Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> ( الدخان 54 ) < > قوله تعالى : ( كذلك ) أي الأمر كذلك الذي ذكرناه فيوقف على كذلك وقيل : أي كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا وقد مضى الكلام في العين في والصافات والحور : البيض في قول قتادة والعامة جمع حوراء والحوراء : البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها ويرى الناظر وجهه في كعبها كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون ودليل هذا التأويل أنها في حرف بن مسعود بعيس عين وذكر أبو بكر الأنباري أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا حسين قال حدثنا عمار بن محمد قال : صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في حم الدخان بعيس عين لا يذوقون طعم الموت إلا الموتة الأولى والعيس : البيض ومنه قيل للإبل البيض : عيس واحدها بعير أعيس وناقة عيساء قال امرؤ القيس : يرعى إلى صوتي إذا ما سمعنه كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا فمعنى الحور هنا : الحسان الثاقبات البياض بحسن وذكر بن المبارك أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن بن مسعود قال : إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ومن تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء وقال مجاهد : إنما سميت الحور حورا لأنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن وقيل : إنما قيل لهن حور لحور أعينهن والحور : شدة بياض العين في شدة سوادها امرأة حوراء بينة الحور يقال : احورت عينه احورارا واحور الشيء ابيض قال الأصمعي : ما أدري ما الحور في العين وقال أبو عمرو : الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر قال : وليس في بني آدم حور وإنما قيل للنساء : حور العين لأنهن يشبهن بالظباء والبقر وقال العجاج : بأعين محورات حور يعني الأعين النقيات البياض الشديدات سواد الحدق والعين جمع عيناء وهي الواسعة العظيمة العينين وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز ( وعن أبي قرصافة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين ( وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كنس المساجد مهور الحور العين ( ذكره الثعلبي رحمه الله وقد أفردنا لهذا المعنى بابا مفردا في ( كتاب التذكرة ) والحمد لله واختلف أيما أفضل في الجنة نساء الآدميات أم الحور فذكر بن المبارك قال : وأخبرنا رشدين عن بن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال : إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا وروي مرفوعا إن ( الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف ( وقيل : إن الحور العين أفضل لقوله عليه السلام في دعائه : ( وأبدله زوجا خيرا من زوجه ( والله أعلم وقرأ عكرمة بحور عين مضاف والإضافة والتنوين في بحور عين سوداء < < الدخان : ( 55 ) يدعون فيها بكل . . . . . > > < > ( الدخان 55 ) < > قال قتادة : آمنين من الموت والوصب والشيطان وقيل : آمنين من انقطاع ما هم فيه من النعيم أو من أن ينالهم من أكلها أذى أو مكروه < < الدخان : ( 56 ) لا يذوقون فيها . . . . . > > < > ( الدخان 56 : 57 ) <
> قوله تعالى : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) أي لا يذوقون فيها الموت ألبتة لأنهم خالدون فيها ثم قال : ( إلا الموتة الأولى ) على الاستثناء المنقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا وأنشد سيبويه : من كان أسرع في تفرق فالج فلبونه جربت معا وأغدت ثم استثنى بما ليس من الأول فقال : إلا كناشرة الذي ضيعتم كالغصن في غلوائه المتنبت وقيل : إن إلا بمعنى بعد كقولك : ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك أي بعد رجل عندك وقيل : إلا بمعنى سوى أي سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا كقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف وهو كما تقول : ما ذقت اليوم طعاما سوى ما أكلت أمس وقال القتبي : إلا الموتة الأولى معناه أن المؤمن إذا أشرف على الموت استقبلته ملائكة الرحمة ويلقى الروح والريحان وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها فهو استثناء صحيح والموت عرض لا يذاق ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه فاستعير فيه لفظ الذوق ( ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ) أي فعل ذلك بهم تفضلا منه عليهم ف فضلا مصدر عمل فيه يدعون وقيل : العامل فيه ووقاهم وقيل فعل مضمر وقيل : معنى الكلام الذي قبله لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة ( ذلك هو الفوز العظيم ) أي السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة وقيل : هو من قولك فاز بكذا أي ناله وظفر به < < الدخان : ( 58 ) فإنما يسرناه بلسانك . . . . . > > < > ( الدخان 58 : 59 ) < > قوله تعالى : ( فإنما يسرناه بلسانك ) يعني القرآن أي سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرؤه ( لعلهم يتذكرون ) أي يتعظون وينزجرون ونظيره : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر القمر فختم السورة بالحث على اتباع القرآن وإن لم يكن مذكورا كما قال في مفتتح السورة : إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر على ما تقدم ( فارتقب إنهم مرتقبون ) أي انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت حكاه النقاش وقيل : انتظر الفتح من ربك إنهم منتظرون بزعمهم قهرك وقيل : انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم فإنهم ينتظرون بك ريب الحدثان والمعنى متقارب وقيل ارتقب ما وعدتك من الثواب فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب وقيل : ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل وإن لم يعتقدوا وقوع القيامة جعلوا كالمرتقبين لأن عاقبتهم ذلك والله تعالى أعلم < > تفسير سورة الجاثية < > مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة وقال بن عباس وقتادة : إلا آية هي : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله الجاثية نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكره الماوردي وقال المهدوي والنحاس عن بن عباس : إنها نزلت في عمر رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة فأراد أن يبطش به فأنزل الله عز وجل : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله الجاثية ثم نسخت بقوله : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف وهي سبع وثلاثون آية وقيل ست بسم الله الرحمن الرحيم < < الجاثية : ( 1 ) حم > > < > ( الجاثيه 1 : 2 ) < > قوله تعالى : ( حم ) مبتدأ و ( تنزيل ) خبره وقال بعضهم : حم اسم السورة وتنزيل الكتاب مبتدأ وخبره من الله والكتاب القرآن والعزيز المنيع الحكيم في فعله وقد تقدم جميع هذا < < الجاثية : ( 3 ) إن في السماوات . . . . . > > < > ( الجاثيه 3 : 4 ) <
> < < الجاثية : ( 5 ) واختلاف الليل والنهار . . . . . > > < > ( الجاثيه 5 ) < > قوله تعالى : ( إن في السماوات والأرض ) أي في خلقهما ( لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ) يعني المطر ( فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) تقدم جميعه مستوفى في البقرة وغيرها وقراءة العامة وما يبث من دابة آيات وتصريف الرياح آيات بالرفع فيهما وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما ولا خلاف في الأول أنه بالنصب على اسم إن وخبرها في السماوات ووجه الكسر في آيات الثاني العطف على ما عملت فيه التقدير : إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات فأما الثالث فقيل : إن وجه النصب فيه تكرير آيات لما طال الكلام كما تقول : ضرب زيدا زيدا وقيل : إنه على الحمل على ما عملت فيه إن على تقدير حذف في التقدير : وفي اختلاف الليل والنهار آيات فحذفت في لتقدم ذكرها وأنشد سيبويه في الحذف : أكل امريء تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا فحذف كل المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها وقيل : هو من باب العطف على عاملين ولم يجزه سيبويه وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين فعطف واختلاف على قوله : وفي خلقكم ثم قال : وتصريف الرياح آيات فيحتاج إلى العطف على عاملين والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال وأما قراءة الرفع فحملا على موضع إن مع ما عملت فيه وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين لأنه عطف واختلاف على وفي خلقكم وعطف آيات على موضع آيات الأول ولكنه يقدر على تكرير في ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء وما قبله خبره ويكون عطف جملة على جملة وحكى الفراء رفع واختلاف وآيات جميعا وجعل الاختلاف هو الآيات < < الجاثية : ( 6 ) تلك آيات الله . . . . . > > < > ( الجاثيه 6 ) < > قوله تعالى : ( تلك آيات الله ) أي هذه آيات الله أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته ( نتلوها عليك بالحق ) أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه وقرئ يتلوها بالياء ( فبأي حديث بعد الله ) أي بعد حديث الله وقيل بعد قرآنه ( وآياته يؤمنون ) وقراءة العامة بالياء على الخبر وقرأ بن محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي تؤمنون بالتاء على الخطاب < < الجاثية : ( 7 ) ويل لكل أفاك . . . . . > > < > ( الجاثيه 7 : 8 ) < > قوله تعالى : ( ويل لكل أفاك أثيم ) ويل واد في جهنم توعد من ترك الاستدلال بآياته والأفاك : الكذاب والإفك الكذب أثيم أي مرتكب للإثم والمراد فيما روي : النضر بن الحارث وعن بن عباس أنه الحارث بن كلدة وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه ( يسمع آيات الله تتلى عليه ) يعني آيات القرآن ( ثم يصر مستكبرا ) أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد مأخوذ من صر الصرة إذا شدها قال معناه بن عباس وغيره وقيل : أصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه وأن من كأن مخففة من الثقيلة كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن كما في قوله : كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم ومحل الجملة النصب أي يصر مثل غير السامع وقد تقدم في أول لقمان القول في معنى هذه الآية وتقدم معنى ( فبشره بعذاب أليم ) في البقرة < <
الجاثية : ( 9 ) وإذا علم من . . . . . > > < > ( الجاثيه 9 : 10 ) < > قوله تعالى : ( وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا ) نحو قوله في الزقوم : إنه الزبد والتمر وقوله في خزنة جهنم : إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي ( أولئك لهم عذاب مهين ) مذل مخز ( من ورائهم جهنم ) أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم وقال بن عباس : من ورائهم جهنم أي أمامهم نظيره : من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد أي من أمامه قال : أليس ورائي إن تراخت منيتي أدب مع الولدان أزحف كالنسر ( ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) أي من المال والولد نظيره : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أي من المال والولد ( ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) يعني الأصنام ( ولهم عذاب عظيم ) أي دائم مؤلم < < الجاثية : ( 11 ) هذا هدى والذين . . . . . > > < > ( الجاثيه 11 ) < > قوله تعالى : ( هذا هدى ) ابتداء وخبر يعني القرآن وقال بن عباس : يعني كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ( والذين كفروا بآيات ربهم ) أي جحدوا دلائله ( لهم عذاب من رجز أليم ) الرجز العذاب أي لهم عذاب من عذاب أليم دليله قوله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء أي عذابا وقيل : الرجز القذر مثل الرجس وهو كقوله تعالى : ويسقى من ماء صديد أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر وضم الراء من الرجز بن محيصن حيث وقع وقرأ بن كثير وبن محيصن وحفص أليم بالرفع على معنى لهم عذاب أليم من رجز الباقون بالخفض نعتا للرجز < < الجاثية : ( 12 ) الله الذي سخر . . . . . > > < > ( الجاثيه 12 : 13 ) < > قوله تعالى : ( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم ( وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا منه ) يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام وقرأ بن عباس والجحدري وغيرهما جميعا منة بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء منصوبا على المصدر قال أبو عمرو : وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها منة أي تفضلا وكرما وعن مسلمة بن محارب أيضا جميعا منه على إضافة المن إلى هاء الكناية وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف أي ذلك أو هو منه وقراءة الجماعة ظاهرة ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) < < الجاثية : ( 14 ) قل للذين آمنوا . . . . . > > < > ( الجاثيه 14 ) <
> قوله تعالى : ( قل للذين آمنوا يغفروا ) جزم على جواب قل تشبيها بالشرط والجزاء كقولك : قم تصب خيرا وقيل : هو على حذف اللام وقيل : على معنى قل لهم اغفروا يغفروا فهو جواب أمر محذوف دل الكلام عليه قاله علي بن عيسى واختاره بن العربي ونزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به قال بن العربي : وهذا لم يصح وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن بن عباس أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق فإنهم نزلوا على بئر يقال لها المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي وأبطأ عليه فقال : ما حبسك قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك فبلغ عمر رضي الله عنه قوله فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله فأنزل الله هذه الآية هذه رواية عطاء عن بن عباس وروي عنه ميمون بن مهران قال : لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص : احتاج رب محمد قال : فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن ربك يقول لك قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ( واعلم أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه فلما جاء قال : ( يا عمر ضع سيفك ( قال : يا رسول الله صدقت أشهد أنك أرسلت بالحق قال : ( فإن ربك يقول : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ( قال : لا جرم والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي قلت : وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن بن عباس وهو قول القرظي والسدي وعليه يتوجه النسخ في الآية وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة ومعنى يغفروا يعفوا ويتجاوزوا ومعنى : لا يرجون أيام الله أي لا يرجون ثوابه وقيل : أي لا يخافون بأس الله ونقمته وقيل : الرجاء بمعنى الخوف كقوله : ما لكم لا ترجون لله وقارا نوح أي لا تخافون له عظمة والمعنى : لا تخشون مثل عذاب الأمم الخالية والأيام يعبر بها عن الوقائع وقيل : لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه وقيل : المعنى لا يخافون البعث ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) قراءة العامة ليجزي بالياء على معنى ليجزي الله وقرأ حمزة والكسائي وبن عامر لنجزي بالنون على التعظيم وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة ليجزي بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول قوما بالنصب قال أبو عمرو : وهذا لحن ظاهر وقال الكسائي : معناه ليجزي الجزاء قوما نظيره : وكذلك نجي المؤمنين على قراءة بن عامر وأبي بكر في سورة الأنبياء قال الشاعر : ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا أي لسب السب < < الجاثية : ( 15 ) من عمل صالحا . . . . . > > < > ( الجاثيه 15 ) < > تقدم < < الجاثية : ( 16 ) ولقد آتينا بني . . . . . > > < > ( الجاثيه 16 : 17 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) يعني التوراة ( والحكم والنبوة ) الحكم : الفهم في الكتاب وقيل : الحكم على الناس والقضاء والنبوة يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام ( ورزقناهم من الطيبات ) أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام وقيل : يعني المن والسلوى في التيه ( وفضلناهم على العالمين ) أي على عالمي زمانهم على ما تقدم في الدخان بيانه ( وآتيناهم بينات من الأمر ) قال بن عباس : يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب وينصره أهل يثرب وقيل : بينات الأمر شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) يريد يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم حكاه النقاش وقيل : إلا من بعد ما جاءهم العلم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها ( بغيا بينهم ) أي حسدا على النبي صلى الله عليه وسلم قال معناه الضحاك قيل : معنى بغيا أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة وقتلوا الأنبياء فكذا مشركوا عصرك يا محمد قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة ( إن ربك يقضي بينهم ) أي يحكم ويفصل ( يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) في الدنيا < < الجاثية : ( 18 ) ثم جعلناك على . . . . . > > < > ( الجاثيه 18 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) الشريعة في اللغة : المذهب والملة ويقال لمشرعة الماء وهي مورد الشاربة : شريعة ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد فالشريعة : ما شرع الله لعباده من الدين والجمع الشرائع والشرائع في الدين : المذاهب التي شرعها الله لخلقه فمعنى : جعلناك على شريعة من الأمر أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق وقال بن عباس : على شريعة أي على هدى من الأمر قتادة : الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض مقاتل : البينة لأنها طريق إلى الحق الكلبي : السنة لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء بن زيد : الدين لأنه طريق النجاة قال بن العربي : والأمر يرد في اللغة بمعنيين : أحدهما بمعنى الشأن كقوله : فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد هود والثاني أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي وكلاهما يصح أن يكون مرادا ها هنا وتقديره : ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام كما قال تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه الثانية قال بن العربي : ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا لأن الله تعالى أفرد النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية بشريعة ولا ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته منفردان بشريعة وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا قوله تعالى : ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) يعني المشركين وقال بن عباس : قريظة والنضير وعنه : نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه < < الجاثية : ( 19 ) إنهم لن يغنوا . . . . . > > < > ( الجاثيه 19 ) <
> قوله تعالى : ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) أي إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) أي أصدقاء وأنصار وأحباب قال بن عباس : يريد أن المنافقين أولياء اليهود ( والله ولي المتقين ) أي ناصرهم ومعينهم والمتقون هنا : الذين اتقوا الشرك والمعاصي < < الجاثية : ( 20 ) هذا بصائر للناس . . . . . > > < > ( الجاثيه 20 ) < > قوله تعالى : ( هذا بصائر للناس ) ابتداء وخبر أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام وقرئ هذه بصائر أي هذه الآيات ( وهدى ) أي رشد وطريق يؤدى إلى الجنة لمن أخذ به ( ورحمة ) في الأخرة ( لقوم يوقنون ) < < الجاثية : ( 21 ) أم حسب الذين . . . . . > > < > ( الجاثيه 21 ) < > قوله تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أي اكتسبوها والاجتراح : الاكتساب ومنه الجوارح وقد تقدم في المائدة ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) قال الكلبي : الذين اجترحوا عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة والذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم وقيل : نزلت في قوم من المشركين قالوا : إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن كما أخبر الرب عنهم في قوله : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فصلت وقوله : أم حسب استفهام معطوف معناه الإنكار وأهل العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب وقوم يقولون : فيه إضمار أي والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم وقيل : هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان وقراءة العامة سواء بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم أي محياهم ومماتهم سواء والضمير في محياهم ومماتهم يعود على الكفار أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك وقرأ حمزة والكسائي والأعمش سواء بالنصب واختاره أبو عبيد قال : معناه نجعلهم سواء وقرأ الأعمش أيضا وعيسى بن عمر ومماتهم بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم فلما أسقط الخافض انتصب ويجوز أن يكون محياهم ومماتهم بدلا من الهاء والميم في نجعلهم المعنى أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم ويجوز أن يكون الضمير في محياهم ومماتهم للكفار والمؤمنين للكفار والمؤمنين جميعا قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا وذكر بن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال : قال رجل من أهل مكة : هذا مقام تميم الداري لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية كلها وقال بشير : بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد وقال إبراهيم بن الأشعث : كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها ثم يقول : ليت شعري من أي الفريقين أنت وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة < < الجاثية : ( 22 ) وخلق الله السماوات . . . . . > > < > ( الجاثيه 22 ) < > قوله تعالى : ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ) أي بالأمر الحق ( ولتجزى ) أي ولكي تجزى ( كل نفس بما كسبت ) أي في الآخرة ( وهم لا يظلمون ) < < الجاثية : ( 23 ) أفرأيت من اتخذ . . . . . > > < > ( الجاثيه 23 ) <
> قال بن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه وقال عكرمة : أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه وقال سفيان بن عيينة : إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة وقيل : المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل وقال الحسن بن الفضل : في هذه الآية تقديم وتأخير مجازه أفرأيت من اتخذ هواه إلهه وقال الشعبي : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار وقال بن عباس : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه قال الله تعالى : واتبع هواه فمثله كمثل الكلب وقال تعالى : واتبع هواه وكان أمره فرطا وقال تعالى : بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وقال تعالى : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وقال تعالى : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ص وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ( وقال أبو أمامة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى ( وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والفاجر من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ( وقال عليه السلام : ( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب ( وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول : إن الهوان هو الهوى قلب اسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل بن المقفع عن الهوى فقال : هوان سرقت نونه فأخذه شاعر فنظمه وقال : نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال آخر : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبدك الهوى فاخضع لحبك كائنا من كانا ولعبد الله بن المبارك : ومن البلايا للبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع ولابن دريد : إذا طالبتك النفس يوما بشهوة وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق ولأبي عبيد الطوسي : والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاها وقال أحمد بن أبي الحواري : مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له : أنت عليل قال نعم قلت مذ كم قال : مذ عرفت نفسي قلت فتداوى قال : قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي قلت وما الكي قال : مخالفة الهوى وقال سهل بن عبد الله التستري : هواك داؤك فإن خالفته فدواؤك وقال وهب : إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه وحسبك بقوله تعالى : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى قوله تعالى : ( وأضله الله على علم ) أي على علم قد علمه منه وقيل أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه وقال بن عباس : أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل مقاتل : على علم منه أنه ضال والمعنى متقارب وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر ثم قيل : على علم يجوز أن يكون حالا من الفاعل المعنى : أضله على علم منه به أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه ويجوز أن يكون حالا من المفعول فيكون المعنى : أضله في حال علم الكافر بأنه ضال ( وختم على سمعه وقلبه ) أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى ( وجعل على بصره غشاوة ) أي غطاء حتى لا يبصر الرشد وقرأ حمزة والكسائي غشوة بفتح الغين من غير ألف وقد مضى في البقرة وقال الشاعر : أما والذي أنا عبد له يمينا ومالك أبدي اليمينا لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصفيتك الود حينا ( فمن يهديه من بعد الله ) أي من بعد أن أضله ( أفلا تذكرون ) تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الإعتقاد إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية ثم قيل : وختم على سمعه وقلبه إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم وقيل : إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم كما تقدم في أول البقرة وحكى بن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل : والله إني لأعلم أنه لصادق فقال له مه وما دلك على ذلك قال : يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن والله إني لأعلم أنه لصادق قال : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة واللات والعزى إن اتبعته أبدا فنزلت : وختم على سمعه وقلبه < <
الجاثية : ( 24 ) وقالوا ما هي . . . . . > > < > ( الجاثيه 24 ) <
> قوله تعالى : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء ومعنى : نموت ونحيا أي نموت نحن وتحيا أولادنا قاله الكلبي وقرئ ونحيا بضم النون وقيل : يموت بعضنا ويحيا بعضنا وقيل : فيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وهي قراءة بن مسعود ( وما يهلكنا إلا الدهر ) قال مجاهد : يعني السنين والأيام وقال قتادة : إلا العمر والمعنى واحد وقرئ إلا دهر يمر وقال بن عيينة : كان أهل الجاهلية يقولون : الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا فنزلت هذه الآية وقال قطرب : وما يهلكنا إلا الموت وأنشد قول أبي ذؤيب : أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال عكرمة : أي وما يهلكنا إلا الله وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى : يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ( قلت : قوله ( قال الله ( إلى آخره نص البخاري ولفظه وخرجه مسلم أيضا وأبو داؤد وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر ( وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن الدهر من أسماء الله وقال : من لم يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه فنهوا عن ذلك ودل على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تبارك وتعالى يؤذيني بن آدم ( الحديث ولقد أحسن من قال وهو أبو علي الثقفي : يا عاتب الدهر إذا نابه لا تلم الدهر على غدره الدهر مأمور له آمرا وينتهي الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم يزداد إيمانا على فقره وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال : إياك يا بني وذكر الدهر وأنشد : فما الدهر بالجاني لشيء لحينة ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثا على معشر يجعل مياسيرهم عسرا وقال أبو عبيد : ناظرت بعض الملحدة فقال : ألا تراه يقول ( فإن الله هو الدهر ( فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر بل كانوا يقولون كما قال الأعشى : إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا استأثر الله بالوفاء وبالعد ل وولى الملامة الرجلا قال أبو عبيد : ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب حتى ذكروه في أشعارهم ونسبوا الأحداث إليه قال عمرو بن قميئة : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ولكنني أرمي بغير سهام على الراحتين مرة وعلى العصا أنوء ثلاثا بعدهن قيامي ومثله كثير في الشعر ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه والله سبحانه الفاعل لا رب سواه ( وما لهم بذلك من علم ) أي علم ومن زائدة أي قالوا ما قالوا شاكين ( إن هم إلا يظنون ) أي ما هم إلا يتكلمون بالظن وكان المشركون أصنافا منهم هؤلاء ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين فيتأولون ويرون القيامة موت البدن ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار لأن هؤلاء يلبسون على الحق ويغتر بتلبيسهم الظاهر والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم وقيل : نموت وتحيا آثارنا فهذه حياة الذكر وقيل : أشاروا إلى التناسخ أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به < <
الجاثية : ( 25 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > > < > ( الجاثيه 25 : 26 ) < > قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أي وإذ تقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم دفع ( ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بأبائنا إن كنتم صادقين ) حجتهم خبر كان والاسم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون فرد الله عليهم بقوله : ( قل الله يحييكم ) يعني بعد كونكم نطفا أمواتا ( ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ) كما أحياكم في الدنيا ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن الله يعيدهم كما بدأهم الزمخشري : فإن قلت لم سمي قولهم حجة وليس بحجة قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة أو لأنه في أسلوب قوله : تحية بينهم ضرب وجيع كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة والمراد نفي أن تكون لهم حجة ألبتة فإن قلت : كيف وقع قوله : قل الله يحييكم جواب ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين قلت : لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن الله عز وجل وهو الذي يحييهم ثم يميتهم وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق وهو جمعهم يوم القيامة ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم وكان أهون شيء عليه < < الجاثية : ( 27 ) ولله ملك السماوات . . . . . > > < > ( الجاثيه 27 ) < > قوله تعالى : ( ولله ملك السماوات والأرض ) خلقا وملكا ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) يوم الأول منصوب ب يخسر ويومئذ تكرير للتأكيد أو بدل وقيل : إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة والعامل في يومئذ يخسر ومفعول يخسر محذوف والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة < < الجاثية : ( 28 ) وترى كل أمة . . . . . > > < > ( الجاثيه 28 ) <
> قوله تعالى : ( وترى كل أمة جاثية ) أي من هول ذلك اليوم والأمة هنا : أهل كل ملة وفي الجاثية تأويلات خمس : الأول قال مجاهد : مستوفزة وقال سفيان : المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله الضحاك : ذلك عند الحساب الثاني مجتمعة قاله بن عباس الفراء : المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين الثالث متميزة قاله عكرمة الرابع خاضعة بلغة قريش قاله مؤرج الخامس باركة على الركب قاله الحسن والجثو : الجلوس على الركب جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعور منها وقد مضى في مريم : وأصل الجثوة : الجماعة من كل شيء قال طرفة يصف قبرين : ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد ثم قيل : هو خاص بالكفار قاله يحيى بن سلام وقيل : إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم ( ذكره الماوردي وقال سلمان : إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي ( لا أسألك اليوم إلا نفسي ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) قال يحيى بن سلام : إلى حسابها وقيل : إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر قاله مقاتل وهو معنى قول مجاهد وقيل : كتابها ما كتبت الملائكة عليها وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه وقيل : الكتاب ها هنا اللوح المحفوظ وقرأ يعقوب الحضرمي كل أمة بالنصب على البدل من كل الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى إذ ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو استدعاؤها إلى كتابها وقيل : انتصب بإعمال ترى مضمرا والرفع على الابتداء ( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) من خير أو شر < < الجاثية : ( 29 ) هذا كتابنا ينطق . . . . . > > < > ( الجاثيه 29 ) < > قوله تعالى : ( هذا كتابنا ) قيل من قول الله لهم وقيل من قول الملائكة ( ينطق عليكم بالحق ) أي يشهد وهو استعارة يقال : نطق الكتاب بكذا أي بين وقيل : إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا فكأنه ينطق عليهم دليله قوله : ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وفي المؤمنين : ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون وقد تقدم وينطق في موضع الحال من الكتاب أو من ذا أو خبر ثان لذا أو يكون كتابنا بدلا من هذا وينطق الخبر ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون قال علي رضي الله عنه : إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم وقال بن عباس : إن الله وكل ملائكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب لا زيادة فيه ولا نقصان قال بن عباس : وهل يكون النسخ إلا من كتاب الحسن : نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال وقيل : تحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية وقيل : إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله عز وجل أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب < <
الجاثية : ( 30 ) فأما الذين آمنوا . . . . . > > < > ( الجاثيه 30 : 31 ) < > قوله تعالى : ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) أي الجنة ( ذلك هو الفوز المبين وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) أي فيقال لهم ذلك وهو استفهام توبيخ ( فاستكبرتم ) عن قبولها ( وكنتم قوما مجرمين ) أي مشركين تكسبون المعاصي يقال : فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم فالمجرم من أكسب نفسه المعاصي وقال الله تعالى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين القلم فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا < < الجاثية : ( 32 ) وإذا قيل إن . . . . . > > < > ( الجاثيه 32 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل إن وعد الله حق ) أي البعث كائن ( والساعة لا ريب فيها ) وقرأ حمزة والساعة بالنصب عطفا على وعد الباقون بالرفع على الابتداء أو العطف على موضع إن وعد الله ولا يحسن على الضمير الذي في المصدر لأنه غير مؤكد والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر ( قلتم ما ندري ما الساعة ) هل هي حق أم باطل ( إن نظن إلا ظنا ) تقديره عند المبرد : إن نحن إلا نظن ظنا وقيل : التقدير : إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا وقيل : أي وقلتم إن نظن إلا ظنا ( وما نحن بمستيقنين ) أن الساعة آتية < < الجاثية : ( 33 ) وبدا لهم سيئات . . . . . > > < > ( الجاثيه 33 ) < > قوله تعالى : ( وبدا لهم سيئات ما عملوا ) أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا ( وحاق بهم ) أي نزل بهم وأحاط ( ما كانوا به يستهزئون ) من عذاب الله < < الجاثية : ( 34 ) وقيل اليوم ننساكم . . . . . > > < > ( الجاثيه 34 ) < > قوله تعالى : ( وقيل اليوم ننساكم ) أي نترككم في النار كما تركتم لقاء يومكم هذا أي تركتم العمل له ( ومأواكم النار ) أي مسكنكم ومستقركم ( وما لكم من ناصرين ) من ينصركم < < الجاثية : ( 35 ) ذلكم بأنكم اتخذتم . . . . . > > < > ( الجاثيه 35 ) < > قوله تعالى : ( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله ) يعني القرآن ( هزوا ) لعبا ( وغرتكم الحياة الدنيا ) أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها فظننتم أن ليس ثم غيرها وأن لا بعث ( فاليوم لا يخرجون منها ) أي من النار ( ولا هم يستعتبون ) يسترضون وقد تقدم وقرأ حمزة والكسائي فاليوم لا يخرجون بفتح الياء وضم الراء لقوله تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها الباقون بضم الياء وفتح الراء لقوله تعالى : ربنا أخرجنا ونحوه < < الجاثية : ( 36 ) فلله الحمد رب . . . . . > > < > ( الجاثيه 36 : 37 ) < > قوله تعالى : ( فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ) قرأ مجاهد وحميد وبن محيصن رب السماوات ورب الأرض رب العالمين بالرفع فيها كلها على معنى هو رب ( وله الكبرياء ) أي العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال ( في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) والله أعلم ختم تفسير سورة الجاثية والحمد لله < > تفسير سورة الأحقاف < > مكية في قول جميعهم وهي أربع وثلاثون آية وقيل : خمس بسم الله الرحمن الرحيم < < الأحقاف : ( 1 ) حم > > < > ( الاحقاف 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) تقدم ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) تقدم أيضا ( وأجل مسمى ) يعني القيامة في قول بن عباس وغيره وهو الأجل الذي تنتهي إليه السماوات والأرض وقيل : إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق ( والذين كفروا عما أنذروا ) خوفوه ( معرضون ) مولون لاهون غير مستعدين له ويجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم < < الأحقاف : ( 4 ) قل أرأيتم ما . . . . . > > < > ( الاحقاف 4 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ) أي ما تعبدون من الأصنام والأنداد من دون الله ( أروني ماذا خلقوا من الأرض ) أي هل خلقوا شيئا من الأرض ( أم لهم شرك ) أي نصيب ( في السماوات ) أي في خلق السماوات مع الله ( ائتوني بكتاب من قبل هذا ) أي من قبل هذا القرآن الثانية قوله تعالى : ( أو أثارة من علم ) قراءة العامة أو أثارة بألف بعد الثاء قال بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو خط كانت تخطه العرب في الأرض ( ذكره المهدوي والثعلبي وقال بن العربي : ولم يصح وفي مشهور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ( ولم يصح أيضا قلت : هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي خرجه مسلم وأسند النحاس : حدثنا محمد بن أحمد ( يعرف بالجرايجي ) قال حدثنا محمد بن بندار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : أو أثارة من علم : ( الخط ( وهذا صحيح أيضا قال بن العربي : واختلفوا في تأويله فمنهم من قال : جاء لإباحة الضرب لأن بعض الأنبياء كان يفعله ومنهم من قال جاء للنهي عنه لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( فمن وافق خطه فذاك ( ولا سبيل إلى معرفة طريق النبي المتقدم فيه فإذا لا سبيل إلى العمل به قال : لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا ولا زاجرات الطير ما الله صانع وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب فيدل ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم فصار ظنا مبنيا على ظن وتعلقا بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه وقد نهت الشريعة عنه وأخبرت أن ذلك مما اختص الله به وقطعه عن الخلق وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها في درك الأشياء المغيبة فإن الله قد رفع تلك الأسباب وطمس تيك الأبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب فلا يجوز مزاحمته في ذلك ولا يحل لأحد دعواه وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب قلت : ما اختاره هو قول الخطابي قال الخطابي : قوله عليه السلام : ( فمن وافق خطه فذاك ( هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت فنهينا عن التعاطي لذلك قال القاضي عياض : الأظهر من اللفظ خلاف هذا وتصويب خط من يوافق خطه لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم وحكى مكي في تفسير قوله : ( كان نبي من الأنبياء يخط ( أنه كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر وقال بن عباس في تفسير قوله ( ومنا رجال يخطون ( : هو الخط الذي يخطه الحازي فيعطى حلوانا فيقول : اقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازي غلام معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الاستاذ خطوطا معجلة لئلا يلحقها العدد ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين فإن بقي خطان فهو علامة النجح وإن بقي خط فهو علامة الخيبة والعرب تسميه الأسحم وهو مشئوم عندهم الثالثة قال بن العربي : إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا فإنه أذن فيها وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل وأما الطيرة والزجر فإنه نهي عنهما والفأل : هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسنا فإذا سمع مكروها فهو تطير أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسرورا وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ( وقد روى بعض الأدباء : الفأل والزجر والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال وهذا كلام صحيح إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه فيه فإنه تكلم بجهل وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم قلت : قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في المائدة وغيرها ومضى في الأنعام أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وأن أحدا لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جرى العادة وقد يختلف مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر وقد يجوز أن يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع الله فيها طلعا ثانيا فتثمر وكما أنه جائز أيضا ألا يلي شهره شهر ولا يومه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت إلى غير ذلك مما تقدم في الأنعام بيانه الرابعة قال بن خويز منداد : قوله تعالى : أو أثارة من علم يريد الخط وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه وإذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير وقد روى عنه أنه قال : ( يحدث الناس فجورا فتحدث لهم أقضية ( فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به مثل أن يشهدوا أن هذا خط الحاكم وكتابه أشهدنا على ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه ونحو ذلك فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به وقيل : أو أثارة من علم أو بقية من علم قاله بن عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم وفي الصحاح أو أثارة من علم بقية منه وكذلك الأثرة ( بالتحريك ) ويقال : سمنت الإبل على أثارة أي بقية شحم كان قبل ذلك وأنشد الماوردي والثعلبي قول الراعي : وذات أثارة أكلت عليها نباتا في أكمته ففارا وقال الهروي : والأثارة والأثر : البقية يقال : ما ثم عين ولا أثر وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : أو أثارة من علم خاصة من علم وقال مجاهد : رواية تأثرونها عمن كان قبلكم وقال عكرمة ومقاتل : رواية عن الأنبياء وقال القرظي : هو الإسناد الحسن : المعنى شيء يثار أو يستخرج وقال الزجاج : أو أثارة أي علامة والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية يقال : أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر إذا ذكرته عن غيرك ومنه قيل : حديث مأثور أي نقله خلف عن سلف قال الأعشى : إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والآثر ويروى بين وقرئ أو أثرة بضم الهمزة وسكون الثاء ويجوز أن يكون معناه بقية من علم ويجوز أن يكون معناه شيئا مأثورا من كتب الأولين والمأثور : ما يتحدث به مما صح سنده عمن تحدث به عنه وقرأ السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف أي خاصة من علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم وروي عن الحسن أيضا وطائفة أثرة مفتوحة الألف ساكنة الثاء ذكر الأولى الثعلبي والثانية الماوردي وحكى الثعلبي عن عكرمة : أو ميراث من علم ( إن كنتم صادقين ) الخامسة قوله تعالى : ( ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ) فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها فأولها المعقول وهو قوله تعالى : قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ) وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ينفع ثم قال : ائتوني بكتاب من قبل هذا فيه بيان أدلة السمع أو أثارة من علم < <
الأحقاف : ( 5 ) ومن أضل ممن . . . . . > > < > ( الاحقاف 5 ) < > قوله تعالى : ( ومن أضل ) أي لا أحد أضل وأجهل ( ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ) وهي الأوثان ( وهم عن دعائهم غافلون ) يعني لا يسمعون ولا يفهمون فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم < < الأحقاف : ( 6 ) وإذا حشر الناس . . . . . > > < > ( الاحقاف 6 ) < > قوله تعالى : ( وإذا حشر الناس ) يريد يوم القيامة ( كانوا لهم أعداء ) أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة فالملائكة أعداء الكفار والجن والشياطين يتبرءون غدا من عبدتهم ويلعن بعضهم بعضا ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء على تقدير خلق الحياة لها دليله قوله تعالى : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل : عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم وجحد المعبودون عبادتهم وهو قوله : وكانوا بعبادتهم كافرين ) < < الأحقاف : ( 7 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > > < > ( الاحقاف 7 ) < > قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) يعني القرآن ( قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ) < < الأحقاف : ( 8 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > < > ( الاحقاف 8 ) < > قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه ) الميم صلة التقدير : أيقولون افتراه أي تقوله محمد وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا ومعنى الهمزة في أم الإنكار والتعجب كأنه قال : دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا والضمير للحق والمراد به الآيات ( قل إن افتريته ) على سبيل الفرض ( فلا تملكون لي من الله شيئا ) أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذاب الله فكيف أفتري على الله لأجلكم ( هو أعلم بما تفيضون فيه ) أي تقولونه عن مجاهد وقيل : تخوضون فيه من التكذيب والإفاضة في الشيء : الخوض فيه والاندفاع أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه وأفاض البعير أي دفع جرته من كرشه فأخرجها ومنه قول الشاعر : وأفضن بعد كظومهن بجره وأفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا وكل دفعة إفاضة ( كفى به شهيدا ) نصب على التمييز ( بيني وبينكم ) أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون ( وهو الغفور ) لمن تاب ( الرحيم ) بعباده المؤمنين < < الأحقاف : ( 9 ) قل ما كنت . . . . . > > < > ( الاحقاف 9 ) <
> قوله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) أي أول من أرسل قد كان قبلي رسل عن بن عباس وغيره والبدع : الأول وقرأ عكرمة وغيره بدعا بفتح الدال على تقدير حذف المضاف والمعنى : ما كنت صاحب بدع وقيل : بدع وبديع بمعنى مثل نصف ونصيف وأبدع الشاعر : جاء بالبديع وشيء بدع ( بالكسر ) أي مبتدع وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع وقوم أبداع عن الأخفش وأنشد قطرب قول عدي بن زيد : فلا أنا بدع من حوادث تعتري رجالا غدت من بعد بؤسي بأسعد ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) يريد يوم القيامة ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا : كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فنزلت : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فنسخت هذه الآية وأرغم الله أنف الكفار وقالت الصحابة : هنيئا لك يا رسول الله لقد بين الله لك ما يفعل بك يا رسول الله فليت شعرنا ما هو فاعل بنا فنزلت : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار الآية ونزلت : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا قاله أنس وبن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك وقالت أم العلاء امرأة من الأنصار : اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مظعون بن حذافة بن جمح فأنزلناه أبياتنا فتوفى فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب إن الله أكرمك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وما يدريك أن الله أكرمه ( فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله فمن قال : ( أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيرا فو الله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( فقالت : فو الله لا أزكي بعده أحدا أبدا ذكره الثعلبي وقال : وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه وإنما غفر الله له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته بأربع سنين قلت : حديث أم العلاء خرجه البخاري وروايتي فيه : ( وما أدري ما يفعل به ( ليس فيه ( بي ولا بكم ( وهو الصحيح إن شاء الله على ما يأتي بيانه والآية ليست بمنسوخة لأنها خبر قال النحاس : محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين : أحدهما أنه خبر والآخر أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين كما كان قبله وما بعده ومحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين ( ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( في الآخرة ولم يزل صلى الله عليه وسلم من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبهم في الآخرة وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلي خفض ودعة أم إلى عذاب وعقاب والصحيح في الآية قول الحسن كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا قال أبو جعفر : وهذا أصح قول وأحسنه لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر ومثله : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس : لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه به فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا : يا رسول الله متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ثم قال : ( إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى إلي ( أي لم يوح إلي ما أخبرتكم به قال القشيري : فعلى هذا لا نسخ في الآية وقيل : المعنى لا أدري ما يفرض علي وعليكم من الفرائض واختار الطبري أن يكون المعنى : ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا أتؤمنون أم تكفرون أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخرون قلت : وهو معنى قول الحسن والسدي وغيرهما قال الحسن : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ولكن قال ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أأمتي المصدقة أم المكذبة أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا أو مخسوف بها خسفا ثم نزلت : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله يقول : سيظهر دينه على الأديان ثم يقول في أمته : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته ولا نسخ على هذا كله والحمد لله وقال الضحاك أيضا : ( ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( أي ما تؤمرون به وتنهون عنه وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة ثم بين الله تعالى ذلك في قوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وبين فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بين حال الكافرين قلت : وهذا معنى القول الأول إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان وأنه أمر أن يقول ذلك للمؤمنين والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره وما في ما يفعل يجوز أن تكون موصولة وأن تكون استفهامية مرفوعة ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ) وقريء يوحى أي الله عز وجل تقدم في غير موضع < <
الأحقاف : ( 10 ) قل أرأيتم إن . . . . . > > < > ( الاحقاف 10 ) < > قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ) يعني القرآن ( وكفرتم به ) وقال الشعبي : المراد محمد صلى الله عليه وسلم ( ويشهد شاهد من بني إسرائيل ) قال بن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد : هو عبد الله بن سلام شهد على اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة وأنه نبي من عند الله وفي الترمذي عنه : ونزلت في آيات من كتاب الله نزلت في : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقد تقدم في آخر سورة الرعد وقال مسروق : هو موسى والتوراة لا بن سلام لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية وقال : وقوله : وكفرتم به مخاطبة لقريش الشعبي : هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة لأن بن سلام إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين والسورة مكية قال القشيري : ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية وأسلم بن سلام قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعامين ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية فإن الآية كانت تنزل فيقول النبي صلى الله عليه وسلم ضعوها في سورة كذا والآية في محاجة المشركين ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء أي شهادتهم لهم وشهادة نبيهم لي من أوضح الحجج ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود ولما جاء بن سلام مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال : يا رسول الله اجعلني حكما بينك وبين اليهود فسألهم عنه : ( أي رجل هو فيكم ( قالوا : سيدنا وعالمنا فقال : ( إنه قد آمن بي ( فأساءوا القول فيه الحديث وقد تقدم قال بن عباس : رضيت اليهود بحكم بن سلام وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن يشهد لك آمنا بك فسئل فشهد ثم أسلم ( على مثله ) أي على مثل ما جئتكم به فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن وقال الجرجاني مثل صلة أي وشهد شاهد عليه أنه من عند الله ( فآمن ) أي هذا الشاهد ( واستكبرتم ) أنتم عن الإيمان وجواب إن كان محذوف تقديره : فآمن أتؤمنون قاله الزجاج وقيل : فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم يبينه ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) وقيل : فآمن واستكبرتم أفتأمنون عذاب الله وأرأيتم لفظ موضوع للسؤال والاستفهام ولذلك لا يقتضي مفعولا وحكى النقاش وغيره : أن في الآية تقديما وتأخيرا وتقديره : قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين < < الأحقاف : ( 11 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > < > ( الاحقاف 11 ) <
> قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) اختلف في سبب نزولها على ستة أقوال : الأولى أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة فأجاب واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم ثم دعاهم الزعيم فأسلموا فبلغ ذلك قريشا فقالوا : غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه فنزلت هذه الآية قاله أبو المتوكل الثاني أن زنيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها : أصابك اللات والعزى فرد الله عليها بصرها فقال عظماء قريش : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله عروة بن الزبير الثالث أن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز منهم قاله الكلبي والزجاج وحكاه القشيري عن بن عباس وقال قتادة : نزلت في مشركي قريش قالوا : لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال وصهيب وعمار وفلان وفلان وهو القول الرابع القول الخامس أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد الله بن سلام وأصحابه : لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه قاله أكثر المفسرين حكاه الثعلبي وقال مسروق : إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما سبقتنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية وهذه المعارضة من الكفار في قولهم : لو كان خيرا ما سبقونا إليه من أكبر المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم حتى يقال لهم : لو كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه ولو كان تكذيبكم للرسول خيرا ما سبقتمونا إليه ذكره الماوردي ثم قيل : قوله : ما سبقونا إليه يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض المؤمنين ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ( وإذا لم يهتدوا به ) يعني الإيمان وقيل القرآن وقيل محمد صلى الله عليه وسلم ( فسيقولون هذا إفك قديم ) أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به عادوه ونسبوه إلى الكذب وقالوا هذا إفك قديم كما قالوا : أساطير الأولين وقيل لبعضهم : هل في القرآن : من جهل شيئا عاداه فقال نعم قال الله تعالى : وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومثله : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعمله < < الأحقاف : ( 12 ) ومن قبله كتاب . . . . . > > < > ( الاحقاف 12 ) <
> قوله تعالى : ( ومن قبله ) أي ومن قبل القرآن ( كتاب موسى ) أي التوراة ( إماما ) يقتدى بما فيه ( ورحمة ) من الله وفي الكلام حذف أي فلم تهتدوا به وذلك أنه كان في التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به فتركوا ذلك وإماما نصب على الحال لأن المعنى : وتقدمه كتاب موسى إماما ورحمة معطوف عليه وقيل : انتصب بإضمار فعل أي أنزلناه إماما ورحمة وقال الأخفش : على القطع لأن كتاب موسى معرفة بالإضافة لأن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ولام صارت معرفة ( وهذا كتاب ) يعني القرآن ( مصدق ) يعني للتوراة ولما قبله من الكتب وقيل : مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم ( لسان عربيا ) منصوب على الحال أي مصدق لما قبله عربيا ولسانا توطئة للحال أي تأكيد كقولهم : جاءني زيد رجلا صالحا فتذكر رجلا توكيدا وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : وهذا كتاب مصدق أعني لسان عربيا وقيل : نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره : بلسان عربي وقيل : إن لسانا مفعول والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي وهذا كتاب مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه معجزته والتقدير : مصدق ذا لسان عربي فاللسان منصوب بمصدق وهو النبي صلى الله عليه وسلم ويبعد أن يكون اللسان القرآن لأن المعنى يكون يصدق نفسه ( لينذر الذين ظلموا ) قراءة العامة لينذر بالياء خبر عن الكتاب أي لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية وقيل : هو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأ نافع وبن عامر والبزي بالتاء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : إنما أنت منذر ( وبشرى للمحسنين ) بشرى في موضع رفع أي وهو بشرى وقيل : عطفا على الكتاب أي وهذا كتاب مصدق وبشرى ويجوز أن يكون منصوبا بإسقاط حرف الخفض أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى فلما حذف الخافض نصب وقيل : على المصدر أي وتبشر المحسنين بشرى فلما جعل مكان وتبشر بشرى أو بشارة نصب كما تقول : أتيتك لأزورك وكرامة لك وقضاء لحقك يعني لآزورك وأكرمك وأقضي حقك فنصب الكرامة بفعل مضمر < < الأحقاف : ( 13 ) إن الذين قالوا . . . . . > > < > ( الاحقاف 13 : 14 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الآية تقدم معناها وقال بن عباس : نزلت في أبي بكر الصديق والآية تعم ( جزاء ) نصب على المصدر < < الأحقاف : ( 15 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . . > > < > ( الاحقاف 15 ) <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?