أراد بقوله ومن ذريتنا العرب خاصة قال السهيلي : وذريتهما العرب لأنهم بنو نبت بن إسماعيل أو بنو تيمن بن إسماعيل ويقال : قيدر بن نبت بن إسماعيل أما العدنانية فمن نبت وأما القحطانية فمن قيدر بن نبت بن إسماعيل أو تيمن على أحد القولين قال بن عطية : وهذا ضعيف لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم والأمة : الجماعة هنا وتكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير ومنه قوله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ( وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل : ( يبعث أمة وحده ( لأنه لم يشرك في دينه غيره والله أعلم وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى ومنه قوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين وملة ومنه قوله تعالى : إن هذه أمتكم أمة واحدة وقد تكون بمعنى الحين والزمان ومنه قوله تعالى : وادكر بعد أمة أي بعد حين وزمان ويقال : هذه أمة زيد أي أم زيد والأمة أيضا : القامة يقال : فلان حسن الأمة أي حسن القامة قال : وإن معاوية الأكرمين حسان الوجوه طوال الأمم وقيل : الامة الشجة التي تبلغ أم الدماغ يقال : رجل مأموم وأميم قوله تعالى : ( وأرنا مناسكا ) أرنا من رؤية البصر فتتعدى إلى مفعولين وقيل : من رؤية القلب ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفاعيل قال بن عطية : وينفصل بإنه يوجد معدي بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولين كغير المعدى قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر : أريني جوادا مات هزلا لأنني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وبن كثير وبن محيصن والسدى وروح عن يعقوب ورويس والسوسى أرنا بسكون الراء في القرآن واختاره أبو حاتم وقرأ أبو عمرو بإختلاس كسرة الراء والباقون بكسرها واختاره أبو عبيد وأصله أرئنا بالهمز فمن قرأ بالسكون قال : ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها واستدل بقول الشاعر : أرنا إداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا ومن كسر فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء وأبو عمر وطلب الخفة وعن شجاع بن أبي نصر وكان أمينا صادقا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا حرفين : هذا والآخر ما ننسخ من آية أو ننسأها مهموزا قوله تعالى : ( مناسكنا ) يقال : إن أصل النسك في اللغة الغسل يقال منه : نسك ثوبه إذا غسله وهو في الشرع أسم للعبادة يقال : رجل ناسك إذا كان عابدا واختلف العلماء في المراد بالمناسك هنا فقيل : مناسك الحج ومعالمه قاله قتادة والسدى وقال مجاهد وعطاء وبن جريج : المناسك المذابح أي مواضع الذبح وقيل : جميع المتعبدات وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له منسك ومنسك والناسك : العابد قال النحاس : يقال نسك ينسك فكان يجب أن يقال على هذا : منسك الا أنه ليس في كلام العرب مفعل وعن زهير بن محمد قال : لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام قال : اي رب قد فرغت فأرنا مناسكنا فبعث الله تعالى إليه جبريل فحج به حتى إذا رجع من عرفة وجاء يوم النحر عرض له إبليس فقال له : أحصبه فحصبه بسبع حصيات ثم الغد ثم اليوم الثالث ثم علا ثبيرا فقال : يا عباد الله أجيبوا فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال : لبيك اللهم لبيك قال : ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها وأول من أجابه أهل اليمن وعن أبي مجلز قال : لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل عليه السلام فأراه الطواف بالبيت قال : وأحسبه قال : والصفا والمروة ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات فرمى وكبر وقال لإبراهيم : ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال : ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان ثم اتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال : ارم وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان ثم أتى به جمعا فقال : ها هنا يجمع الناس الصلوات ثم أتى به عرفات فقال : عرفت فقال نعم فمن ثم سمى عرفات وروي أنه قال له : عرفت عرفت عرفت أي منى والجمع وهذا فقال نعم فسمى ذلك المكان عرفات وعن خصيف بن عبد الرحمن أن مجاهدا حدثه قال : لما قال إبراهيم عليه السلام : وأرنا مناسكنا أي الصفا والمروة وهما من شعائر الله بنص القرآن ثم خرج به جبريل فلما مر بجمرة العقبة إذا إبليس عليها فقال له جبريل : كبر وارمه فارتفع إبليس إلى الوسطى فقال جبريل : كبر وارمه ثم في الجمرة القصوى كذلك ثم انطلق به إلى المشعر الحرام ثم اتى به عرفة فقال له : هل عرفت ما أريتك قال نعم فسميت عرفات لذلك فيما قيل قال : فأذن في الناس بالحج قال : كيف أقول قال قل : يا أيها الناس أجيبوا ربكم ثلاث مرار ففعل فقالوا : لبيك اللهم لبيك قال : فمن أجاب يومئذ فهو حاج وفي رواية أخرى : أنه حين نادى استدار فدعا في كل وجه فلبى الناس من كل مشرق ومغرب وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته وقال محمد بن إسحاق : لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال له : طف به سبعا فطاف به سبعا هو وإسماعيل عليهما السلام يستلمان الأركان كلها في كل طواف فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين قال : فقام جبريل فأراه المناسك كلها : الصفا والمروة ومنى والمزدلفة قال فلما دخل من وهبط من العقبة تمثل له إبليس فذكر نحو ما تقدم قال بن إسحاق : وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام وقال : حج إسحاق وسارة من الشام وكان إبراهيم عليه السلام يحجه كل سنة على البراق وحجته بعد ذلك الأنبياء والأمم وروى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم والحجر ( وذكر بن وهب أن شعيبا مات بمكة هو ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي مكة بين دار الندوة وبين بني سهم وقال بن عباس : في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما اللام فقبر إسماعيل في الحجر وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود وقال عبد الله بن ضمرة السلولى : ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك صلوات الله عليهم أجمعين قوله تعالى : ( وتب علينا ) اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : ( وتب علينا ( وهم انبياء معصومون فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام لا أنهما كان لهما ذنب قلت : وهذا حسن وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبينا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة وقيل : المعنى وتب على الظلمة منا وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء عليهم السلام في قصة آدم عليه السلام وتقدم القول في معنى قوله : ( إنك أنت التواب الرحيم ( فأغنى عن إعادته < <
البقرة : ( 129 ) ربنا وابعث فيهم . . . . . > > < > ( البقره 129 ) < > قوله تعالى : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وفي قراءة أبي وأبعث في آخرهم رسولا منهم وقد روى خالد بن معدان : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال : ( نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ( ورسولا أي مرسلا وهو فعول من الرسالة قال بن الأنباري : يشبه أن يكون أصله من قولهم : ناقة مرسال ورسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق ويقال للجماعة المهملة المرسلة : رسل وجمعه أرسال يقال : جاء القوم أرسالا أي بعضهم في أثر بعض ومنه يقال للبن رسل لأنه يرسل من الضرع قوله تعالى : ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) الكتاب : القرآن والحكمة : المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى قاله مالك ورواه عنه بن وهب وقاله بن زيد وقال قتادة : الحكمة السنة وبيان الشرائع وقيل : الحكم والقضاء خاصة والمعنى متقارب ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وحيه ( ويزكيهم ) أي يطهرهم من وضر الشرك عن بن جريج وغيره والزكاة : التطهير وقد تقدم وقيل : إن الآيات تلاوة ظاهر الألفاظ والكتاب معاني الألفاظ والحكمة الحكم وهو مراد الله بالخطاب من مطلق ومقيد ومفسر ومجمل وعموم وخصوص وهو معنى ما تقدم والله تعالى أعلم ( والعزيز ) معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب وقال بن كيسان : معناه الذي لا يعجزه شيء دليله : وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض الكسائي : العزيز الغالب ومنه قوله تعالى : وعزني في الخطاب ص وفي المثل : من عز بز أي من غلب سلب وقيل : العزيز الذي لا مثل له بيانه ليس كمثله شيء الشورى وقد زدنا هذا المعنى بيانا في اسمه العزيز في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وقد تقدم معنى الحكيم والحمد لله < < البقرة : ( 130 ) ومن يرغب عن . . . . . > > < > ( البقرة 130 ) <
> قوله تعالى ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) من أستفهام في موضع رفع بالابتداء ويرغب صلة من إلا من سفه نفسه في موضع الخبر وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي وما يرغب قاله النحاس والمعنى : يزهد فيها وينأى بنفسه عنها أي عن الملة وهي الدين والشرع إلا من سفه نفسه قال قتادة : هم اليهود والنصارى رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى قال الزجاج : سفه بمعنى جهل أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها وحكى عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة وقال الأخفش : سفه نفسه أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه حكاه المهدوي والأول ذكره الماوردي فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى قاله المبرد وثعلب وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه فحذفت في فانتصب قال الأخفش : ومثله عقدة النكاح أي على عقدة النكاح وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم : ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن الفراء : هو تمييز قال بن بحر : معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وقدرته قلت : وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها وأذن يسمع بها ولسان ينطق به واضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذأء ليطحن بها الطعام ومعدة أعدت لطبخ الغذاء وكبد يصعد اليها صفوة وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف وأمعاء يرسب اليها ثفل الغذاء ويبرز من اسفل البدن فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما وهذا معنى قوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى وسيأتي له مزيد بيان في سورة والذاريات إن شاء الله تعالى وقد استدل بهذه الآية من قال : إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها وهذا كقوله : ملة أبيكم إبراهيم أن اتبع ملة إبراهيم وسيأتي بيانه قوله تعالى : ( ولقد اصطفيناه في الدنيا ) أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس والاصل في اصطفيناه اصتفيناه أبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق واللفظ مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى قوله تعالى : ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) الصالح في الآخرة هو الفائز ثم قيل : كيف جاز تقديم في الآخرة وهو داخل في الصلة قال النحاس : فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة فتكون الصلة قد تقدمت ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ثم حذف وقيل في الآخرة متعلق بمصدر محذوف أي صلاحه في الآخرة والقول الثالث : أن الصالحين ليس بمعنى الذين صلحوا ولكنه اسم قائم بنفسه كما يقال الرجل والغلام قلت : وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين فالكلام على حذف مضاف وقال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير مجازه ولقد إصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين وروى حجاج بن حجاج وهو حجاج الأسود وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل قال : سمعت معاوية بن قرة يقول : اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فأرزقنا أن نعمل بطاعتك وآرض عنا < < البقرة : ( 131 ) إذ قال له . . . . . > > < > ( البقره 131 ) <
> العامل في إذ قوله : اصطفيناه أي اصطفيناه إذ قال له ربه اسلم وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس قال بن كيسان والكلبي : أي أخلص دينك لله بالتوحيد وقيل : اخضع واخشع وقال بن عباس : إنما قال له ذلك حين خرج من السرب على ما يأتي ذكره في ألانعام والإسلام هنا على أتم وجوهه والإسلام في كلام العرب : الخضوع والأنقياد للمستسلم وليس كل إسلام إيمانا وكل إيمان إسلام لأن من آمن بالله فقد استسلم وانقاد لله وليس كل من أسلم آمن بالله لأنه قد يتكلم فزعا من السيف ولا يكون ذلك إيمانا خلافا للقدرية والخوارج حيث قالوا : إن الإسلام هو الإيمان فكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن لقوله : إن الدين عند الله الإسلام فدل على أن الإسلام هو الدين وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن ودليلنا قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا الآية فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له : أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أو مسلم ( الحديث خرجه مسلم فدل على أن الإيمان ليس الإسلام فإن الإيمان باطن والإسلام ظاهر وهذا بين وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام والإسلام ويراد به الإيمان للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه كالإسلام الذي هو ثمرة الإيمان ودلالة على صحته فاعلمه وبالله التوفيق < < البقرة : ( 132 ) ووصى بها إبراهيم . . . . . > > < > ( 132 ) <
> قوله تعالى : ( ووصى بها إبراهيم أي بالملة وقيل : بالكلمة التي هي قوله : أسلمت لرب العالمين وهو أصوب لأنه أقرب مذكور أي قولوا أسلمنا ووصى وأوصى لغتان لقريش وغيرهم بمعنى مثل كرمنا وأكرمنا وقرئ بهما وفي مصحف عبد الله ووصى وفي مصحف عثمان وأوصى وهي قراءة أهل المدينة والشام الباقون ووصى وفيه معنى التكثير وإبراهيم رفع بفعله ويعقوب عطف عليه وقيل : هو مقطوع مستانف والمعنى : وأوصى يعقوب وقال يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فيكون إبراهيم قد وصى بنيه ثم وصى بعده يعقوب بنيه وبنو إبراهيم : إسماعيل وأمه هاجر القبطية وهو أكبر ولده نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع وقيل : كان له سنتان وقيل كان له أربع عشرة سنة والأول أصح على ما يأتي في سورة إبراهيم بيانه إن شاء الله تعالى وولد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة وقيل : مائة وثلاثون وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين سنة وهو الذبيح في قول وإسحاق أمه ساره وهو الذبيح في قول آخر وهو الأصح على ما يأتي بيانه في سورة والصافات إن شاء الله ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام ثم لما توفيت سارة تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن الكنعانية فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ ثم توفى عليه السلام وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي سنة وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوا من أربعمائة سنة وسيأتي ذكر أولاد يعقوب في سورة يوسف إن شاء الله تعالى وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله المكي : ويعقوب بالنصب عطفا على بنيه فيكون يعقوب داخلا فيمن أوصى قال القشيري : وقرئ يعقوب بالنصب عطفا على بنيه وهو بعيد لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لما وصاهم ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم وإنما ولد بعد موت إبراهيم وأن يعقوب أوصى بنيه أيضا كما فعل إبراهيم وسيأتي تسمية أولاد يعقوب إن شاء الله تعالى قال الكلبي : لما دخل يعقوب إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر فجمع ولده وخاف عليهم وقال : ما تعبدون من بعدي ويقال : إنما سمى يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص وفي ذلك نظر لأن هذا أشتقاق عربي ويعقوب أسم أعجمي وإن كان قد وافق العربية في التسمية به كذكر الحجل عاش عليه السلام مائة وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة ويدفن عند أبيه إسحاق فحمله يوسف ودفنه عنده قوله تعالى : ( يا بني ) معناه أن يا بني وكذلك هو في قراءة أبي وبن مسعود والضحاك قال الفراء : ألغيت أن لأن التوصية كالقول وكل كلام يرجع إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه إلغاؤها قال : وقول النحويين إنما أراد أن فألغيت ليس بشيء النحاس : يا بني نداء مضاف وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان ومثله بمصرخي ( إبراهيم ) كسرت إن لأن أوصى وقال واحد وقيل : على إضمار القول ( اصطفى ) اختار قال الراجز : يا بن ملوك ورثوا الأملاكا خلافة الله التي أعطاكا لك اصطفاها ولها اصطفاكا ( لكم الدين ) أي الاسلام والألف واللام في الدين للعهد لأنهم قد كانوا عرفوه ( ) إيجاز بليغ والمعنى : ألزموا الإسلام ودوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا فاتى بلفظ موجز يتضمن المقصود ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبا لازما لا نهى تموتن في موضع جزم بالنهى أكد بالنون الثقيلة وحذفت الواو لإلتقاء الساكنين إلا وأنتم مسلمون ابتداء وخبر في موضع الحال أي محسنون بربكم الظن وقيل مخلصون وقيل مفوضون وقيل مؤمنون < <
البقرة : ( 133 ) أم كنتم شهداء . . . . . > > < > ( البقره 133 ) < > قوله تعالى : ( أم كنتم شهداء ) شهداء خبر كان ولم يصرف لأن فيه ألف التأنيث ودخلت لتأنيث الجماعة كما تدخل الهاء والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه وأنهم على اليهودية والنصرانية فرد الله عليهم قولهم وكذبهم وقال لهم على جهة التوبيخ : أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون وأم بمعنى بل أي بل اشهد اسلافكم يعقوب والعامل في إذ الأولى معنى الشهادة وإذ الثانية بدل من الأولى وشهداء جمع شاهد أي حاضر ومعنى حضر يعقوب الموت أي مقدماته وأسبابه وإلأ فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا وعبر عن المعبود بما ولم يقل من لأنه أراد أن يختبرهم ولو قال من لكان مقصوده أن ينظر من لهم الأهتداء منهم وإنما أراد تجربتهم فقال ما وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهم عما يعبدون من هذه ومعنى من بعدي أي من بعد موتى وحكى أن يعقوب عما يعبدون من هذه ومعنى من بعدي أي من بعد موتى وحكى أن يعقوب حين خير كما تخير الأنبياء اختار الموت وقال : أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا : نعبد إلهك الآية فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى قوله تعالى : ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في موضع خفض على البدل ولم تنصرف لأنها أعجمية قال الكسائي : وإن شئت صرفت إسحاق وجعلته من السحق وصرفت يعقوب وجعلته من الطير وسمى الله كل واحد من العم والجد أبا وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق والها بدل من إلهك بدل النكرة من المعرفة وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية وقيل : إلها حال قال بن عطية : وهو قول حسن لأن الغرض إثبات حال الوحدانية وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر والجحدرى وأبو رجاء العطاردى وإله أبيك وفيه وجهان : أحدهما أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده وكره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عم قال النحاس : وهذا لا يجب لأن العرب تسمى العم أبا الثاني على مذهب سيبويه أن يكون أبيك جمع سلامة حكى سيبويه أب وأبون وأبين كما قال الشاعر : فقلنا أسلموا إن أخوكم وقال آخر فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا قوله تعالى : ( ونحن له مسلمون ) ابتداء وخبر ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل نعبد < < البقرة : ( 134 ) تلك أمة قد . . . . . > > < > ( البقره 134 ) < > قوله تعالى : ( تلك أمة قد خلت ) تلك مبتدأ وأمة خبر قد خلت نعت لأمة وإن شئت كانت خبر المبتدأ وتكون أمة بدلا من تلك ( لها ما كسبت ) ما في موضع رفع بالإبتداء أو بالصفة على قول الكوفيين ( ولكم ما كسبتم ) مثله يريد من خير وشر وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله وهذا مذهب أهل السنة والآى في القرآن بهذا المعنى كثيرة فالعبد مكتسب لأفعاله على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الإختيار وحركة الرعشة مثلا وذلك التمكن هو مناط التكليف وقالت الجبرية بنفى أكتساب العبد وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين وإن العبد يخلق أفعاله قوله تعالى : ( ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد مثل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى وسيأتي < <
البقرة : ( 135 ) وقالوا كونوا هودا . . . . . > > < > ( البقره 135 ) < > قوله تعالى : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) دعت كل فرقة إلى ما هي عليه فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال : ( بل ملة ) أي قل يا محمد : بل نتبع ملة فلهذا نصب الملة وقيل : المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم فلما حذف حرف الجر صار منصوبا وقرأ الأعرج وبن أبي عبلة : بل ملة بالرفع والتقدير بل الهدى ملة أو ملتنا دين إبراهيم وحنيفا مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم وهو في موضع نصب على الحال قاله الزجاج أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة وقال علي بن سليمان : هو منصوب على أعنى والحال خطأ لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة وسمى إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام والحنف : الميل ومنه رجل حنفاء ورجل أحنف وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بإصابعها قالت أم الأحنف : والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم بن مثله وقال الشاعر : إذا حول الظل العشى رأيته حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر اي الحرباء تستقبل القبلة بالعشي والمشرق بالغداة وهو قبلة النصارى وقال قوم : الحنف الاستقامة فسمى دين إبراهيم حنيفا لأستقامته وسمى المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالأستقامة كما قيل للديغ سليم وللمهلكة مفازة في قول أكثرهم < < البقرة : ( 136 ) قولوا آمنا بالله . . . . . > > < > ( البقره 136 ) < > قوله تعالى : ( قولوا آمنا بالله ) خرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل ( الآية وقال محمد بن سيرين : إذا قيل لك أنت مؤمن فقل : ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ( الآية وكره أكثر السلف أن يقول الرجل : أنا مؤمن حقا وسيأتي بيانه في الأنفال إن شاء الله تعالى وسئل بعض المتقدمين عن رجل قيل له : أتؤمن بفلان النبي فسماه باسم لم يعرفه فلو قال نعم فلعله لم يكن نبيا فقد شهد بالنبوة لغير نبي ولو قال لا فلعله نبي فقد جحد نبيا من الأنبياء فكيف يصنع فقال : ينبغي أن يقول : إن كان نبيا فقد آمنت به والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة علمهم الإيمان قال بن عباس : جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء فنزلت الآية فلما جاء ذكر عيسى قالوا : لا نؤمن بعيسى ولا من آمن به قوله تعالى : ( وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) جمع إبراهيم براهيم وإسماعيل سماعيل قاله الخليل وسيبويه وقاله الكوفيون وحكوا براهمة وسماعلة وحكوا براهيم وسماعيل قال محمد بن يزيد : هذا غلط لأن الهمزة ليس هذا موضع زيادتها ولكن أقول : أباره وأسامع ويجوز أباريه وأساميع وأجاز أحمد بن يحيى براه كما يقال في التصغير بريه وجمع إسحاق أساحيق وحكى الكوفيون أساحقة وأساحق وكذا يعقوب ويعاقيب ويعاقبة ويعاقب قال النحاس : فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله وإنما يقال أساريل وحكى الكوفيون أسارلة وأسارل والباب في هذا كله أن يجمع مسلما فيقال : إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون والمسلم لا عمل فيه والأسباط : ولد يعقوب عليه السلام وهم اثنا عشر ولدا ولد لكل واحد منهم أمة من الناس واحدهم سبط والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون وقيل : أصله من السبط ( بالتحريك ) وهو الشجر أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر الواحدة سبطة قال أبو إسحاق الزجاج : ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال حدثنا أبو نجيد الدقاق قال حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن بن عباس قال : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب والسبط : الجماعة والقبيلة الراجعون إلى اصل واحد وشعر سبط وسبط : غير جعد ( لا نفرق بين أحد منهم ) قال الفراء : أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى < <
البقرة : ( 137 ) فإن آمنوا بمثل . . . . . > > < > ( البقره 137 ) < > قوله تعالى : ( فإن آمنوا بمثل ما آمننتم به فقد اهتدوا ) الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم وصدقوا مثل تصديقكم فقد أهتدوا فالمماثلة وقعت بين الإيمانين وقيل : إن الباء زائدة مؤكدة وكان بن عباس يقرأ فيما حكى الطبري : فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف فمثل زائدة كما هي في قوله : ليس كمثله شيء أي ليس كهو شيء وقال الشاعر : فصيروا مثل كعصف مأكول وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن بن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل ولكن قولوا : بالذي آمنتم به تابعه على بن نصر الجهضمي عن شعبة ذكره البيهقي والمعنى : أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا فقد اهتدوا وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين إلى الشقاق فسيكفيكهم الله وحكى عن جماعة من اهل النظر قالوا : ويحتمل أن تكون الكاف في قوله : ليس كمثله شيء زائدة قال : والذي روى عن بن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل وقال بن عطية : هذا من بن عباس على جهة التفسير أي هكذا فليتأول وقد قيل : إن الباء بمعنى على والمعنى : فإن آمنوا على مثل إيمانكم وقيل مثل على بابها أي بمثل المنزل دليله قوله : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وقوله : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم قول تعالى : ( وإن تولوا ) أي عن إلايمان ( فإنما هم في شقاق ) قال زيد بن أسلم : الشقاق المنازعة وقيل : الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه قال الشاعر : إلى كم تقتل العلماء قسرا وتفجر بالشقاق وبالنفاق وقال آخر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه قوله تعالى : ( فسيكفيكهم الله ) أي فسيكفي الله رسوله عدوه فكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين بمن يهديه من المؤمنين فأنجز له الوعد وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان ويجوز في غير القرآن : فسيكفيك إياهم وهذا الحرف فسيكفيكهم الله هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أياه بذلك والسميع ) لقول كل قائل ( العليم ) بما ينفذه في عبادة ويجريه عليهم وحكى أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة ودراعه مكتوب بين كتفيها فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وسيف معلق في وسطه وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي فقال له : كيف حالك يا أبا دلامة قال : بشر يا أمير المؤمنين قال : وكيف ذاك قال : ما ظنك برجل وجهه في وسطه وسيفه في استه وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور منه وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته < < البقرة : ( 138 ) صبغة الله ومن . . . . . > > < > ( البقره 138 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( صبغة الله ) قال الأخفش وغيره دين الله وهو بدل من ملة وقال الكسائي : وهي منصوبة على تقدير اتبعوا أو على الإغراء أي الزموا ولو قرئت بالرفع لجاز أي هي صبغة الله وروى شيبان عن قتادة قال : إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى وإن صبغة الله الإسلام قال الزجاج : ويدلك على هذا أن صبغة بدل من ملة وقال مجاهد : أي فطرة الله التي فطر الناس عليها قال أبو إسحاق الزجاج : وقول مجاهد هذا يرجع إلى الإسلام لأن الفطرة ابتداء الخلق وابتداء ما خلقوا عليه الإسلام وروى عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة : الصبغة الدين وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون اولادهم في الماء وهو الذي يسمونه المعمودية ويقولون : هذا تطهير لهم وقال بن عباس : هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية فصبغوه بذلك ليطهروه به مكان الختان لأن الختان تطهير فإذا فعلوا ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال : صبغة الله أي صبغة الله أحسن صبغة وهي الإسلام فسمى الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب وقال بعض شعراء ملوك همدان : وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقيل : إن الصبغة الإغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلا من معمودية النصارى ذكره الماوردي قلت : وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا وهي المسألة : الثانية لأن معنى صبغة الله غسل الله أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم يوما فأسلم فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حسن إسلام صاحبكم ( وخرج أيضا عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر ذكره النسائي وصححه أبو محمد عبد الحق وقيل : إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة حكاه بن فارس في المجمل وقال الجوهري : ( صبغة الله دينه وقيل : إن الصبغة الختان اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء قاله الفراء ( ونحن له عابدون ابتداء وخبر < < البقرة : ( 139 ) قل أتحاجوننا في . . . . . > > < > ( البقره 139 ) <
> قال الحسن : كانت المحاجة أن قالوا : نحن أولى بالله منكم لأنا أبناء الله وأحباؤه وقيل : لتقدم آبائنا وكتبنا ولأنا لم نعبد الأوثان فمعنى الآية : قل لهم يا محمد أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم أبائهم وكتبهم : ( أتحاجوننا ( أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد وكل مجازى بعمله فأي ثأثير لقدم الدين ومعنى في الله أي في دينه والقرب منه والحظوة له وقراءة الجماعة : أتحاجوننا وجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين لأن الثاني كالمنفصل وقرأ بن محيصن أتحاجونا بالإدغام لأجتماع المثلين قال النحاس : وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد ويجوز اتحاجون بحذف النون الثانية كما قرأ نافع فبم تبشرون قوله تعالى : ( ونحن له مخلصون ) أي مخلصون العبادة وفيه معنى التوبيخ أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء ( رواه الضحاك بن قيس الفهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره خرجه الدارقطني وقال رويم : الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من الملكين وقال الجنيد : الإخلاص سر بين العبد وبين الله لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سألت جبريل عن الإخلاص ما هو فقال سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو قال سر من سرى أستودعته قلب من أحببته من عبادي ( < < البقرة : ( 140 ) أم تقولون إن . . . . . > > < > ( البقره 140 ) < > قوله تعالى : ( أو تقولون ) بمعنى قالوا وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تقولون بالتاء وهي قراءة حسنة لأن الكلام متسق كأن المعنى : أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم فهي أم المتصلة وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة فيكون كلامين وتكون أم بمعنى بل ( هودا ) خبر كان وخبر إن في الجملة ويجوز في غير القرآن رفع هودا على خبر إن وتكون كان ملغاة ذكره النحاس قوله تعالى : ( قل أأنتم أعلم أم الله ) تقرير وتوبيخ في أدعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصاري فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم أي لم يكونوا هودا ولا نصارى قوله تعالى : ( ومن أظلم ) لفظه الأستفهام والمعنى : لا أحد أظلم ( ممن كتم شهادة ) يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام وقيل : ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم قاله قتادة والأول أشبه بسياق الآية ( وما الله بغافل عما تعملون ) وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى وأنه يجازيهم على أعمالهم والغافل : الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة وناقة غفل : لا سمة بها ورجل غفل : لم يجرب الأمور وقال الكسائي : أرض غفل لم تمطر غفلت عن الشيء غفلة وغفولا وأغفلت الشيء : تركته على ذكر منك < < البقرة : ( 141 ) تلك أمة قد . . . . . > > < > ( البقره 141 ) <
> كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى فوجب التأكيد فلذلك كررها < < البقرة : ( 142 ) سيقول السفهاء من . . . . . > > < > ( البقره 142 ) <
> فيه أحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ) أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة : ما ولاهم وسيقول بمعنى قال جعل المستقبل موضع الماضي دلالة على أستدامة ذلك وانهم يستمرون على ذلك القول وخص بقوله : من الناس لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات والمراد من السفهاء جميع من قال ما ولاهم والسفهاء جمع واحده سفيه وهو الخفيف العقل من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم والنساء سفائه وقال المؤرج : السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم قطرب : الظلوم الجهول والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة قاله مجاهد السدى : المنافقون الزجاج : كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا : قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم وقالت اليهود : قد التبس عليه أمره وتحير وقال المنافقون : ما ولاهم عن قبلتهم واستهزءوا بالمسلمين وولاهم يعنى عدلهم وصرفهم الثانية روى الائمة واللفظ لمالك عن بن عمر قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة وخرج البخاري عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكان الذي مات على القبلة قبل ان تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله عز وجل : وما كان الله ليضيع إيمانكم ففي هذه الرواية صلاة العصر وفي رواية مالك صلاة الصبح وقيل : نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات قالت : كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل القبلة أو قال : البيت الحرام فتحول الرجال مكان النساء وتحول النساء مكان الرجال وقيل : إن الآية نزلت في غير صلاة وهو الأكثر وكان أول صلاة إلى الكعبة العصر والله أعلم وروى أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى وذلك أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية : قد نرى تقلب وجهك في السماء حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نعما فصليناهما ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس الظهر يومئذ قال أبو عمر : ليس لأبي سعيد بن المعلى غير هذا الحديث وحديث : كنت أصلي في فضل الفاتحة خرجه البخاري وقد تقدم الثالثة واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة فقيل : حولت بعد ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا كما في البخاري وخرجه الدارقطني عن البراء أيضا قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم علم الله هوى نبيه فنزلت : قد نرى تقلب وجهك في السماء الآية ففي هذه الرواية ستة عشر شهرا من غير شك وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين قال إبراهيم بن إسحاق : وذلك في رجب من سنة اثنتين وقال أبو حاتم البستي : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الأثنين لآثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وأمره الله عز وجل بأستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان الرابعة واختلف العلماء أيضا في كيفية أستقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال فقال الحسن : كان ذلك منه عن رأى واجتهاد وقاله عكرمة وأبو العالية الثاني أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود وأستمالتهم قاله الطبري وقال الزجاج : امتحانا للمشركين لأنهم ألفوا الكعبة الثالث وهو الذي عليه الجمهور : بن عباس وغيره وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة واستدلوا بقوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه الآية الخامسة واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة اولا بمكة هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة على قولين فقالت طائفة : إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهرا ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة قاله بن عباس وقال آخرون : اؤل ما افترضت الصلاة عليه إلى الكعبة ولم يزل يصلي أليها طول مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا على الخلاف ثم صرفه الله إلى الكعبة قال أبو عمر : وهذا أصح القولين عندي قال غيره : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه إلى قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن يحول إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم عن بن عباس وقيل : لأنها كانت أدعى للعرب إلى الأسلام وقيل : مخالفة لليهود عن مجاهد وروى عن أبي العالية الرياحي أنه قال : كانت مسجد صالح عليه السلام وقبلته إلى الكعبة قال : وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة وهي قبلة الأنبياء كلهم صلوات الله عليهم أجمعين السادسة في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخا ومنسوخا وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ كما تقدم وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأنها نسخت مرتين على أحد القولين المذكورين في المسألة قبل السابعة ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس وليس في ذلك قرآن فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن وعلى هذا يكون : كنت عليها بمعنى أنت عليها الثامنة وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعا به من الشريعة عندهم ثم أن أهل قباء لما أتاهم الآتي وأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو الكعبة فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه فقال أبو حاتم : والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد الشرع به ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء وبدليل أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف احتج من منع ذلك بأنه يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون وأما قصة أهل قباء وولاة النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إما نقلا وتحقيقا وإما أحتمالا وتقديرا وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول الفقه التاسعة وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد بالحكم الأول خلافا لمن قال : إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به والأول أصح لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به لأن الناسخ خطاب ولا يكون خطابا في حق من لم يبلغه وفائدة هذا الخلاف في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا وعليه تنبني مسألة الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين وكذلك المقارض والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه قال القاضي عياض : ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب يغير حكم عبادته وهو فيها قياسا على مسألة قباء فمن صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها ولا يقطعها ويجزيه ما مضى وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة أو إبتدأ صلاته صحيحا فمرض أو مريضا فصح أو قاعدا ثم قدر على القيام أو أمة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتبنى قلت : وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع كما يقوله مالك والشافعي رحمهما الله وغيرهما وقيل : يقطع وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وسيأتي العاشرة وفيها دليل على قبول خبر الواحد وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للأفاق ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي الحادية عشرة وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال على حسب الحاجة إليه حتى أكمل الله دينه كما قال : اليوم أكملت لكم دينكم قوله تعالى : ( قل لله المشرق والمغرب ) اقامه حجة أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء وقد تقدم قوله تعالى : ( يهدي من يشاء ) إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم والله تعالى أعلم والصراط الطريق والمستقيم : الذي لا أعوجاج فيه وقد تقدم < <
البقرة : ( 143 ) وكذلك جعلناكم أمة . . . . . > > < > ( البقره 143 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) المعنى : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم والوسط : العدل وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا قال : ( عدلا ( قال : هذا حديث حسن صحيح وفي التنزيل : قال أوسطهم القلم أي أعدلهم وخيرهم وقال زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم آخر : أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر وقال آخر : لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا ووسط الوادي : خير موضع فيه وأكثره كلا وماء ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم وفي الحديث خير الأمور أوسطها وفيه عن علي رضي الله عنه عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل وفلان من أوسط قومه وإنه لواسطة قومه ووسط قومه أي من خيارهم وأهل الحسب منهم وقد وسط وساطة وسطة وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء والوسط ( بسكون السين ) الظرف تقول : صليت وسط القوم وجلست وسط الدار ( بالتحريك ) لأنه أسم قال الجوهري : وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك وربما يسكن وليس بالوجه الثانية قوله تعالى : ( لتكونوا ) نصب بلام كي أي لأن تكونوا ( شهداء ) خبر كان ( على الناس ) أي في المحشر للأنبياء على أممهم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ( وذكر هذا الحديث مطولا بن المبارك بمعناه وفيه : ( فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا والوسط العدل لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ( قال بن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام إلا من كان في قلبه حنة على أخيه وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثنى عليها خير فقال : ( وجبت وجبت وجبت ( ثم مر عليه بأخرى فأثنى عليها شر فقال : ( وجبت وجبت وجبت ( فقال عمر : فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثنى عليها خير فقلت : ( وجبت وجبت وجبت ( ومر بجنازة فأثنى عليها شر فقلت : ( وجبت وجبت وجبت ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن اثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ( أخرجه البخاري بمعناه وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ( خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول الثالثة قال علماؤنا : أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه فجعلنا اؤلا مكانا وإن كنا آخرا زمانا كما قال عليه السلام : ( نحن الآخرون الأولون ( وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة إن شاء الله تعالى الرابعة وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس فكل عصر شهيد على من بعده فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين وقول التابعين على من بعدهم وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم ولا معنى لقول من قال : أريد به جميع الأمة لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة وبيان هذا في كتب أصول الفقه قوله تعالى : ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة وقيل : عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم قوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ) قيل : المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى لقوله كنت عليها وقيل : الثانية فتكون الكاف زائدة أي أنت الآن عليها كما تقدم وكما قال : كنتم خير أمة أخرجت للناس أي أنتم في قول بعضهم وسيأتي وقوله تعالى : ( إلا لنعلم من يتبع الرسول ) قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : معنى لنعلم لنرى والعرب تضع العلم مكان الرؤية والرؤية مكان العلم كقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك الفيل بمعنى ألم تعلم وقيل : المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها وقيل : المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك حكاه بن فورك وذكره الطبري عن بن عباس وقيل : المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه وأخبر تعالى بذلك عن نفسه كما يقال : فعل الأمير كذا وإنما فعله أتباعه ذكره المهدوي وهو جيد وقيل : معناه ليعلم محمد فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله : ( يا بن آدم مرضت فلم تعدني الحديث والأول أظهر وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة علم ما يكون قبل أن يكون تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى : وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين محمد وما أشبه والآية جواب لقريش في قولهم : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وكانت قريش تألف الكعبة فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه وقرأ الزهري إلا ليعلم ف من في موضع رفع على هذه القراءة لأنها أسم ما لم يسم فاعله وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول ( يتبع الرسول ) يعنى فيما أمر به من استقبال الكعبة ( ممن ينقلب على عقبيه ) يعني ممن يرتد عن دينه لأن القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم ولهذا قال : وإن كانت لكبيرة أي تحويلها قاله بن عباس ومجاهد وقتادة والتقدير في العربية : وإن كانت التحويلة قوله تعالى : ( وإن كانت لكبيرة ) ذهب الفراء إلى أن إن واللام بمعنى ما وإلا والبصريون يقولون : هي إن الثقيلة خففت وقال الأخفش : أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة ( إلا على الذين هدى الله ) أي خالق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم كما قال تعالى : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان قوله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب على ما تقدم وخرج الترمذي عن بن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية قال : هذا حديث حسن صحيح فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل وقال مالك : إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة : إن الصلاة ليست من الإيمان وقال محمد بن إسحاق : وما كان الله ليضيع إيمانكم أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين وروى بن وهب وبن القاسم وبن عبد الحكم وأشهب عن مالك وما كان الله ليضع إيمانكم قال : صلاتكم قوله تعالى : ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) الرأفة أشد من الرحمة وقال أبو عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة والمعنى متقارب وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى فلينظر هناك وقرأ الكوفيون وأبو عمرو لرؤف على وزن فعل وهي لغة بني أسد ومنه قول الوليد بن عقبة : وشر الطالبين فلا تكنه يقاتل عمه الرءوف الرحيم وحكى الكسائي أن لغة بني أسد لرأف على فعل وقرأ أبو جعفر بن القعقاع لروف مثقلا بغير همز وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ساكنة كانت أو متحركة < <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?