Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V18/P282–V18/P284

المعارج : ( 5 ) فاصبر صبرا جميلا > > < > ( المعارج 5 : 7 ) < > قوله تعالى : ( فاصبر صبرا جميلا ) أي على أذى قومك والصبر الجميل : هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله وقيل : هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو والمعنى متقارب وقال بن زيد : هي منسوخة بآية السيف ( إنهم يرونه بعيدا ) يريد أهل مكة يرون العذاب بالنار بعيدا أي غير كائن ( ونراه قريبا ) لأن ما هو آت فهو قريب وقال الأعمش : يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة كما تقول لمن تناظره : هذا بعيد لا يكون وقيل : أي يرون هذا اليوم بعيدا ( ونراه ) أي نعلمه لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود وهو كقولك : الشافعي يرى في هذه المسألة كذا وكذا < < المعارج : ( 8 ) يوم تكون السماء . . . . . > > < > ( المعارج 8 : 10 ) < > قوله تعالى : ( يوم تكون السماء كالمهل ) العامل في ( يوم ) ( واقع ) تقديره يقع بهم العذاب يوم وقيل : ( نراه ) أو ( يبصرونهم ) أو يكون بدلا من قريب والمهل : دردي الزيت وعكره في قول بن عباس وغيره وقال بن مسعود : ما أذيب من الرصاص والنحاس والفضة وقال مجاهد : ( كالمهل ) كقيح من دم وصديد وقد مضى في سورة [ الدخان ] والكهف ] القول فيه ( وتكون الجبال كالعهن ) أي كالصوف المصبوغ ولا يقال للصوف عهن إلا أن يكون مصبوغا وقال الحسن : ( وتكون الجبال كالعهن ) وهو الصوف الأحمر وهو أضعف الصوف ومنه قول زهير : كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم الفتات القطع والعهن الصوف الأحمر واحده عهنة وقيل : العهن الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تلونها ألوانا والمعنى : أنها تلين بعد الشدة وتتفرق بعد الاجتماع وقيل : أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منبثا ( ولا يسأل حميم حميما ) أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه قاله قتادة كما قال تعالى : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه عبس وقيل : لا يسأل حميم عن حميم فحذف الجار ووصل الفعل وقراءة العامة ( يسأل ) بفتح الياء وقرأ شيبة والبزي عن عاصم ( ولا يسأل ) بالضم على ما لم يسم فاعله أي لا يسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته بل كل إنسان يسأل عن عمله نظيره : كل نفس بما كسبت رهينة < < المعارج : ( 11 ) يبصرونهم يود المجرم . . . . . > > < > ( المعارج 11 : 14 ) <

Section V18/P284–V18/P285

> قوله تعالى : ( يبصرونهم ) أي يرونهم وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم وقال بن عباس : يتعارفون ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة وفي بعض الأخبار : أن أهل القيامة يفرون من المعرف مخافة المظالم وقال بن عباس أيضا : ( يبصرونهم ) يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفرون من المعارف مخافة المظالم وقال بن عباس أيضا : ( يبصرونهم ) يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض فالضمير في ( يبصرونهم ) على هذا للكفار والميم للأقرباء وقال مجاهد : المعنى يبصر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة فالضمير في ( يبصرونهم ) للمؤمنين والهاء والميم للكفار بن زيد : المعنى يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا فالضمير في ( يبصرونهم ) للتابعين والهاء والميم للمتبوعين وقيل : إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول قاتله وقيل : ( يبصرونهم ) يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم وتم الكلام عند قوله : ( يبصرونهم ) ثم قال : ( يود المجرم ) أي يتمنى الكافر ( لو يفتدي من عذاب يومئذ ) يعني من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر ثم ذكرهم فقال : ( ببنيه وصاحبته ) زوجته ( وأخيه وفصيلته ) أي عشيرته ( التي تؤيه ) تنصره قاله مجاهد وبن زيد وقال مالك : أمه التي تربيه حكاه الماوردي ورواه عنه أشهب وقال أبو عبيدة : الفصيلة دون القبيلة وقال ثعلب : هم آباؤه الأدنون وقال المبرد : الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد وهي دون القبيلة وسميت عترة الرجل فصيلته تشبيها بالبعض منه وقد مضى في سورة [ الحجرات ] القول في القبيلة وغيرها وهنا مسألة وهي : إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على العشيرة ومن ادعى الخصوص حمله على الآباء الأدنى فالأدنى والأول أكثر في النطق والله أعلم ومعنى ( تؤويه ) تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به ( ومن في الأرض جميعا ) أي ويود لو فدي بهم لافتدى ( ثم ينجيه ) أي يخلصه ذلك الفداء فلا بد من هذا الإضمار كقوله : وإنه لفسق أي وإن أكله لفسق وقيل : ( يود المجرم ) يقتضي جوابا بالفاء كقوله ودوا : لو تدهن فيدهنون والجواب في هذه الآية ( ثم ينجيه ) لأنها من حروف العطف أي يود المجرم لو يفتدى فينجيه الافتداء < < المعارج : ( 15 ) كلا إنها لظى > > < > ( المعارج 15 : 18 ) <

Section V18/P285–V18/P288

> قوله تعالى : ( كلا ) تقدم القول في ( كلا ) وأنها تكون بمعنى حقا وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام الكلام ( ينجيه ) وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها أي ليس ينجيه من عذاب الله الإفتداء ثم قال : ( إنها لظى ) أي هي جهنم أي تتلظى نيرانها كقوله تعالى : فأنذرتكم نارا تلظى الليل واشتقاق لظى من التلظي والتظاء النار إلتهابها وتلظيها تلهبها وقيل : كان أصلها [ لظظ ] أي ما دامت لدوام عذابها فقلبت إحدى الظاءين ألفا فبقيت لظى وقيل : هي الدركة الثانية من طبقات جهنم وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف ( نزاعة للشوى ) قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي ( نزاعة ) بالرفع وروى أبو عمرو عن عاصم ( نزاعة ) بالنصب فمن رفع فله خمسة أوجه : أحدها أن تجعل ( لظى ) خبر إن وترفع ( نزاعة ) بإضمار هي فمن هذا الوجه يحسن الوقف على ( لظى ) والوجه الثاني أن تكون ( لظى ) ونزاعة خبران لإن كما تقول : إنه خلق مخاصم والوجه الثالث أن تكون ( نزاعة ) بدلا من ( لظى ) ولظى ) خبر [ إن ] والوجه الرابع أن تكون ( لظى ) بدلا من اسم [ إن ] و ( نزاعة ) خبر [ إن ] والوجه الخامس أن يكون الضمير في ( إنها ) للقصة و ( لظى ) مبتدأ و ( نزاعة ) خبر الإبتداء والجملة خبر إن والمعنى : أن القصة والخبر لظى نزاعة للشوى ومن نصب ( نزاعة ) حسن له أن يقف على ( لظى ) وينصب ( نزاعة ) على القطع من لظى إذ كانت نكرة متصلة بمعرفة ويجوز نصبها على الحال المؤكدة كما قال : وهو الحق مصدقا ويجوز أن تنصب على معنى أنها تتلظى نزاعة أي في حال نزعها للشوى والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظى ويجوز أن يكون حالا على أنه حال للمكذبين بخبرها ويجوز نصبها على القطع كما تقول : مررت بزيد العاقل الفاضل فهذه خمسة أوجه للنصب أيضا والشوى : جمع شواة وهي جلدة الرأس قال الأعشي : قالت قتيلة ماله قد جللت شيبا شواته وقال آخر : لأصبحت هدتك الحوادث هدة لها فشواة الرأس باد قتيرها القتير : الشيب وفي الصحاح : والشوى : جمع شواة وهي جلدة الرأس والشوى : اليدان والرجلان والرأس من الآدميين وكل ما ليس مقتلا يقال : رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل قال الهذلي : فإن من القول التي لا شوى لها إذا زل عن ظهر اللسان انفلاتها يقول : إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل قال الأعشي : قالت قتيلة ماله قد جللت شيبا شواته قال أبو عبيد : أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له : صحفت إنما هو سراته أي نواحيه فسكت أبو الخطاب ثم قال لنا : بل هو صحف إنما هو شواته وشوى الفرس : قوائمه لأنه يقال : عبل الشوى ولا يكون هذا للرأس لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعتق الوجه وهو رقته والشوى : رذال المال والشوى : هو الشيء الهين اليسير وقال ثابت البناني والحسن : ( نزاعة للشوى ) أي لمكارم وجهه أبو العالية : لمحاسن وجهه قتادة : لمكارم خلقته وأطرافه وقال الضحاك : تفري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا وقال الكسائي : هي المفاصل وقال بعض الأئمة : هي القوائم والجلود قال امرؤ القيس : سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا له حجبات مشرفات على الفال وقال أبو صالح : أطراف اليدين والرجلين قال الشاعر : إذا نظرت عرفت الفخر منها وعينيها ولم تعرف شواها يعني أطرافها وقال الحسن أيضا : الشوى الهام ( تدعو من أدبر وتولى ) أي تدعو لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولى عن الإيمان ودعاؤها أن تقول : إلي يا مشرك إلي يا كافر وقال بن عباس : تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح : إلي يا كافر إلي يا منافق ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب وقال ثعلب : ( تدعو ) أي تهلك تقول العرب : دعاك الله أي أهلكك الله وقال الخليل : إنه ليس كالدعاء : تعالوا ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم وقيل : الداعي : خزنة جهنم أضيف دعاؤهم إليها وقيل هو ضرب مثل أي إن مصير من أدبر وتولى إليها فكأنها الداعية لهم ومثله قول الشاعر : ولقد هبطنا الواديين فواديا يدعو الأنيس به العضيض الأبكم العضيض الأبكم : الذباب وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه فدعا إليه قلت : القول الأول هو الحقيقة حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن والأخبار الصحيحة القشيري : ودعاء لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو وخوارق العادة غدا كثيرة ( وجمع فأوعى ) أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى فكان جموعا منوعا قال الحكم : كان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول : سمعت الله يقول : ( وجمع فأوعى ) < <

Section V18/P288–V18/P291

المعارج : ( 19 ) إن الإنسان خلق . . . . . > > < > ( المعارج 19 : 21 ) < > قوله تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا ) يعني الكافر عن الضحاك والهلع في اللغة : أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه وكذلك قال قتادة ومجاهد وغيرهما وقد هلع بالكسر يهلع فهو هليع وهلوع على التكثير والمعنى أنه لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي عكرمة : هو الضجور الضحاك : هو الذي لا يشبع والمنوع : هو الذي إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى وقال بن كيسان : خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويرضيه ويهرب مما يكرهه ويسخطه ثم تعبده الله بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره وقال أبو عبيدة : الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر وإذا مسه الضر لم يصبر قاله ثعلب وقال ثعلب أيضا : قد فسر الله الهلوع وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( شر ما أعطى العبد شح هالع وجبن خالع ( والعرب تقول : ناقة هلواعة وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفة قال : صكاء ذعلبة إذا استدبرتها حرج إذا استقبلتها هلواع الذعلب والذعلبة الناقة السريعة وجزوعا ومنوعا ) نعتان لهلوع على أن ينوي بهما التقديم قبل ( إذا ) وقيل : هو خبر كان مضمرة < < المعارج : ( 22 ) إلا المصلين > > < > ( المعارج 22 : 35 ) < > قوله تعالى : ( إلا المصلين ) دل على أن ما قبله في الكفار فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه كقوله تعالى : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا العصر قال النخعي : المراد بالمصلين الذي يؤدون الصلاة المكتوبة بن مسعود : الذين يصلونها لوقتها فأما تركها فكفر وقيل : هم الصحابة وقيل : هم المؤمنون عامة فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) أي على مواقيتها وقال عقبة بن عامر : هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا والدائم الساكن ومنه : نهى عن البول في الماء الدائم أي الساكن وقال بن جريج والحسن : هم الذين يكثرون فعل التطوع منها ( والذين في أموالهم حق معلوم ) يريد الزكاة المفروضة قاله قتادة وبن سيرين وقال مجاهد : سوى الزكاة وقال علي بن أبي طلحة عن بن عباس : صلة رحم وحمل كل والأول أصح لأنه وصف الحق بأنه معلوم وسوى الزكاة ليس بمعلوم إنما هو على قدر الحاجة وذلك يقل ويكثر ( للسائل والمحروم ) تقدم في [ الذاريات ] ( والذين يصدقون بيوم الدين ) أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة وقد مضى في سورة [ الفاتحة ] القول فيه ( والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) أي خائفون ( إن عذاب ربك غير مأمون ) قال بن عباس : لمن أشرك أو كذب أنبياءه وقيل : لا يأمنه أحد بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ما بعد ذلك فأولئك هم العادون ) تقدم القول في سورة [ قد أفلح المؤمنون ] ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) تقدم أيضا ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) على من كانت عليه من قريب أو بعيد يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة [ البقرة ] وقال بن عباس : ( بشهاداتهم ) أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وقرئ لأمانتهم ) على التوحيد وهي قراءة بن كثير وبن محيصن فالأمانة اسم جنس فيدخل فيها أمانات الدين فإن الشرائع أمانات اؤتمن الله عليها عباده ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع وقد مضى هذا كله مستوفى في سورة [ النساء ] وقرأ عباس الدوري عن أبي عمرو ويعقوب ( بشهاداتهم ) جمعا الباقون ( بشهادتهم ) على التوحيد لأنها تؤدى عن الجمع والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع كقوله تعالى : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير وقال الفراء : ويدل على أنها ( بشهادتهم ) توحيدا قوله تعالى : وأقيموا الشهادة لله ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) قال قتادة : على وضوئها وركوعها وسجودها وقال بن جريج : التطوع وقد مضى في سورة [ المؤمنون ] فالدوام خلاف المحافظة فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها ( أولئك في جنات مكرمون ) أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات < <

Section V18/P291

المعارج : ( 36 ) فمال الذين كفروا . . . . . > > < > ( المعارج 36 : 39 ) <

Section V18/P291–V18/P294

> قوله تعالى : ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ) قال الأخفش : مسرعين قال : بمكة أهلها ولقد أراهم إليه مهطعين إلى السماع والمعنى : ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم وقيل : أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك وقيل : أي ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك وقال عطية : مهطعين : معرضين الكلبي : ناظرين إليك تعجبا وقال قتادة : عامدين والمعنى متقارب أي ما بالهم مسرعين عليك مادين أعناقهم مدمني النظر إليك وذلك من نظر العدو وهو منصوب على الحال نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين كانوا يحضرونه عليه السلام ولا يؤمنون به وقبلك ) أي نحوك ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات والعزين : جماعات في تفرقة قاله أبو عبيدة ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرآهم حلقا فقال : ( مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها قال : يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف ( خرجه مسلم وغيره وقال الشاعر : ترانا عنده والليل داج على أبوابه حلقا عزينا أي متفرقين وقال الراعي : أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سراتهم إليك عزينا أي متفرقين وقال آخر : كأن الجماجم من وقعها خناطيل يهوين شتى عزينا أي متفرقين وقال آخر : فلما أن أتين على أضاخ ضرحن حصاه أشتاتا عزينا وقال الكميت : ونحن وجندل باغ تركنا كتائب جندل شتى عزينا وقال عنترة : وقرن قد تركت لذي ولي عليه الطير كالعصب العزين وواحد عزين عزة جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها وأصلها عزهة فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها سنهة وقيل : أصلها عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى والمحذوف منها الواو وفي الصحاح : والعزة الفرقة من الناس والهاء عوض من الياء والجمع عزى على فعل وعزون وعزون أيضا بالضم ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات قال الأصمعي : يقال في الدار عزون أي أصناف من الناس وعن اليمين وعن الشمال ) متعلق بمهطعين ) ويجوز أن يتعلق بعزين ) على حد قولك : أخذته عن زيد ( أيطمع كل امريء منهم أن يدخل جنة نعيم ) قال المفسرون : كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذبونه ويكذبون عليه ويستهزئون بأصحابه ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه فنزلت : ( أيطمع ) الآية وقيل : كان المستهزئون خمسة أرهط وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف والأعرج ( أن يدخل ) بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل ورواه المفضل عن عاصم الباقون ( أن يدخل ) على الفعل المجهول ( كلا ) لا يدخلونها ثم ابتدأ فقال : ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى وقيل : كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال : ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر وقال قتادة في هذه الآية : إنما خلقت يا بن آدم من قذر فاتق الله وروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز فقال له : يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله فقال له : أتعرفني قال : نعم أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته نظم الكلام محمود الوراق فقال : عجبت من معجب بصورته وكان في الأصل نطفة مذوه وهو غدا بعد حسن صورته يصير في اللحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته ما بين ثوبيه يحمل العذره وقال آخر : هل في بن آدم غير الرأس مكرمة وهو بخمس من الأوساخ مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرمصة والثغر ملهوب يا بن التراب ومأكول التراب غدا قصر فإنك مأكول ومشروب وقيل : معناه من أجل ما يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب كقول الشاعر وهو الأعشى : أأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذي هوى أن تزارا أي من أجل ليلى < <

Section V18/P294–V18/P296

المعارج : ( 40 ) فلا أقسم برب . . . . . > > < > ( المعارج 40 : 41 ) < > قوله تعالى : ( فلا أقسم ) أي أقسم و ( لا ) صلة ( برب المشارق والمغارب ) هي مشارق الشمس ومغاربها وقد مضى الكلام فيها وقرأ أبو حيوة وبن محيصن وحميد ( برب المشرق والمغرب ) على التوحيد ( إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم ) يقول : نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم والمجيء بخير منهم في الفضل والطوع والمال ( وما نحن بمسبوقين ) أي لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده < < المعارج : ( 42 ) فذرهم يخوضوا ويلعبوا . . . . . > > < > ( المعارج 42 ) < > أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم على جهة الوعيد واشتغل أنت بما أمرت به ولا يعظمن عليك شركهم فإن لهم يوما يلقون فيه ما وعدوا وقرأ بن محيصن ومجاهد وحميد ( حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون ) وهذه الآية منسوخة بآية السيف < > ( المعارج 43 ) < > ( يوم ) بدل من ( يومهم ) الذي قبله وقراءة العامة ( يخرجون ) بفتح الياء وضم الراء على أنه مسمى الفاعل وقرأ السلمي والمغيرة والأعشى عن عاصم ( يخرجون ) بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول والأجداث : القبور واحدها جدث وقد مضى في سورة [ يس ] ( سراعا ) حين يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة الداعي وهو نصب على الحال ( كأنهم إلى نصب يوفضون ) قراءة العامة بفتح النون وجزم الصاد وقرأ بن عامر وحفص بضم النون والصاد وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهما بضم النون وإسكان الصاد والنصب والنصب لغتان مثل الضعف والضعف الجوهري : والنصب ما نصب فعبد من دون الله وكذلك النصب بالضم وقد يحرك قال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه لعافية والله ربك فاعبدا أراد ( فاعبدن ) فوقف بالألف كما تقول : رأيت زيدا والجمع الأنصاب وقوله : وذا النصب بمعنى إياك وذا النصب والنصب الشر والبلاء ومنه قوله تعالى : أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ص وقال الأخفش والفراء : النصب جمع النصب مثل رهن ورهن والأنصاب جمع نصب فهو جمع الجمع وقيل : النصب والأنصاب واحد وقيل النصب جمع نصاب هو حجر أو صنم يذبح عليه ومنه قوله تعالى : وما ذبح على النصب وقد قيل : نصب ونصب ونصب بمعنى واحد كما قيل عمر وعمر وعمر ذكره النحاس قال بن عباس : ( إلى نصب ) إلى غاية وهي التي تنصب إليها بصرك وقال الكلبي : إلى شيء منصوب علم أو راية وقال الحسن : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوى أولهم على آخرهم ( يوفضون ) يسرعون والإيفاض الإسراع قال الشاعر : فوارس ذبيان تحت الحديد كالجن يوفضون من عبقر عبقر : موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن قال لبيد : كهول وشبان كجنة عبقر وقال الليث : وفضت الإبل تفض وفضا وأوفضها صاحبها فالإيفاض متعد والذي في الآية لازم يقال : وفض وأوفض واستوفض بمعنى أسرع < < المعارج : ( 44 ) خاشعة أبصارهم ترهقهم . . . . . > > < > ( المعارج 44 ) <

Section V18/P296–V18/P298

> قوله تعالى : ( خاشعة أبضارهم ) أي ذليلة خاضعة لا يرفعونها لما يتوقعونه من عذاب الله ( ترهقهم ذلة ) أي يغشاهم الهوان قال قتادة : هو سواد الوجوه والرهق : الغشيان ومنه غلام مراهق إذا غشى الاحتلام رهقه بالكسر يرهقه رهقا أي غشيه ومنه قوله تعالى : ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) أي يوعدونه في الدنيا أن لهم فيه العذاب وأخرج الخبر بلفظ الماضي لأن ما وعد الله به يكون ولا محالة < > تفسير سورة نوح < > مكية وهي ثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < نوح : ( 1 ) إنا أرسلنا نوحا . . . . . > > < > ( نوح 1 ) < > قد مضى القول في [ الأعراف ] أن نوحا عليه السلام أول رسول أرسل ورواه قتادة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أول رسول أرسل نوح وأرسل إلى جميع أهل الأرض ( فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعا وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام قال وهب : كلهم مؤمنون أرسل إلى قومه وهو بن خمسين سنة وقال بن عباس : بن أربعين سنة وقال عبد الله بن شداد : بعث وهو بن ثلاثمائة وخمسين سنة وقد مضى في سورة [ العنكبوت ] القول فيه والحمد لله ( أن أنذر قومك ) أي بأن أنذر قومك فموضع ( أن ) نصب بإسقاط الخافض وقيل : موضعها جر لقوة خدمتها مع ( أن ) ويجوز ( أن ) بمعنى المفسرة فلا يكون لها موضع من الإعراب لأن في الإرسال معنى الأمر فلا حاجة إلى إضمار الباء وقراءة عبد الله ( أنذر قومك ) بغير ( أن ) بمعنى قلنا له أنذر قومك وقد تقدم معنى الإنذار في أول [ البقرة ] ( من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) قال بن عباس : يعني عذاب النار في الآخرة وقال الكلبي : هو ما نزل عليهم من الطوفان وقيل : أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا فكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيبا وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه فيقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وقد مضى هذا مستوفى في سورة [ العنكبوت ] والحمد لله < < نوح : ( 2 ) قال يا قوم . . . . . > > < > ( نوح 2 : 4 ) <

Section V18/P298–V18/P299

> قوله تعالى : ( قال ياقوم إني لكم نذير ) أي مخوف ( مبين ) أي مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه ( أن اعبدوا الله واتقوه ) و ( أن ) المفسرة على ما تقدم في ( أن أنذر ) ( اعبدوا ) أي وحدوا واتقوا : خافوا ( وأطيعون ) أي فيما آمركم به فإني رسول الله إليكم ( يغفر لكم من ذنوبكم ) جزم ( يغفر ) بجواب الأمر و ( من ) صلة زائدة ومعنى الكلام يغفر لكم ذنوبكم قاله السدي وقيل : لا يصح كونها زائدة لأن ( من ) لا تزاد في الواجب وإنما هي هنا للتبعيض وهو بعض الذنوب وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين وقيل : هي لبيان الجنس وفيه بعد إذ لم يتقدم جنس يليق به وقال زيد بن أسلم : المعنى يخرجكم من ذنوبكم بن شجرة : المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) قال بن عباس : أي ينسئ في أعماركم ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب وقال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية فلا يعاقبكم بالقحط وغيره فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم وقال الزجاج : أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب وعلى هذا قيل : ( أجل مسمى ) عندكم تعرفونه لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا ذكره الفراء وعلى القول الأول ( أجل مسمى ) عند الله ( ) أي إذا جاء الموت لا يؤخر بعذاب كان أو بغير عذاب وأضاف الأجل إليه سبحانه لأنه الذي أثبته وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى : فإذا جاء أجلهم النحل لأنه مضروب لهم و ( لو ) بمعنى ( إن ) أي إن كنتم تعلمون وقال الحسن : معناه لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخر < < نوح : ( 5 ) قال رب إني . . . . . > > < > ( نوح 5 : 6 ) < > قوله تعالى : ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) أي سرا وجهرا وقيل : أي واصلت الدعاء ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) أي تباعدا من الإيمان وقراءة العامة بفتح الياء من ( دعائي ) وأسكنها الكوفيون ويعقوب والدوري عن أبي عمرو < < نوح : ( 7 ) وإني كلما دعوتهم . . . . . > > < > ( نوح 7 ) < > قوله تعالى : ( وإني كلما دعوتهم ) أي إلى سبب المغفرة وهي الإيمان بك والطاعة لك ( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) لئلا يسمعوا دعائي ( واستغشوا ثيابهم ) أي غطوا بها وجوههم لئلا يروه وقال بن عباس : جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامه فاستغشاء الثياب إذا زيادة في سد الآذان حتى لا يسمعوا أو لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت أو ليعرفوه إعراضهم عنه وقيل : هو كناية عن العداوة يقال : لبس لي فلان ثياب العداوة ( وأصروا ) أي على الكفر فلم يتوبوا ( واستكبروا ) عن قبول الحق لأنهم قالوا : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ( استكبارا ) تفخيم < < نوح : ( 8 ) ثم إني دعوتهم . . . . . > > < > ( نوح 8 : 9 ) <

Section V18/P299–V18/P302

> قوله تعالى : ( ثم إني دعوتهم جهارا ) أي مظهرا لهم الدعوة وهو منصوب بدعوتهم ) نصب المصدر لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع القعود أو لأنه أراد بدعوتهم ) جاهرتهم ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا أي دعاء جهارا أي مجاهرا به ويكون مصدرا في موضع الحال أي دعوتهم مجاهرا لهم بالدعوة ( ) أي لم أبق مجهودا وقال مجاهد : معنى أعلنت : صحت ( وأسررت لهم إسرارا ) بالدعاء عن بعضهم من بعض وقيل : ( أسررت لهم ) أتيتهم في منازلهم وكل هذا من نوح عليه السلام مبالغة في الدعاء لهم وتلطف في الاستدعاء وفتح الياء من ( إني أعلنت لهم ) الحرميون وأبو عمرو وأسكن الباقون < < نوح : ( 10 ) فقلت استغفروا ربكم . . . . . > > < > ( نوح 10 : 12 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فقلت استغفروا ربكم ) أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص الإيمان ( إنه كان غفارا ) وهذا منه ترغيب في التوبة وقد روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الاستغفار ممحاة للذنوب ( وقال الفضيل : يقول العبد أستغفر الله وتفسيرها أقلني الثانية قوله تعالى : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي يرسل ماء السماء ففيه إضمار وقيل : السماء المطر أي يرسل المطر قال الشاعر : إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا ومدرارا ) ذا غيث كثير وجزم ( يرسل ) جوابا للأمر وقال مقاتل : لما كذبوا نوحا زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت مواشيهم وزروعهم فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا به فقال : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه ثم قال ترغيبا في الإيمان : ( يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) قال قتادة : علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال : ( هلموا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة ( الثالثة في هذه الآية والتي في [ هود ] دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار قال الشعبي : خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا فقالوا : ما رأيناك استسقيت فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ) وقال الأوزاعي : خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اللهم إنا سمعناك تقول : ما على المحسنين من سبيل وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا وقال بن صبيح : شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له : استغفر الله وشكا آخر إليه الفقر فقال له : استغفر الله وقال له آخر : ادع الله أن يرزقني ولدا فقال له : استغفر الله وشكا إليه آخر جفاف بستانه فقال له : استغفر الله فقلنا له في ذلك فقال : ما قلت من عندي شيئا إن الله تعالى يقول في سورة [ نوح ] : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) وقد مضى في سورة [ آل عمران ] كيفية الاستغفار وأن ذلك يكون عن إخلاص وإقلاع من الذنوب وهو الأصل في الإجابة < < نوح : ( 13 ) ما لكم لا . . . . . > > < > ( نوح 13 : 14 ) <

Section V18/P302–V18/P304

> قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف أي مالكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة أي أي عذر لكم في ترك الخوف من الله وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون لله ثوابا ولا تخافون له عقابا وقال الوالبي والعوفي عنه : ما لكم لا تعلمون لله عظمة وقال بن عباس أيضا ومجاهد : ما لكم لا ترون لله عظمة وعن مجاهد والضحاك : ما لكم لا تبالون لله عظمة قال قطرب : هذه لغة حجازية وهذيل وخزاعة ومضر يقولون : لم أرج : لم أبال والوقار : العظمة والتوقير : التعظيم وقال قتادة : ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا وقال بن زيد : ما لكم لا تؤدون لله طاعة وقال الحسن : ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة وقيل : ما لكم لا توحدون الله لأن من عظمه فقد وحده وقيل : إن الوقار الثبات لله عز وجل ومنه قوله تعالى : وقرن في بيوتكن أي اثبتن ومعناه ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه قاله بن بحر ثم دلهم على ذلك فقال : ( وقد خلقكم أطوارا ) يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق كما ذكر في سورة [ المؤمنون ] والطور في اللغة : المرة أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه وقيل : ( أطوارا ) صبيانا ثم شبابا ثم شيوخا وضعفاء ثم أقوياء وقيل : أطوارا أي أنواعا : صحيحا وسقيما وبصيرا وضريرا وغنيا وفقيرا وقيل : إن ( أطوارا ) اختلافهم في الأخلاق والأفعال < < نوح : ( 15 ) ألم تروا كيف . . . . . > > < > ( نوح 15 : 16 ) < > قوله تعالى : ( ألم تروا كبف خلق الله سبع سماوات طباقا ) ذكر لهم دليلا آخر أي ألم تعلموا أن الذي قدر على هذا فهو الذي يجب أن يعبد ومعنى ( طباقا ) بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب قاله بن عباس والسدي وقال الحسن : خلق الله سبع سماوات طباقا على سبع أرضين بين كل أرض وأرض وسماء وسماء خلق وأمر وقوله : ( ألم تروا ) على جهة الإخبار لا المعاينة كما تقول : ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا وطباقا ) نصب على أنه مصدر أي مطابقة طباقا أو حال بمعنى ذات طباق فحذف ذات وأقام طباقا مقامه ( وجعل القمر فيهن نورا ) أي في سماء الدنيا كما يقال : أتاني بنو تميم وأتيت بني تميم والمراد بعضهم قاله الأخفش قال بن كيسان : إذا كان في إحداهن فهو فيهن وقال قطرب : ( فيهن ) بمعنى معهن وقاله الكلبي أي خلق الشمس والقمر مع خلق السماوات والأرض وقال جلة أهل اللغة في قول امرئ القيس : وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال ( في ) بمعنى مع النحاس : وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال : جواب النحويين أنه إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن كما تقول : أعطني الثياب المعلمة وإن كنت إنما أعلمت أحدها وجواب آخر : أنه يروى أن وجه القمر إلى السماء وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسموات ومعنى ( نورا ) أي لأهل الأرض قاله السدي وقال عطاء : نورا لأهل السماء والأرض وقال بن عباس وبن عمر : وجهه يضيء لأهل الأرض وظهره يضيء لأهل السماء ( وجعل الشمس سراجا ) يعني مصباحا لأهل الأرض ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم وفي إضاءتها لأهل السماء القولان الأولان حكاه الماوردي وحكى القشيري عن بن عباس أن الشمس وجهها في السماوات وقفاها في الأرض وقيل : على العكس وقيل لعبد الله بن عمر : ما بال الشمس تقلينا أحيانا وتبرد علينا أحيانا فقال : إنها في الصيف في السماء الرابعة وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمن ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شيء < <

Section V18/P304–V18/P306

نوح : ( 17 ) والله أنبتكم من . . . . . > > < > ( نوح 17 : 18 ) < > يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها قاله بن جريج وقد مضى في سورة [ الأنعام والبقرة ] بيان ذلك وقال خالد بن معدان : خلق الانسان من طين فإنما تلين القلوب في الشتاء ونباتا ) مصدر على غير المصدر لأن مصدره أنبت إنباتا فجعل الاسم الذي هو النبات في موضع المصدر وقد مضى بيانه في سورة [ آل عمران ] وغيرها وقيل : هو مصدر محمول على المعنى لان معنى : ( أنبتكم ) جعلكم تنبتون نباتا قاله الخليل والزجاج وقيل : أي أنبت لكم من الأرض النبات فنباتا ) على هذا نصب على المصدر الصريح والأول أظهر وقال بن جريج : انبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر ( ثم يعيدكم فيها ) أي عند موتكم بالدفن ( ويخرجكم إخراجا ) بالنشور للبعث يوم القيامة < < نوح : ( 19 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( نوح 19 : 20 ) < > قوله تعالى : ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) أي مبسوطة ( لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) السبل : الطرق والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسعة قاله الفراء وقيل : الفج المسلك بين الجبلين وقد مضى في سورة [ الأنبياء والحج ] < < نوح : ( 21 ) قال نوح رب . . . . . > > < > ( نوح 21 ) < > شكاهم إلى الله تعالى وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من الإيمان وقال أهل التفسير : لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم وهم على كفرهم وعصيانهم قال بن عباس : رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد الآباء فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبع قرون ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا قال الحسن : كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين حكاه الماوردي ( واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) يعني كبراءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكا في الآخرة وقرأ أهل المدينة والشام وعاصم ( وولده ) بفتح الواو واللام الباقون ( ولده ) بضم الواو وسكون اللام وهي لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعا للولد كالفلك فإنه واحد وجمع وقد تقدم < < نوح : ( 22 ) ومكروا مكرا كبارا > > < > ( نوح 22 ) < > أي كبيرا عظيما يقال : كبير وكبار وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب بمعنى ومثله طويل وطوال وطوال يقال : رجل حسن وحسان وجميل وجمال وقراء للقارئ ووضاء للوضيء وأنشد بن السكيت : بيضاء تصطاد القلوب وتستبي بالحسن قلب المسلم القراء وقال آخر : والمرء يلحقه بفتيان الندى خلق الكريم وليس بالوضاء وقال المبرد : ( كبارا ) بالتشديد للمبالغة وقرأ بن محيصن وحميد ومجاهد ( كبارا ) بالتخفيف واختلف في مكرهم ما هو فقيل : تحريشهم سفلتهم على قتل نوح وقيل : هو تعزيرهم الناس بما أوتوا من الدنيا والولد حتى قالت الضعفة : لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم وقال الكلبي : هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد وقيل : مكرهم كفرهم وقال مقاتل : هو قول كبرائهم لأتباعهم : ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) < < نوح : ( 23 ) وقالوا لا تذرن . . . . . > > < > ( نوح 23 : 24 ) <

Section V18/P306–V18/P309

> قال بن عباس وغيره : هي أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب وهذا قول الجمهور وقيل : إنها للعرب لم يعبدها غيرهم وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم فلذلك خصوها بالذكر بعد قوله تعالى : ( لا تذرن آلهتكم ) ويكون معنى الكلام كما قال قوم نوح لأتباعهم : ( لا تذرن آلهتكم ) قالت العرب لأولادهم وقومهم : لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح عليه السلام وعلى القول الأول الكلام كله منسوق في قوم نوح وقال عروة بن الزبير وغيره : اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكان ود أكبرهم وابرهم به قال محمد بن كعب : كان لآدم عليه السلام خمس بنين : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكانوا عبادا فمات واحد منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان : أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه قالوا : افعل فصوره في المسجد من صفر ورصاص ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم فصورهم وتنقصت الأشياء كما تتنقص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين فقال لهم الشيطان : ما لكم لا تعبدون شيئا قالوا : وما نعبد قال : آلهتكم وآلهة آبائكم ألا ترون في مصلاكم فعبدوها من دون الله حتى بعث الله نوحا فقالوا : ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ) الآية وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد بن قيس : بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تبع يقتدون بهم فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم وليتسلوا بالنظر إليها فصورهم فلما ماتوا هم وجاء آخرون قالوا : ليت شعرنا هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها فجاءهم الشيطان فقال : كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت قلت : وبهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ( وذكر الثعلبي عن بن عباس قال : هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم تذكروهم بها ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت من دون الله وذكر أيضا عن بن عباس : أن نوحا عليه السلام كان يحرس جسد آدم عليه السلام على جبل بالهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره فقال لهم الشيطان : إن هؤلاء يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم وإنما هو جسد وأنا أصور لكم مثله تطوفون به فصور لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب قال الماوردي : فأما ود فهو أول صنم معبود سمي ودا لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول بن عباس وعطاء ومقاتل وفيه يقول شاعرهم : حياك ود فإنا لا يحل لنا لهو النساء وإن الدين قد عزما وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر في قولهم وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ في قول قتادة وقال المهدوي لمراد ثم لغطفان الثعلبي : وأخذت أعلى وأنعم وهما من طيء وأهل جرش من مذحج يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا ثم إن بني ناجية أرادوا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخى بن الحارث بن كعب من خزاعة وقال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناء ينزلون حوله وأما يعوق فكان لهمدان ببلخع في قول عكرمة وقتادة وعطاء ذكره الماوردي وقال الثعلبي : وأما يعوق فكان لكهلان من سبأ ثم توارثه بنوه الأكبر فالأكبر حتى صار إلى همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني : يريش الله في الدنيا ويبرى ولا يبرى يعوق ولا يريش وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ونحوه عن مقاتل وقال الواقدي : كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر من الطير فالله أعلم وقرأ نافع ( ولا تذرن ودا ) بضم الواو وفتحها الباقون قال الليث : ود [ بفتح الواو ] صنم كان لقوم نوح وود بالضم صنم لقريش وبه سمي عمرو بن ود وفي الصحاح : والود بالفتح الوتد في لغة أهل نجد كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال والود في قول امرئ القيس : تظهر الود إذا ما أشجذت وتواريه إذا ما تعتكر قال بن دريد : هو اسم جبل : وود صنم كان لقوم نوح عليه السلام ثم صار لكلب وكان بدومة الجندل ومنه سموه عبد ود وقال : ( لا تذرن آلهتكم ) ثم قال : ( ولا تذرن ودا ولا سواعا ) الآية خصها بالذكر لقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ( وقد أضلوا كثيرا ) هذا من قول نوح أي أضل كبراؤهم كثيرا من أتباعهم فهو عطف على قوله : ( ومكروا مكرا كبارا ) وقيل : إن الأصنام ( أضلوا كثيرا ) أي ضل بسببها كثير نظيره قول إبراهيم : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس إبراهيم فأجرى عليهم وصف ما يعقل لاعتقاد الكفار فيهم ذلك ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) أي عذابا قاله بن بحر واستشهد بقوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعر القمر وقيل إلا خسرانا وقيل إلا فتنة بالمال والولد وهو محتمل <

Section V18/P309–V18/P312

> ( ) ( ما ) صلة مؤكدة والمعنى من خطاياهم وقال الفراء المعنى من أجل خطاياهم فأدت ( ما ) هذا المعنى قال : و ( ما ) تدل على المجازاة وقراءة أبي عمرو ( خطاياهم ) على جمع التكسير الواحدة خطية وكان الأصل في الجمع خطائي على فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل وهو معتل مع ذلك فقلبت الياء ألفا ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين الباقون ( خطيئاتهم ) على جمع السلامة قال أبو عمرو : قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا خطيات يريد أن الخطايا أكثر من الخطيات وقال قوم : خطايا وخطيات واحد جمعان مستعملان في الكثرة والقلة واستدلوا بقوله تعالى : ما نفدت كلمات الله وقال الشاعر : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وقرئ ( خطيئاتهم ) وخطياتهم ) بقلب الهمزة ياء وإدغامها وعن الجحدري وعمرو بن عبيد والأعمش وأبي حيوة وأشهب العقيلي ( خطيئتهم ) على التوحيد والمراد الشرك ( فأدخلوا نارا ) أي بعد أغراقهم قال القشيري : وهذا يدل على عذاب القبر ومنكروه يقولون صاروا مستحقين دخول النار أو عرض عليهم أماكنهم من النار كما قال تعالى : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا غافر وقيل : أشاروا إلى ما في الخبر من قوله : البحر نار في نار وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى : ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) قال : يعني عذبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب ذكره الثعلبي قال : أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال انشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال أنشدني أبو بكر بن الأنباري : الخلق مجتمع طورا ومفترق والحادثات فنون ذات أطوار لا تعجبن لأضداد إن اجتمعت فالله يجمع بين الماء والنار ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي من يدفع عنهم العذاب < < نوح : ( 26 ) وقال نوح رب . . . . . > > < > ( نوح 26 : 27 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى دعا عليهم حين يئس من اتباعهم إياه وقال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله دعوته وأغرق أمته وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم ( وقيل : سبب دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر بنوح فقال : احذر هذا فإنه يضلك فقال : يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجه فحينئذ غضب ودعا عليهم وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وبن زيد إنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام النساء وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة وقيل : بأربعين قال قتادة : ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب وقال الحسن وأبو العالية : لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذابا من الله لهم وعدلا فيهم ولكن الله أهلك أطفالهم وذريتهم بغير عذاب ثم أهلكهم بالعذاب بدليل قوله تعالى : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم الثانية قال بن العربي : دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه لأن مآله عندنا مجهول وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم والله أعلم قلت قد مضت هذه المسألة مجودة في سورة [ البقرة ] والحمد لله

Section V18/P312–V18/P314

313 الثالثة قال بن العربي : إن قيل لم جعل نوح دعوته على قومه سببا لتوقفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة قلنا قال الناس في ذلك وجهان : أحدهما أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة والشفاعة تكون عن رضا ورقة فخاف أن يعاتب ويقال : دعوت على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم الثاني أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك فخاف الدرك فيه يوم القيامة كما قال موسى عليه السلام : إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها قال : وبهذا أقول قلت : وإن كان لم يؤمر بالدعاء نصا فقد قيل له : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأعلم عواقبهم فدعا عليهم بالهلاك كما دعا نبينا صلى الله عليه وسلم على شيبة وعتبة ونظرائهم فقال : ( اللهم عليك بهم ( لما أعلم عواقبهم وعلى هذا يكون فيه معنى الأمر بالدعاء والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) أي من يسكن الديار قاله السدي وأصله ديوار على فيعال من دار يدور فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى مثل القيام أصله قيوام ولو كان فعالا لكان دوارا وقال القتبي : أصله من الدار أي نازل بالدار يقال : ما بالدار ديار أي أحد وقيل : الديار صاحب الدار < < نوح : ( 28 ) رب اغفر لي . . . . . > > < > ( نوح 28 ) < > قوله تعالى : ( رب اغفر لي ولوالدي ) دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين وهما : لمك بن متوشلخ وشمخى بنت أنوش ذكره القشيري والثعلبي وحكى الماوردي في اسم أمه منجل وقال سعيد بن جبير : أراد بوالديه أباه وجده وقرأ سعيد بن جبير ( لوالدي ) بكسر الدال على الواحد قال الكلبي : كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمنون وقال بن عباس : لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما السلام ( ولمن دخل بيتي مؤمنا ) أي مسجدي ومصلاي مصليا مصدقا بالله وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء من أمن منهم فجعل المسجد سببا للدعاء بالغفرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ما لم يحدث فيه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ( الحديث وقد تقدم وهذا قول بن عباس : [ بيتي ] مسجدي حكاه الثعلبي وقاله الضحاك وعن بن عباس أيضا : أي ولمن دخل ديني فالبيت بمعنى الدين حكاه القشيري وقاله جويبر وعن بن عباس أيضا : يعني صديقي الداخل إلى منزلي حكاه الماوردي وقيل : أراد داري وقيل سفينتي ( وللمؤمنين والمؤمنات ) عامة إلى يوم القيامة قاله الضحاك وقال الكلبي : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : من قومه والأول أظهر ( ولا تزد الظالمين ) أي الكافرين ( إلا تبارا ) إلا هلاكا فهي عامة في كل كافر ومشرك وقيل : أراد مشركي قومه والتبار : الهلاك وقيل : الخسران حكاهما السدي ومنه قوله تعالى : إن هؤلاء متبر ما هم فيه وقيل : التبار الدمار والمعنى واحد والله 19 < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الجن < > مكية في قول الجميع وهي ثمان وعشرون آية < < الجن : ( 1 ) قل أوحي إلي . . . . . > > < > ( الجن 1 : 3 ) <

Section V18/P314–V19/P008

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل أوحي إلي ) أي قل يا محمد لأمتك : أوحى الله إلي على لسان جبريل ( أنه استمع ) إلي ( نفر من الجن ) وما كان عليه السلام عالما به قبل أن أوحي إليه هكذا قال بن عباس وغيره على ما يأتي وقرأ بن أبي عبلة أحي على الأصل يقال : أوحي إليه ووحى فقلبت الواو همزة ومنه قوله تعالى : وإذا الرسل أقتت المرسلات وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا كإشاح وإسادة وإعاء أخيه ونحوه الثانية واختلف هل راهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم لقوله تعالى : استمع وقوله تعالى : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف وفي صحيح مسلم والترمذي عن بن عباس قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل أوحي إلي أنه أستمع نفر من الجن رواه الترمذي عن بن عباس قال : قول الجن لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قال : لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فيسجدون بسجوده قال : تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم : لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قال : هذا حديث حسن صحيح ففي هذا الحديث دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن ولكنهم حضروه وسمعوا قراءته وفيه دليل على أن الجن كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رموا بالشهب وكان المرميون بالشهب من الجن أيضا وقيل لهم شياطين كما قال : شياطين الإنس والجن فإن الشيطان كل متمرد وخارج عن طاعة الله وفي الترمذي عن بن عباس قال : كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فيها فيكون باطلا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس : ما هذا الأمر إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فأتوه فأخبروه فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض قال : هذا حديث حسن صحيح فدل هذا الحديث على أن الجن رموا كما رميت الشياطين وفي رواية السدي : أنهم لما رموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم فقال : ايتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوه فشم فقال : صاحبكم بمكة فبعث نفرا من الجن قيل : كانوا سبعة وقيل : تسعة منهم زوبعة وروى عاصم عن زر قال : قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم وقالالثمالي : بلغني أنهم من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عدداوأقواهم شوكة وهم عامة جنود إبليس وروى أيضا عاصم عن زر : أنهم كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل نصيبين وحكى جويبر عن الضحاك : أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين [ قرية باليمن غير التي بالعراق ] وقيل : إن الجن الذين أتوا مكة جن نصيبين والذين أتوه بنخلة جن نينوى وقد مضى بيان هذا في سورة الأحقاف قال عكرمة : والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأ باسم ربك العلق وقد مضى في سورة الأحقاف التعريف باسم النفر من الجن فلا معنى لإعادة ذلك وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجن ليلة الجن وهو أثبت روى عامر الشعبي قال : سألت علقمة هل كان بن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال علقمة : أنا سألت بن مسعود فقلت : هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال : لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبح إذا هو يجيء من قبل حراء فقلنا : يا رسول الله فقدناك وطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن ( فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال : ( لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن ( قال بن العربي : وبن مسعود أعرف من بن عباس لأنه شاهده وبن عباس سمعه وليس الخبر كالمعاينة وقد قيل : إن الجن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعتين : إحداهما بمكة وهي التي ذكرها بن مسعود والثانية بنخلة وهي التي ذكرها بن عباس قال البيهقي : الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود قال البيهقي : والأحاديث الصحاح تدل على أن بن مسعود لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره يريه آثار الجن وآثار نيرانهم قال : وقد روي من غير وجه أنه كان معه ليلتئذ وقد مضى هذا المعنى في سورة الأحقاف والحمد لله روي عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي ( فسكتوا ثم قال الثانية ثم قال الثالثة ثم قال عبد الله بن مسعود : أنا أذهب معك يا رسول الله فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي دب فخط علي خطا فقال : ( لا تجاوزه ( ثم مضى إلى الحجون فانحدر عليه أمثال الحجل يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه فلا أراه فقمت فأومئ إلي بيده أن أجلس فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم فلما انفتل إلي قال : ( أردت أن تأتيني ( قلت : نعم يا رسول الله قال : ( ما كان ذلك لك هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر ( قال عكرمة : وكانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل وفي رواية : أنطلق بي عليه السلام حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خط لي خطا فأتاه نفر منهم فقال أصحابنا كأنهم رجال الزط وكأن وجوههم المكاكي فقالوا : ما أنت قال : ( أنا نبي الله ( قالوا : فمن يشهد لك على ذلك قال : ( هذه الشجرة ( فقال : ( يا شجرة ( فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى أنتصبت بين يديه فقال : ( على ماذا تشهدين ( قالت : أشهد أنك رسول الله فرجعت كما جاءت تجر بعروقها الحجارة لها قعاقع حتى عادت كما كانت ثم روى أنه عليه السلام لما فرغ وضع رأسه على حجر بن مسعود فرقد ثم استيقظ فقال : ( هل من وضوء ( قال : لا إلا أن معي إداوة فيها نبيذ فقال : ( هل هو إلا تمر وماء ( فتوضأ منه الثالثة قد مضى الكلام في الماء في سورة الحجر وما يستنجى به في سورة براءة فلا معنى للإعادة الرابعة وأختلف أهل العلم في أصل الجن فروى إسماعيل عن الحسن البصري : أن الجن ولد إبليس والإنس ولد آدم ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون وهم شركاء في الثواب والعقاب فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان وروى الضحاك عن بن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين وهم يؤمنون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال : يدخلون الجنة بإيمانهم ومن قال : إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان : أحدهما وهو قول الحسن يدخلونها الثاني وهو رواية مجاهد لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار حكاه الماوردي وقد مضى في سورة الرحمن عند قوله تعالى : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان الرحمن بيان أنهم يدخلونها الخامسة قال البيهقي في روايته : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال : ( لكم كل عظم ( دليل على أنهم يأكلون ويطعمون وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا : إنهم بسائط ولا يصح طعامهم اجتراء على الله وافتراء والقرآن والسنة ترد عليهم وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج إنما الواحد الواحد سبحانه وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات ففي الموطأ : أن رجلا حديث عهد بعرس أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن يرجع إلى آهله الحديث وفيه : فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها وذكر الحديث وفي الصحيح أنه عليه السلام قال : ( إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ( وقال : ( اذهبوا فادفنوا صاحبكم ( وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة وبيان التحريج عليهن وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة لقوله في الصحيح : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ( وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها قلنا : هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها لأنه لم يعلل بحرمة المدينة فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها وإنما علل بالإسلام وذلك عام في غيرها ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن الذي لقي : وكانوا من جن الجزيرة وهذا بين يعضده قوله : ( ونهى عن عوامر البيوت ( وهذا عام وقد مضى في سورة البقرة القول في هذا فلا معنى للإعادة قوله تعالى : ( فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ) أي في فصاحة كلامه وقيل : عجبا في بلاغة مواعظه وقيل : عجبا في عظم بركته وقيل : قرآنا عزيزا لا يوجد مثله وقيل : يعنون عظيما ( يهدي إلى الرشد ) أي إلى مراشد الأمور وقيل : إلى معرفة الله تعالى ويهدي في موضع الصفة أي هاديا ( فآمنا به ) أي فاهتدينا به وصدقنا أنه من عند الله ( ولن نشرك بربنا أحدا ) أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر ثم رمي الجن بالشهب وقيل لا نتخذ مع الله إلها آخر لأنه المتفرد بالربوبية وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجن بتدبرها القرآن وقوله تعالى : استمع نفر من الجن أي استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله ولم يذكر المستمع إليه لدلالة الحال عليه والنفر الرهط قال الخليل : ما بين ثلاثة إلى عشرة وقرأ عيسى الثقفي يهدي إلى الرشد بفتح الراء والشين قوله تعالى : ( وأنه تعالى جد ربنا ) كان علقمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وبن عامر وخلف وحفص والسلمي ينصبون أن في جميع السورة في اثني عشر موضعا وهو : أنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول وأنا ظننا وأنه كان رجال وأنهم ظنوا وأنا لمسنا السماء وأنا كنا نقعد وأنا لا ندري وأنا منا الصالحون وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض وأنا لما سمعنا الهدى وأنا منا المسلمون عطفا على قوله : أنه استمع نفر وأنه استمع لا يجوز فيه إلا الفتح لأنها في موضع اسم فاعل أوحي فما بعده معطوف عليه وقيل : هو محمول على الهاء في آمنا به أي وبأنه تعالى جد ربنا وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع أن وقيل : المعنى أي وصدقنا أنه جد ربنا وقرأ الباقون كلها بالكسر وهو الصواب واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفا على قوله : فقالوا إنا سمعنا لأنه كله من كلام الجن وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع وهي قوله تعالى : وأنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول وأنه كان رجال قالا : لأنه من الوحي وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن وأما قوله تعالى : وأنه لما قام عبد الله فكلهم فتحوا إلا نافعا وشيبة وزر بن حبيش وأبا بكر والمفضل عن عاصم فإنهم كسروا لا غير ولا خلاف في فتح همزة أنه استمع نفر من الجن وأن لو استقاموا وأن المساجد لله وأن قد أبلغوا وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول نحو قوله تعالى : فقالوا إنا سمعنا وقل إنما أدعوا ربي وقل إن أدري وقل إني لا أملك وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء نحو قوله تعالى : فإن له نار جهنم وفإنه يسلك من بين يديه لأنه موضع ابتداء قوله تعالى : وأنه تعالى جد ربنا الجد في اللغة : العظمة والجلال ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا أي عظم وجل فمعنى : جد ربنا أي عظمته وجلاله قاله عكرمة ومجاهد وقتادة وعن مجاهد أيضا : ذكره وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضا : غناه ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود أي محظوظ وفي الحديث : ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( قال أبو عبيدة والخليل : أي ذا الغنى منك الغنى إنما تنفعه الطاعة وقال بن عباس : قدرته الضحاك : فعله وقال القرظي والضحاك أيضا : آلاؤه ونعمه على خلقه وقال أبو عبيدة والأخفش : ملكه وسلطانه وقال السدي : أمره وقال سعيد بن جبير : وأنه تعالى جد ربنا أي تعالى ربنا وقيل : إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أب الأب ويكون هذا من قول الجن وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع : ليس لله تعالى جد وإنما قالته الجن للجهالة فلم يؤاخذوا به وقال القشيري : ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن غير أنه لفظ موهم فتجنبه أولى وقراءة عكرمة جد بكسر الجيم : على ضد الهزل وكذلك قرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع ويروى عن بن السميقع أيضا وأبي الأشهب جدا ربنا وهو الجدوى والمنفعة وقرأ عكرمة أيضا جدا بالتنوين ربنا بالرفع على أنه مرفوع ب تعالى وجدا منصوب على التمييز وعن عكرمة أيضا جد بالتنوين والرفع ربنا بالرفع على تقدير : تعالى جد جد ربنا فجد الثاني بدل من الأول وحذف وأقيم المضاف إليه مقامه ومعنى الآية : وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة وولدا للاستئناس بهما والحاجة إليهما والرب يتعالى عن الأنداد والنظراء < <

Section V19/P008–V19/P010

الجن : ( 4 ) وأنه كان يقول . . . . . > > < > ( الجن 4 : 7 ) < > قوله تعالى : ( وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) الهاء في أنه للآمر أو الحديث وفي كان اسمها وما بعدها الخبر ويجوز أن تكون كان زائدة والسفيه هنا إبليس في قول مجاهد وبن جريج وقتادة ورواه أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : المشركون من الجن : قال قتادة : عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس والشطط والاشتطاط : الغلو في الكفر وقال أبو مالك : هو الجور الكلبي : هو الكذب وأصله البعد فيعبر به عن الجور لبعده عن العدل وعن الكذب لبعده عن الصدق قال الشاعر : بأية حال حكموا فيك فاشتطوا وما ذاك إلا حيث يممك الوخط قوله تعالى : ( وأنا ظننا ) أي حسبنا ( أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ) فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق وقرأ يعقوب والجحدري وبن أبي إسحاق أن لن تقول وقيل : انقطع الإخبار عن الجن ها هنا فقال الله تعالى : ( وأنه كان رجال من الإنس ) فمن فتح وجعله من قول الجن ردها إلى قوله : أنه استمع ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بواد : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جواره حتى يصبح قاله الحسن وبن زيد وغيرهما قال مقاتل : كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم وقال كردم بن أبي السائب : خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعي : يا عامر الوادي أنا جارك فنادى مناد يا سرحان أرسله فأتي الحمل يشتد وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) أي زاد الجن الإنس رهقا أي خطيئة وإثما قاله بن عباس ومجاهد وقتادة والرهق : الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم ورجل رهق إذا كان كذلك ومنه قوله تعالى : وترهقهم ذلة وقال الأعشى : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا يعني إثما وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها وقال مجاهد أيضا : فزادوهم أي إن الإنس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوذ حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن وقال قتادة أيضا وأبو العالية والربيع وبن زيد : أزداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن وقال سعيد بن جبير : كفرا ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك وقيل : لا يطلق لفظ الرجال على الجن فالمعنى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلا : أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على الجن قوله تعالى : ( وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) هذا من قول الله تعالى للإنس أي وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم الكلبي : المعنى : ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم وكل هذا توكيد للحجة على قريش أي إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد فأنتم أحق بذلك < < الجن : ( 8 ) وأنا لمسنا السماء . . . . . > > < > ( الجن 8 : 10 ) <

Section V19/P010–V19/P013

> قوله تعالى : ( وأنا لمسنا السماء ) هذا من قول الجن أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا ( فوجدناها ) قد ( ملئت حرسا شديدا ) أي حفظة يعني الملائكة والحرس : جمع حارس ( وشهبا ) جمع شهاب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع وقد مضى القول فيه في سورة الحجر والصافات ووجد يجوز أن يقدر متعديا إلى مفعولين فالأول الهاء والألف وملئت في موضع المفعول الثاني ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد ويكون ملئت في موضع الحال على إضمار قد وحرسا نصب على المفعول الثاني ب ملئت وشديدا من نعت الحرس أي ملئت ملائكة شدادا ووحد الشديد على لفظ الحرس وهو كما يقال : السلف الصالح بمعنى الصالحين وجمع السلف أسلاف وجمع الحرس أحراس قال : تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ويجوز أن يكون حرسا مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة قوله تعالى : ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) منها أي من السماء ومقاعد : مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشهب المحرقة فقالت الجن حينئذ : فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا يعني بالشهاب : الكوكب المحرق وقد تقدم بيان ذلك ويقال : لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو آية من آياته واختلف السلف هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال الكلبي وقال قوم : لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه : خمسمائة عام وإنما كان من أجل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها وحرست بالملائكة والشهب قلت : ورواه عطية العوفي عن بن عباس ذكره البيهقي وقال عبد الله بن عمر : لما كان اليوم الذي نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب وقال عبد الملك بن سابور : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب ومنعت عن الدنو من السماء وقال نافع بن جبير : كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب ونحوه عن أبي بن كعب قال : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بها وقيل : كان ذلك قبل المبعث وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارا بحاله وهو معنى قوله تعالى : ملئت أي زيد في حرسها وقال أوس بن حجر وهو جاهلي : فانقض كالدري يتبعه نقع يثور تخاله طنبا وهذا قول الأكثرين وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال : كل شعر روي فيه فهو مصنوع وأن الرمي لم يكن قبل المبعث والقول بالرمي أصح لقوله تعالى فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم ولما روي عن بن عباس قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فقال : ( ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ( قالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه فتتخطف الجن فيرمون فما جاؤوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه ( وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث وروى الزهري نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن بن عباس وفي آخره قيل للزهري : أكان يرمى في الجاهلية قال : نعم قلت : أفرأيت قوله سبحانه : وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه قال القتبي قال بن قتيبة : كان ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا وقد تقدم بيان هذا في سورة والصافات عند قوله : ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب قال الحافظ : فلو قال قائل : كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسبب استماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم فالجواب : أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة كما ينسى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم وأن الله تعالى قال له : وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ولولا هذا لما تحقق التكليف والرصد : قيل من الملائكة أي ورصدا من الملائكة والرصد : الحافظ للشيء والجمع أرصاد وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعا كالحرس والواحد : راصد وقيل : الرصد هو الشهاب أي شهابا قد أرصد له ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول كالخبط والنفض قوله تعالى : ( وأنا لا ندري اشر أريد بمن في الأرض ) أي هذا الحرس الذي حرست بهم السماء ( أم أراد بهم ربهم رشدا ) أي خيرا قال بن زيد قال إبليس لا ندري : هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا أو يرسل إليهم رسولا وقيل : هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي وقيل : لا بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي لما آمنوا أشفقوا ألا يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا : إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون < <

Section V19/P013–V19/P015

الجن : ( 11 ) وأنا منا الصالحون . . . . . > > < > ( الجن 11 : 12 ) < > قوله تعالى : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) هذا من قول الجن أي قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون وقيل : ومنا دون ذلك أي ومن دون الصالحين في الصلاح وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك ( كنا طرائق قددا ) أي فرقا شتى قاله السدي الضحاك : أديانا مختلفة قتادة : أهواء متباينة ومنه قول الشاعر : القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد والمعنى : أي لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين : منهم كفار ومنهم مؤمنون صلحاء ومنهم مؤمنون غير صلحاء وقال المسيب : كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس : وقال السدي في قوله تعالى : طرائق قددا قال : في الجن مثلكم قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة وسنية وقال قوم : أي وإنا بعد استماع القرآن مختلفون : منا المؤمنون ومنا الكافرون أي ومنا الصالحون ومنا المؤمنون لم يتناهوا في الصلاح والأول أحسن لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه الأحقاف وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان وأيضا لا فائدة في قولهم : نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر والطرائق : جمع الطريقة وهي مذهب الرجل أي كنا فرقا مختلفة ويقال : القوم طرائق أي على مذاهب شتى والقدد : نحو من الطرائق وهو توكيد لها واحدها : قدة يقال : لكل طريق قدة وأصلها من قد السيور وهو قطعها قال لبيد يرثي أخاه أربد : لم تبلغ العين كل نهمتها ليلة تمسي الجياد كالقدد وقال آخر : ولقد قلت وزيد حاسر يوم ولت خيل عمرو قددا والقد بالكسر : سير يقد من جلد غير مدبوغ ويقال : ماله قد ولا قحف فالقد : إناء من جلد والقحف : من خشب قوله تعالى : ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ) الظن هنا بمعنى العلم واليقين وهو خلاف الظن في قوله تعالى : وأنا ظننا أن لن تقول وأنهم ظنوا أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله : أنا في قبضته وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره و ( هربا ) مصدر في موضع الحال أي هاربين < < الجن : ( 13 ) وأنا لما سمعنا . . . . . > > < > ( الجن 13 : 15 ) <

Section V19/P015–V19/P016

> قوله تعالى : ( وأنا لما سمعنا الهدى ) يعني القرآن ( آمنا به ) وبالله وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على رسالته وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن قال الحسن : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى قط رسولا من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء وذلك قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى يوسف وقد تقدم هذا المعنى وفي الصحيح : وبعثت إلى الأحمر والأسود أي الإنس والجن ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) قال بن عباس : لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته لأن البخس النقصان والرهق : العدوان وغشيان المحارم قال الأعشى : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا الوامق : المحب وقد ومقه يمقه بالكسر أي أحبه فهو وامق وهذا قول حكاه الله تعالى عن الجن لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم وقراءة العامة فلا يخاف رفعا على تقدير فإنه لا يخاف وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم فلا يخف جزما على جواب الشرط وإلغاء الفاء قوله تعالى : ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) أي وأنا بعد استماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ومنا من كفر والقاسط : الجائر لأنه عادل عن الحق والمقسط : العادل لأنه عادل إلى الحق يقال : قسط : أي جار وأقسط : إذا عدل قال الشاعر : قوم هم قتلوا بن هند عنوة عمرا وهم قسطوا على النعمان ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) أي قصدوا طريق الحق وتوخوه ومنه تحرى القبلة ( وما القاسطون ) أي الجائرون عن طريق الحق والإيمان ( فكانوا لجهنم حطبا ) أي وقودا وقوله : فكانوا أي في علم الله تعالى < < الجن : ( 16 ) وأن لو استقاموا . . . . . > > < > ( الجن 16 : 17 ) <

Questions

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 133 · Qur'an & Sunnah