Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أسرى ) جمع أسير مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى ويقال في جمع أسير أيضا : أسارى ( بضم الهمزة ) وأسارى ( بفتحها ) وليست بالعالية وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الإسار فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا قال الأعشى : وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا وقد مضى هذا في سورة البقرة وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون والأسارى هم الموثقون ربطا وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب الثانية هذه الآية نزلت يوم بدر عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان ولهم هذا الإخبار بقوله تريدون عرض الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد قط عرض الدنيا وإنما فعله جمهور مباشري الحرب فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية هذا قول أكثر المفسرين وهو الذي لا يصح غيره وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة ولكنه عليه السلام شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات والله أعلم روي مسلم من حديث عمر بن الخطاب وقد تقدم أوله في آل عمران وهذا تمامه قال أبو زميل : قال بن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ( فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ترى يا بن الخطاب ( قلت : لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكنى من فلان ( نسيبا لعمر ) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان فقلت : يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ( شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم ) وأنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنيمة لهم وروى يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ( فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة : انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم فقال العباس وهو يسمع : قطعت رحمك قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه وقال أناس يأخذ بقول عمر وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم إبراهيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى إذ قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم المائدة ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا نوح ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ( فقال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم فأنزل الله عز وجل : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى آخر الآيتين في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن كاد ليصيبنا في خلاف بن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر ( وروى أبو داود عن عمر قال : لما كان يوم بدر وأخذ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء أنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم ثم أحل الغنائم وذكر القشيري أن سعد بن معاذ قال : يا رسول الله إنه أول وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحب إلي والإثخان : كثرة القتل عن مجاهد وغيره أي يبالغ في قتل المشركين تقول العرب : أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ وقال بعضهم : حتى يقهر ويقتل وأنشد المفضل : تصلي الضحى ما دهرها بتعبد وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا وقيل : حتى يثخن يتمكن وقيل : الإثخان القوة والشدة فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم وقال بن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى : فإما منا بعد وإما فداء محمد على ما يأتي بيانه في سورة القتال إن شاء الله تعالى وقد قيل : إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك وذلك كله عظيم الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه والله أعلم الثالثة أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : ( إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم ( فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا وقد مضى في آل عمران القول في هذا وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما فقتل منهم يوم أحد سبعون وينشأ هنا إشكال وهي : الرابعة وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله لمسكم فالجواب أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ثم وقع التخيير بعد ذلك ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط : أسيري يا رسول الله وقال مصعب بن عمير للذي أسره أخاه : شد عليه يدك فإن له أما موسرة إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء فلما تحصل الأسارى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عز وجل فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ فمر عمر على أول رأيه في القتل ورأى أبو بكر المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن رأى أبي بكر وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير فلم ينزل بعد على هذا شيء من تعنيت والله أعلم الخامسة قال بن وهب : قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ورجعوا ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا وكان عدة من قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ومثلهم أسروا وكان الشهداء قليلا وقال أبو عمرو بن العلاء : إن القتلى كانوا سبعين والأسرى كذلك وكذلك قال بن عباس وبن المسيب وغيرهم وهو الصحيح كما في صحيح مسلم فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين وذكر البيهقي قالوا : فجيء بالأسارى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا وهم سبعون في الأصل مجتمع عليه لا شك فيه قال بن العربي : إنما قال مالك وكانوا مشركين لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني مسلم وفي رواية أن الآسارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بك وهذا كله ضعفه مالك واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم وزيادة عليه أنهم غزوه في أحد قال أبو عمر بن عبد البر : اختلفوا في وقت إسلام العباس فقيل : أسلم قبل يوم بدر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( من لقي العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها ( وعن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : ( إن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها ( وذكر الحديث وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر وذكر أنه أسلم عام خيبر وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين وكان يحب أن يهاجر فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا ( < <
الأنفال : ( 68 ) لولا كتاب من . . . . . > > < > ( الانفال 68 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق ) في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون واختلف الناس في كتاب الله السابق على أقوال أصحها ما سبق من إحلال الغنائم فإنها كانت محرمة على من قبلنا فلما كان يوم بدر أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل الله عز وجل لولا كتاب من الله سبق أي بتحليل الغنائم وروى أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا سلام عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرءوس غيركم ( فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها ونزلت نار من السماء فأكلتها فأنزل الله تعالى : لولا كتاب من الله سبق إلى آخر الآيتين وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وقال مجاهد والحسن وعنهما أيضا وسعيد بن جبير : الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم وقالت فرقة : الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معينا والعموم أصح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في أهل بدر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( خرجه مسلم وقيل : الكتاب السابق هو ألا يعذبهم ومحمد عليه السلام فيهم وقيل : الكتاب السابق هو ألا يعذب أحدا بذنب أتاه جاهلا حتى يتقدم إليه وقالت فرقة : الكتاب السابق هو مما قضى الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر وذهب الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها ونكب عن تخصيص معنى دون معنى الثانية بن العربي : وفي الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو في علم الله حلال له لا عقوبة عليه كالصائم إذا قال : هذا يوم نوبي فأفطر الآن أو تقول المرأة : هذا يوم حيضتي فأفطر ففعلا ذلك وكان النوب والحيض الموجبان للفطر ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه وهي الرواية الأخرى وجه الرواية الأولى أن طرو الإباحة لا يثبت عذرا في عقوبة التحريم عند الهتك كما لو وطىء امرأة ثم نكحها وجه الرواية الثانية أن حرمة اليوم ساقطة عند الله عز وجل فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفت إليه وهو يعتقدها أنها ليست بزوجته فإذا هي زوجته وهذا أصح والتعليل الأول لا يلزم لأن علم الله سبحانه وتعالى مع علمنا قد استوى في مسألة التحريم وفي مسألتنا اختلف فيها علمنا وعلم الله فكان المعول على علم الله كما قال : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم < < الأنفال : ( 69 ) فكلوا مما غنمتم . . . . . > > < > ( الانفال 69 ) < > يقتضي ظاهره أن تكون الغنيمة كلها للغانمين وأن يكونوا مشتركين فيها على السواء إلا أن قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه بين وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى الوجوه المذكورة وقد تقدم القول في هذا مستوفي < < الأنفال : ( 70 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الانفال 70 : 71 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقيل : له وحده وقال بن عباس رضي الله عنه : الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومك فنزلت هذه الآية وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك وفي مصنف أبي داود عن بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة وعن بن إسحاق : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ففدي كل قوم أسيرهم بما رضوا وقال العباس : يا رسول الله إني قد كنت مسلما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر ( وقال : ما ذاك عندي يا رسول الله قال : ( فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم ( : فقال : يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ذاك شيء أعطانا الله منك ( ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه وأنزل الله فيه : يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى الآية قال بن إسحاق : وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبد المطلب لأنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب وفي البخاري : وقال موسى بن عقبة قال بن شهاب : حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال : ( لا والله لا تذرون درهما ( وذكر النقاش وغيره أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أضعفوا الفداء على العباس ( وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الإطعام لأهل بدر فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل ( فقال العباس : أي ذهب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك ( فقال : يا بن أخي من أخبرك بهذا قال : ( الله أخبرني ( قال العباس : أشهد أنك صادق وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله وكفرت بما سواه وأمر ابني أخويه فأسلما ففيهما نزلت يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان رجلا قصيرا وكان العباس ضخما طويلا فلما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( لقد أعانك عليه ملك ( الثانية قوله تعالى : ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) أي إسلاما ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) أي من الفدية قيل في الدنيا وقيل في الآخرة وفي صحيح مسلم أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له العباس : إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ ( فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله مختصر في غير الصحيح : فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي قال العباس : وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأسند الطبري إلى العباس أنه قال : في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال : ( ذلك فيء ( فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : ( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها ( فقالوا : نعم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال : ( كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها ( قال بن إسحاق : وذلك بعد بدر بشهر قال عبد الله بن أبي بكر : حدثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : لما قدم أبو العاص مكة قال لي : تجهزي فالحقي بأبيك قالت : فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت : يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك فقلت لها : ما أردت ذلك فقالت أي بنت عم لا تفعلي إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك فإن أردت سلعة بعتكها أو قرضا من نفقة أقرضتك فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال قالت : فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل فخفتها فكتمتها وقلت : ما أريد ذلك فلما فرغت زينب من جهازها ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن الربيع وتسامع بذلك أهل مكة وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس الفهري وكان أول من سبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها وبرك كنانة ونثر نبله ثم أخذ قوسه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال : يا هذا أمسك عنا نبلك حتى نكلمك فوقف عليه أبو سفيان وقال : إنك لم تصنع شيئا خرجت بالمرأة على رؤوس الناس وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وهن منا وضعف خروجك إليه بابنته على رؤوس الناس من بين أظهرنا ارجع بالمرأة فأقم بها أياما ثم سلها سلا رفيقا في الليل فألحقها بأبيها فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك الآن من ثؤرة فيما أصاب منا ففعل فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أنها قد كانت ألقت للروعة التي أصابتها حين روعها هبار بن أم درهم ما في بطنها الثالثة قال بن العربي : لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها وقد بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة فقال : وإن يريدوا خيانتك أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا فقد خانوا الله من قبل بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم وجمع خيانة خيائن وكان يجب أن يقال : خوائن لأنه من ذوات الواو إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع خائنة ويقال : خائن وخوان وخونة وخانة < <
الأنفال : ( 72 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( الانفال 72 : 75 ) <
> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) ختم السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به وقد تقدم معنى الهجرة والجهاد لغة ومعنى ( والذين آووا ونصروا ) معطوف عليه وهم الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم وأنضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون ( أولئك ) رفع بالإبتداء ( بعضهم ) ابتداء ثان ( أولياء بعض ) خبره والجميع خبر إن قال بن عباس : أولياء بعض في الميراث فكانوا يتوارثون بالهجرة وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك بقوله : وأولوا الأرحام الآية أخرجه أبو داود وصار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين ولا يتوارث أهل ملتين شيئا ثم جاء قوله عليه السلام : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ( على ما تقدم بيانه في آية المواريث وقيل : ليس هنا نسخ وإنما معناه في النصرة والمعونة كما تقدم في النساء ( والذين آمنوا ) ابتداء والخبر ( مالكم من ولايتهم من شيء ) وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة من ولايتهم بكسر الواو وقيل هي لغة وقيل : هي من وليت الشيء يقال : ولي بين الولاية ووال بين الولاية والفتح في هذا أبين وأحسن لأنه بمعنى النصرة والنسب وقد تطلق الولاية والولاية بمعنى الإمارة الثانية قوله تعالى : ( وإن استنصروكم في الدين ) يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته بن العربي : إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك قال مالك وجميع العلماء فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد الزجاج ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء الثالثة قوله تعالى : ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم أولياء بعض يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم : لا يزوجها إذ لا ولاية بينهما ويزوجها أهل ملتها فكما لا يزوج المسلمة إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوجها إلا كافر قريب لها أو أسقف ولو من مسلم إلا أن تكون معتقة فإن عقد على غير المعتقة فسخ إن كان لمسلم ولا يعرض للنصراني وقال أصبغ : لا يفسخ عقد المسلم أولى وأفضل الرابعة قوله تعالى : ( إلا تفعلوه ) الضمير عائد على الموارثة والتزامها المعنى : إلا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون قاله بن زيد وقيل : هي عائدة على التناصر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي بن جريج وغيره : وهذا إن لم يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب فهو آكد من الأول وذكر الترمذي عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن محمد وسعد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( قالوا : يا رسول الله وإن كان فيه قال : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ( ثلاث مرات قال : حديث غريب وقيل : يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمنه قوله : إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها وقيل : يعود على النصر للمسلمين في الدين وهو معنى القول الثاني قال بن إسحاق : جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ثم قال : ( إلا تفعلوه ) وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين ( تكن فتنة ) أي محنة بالحرب وما انجر معها من الغارات والجلاء والأسر والفساد الكبير : ظهور الشرك قال الكسائي : ويجوز النصب في قوله : تكن فتنة على معنى تكن فعلتكم فتنة وفسادا كبيرا ( حقا ) مصدر أي حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله : لهم مغفرة ورزق كريم أي ثواب عظيم في الجنة الخامسة قوله تعالى : ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا ) يريد من بعد الحديبية وبيعة الرضوان وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة ولهذا قال عليه السلام : ( لا هجرة بعد الفتح ( فبين أن من آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم ومعنى منكم أي مثلكم في النصر والموالاة السادسة قوله تعالى : ( وأولوا الأرحام ) ابتداء والواحد ذو والرحم مؤنثة والجمع أرحام والمراد بها ها هنا العصبات دون المولود بالرحم ومما يبين أن المراد بالرحم العصبات قول العرب : وصلتك رحم لا يريدون قرابة الأم قالت قتيلة بنت الحارث أخت النضر بن الحارث كذا قال بن هشام قال السهيلي : الصحيح أنها بنت النضر لا أخته كذا وقع في كتاب الدلائل ترثي أباها حين قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا بالصفراء يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميت لا ينطق أمحمد يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيط المحنق لو كنت قابل فدية لفديته بأعز ما يفدى به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا رسف المقيد وهو عان موثق السابعة واختلف السلف ومن بعدهم في توريث ذوي الأرحام وهو من لا سهم له في الكتاب من قرابة الميت وليس بعصبة كأولاد البنات وأولاد الأخوات وبنات الأخ والعمة والخالة والعم أخ الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم الأم ومن أدلى بهم فقال قوم : لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وبن عمر ورواية عن علي وهو قول أهل المدينة وروى عن مكحول والأوزاعي وبه قال الشافعي رضي الله عنه وقال بتوريثهم : عمر بن الخطاب وبن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة وعلي في رواية عنه وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق واحتجوا بالآية وقالوا : وقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان القرابة والإسلام فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام أجاب الأولون فقالوا : هذه آية مجملة جامعة والظاهر بكل رحم قرب أو بعد وآيات المواريث مفسرة والمفسر قاض على المجمل ومبين قالوا : وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء سببا ثابتا أقام المولى فيه مقام العصبة فقال : ( الولاء لمن أعتق ( ونهي عن بيع الولاء وعن هبته احتج الآخرون بما روى أبو داود والدارقطني عن المقدام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك كلا فإلي وربما قال فإلي الله وإلى رسوله ومن ترك مالا فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه ( وروي الدارقطني عن طاوس قال قالت عائشة رضي الله عنها : ( الله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له ( موقوف وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخال وارث ( وروي عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال ( لا أدري حتى يأتيني جبريل ( ثم قال : ( أين السائل عن ميراث العمة والخالة ( قال : فأتي الرجل فقال : ( سارني جبريل أنه لا شيء لهما ( قال الدارقطني : لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف والصواب مرسل وروي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه : هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة قال لا قال : إني لأعلم خلق الله كيف قضى فيهما عمر جعل الخالة بمنزلة الأم والعمة بمنزلة الأب <
> تفسير سورة براءة < > مدنية باتفاق < < التوبة : ( 1 ) براءة من الله . . . . . > > < > ( التوبه 1 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى في أسمائها قال سعيد بن جبير : سألت بن عباس رضي الله عنه عن سورة براءة فقال : تلك الفاضحة ما زال ينزل : ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحدا قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : هذه السورة نزلت في غزوة تبوك ونزلت بعدها وفي أولها نبذ عهود الكفار إليهم وفي السورة كشف أسرار المنافقين وتسمى الفاضحة والبحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة : البحث الثاثية واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة : الأول أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقرأها عليهم في الموسم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة وقول ثان روي النسائي قال حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال حدثنا يزيد الرقاشي قال قال لنا بن عباس : قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول فما حملكم على ذلك قال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ( ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا ( وتنزل عليه الآيات فيقول : ( ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ( وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل وبراءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال : هذا حديث حسن وقول ثالث روي عن عثمان أيضا وقال مالك فيما رواه بن وهب وبن القاسم وبن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه وروي ذلك عن بن عجلان أنه بلغه أن سورة براءة كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة وقول رابع قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة وقال بعضهم : هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال أنهما سورتان وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف وقول خامس قال عبد الله بن عباس سألت علي بن أبي طالب لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان وروي معناه عن المبرد قال : ولذلك لم يجمع بينهما فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة وبراءة نزلت سخطة ومثله عن سفيان قال سفيان بن عيينة : إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف ولا أمان للمنافقين والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة قاله القشيري وفي قول عثمان : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه وأن براءة وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك وكانتا تدعيان القرينتين فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الإقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي الثالثة قال بن العربي : هذا دليل على أن القياس أصل في الدين ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ورأوا أن قصة براءة شبيهة بقصة الأنفال فألحقوها بها فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام الرابعة قوله تعالى : ( براءة ) تقول : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه وبراءة رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه براءة ويصح أن ترفع بالإبتداء والخبر في قوله : إلى الذين وجاز الإبتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الإخبار عنها وقرأ عيسى بن عمر براءة بالنصب على تقدير التزموا براءه ففيها معنى الإغراء وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة الخامسة قوله تعالى : ( إلى الذين عاهدتم من المشركين ) يعني إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه بذلك كلهم راضون فكأنهم عاقدوا وعاهدوا فنسب العقد إليهم وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم منسوب إليهم محسوب عليهم يؤاخذون به إذ لا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا < <
التوبة : ( 2 ) فسيحوا في الأرض . . . . . > > < > ( التوبه 2 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فسيحوا ) رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم سيحوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر يقال ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا ومنه السيح في الماء الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد : لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلا أمامي تسيح الثانية واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين بريء الله منهم ورسوله فقال محمد بن إسحاق وغيره : هما صنفان من المشركين أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث ما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما : عشرون من ذي الحجة والمحرم وقال الكلبي : إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهذا اختيار الطبري وغيره وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما : أن هذه الآية نزلت في أهل مكة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بنو بكر في عهد قريش فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم وكان سبب ذلك دما كان لبني بكر عند خزاعة قبل الإسلام بمدة فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضا فاغتنم بنو الديل من بني بكر وهم الذين كان الدم لهم تلك الفرصة وغفلة خزاعة وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن الذين قتلهم خزاعة فخرج نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة حتى بيتوا خزاعة واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم فانهزمت خزاعة إلى الحرم على ما هو مشهور مسطور فكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش وأنشد عمرو بن سالم فقال : يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا عتدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل الشمس ينمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا نصرت إن لم أنصر كعب ( ثم نظر إلى سحابة فقال : ( إنها لتستهل لنصر بني كعب ( يعني خزاعة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء ومن معه : ( إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في الصلح وسينصرف بغير حاجة ( فندمت قريش على ما فعلت فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديم العقد ويزيد في الصلح فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو معروف من خبره وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله وذلك في سنة ثمان من الهجرة فلما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري على ما هو معروف مشهور من غزاة حنين وسيأتي بعضها وكان الظفر والنصر للمسلمين على الكافرين وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء فلم يقسمها حتى أتى الطائف فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة وقيل غير ذلك ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به على ما هو معروف من تلك الغزاة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة وقسم غنائم حنين على ما هو مشهور من أمرها وخبرها ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام وحج المشركون على مشاعرهم وكان عتاب بن أسيد خيرا فاضلا ورعا وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتدحه وأقام على رأسه بقصيدته التي أولها : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وأنشدها إلى آخرها وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم وكان قبل ذلك قد حفظ له هجاء في النبي صلى الله عليه وسلم فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة يمتدح فيها الأنصار فقال : من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر إن الخيار هم بنو الأخيار المكرهين السمهري بأذرع كسوافل الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضوار وإذا حللت ليمنعوك إليهم أصبحت عند معاقل الأغفار ضربوا عليا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادي الأولى وجمادي الآخرة وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها قال بن جريج عن مجاهد : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال : ( إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ( فأرسل أبا بكر أميرا على الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم فلما خرج دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وقال : ( اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا ( فخرج علي على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بذي الحليفة فقال له أبو بكر لما رآه : أمير أو مأمور فقال : بل مأمور ثم نهضا فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية في كتاب النسائي عن جابر : وأن عليا قرأ على الناس براءة حتى ختمها قبل يوم التروية بيوم وفي يوم عرفة وفي يوم النحر عند انقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة الأيام فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها وقال سليمان بن موسى : لما خطب أبو بكر بعرفة قال : قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علي ففعل قال : ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر وروى الترمذي عن زيد بن يثيع قال : سألت عليا بأي شيء بعثت في الحج قال : بعثت بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا قال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه النسائي وقال : فكنت أنادي حتى صحل صوتي قال أبو عمر : بعث علي لينبذ إلى كل ذي عهد عهده ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل حجته التي لم يحج غيرها من المدينة فوقعت حجته في ذي الحجة فقال : ( إن الزمان قد استدار ( الحديث على ما يأتي في آية النسيء بيانه وثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة وذكر مجاهد : أن أبا بكر حج في ذي القعدة من سنة تسع بن العربي : وكانت الحكمة في إعطاء براءة لعلي أن براءة تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي صلى الله عليه وسلم وكانت سيرة العرب ألا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة ويرسل بن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد حتى لا يبقى لهم متكلم قال معناه الزجاج الثالثة قال العلماء : وتضمنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين ولذلك حالتان : حالة تنقضي المدة بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب والإيذان اختيار والثانية أن نخاف منهم غدرا فننبذ إليهم عهدهم كما سبق بن عباس : والآية منسوخة فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد لما أمر بالقتال < <
التوبة : ( 3 ) وأذان من الله . . . . . > > < > ( التوبه 3 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأذان ) الأذان : الإعلام لغة من غير خلاف وهو عطف على براءة ( إلى الناس ) الناس هنا جميع الخلق ( يوم الحج الأكبر ) ظرف والعامل فيه أذان وإن كان قد وصف بقوله : من الله فإن رائحة الفعل فيه باقية وهي عاملة في الظروف وقيل : العامل فيه مخزي ولا يصح عمل أذان لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل الثانية واختلف العلماء في الحج الأكبر فقيل : يوم عرفة روي عن عمر وعثمان وبن عباس وطاوس ومجاهد وهو مذهب أبي حنيفة وبه قال الشافعي وعن علي وبن عباس أيضا وبن مسعود وبن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم النحر واختاره الطبري وروى بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : ( أي يوم هذا ( فقالوا : يوم النحر فقال : ( هذا يوم الحج الأكبر ( أخرجه أبو داود وخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس : الحج الأصغر فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك وقال بن أبي أوفى : يوم النحر يوم الحج الأكبر يهراق فيه الدم ويوضع فيه الشعر ويلقى فيه التفث وتحل فيه الحرم وهذا مذهب مالك لأن يوم النحر فيه كالحج كله لأن الوقوف إنما هو في ليلته والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته احتج الأولون بحديث مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يوم الحج الأكبر يوم عرفة ( رواه إسماعيل القاضي وقال الثوري وبن جريج : الحج الأكبر أيام منى كلها وهذا كما يقال : يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث فيراد به الحين والزمان لا نفس اليوم وروي عن مجاهد : : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد وهذا ليس من الآية في شيء وعنه وعن عطاء : الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة والأصغر العمرة وعن مجاهد أيضا : أيام الحج كلها وقال الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل : إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون واتفقت فيه يومئذ أعياد الملل : اليهود والنصارى والمجوس قال بن عطية : وهذا ضعيف أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا وعن الحسن أيضا : إنما سمي الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود وهذا الذي يشبه نظر الحسن وقال بن سيرين : يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وحجت معه فيه الأمم الثالثة قوله تعالى : ( أن الله بريء من المشركين ورسوله ) أن بالفتح في موضع نصب والتقدير بأن الله ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال إن الله بريء خبر أن ورسوله عطف على الموضع وإن شئت على المضمر المرفوع في بريء كلاهما حسن لأنه قد طال الكلام وإن شئت على الإبتداء والخبر محذوف التقدير : ورسوله بريء منهم ومن قرأ ورسوله بالنصب وهو الحسن وغيره عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ وفي الشواذ ورسوله بالخفض على القسم أي وحق رسوله ورويت عن الحسن وقد تقدمت قصة عمر فيها أول الكتاب ( فإن تبتم ) أي عن الشرك ( فهو خير لكم ) أي أنفع لكم ( وإن توليتم ) أي عن الإيمان ( فاعلموا أنكم غير معجزي الله ) أي فائتيه فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم < <
التوبة : ( 4 ) إلا الذين عاهدتم . . . . . > > < > ( التوبه 4 ) < > قوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) في موضع نصب بالاستثناء المتصل المعنى : أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم وقيل : الاستثناء منقطع أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم وقوله : ( ثم لم ينقصوكم ) يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته ومعنى لم ينقصوكم أي من شروط العهد شيئا ( ولم يظاهروا ) لم يعاونوا وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار ثم لم ينقضوكم بالضاد معجمة على حذف مضاف التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم يقال : إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة ثم قال : ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر < < التوبة : ( 5 ) فإذا انسلخ الأشهر . . . . . > > < > ( التوبه 5 ) <
> الأولى قوله تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أي خرج وسلخت الشهر إذا صرت في أواخر أيامه تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه وقال الشاعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت قبله كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي وانسلخ الشهر وانسلخ النهار من الليل المقبل وسلخت المرأة درعها نزعته وفي التنزيل : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار يس ونخلة مسلاخ وهي التي ينتثر بسرها أخضر والأشهر الحرم فيها للعلماء قولان : قيل هي الأشهر المعروفة ثلاثة سرد وواحد فرد قال الأصم : أريد به من لا عقد له من المشركين فأوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره بن عباس لأن النداء كان بذلك يوم النحر وقد تقدم هذا وقيل : شهور العهد أربعة قاله مجاهد وبن إسحاق وبن زيد وعمرو بن شعيب وقيل لها حرم لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير الثانية قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) عام في كل مشرك لكن السنة خصت منه ما تقدم بيانه في سورة البقرة من امرأة وراهب وصبي وغيرهم وقال الله تعالى في أهل الكتاب : حتى يعطوا الجزية إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم على ما يأتي بيانه واعلم أن مطلق قوله : اقتلوا المشركين يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب واعتمادا على عموم اللفظ والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( حيث وجدتموهم ) عام في كل موضع وخص أبو حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام كما سبق في سورة البقرة ثم اختلفوا فقال الحسين بن الفضل : نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء وقال الضحاك والسدي وعطاء : هي منسوخة بقوله : فإما منا بعد وإما فداء وأنه لا يقتل أسيرا صبرا إما أن يمن عليه وإما أن يفادى وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله تعالى : فإما منا بعد وإما فداء وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل وقال بن زيد : الآيتان محكمتان وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم وهو يوم بدر كما سبق وقوله : ( وخذوهم ) يدل عليه والأخذ هو الأسر والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المن على ما يراه الإمام ومعنى ( احصروهم ) يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان الرابعة قوله تعالى : ( واقعدوا لهم كل مرصد ) المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو يقال : رصدت فلانا أرصده أي رقبته أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون قال عامر بن الطفيل : ولقد علمت وما إخالك ناسيا أن المنية للفتى بالمرصد وقال عدي : أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد وفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة ونصب كل على الظرف وهو اختيار الزجاج ويقال : ذهبت طريقا وذهبت كل طريق أو بإسقاط الخافض التقدير : في كل مرصد وعلى كل مرصد فيجعل المرصد اسما للطريق وخطأ أبو علي الزجاج في جعله الطريق ظرفا وقال : الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا كما حكى سيبويه : دخلت الشام ودخلت البيت وكما قيل : كما عسل الطريق الثعلب الخامسة قوله تعالى : ( فإن تابوا ) أي من الشرك ( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) هذه الآية فيها تأمل وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك ثم قال : فإن تابوا والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة وهذا بين في هذا المعنى غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين فلا سبيل إلى إلغائهما نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقال بن عباس : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه وقال بن العربي : فانتظم القرآن والسنة واطردا ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر ومن ترك السنن متهاونا فسق ومن ترك النوافل لم يحرج إلا أن يجحد فضلها فيكفر لأنه يصير رادا على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال فروى يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت بن وهب يقول قال مالك : من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل وبه قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي وهو قول حماد بن زيد ومكحول ووكيع وقال أبو حنيفة : يسجن ويضرب ولا يقتل وهو قول بن شهاب وبه يقول داود بن علي ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ( وقالوا : حقها الثلاث التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ( وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها لغير عذر وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه كافر ودمه وماله حلالان ولا يرثه ورثته من المسلمين ويستتاب فإن تاب وإلا قتل وحكم ماله كحكم مال المرتد وهو قول إسحاق قال إسحاق : وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا وقال بن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى يقتل تارك الصلاة فقال بعضهم في آخر الوقت المختار وقال بعضهم آخر وقت الضرورة وهو الصحيح من ذلك وذلك أن يبقي من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب الشمس ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس وقال إسحاق : وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر السادسة هذه الآية دالة على أن من قال : قد تبت أنه لا يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة لأن الله عز وجل شرط هنا مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليحقق بهما التوبة وقال في آية الربا وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا وقد تقدم معنى هذا في سورة البقرة < <
التوبة : ( 6 ) وإن أحد من . . . . . > > < > ( التوبه 6 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين ) أي من الذين أمرتك بقتالهم ( استجارك ) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه فإن قبل أمرا فحسن وإن أبى فرده إلى مأمنه وهذا ما لا خلاف فيه والله أعلم قال مالك : إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال : جئت أطلب الأمان قال مالك : هذه أمور مشتبهة وأرى أن يرد إلى مأمنه وقال بن القاسم : وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول : ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع وظاهر الآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته الثانية ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز لأنه مقدم للنظر والمصلحة نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار واختلفوا في أمان غير الخليفة فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء إلا أن بن حبيب قال : ينظر الإمام فيه وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة : لا أمان له وهو القول الثاني لعلمائنا والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ( قالوا : فلما قال ( أدناهم ( جاز أمان العبد وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك ولا اعتبار بعلة ( لا يسهم له ( وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يجوز أمان المرأة إلا أن يجيزه الإمام فشذ بقوله عن الجمهور وأما الصبي فإذا أطاق القتال جاز أمانه لأنه من جملة المقاتلة ودخل في الفئة الحامية وقد ذهب الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله : فاقتلوا المشركين وقال الحسن : هي محكمة سنة إلى يوم القيامة وقاله مجاهد وقيل : هذه الآية إنما كان حكمها باقيا مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا وليس بشيء وقال سعيد بن جبير : جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل فقال علي بن أبي طالب : لا لأن الله تبارك وتعالى يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله وهذا هو الصحيح والآية محكمة الثالثة قوله تعالى : ( وإن أحد ) أحد مرفوع بإضمار فعل كالذي بعده وهذا حسن في إن وقبيح في أخواتها ومذهب سيبويه في الفرق بين إن وأخواتها أنها لما كانت أم حروف الشرط خصت بهذا ولأنها لا تكون في غيره وقال محمد بن يزيد : أما قوله : لأنها لا تكون في غيره فغلط لأنها تكون بمعنى ( ما ) ومخففة من الثقيلة ولكنها مبهمة وليس كذا غيرها وأنشد سيبويه : لا تجزعي إن منفسا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي الرابعة قال العلماء : في قوله تعالى : ( حتى يسمع كلام الله ) دليل على أن كلام الله عز وجل مسموع عند قراءة القارئ قاله الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو العباس القلانسي وبن مجاهد وأبو إسحاق الإسفرائيني وغيرهم لقوله تعالى : حتى يسمع كلام الله فنص على أن كلامه مسموع عند قراءة القارئ لكلامه ويدل عليه إجماع المسلمين على أن القارئ إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا : سمعنا كلام الله وفرقوا بين أن يقرأ كلام الله تعالى وبين أن يقرأ شعر امرئ القيس وقد مضى في سورة البقرة معنى كلام الله تعالى وأنه ليس بحرف ولا صوت والحمد لله < < التوبة : ( 7 ) كيف يكون للمشركين . . . . .
> > < > ( التوبه 7 ) < > قوله تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) كيف هنا للتعجب كما تقول : كيف يسبقني فلان أي لا ينبغي أن يسبقني وعهد اسم يكون وفي الآية إضمار أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر كما قال : وخبرتماني إنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وكثيب التقدير : فكيف مات عن الزجاج وقيل : المعنى كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به عذابه غدا وكيف يكون لهم عند رسوله عهد يأمنون به عذاب الدنيا ثم استثنى فقال : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام قال محمد بن إسحاق : هم بنو بكر أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا قوله تعالى : ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) أي فما أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك بن زيد : فلم يستقيموا فضرب لهم أجلا أربعة أشهر فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب < < التوبة : ( 8 ) كيف وإن يظهروا . . . . . > > < > ( التوبه 8 ) < > قوله تعالى : ( كيف وإن يظهروا عليكم ) أعاد التعجب من أن يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يقال : ظهرت على فلان أي غلبته وظهرت البيت علوته ومنه فما استطاعوا أن يظهروه أي يعلوا عليه قوله تعالى : ( لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) يرقبوا يحافظوا والرقيب الحافظ وقد تقدم إلا عهدا عن مجاهد وبن زيد وعن مجاهد أيضا : هو اسم من أسماء الله عز وجل بن عباس والضحاك : قرابة الحسن : جوارا قتادة : حلفا وذمة عهدا أبو عبيدة : يمينا وعنه أيضا : إلا العهد والذمة التذمم الأزهري : اسم الله بالعبرانية وأصله من الأليل وهو البريق يقال أل لونه يؤل ألا أي صفا ولمع وقيل : أصله من الحدة ومنه الألة للحربة ومنه أذن موللة أي محددة ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب موللتان تعرف العتق فيهما كسامعتي شاة بحومل مفرد فإذا قيل للعهد والجوار والقرابة إل فمعناه أن الأذن تصرف إلى تلك الجهة أي تحدد لها والعهد يسمى إلا لصفائه وظهوره ويجمع في القلة آلال وفي الكثرة إلال وقال الجوهري وغيره : الإل بالكسر هو الله عز وجل والإل أيضا العهد والقرابة قال حسان : لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعام قوله تعالى : ( ولا ذمة ) أي عهدا وهي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب قال بن عباس والضحاك وبن زيد : الذمة العهد ومن جعل الإل العهد فالتكرير لإختلاف اللفظين وقال أبو عبيدة معمر : الذمة التذمم وقال أبو عبيد : الذمة الأمان في قوله عليه السلام : ( ويسعى بذمتهم أدناهم ( وجمع ذمة ذمم وبئر ذمة ( بفتح الذال ) قليلة الماء وجمعها ذمام قال ذو الرمة : علي حميريات كأن عيونها ذمام الركايا أنكزتها المواتح انكزتها أذهبت ماءها وأهل الذمة أهل العقد قوله تعالى : ( يرضونكم بأفواههم ) أي يقولون بألسنتهم ما يرضى ظاهره ( وتأبى قوبهم وأكثرهم فاسقون ) أي ناقضون العهد وكل كافر فاسق ولكنه أرادها هنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد < < التوبة : ( 9 ) اشتروا بآيات الله . . . . . > > < > ( التوبه 9 ) < > يعني المشركين في نقضهم العهود بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان قاله مجاهد وقيل : إنهم استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا ( فصدوا عن سبيله ) أي أعرضوا من الصدود أو منعوا عن سبيل الله من الصد < < التوبة : ( 10 ) لا يرقبون في . . . . .
> > < > ( التوبه 10 ) < > قال النحاس : ليس هذا تكريرا ولكن الأول لجميع المشركين والثاني لليهود خاصة والدليل على هذا اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا يعني اليهود باعوا حجج الله عز وجل وبيانه بطلب الرياسة وطمع في شيء ( وأولئك هم المعتدون ) أي المجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض العهد < < التوبة : ( 11 ) فإن تابوا وأقاموا . . . . . > > < > ( التوبه 11 ) < > قوله تعالى : ( فإن تابوا ) أي عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام ( فإخوانكم ) أي فهم إخوانكم ( في الدين ) قال بن عباس : حرمت هذه دماء أهل القبلة وقد تقدم هذا المعنى وقال بن زيد : افترض الله الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال بن مسعود : أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من فرق بين ثلاث فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة من قال أطيع الله ولا أطيع الرسول والله تعالى يقول : اطيعوا الله وأطيعوا الرسول ومن قال أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة والله تعالى يقول : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه والله عز وجل يقول : أن اشكر لي ولوالديك قوله تعالى : ( ونفصل الآيات ) أي نبينها ( لقوم يعلمون ) خصهم لأنهم هم المنتفعون بها والله أعلم < < التوبة : ( 12 ) وإن نكثوا أيمانهم . . . . . > > < > ( التوبه 12 ) <
> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن نكثوا ) النكث النقض وأصله في كل ما فتل ثم حل فهي في الأيمان والعهود مستعارة قال : وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين أي عهد وقوله : ( وطعنوا في دينكم ) أي بالاستنقاض والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك يقال : طعنه بالرمح وطعن بالقول السيء فيه يطعن بضم العين فيهما وقيل : يطعن بالرمح ( بالضم ) ويطعن بالقول ( بالفتح ) وهي هنا استعارة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة : ( إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة ( خرجه الصحيح الثانية استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه وقال بن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي وقد حكي عن النعمان أنه قال : لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة على ما يأتي وروي أن رجلا قال في مجلس علي : ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا فأمر علي بضرب عنقه وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال : أيقال هذا في مجلسك وتسكت والله لا أساكنك تحت سقف أبدا ولئن خلوت به لأقتلنه قال علماؤنا : هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي صلى الله عليه وسلم : وهو الذي فهمه علي ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما من قائل ذلك لأن ذلك زندقة فأما إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول : إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذبا محضا فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ولا صرحوا له بذلك ولو فعلوا ذلك لما كان أمانا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وجههم لقتله لا لتأمينه وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك لهم نظر وتردد وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد صوب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ومن صرح بذلك قتل أو لا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتل وإذا قلنا لا يقتل فلا بد من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن والضرب الشديد والإهانة العظيمة الثالثة فأما الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك لقوله : وإن نكثوا أيمانهم الآية فأمر بقتلهم وقتالهم وهو مذهب الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة في هذا : إنه يستتاب وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النكث لأن الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين : أحدهما نقضهم العهد والثاني طعنهم في الدين قلنا : إن عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا وشرعا وتقدير الآية عندنا : فإن نكثوا عهدهم حل قتالهم وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم وقد روي أن عمر رفع إليه : ذمي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشفت بعض عورتها فأمر بصلبه في الموضع الرابعة إذا حارب الذمي نقض عهده وكان ماله وولده فيئا معه وقال محمد بن مسلمة : لا يؤاخذ ولده به لأنه نقض وحده وقال : أما ماله فيؤخذ وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد بن مسلمة لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده وقال أشهب : إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبدا وهذا من العجب وكأنه رأى العهد معنى محسوسا وإنما العهد حكم اقتضاه النظر والتزمه المسلمون له فإذا نقضه انتقض كسائر العقود الخامسة أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا : لا يقتل ما هو عليه من الشرك أعظم ولكن يؤدب ويعزر والحجة عليه قوله تعالى : وإن نكثوا الآية واستدل عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدا وتغيظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه فقال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الدارقطني عن بن عباس : أن رجلا أعمى كانت له أم ولد له منها ابنان مثل اللؤلؤتين فكانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلم تنته ويزجرها فلم تنزجر فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم فما صبر سيدها أن قام إلى معول فوضعه في بطنها ثم اتكأ عليها حتى أنفذه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا اشهدوا إن دمها هدر ( وفي رواية عن بن عباس : فقتلها فلما أصبح قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقام الأعمى فقال : يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فقتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا اشهدوا إن دمها هدر ( السادسة واختلفوا إذا سبه ثم أسلم تقية من القتل فقيل : يسقط إسلامه قتله وهو المشهور من المذهب لأن الإسلام يجب ما قبله بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب قال الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقيل : لا يسقط الإسلام قتله قاله في العتبية لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ولا يكون أحسن حالا من المسلم السابعة قوله تعالى : ( فقاتلوا أئمة الكفر ) أئمة جمع إمام والمراد صناديد قريش في قول بعض العلماء كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وهذا بعيد فإن الآية في سورة براءة وحين نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم فيحتمل أن يكون المراد فقاتلوا أئمة الكفر أي من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين يكون أصلا ورأسا في الكفر فهو من أئمة الكفر على هذا ويحتمل أن يعنى به المتقدمون والرؤساء منهم وأن قتالهم قتال لأتباعهم وأنهم لا حرمة لهم والأصل أأممة كمثال وأمثلة ثم أدغمت الميم في الميم وقلبت الحركة على الهمزة فاجتمعت همزتان فأبدلت من الثانية ياء وزعم الأخفش أنك تقول : هذا أيم من هذا بالياء وقال المازني : أوم من هذا بالواو وقرأ حمزة أئمة وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة ( إنهم لا أيمان لهم ) أي لا عهود لهم أي ليست عهودهم صادقة يوفون بها وقرأ بن عامر لا إيمان لهم بكسر الهمزة من الإيمان أي لا إسلام لهم ويحتمل أن يكون مصدر آمنته إيمانا من الأمن الذي ضده الخوف أي لا يؤمنون من آمنته إيمانا أي أجرته فلهذا قال : فقاتلوا أئمة الكفر ( لعلهم ينتهون ) أي عن الشرك قال الكلبي : كان النبي صلى الله عليه وسلم وادع أهل مكة سنة وهو بالحديبية فحبسوه عن البيت ثم صالحوه على أن يرجع فمكثوا ما شاء الله ثم قاتل حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة حلفاء بني أمية من كنانة فأمدت بنو أمية حلفاءهم بالسلاح والطعام فاستعانت خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق وفي البخاري عن زيد بن وهب قال : كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية يعني فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم إلا ثلاثة ولا بقي من المنافقين إلا أربعة فقال أعرابي : إنكم أصحاب محمد تخبرون أخبارا لا ندري ما هي تزعمون ألا منافق إلا أربعة فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا قال أولئك الفساق أجل لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده قوله تعالى : ( لعلهم ينتهون ) أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا < <
التوبة : ( 13 ) ألا تقاتلون قوما . . . . . > > < > ( التوبه 13 ) < > قوله تعالى : ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) توبيخ وفيه معنى التحضيض نزلت في كفار مكة كما ذكرنا آنفا ( وهموا بإخراج الرسول ) أي كان منهم سبب الخروج فأضيف الإخراج إليهم وقيل : أخرجوا الرسول عليه السلام من المدينة لقتال أهل مكة للنكث الذي كان منهم عن الحسن ( وهم بدءوكم ) بالقتال ( أول مرة ) أي نقضوا العهد وأعانوا بني بكر على خزاعة وقيل : بدءوكم بالقتال يوم بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للعير ولما أحرزوا عيرهم كان يمكنهم الانصراف فأبوا إلا الوصول إلى بدر وشرب الخمر بها كما تقدم ( فالله أحق أن تخشوه ) أي تخافوا عقابه في ترك قتالهم من أن تخافوا أن ينالكم في قتالهم مكروه وقيل : إخراجهم الرسول منعهم إياه من الحج والعمرة والطواف وهو ابتداؤهم والله أعلم < < التوبة : ( 14 ) قاتلوهم يعذبهم الله . . . . . > > < > ( التوبه 14 : 15 ) < > قوله تعالى : ( قاتلوهم ) أمر ( يعذبهم الله ) جوابه وهو جزم بمعنى المجازاة والتقدير : إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ( ويذهب غيظ قلوبهم ) دليل على أن غيظهم كان قد اشتد وقال مجاهد يعني خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكله عطف ويجوز فيه كله الرفع على القطع من الأول ويجوز النصب على إضمار ( أن ) وهو الصرف عند الكوفيين كما قال : فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام وإن شئت رفعت ( ونأخذ ) وإن شئت نصبته والمراد بقوله : ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) بنو خزاعة على ما ذكرنا عن مجاهد فإن قريشا أعانت بني بكر عليهم وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فأنشد رجل من بني بكر هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض خزاعة : لئن أعدته لأكسرن فمك فأعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال فقتلوا من الخزاعيين أقواما فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في نفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره به فدخل منزل ميمونة وقال : ( اسكبوا إلي ماء ( فجعل يغتسل وهو يقول : ( لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ( ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج إلى مكة فكان الفتح قوله تعالى : ( ويتوب الله على من يشاء ) القراءة بالرفع على الاستئناف لأنه ليس من جنس الأول ولهذا لم يقل ويتب بالجزم لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جل وعز وهو موجب لهم العذاب والخزي وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره : فإن يشإ الله يختم على قلبك الشورى تم الكلام ثم قال : ويمحو الله الباطل الشورى والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو فإنهم أسلموا وقرأ بن أبي إسحاق ويتوب بالنصب وكذا روي عن عيسى الثقفي والأعرج وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب الشرط لأن المعنى : إن تقاتلوهم يعذبهم الله وكذلك ما عطف عليه ثم قال : ويتوب الله أي إن تقاتلوهم فجمع بين تعذيبهم بأيديكم وشفاء صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم والرفع أحسن لأن التوبة لا يكون سببها القتال إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال < < التوبة : ( 16 ) أم حسبتم أن . . . . . > > < > ( التوبه 16 ) <
> قوله تعالى : ( أم حسبتم ) خروج من شيء إلى شيء ( أن تتركوا ) في موضع المفعولين على قول سيبويه وعند المبرد أنه قد حذف الثاني ومعنى الكلام : أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب وقد تقدم هذا في المعنى في غير موضع ( ولما يعلم ) جزم بلما وإن كانت ما زائدة فإنها تكون عند سيبويه جوابا لقولك : قد فعل كما تقدم وكسرت الميم لالتقاء الساكنين ( وليجة ) بطانة ومداخلة من الولوج وهو الدخول ومنه سمي الكناس الذي تلج فيه الوحوش تولجا ولج يلج ولوجا إذا دخل والمعنى : دخيلة مودة من دون الله ورسوله وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة وقال بن زيد : الوليجة الدخيلة والولجاء الدخلاء فوليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس تقول : هو وليجتي وهم وليجتي الواحد والجمع فيه سواء قال أبان بن تغلب رحمه الله : فبئس الوليجة للهاربين والمعتدين وأهل الريب وقيل : وليجة بطانة والمعنى واحد نظيره لا تتخذوا بطانة من دونكم وقال الفراء : وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم < < التوبة : ( 17 ) ما كان للمشركين . . . . . > > < > ( التوبه 17 ) < > قوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) الجملة من أن يعمروا في موضع رفع اسم كان شاهدين على الحال واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل : أراد ليس لهم الحج بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام وكانت أمور البيت كالسدانة والسقاية والرفادة إلى المشركين فبين أنهم ليسوا أهلا لذلك بل أهله المؤمنون وقيل : إن العباس لما أسر وعير بالكفر وقطيعة الرحم قال : تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا فقال علي : ألكم محاسن قال : نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فنزلت هذه الآية ردا عليه فيجب إذا على المسلمين تولي أحكام المساجد ومنع المشركين من دخولها وقراءة العامة يعمر بفتح الياء وضم الميم من عمر يعمر وقرأ بن السميقع بضم الياء وكسر الميم أي يجعلوه عامرا أو يعينوا على عمارته وقرئ مسجد الله على التوحيد أي المسجد الحرام وهي قراءة بن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وبن كثير وأبي عمرو وبن محيصن ويعقوب والباقون مساجد على التعميم وهو اختيار أبي عبيد لأنه أعم والخاص يدخل تحت العام وقد يحتمل أن يراد بقراءة الجمع المسجد الحرام خاصة وهذا جائز فيما كان من أسماء الجنس كما يقال : فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا والقراءة مساجد أصوب لأنه يحتمل المعنيين وقد أجمعوا على قراءة قوله : إنما يعمر مساجد الله على الجمع قاله النحاس وقال الحسن : إنما قال مساجد وهو المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها قوله تعالى : ( شاهدين ) قيل : أراد وهم شاهدون فلما طرح ( وهم ) نصب قال بن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة وقال السدي : شهادتهم بالكفر هو أن النصراني تقول له ما دينك فيقول نصراني واليهودي فيقول يهودي والصابئ فيقول صابئ ويقال للمشرك ما دينك فيقول مشرك ( أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) تقدم معناه < < التوبة : ( 18 ) إنما يعمر مساجد . . . . . > > < > ( التوبه 18 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله ) دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها وقد قال بعض السلف : إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ( قال الله تعالى : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وفي رواية : ( يتعاهد المسجد ( قال : حديث حسن غريب قال بن العربي : وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها فإن منهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادا وإخبارا ومنهم المغفل وكل واحد ينزل على منزلته ويقدر على صفته الثانية قوله تعالى : ( ولم يخش إلا الله ) إن قيل : ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله وما زال المؤمنون والأنبياء يخشون الأعداء من غيرهم قيل له : المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد : فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشونها ويرجونها جواب ثان أي لم يخف في باب الدين إلا الله الثالثة فإن قيل : فقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها وآمن بالله ولم يذكر الإيمان بالرسول فيها ولا إيمان لمن لم يؤمن بالرسول : قيل له : دل على الرسول ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما جاء به فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول فلهذا لم يفرده بالذكر وعسى من الله واجبة عن بن عباس وغيره وقيل : عسى بمعنى خليق أي فخليق ( أن يكونوا من المهتدين ) < < التوبة : ( 19 ) أجعلتم سقاية الحاج . . . . . > > < > ( التوبه 19 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( أجعلتم سقاية الحاج ) التقدير في العربية : أجعلتم أصحاب سقاية الحاج أو أهل سقاية الحاج مثل من آمن بالله وجاهد في سبيله ويصح أن يقدر الحذف في من آمن أي أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن وقيل : التقدير كإيمان من آمن والسقاية مصدر كالسعاية والحماية فجعل الاسم بموضع المصدر إذ علم معناه مثل إنما السخاء حاتم وإنما الشعر زهير وعمارة المسجد الحرام مثل واسأل القرية يوسف وقرأ أبو وجزة أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام سقاة جمع ساق والأصل سقية على فعلة كذا يجمع المعتل من هذا نحو قاض وقضاة وناس ونساة فإن لم يكن معتلا جمع على فعلة نحو ناسئ ونسأة للذين كانوا ينسئون الشهور وكذا قرأ بن الزبير وسعيد بن جبير سقاة وعمرة إلا أن بن جبير نصب المسجد على إرادة التنوين في عمرة وقال الضحاك : سقاية بضم السين وهي لغة والحاج اسم جنس الحجاج وعمارة المسجد الحرام : معاهدته والقيام بمصالحه وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كما ذكره السدي قال : افتخر عباس بالسقاية وشيبة بالعمارة وعلي بالإسلام والجهاد فصدق الله عليا وكذبهما وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة وهذا بين لا غبار عليه ويقال : إن المشركين سألوا اليهود وقالوا : نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه فقالت لهم اليهود عنادا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم أفضل وقد اعترض هنا إشكال وهو ما جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر إلى آخر الآية وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال وحينئذ لا يليق أن يقال لهم في آخر الآية : والله لا يهدي القوم الظالمين فتعين الإشكال وإزالته بأن يقال : إن بعض الرواة تسامح في قوله فأنزل الله الآية وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ واستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه لا أنها نزلت في هؤلاء والله أعلم فإن قيل فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين ومعلوم أن أحكامهم مختلفة قيل له : لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين وقد قال عمر : إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف وهذه الآية نص في الكفار ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام والله أعلم < <
التوبة : ( 20 ) الذين آمنوا وهاجروا . . . . . > > < > ( التوبه 20 ) < > قوله تعالى : ( الذين آمنوا ) في موضع رفع بالابتداء وخبره ( أعظم درجة عند الله ) ودرجة نصب على البيان أي من الذين افتخروا بالسقي والعمارة وليس للكافرين درجة عند الله حتى يقال : المؤمن أعظم درجة والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ كقوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا الفرقان وقيل : أعظم درجة من كل ذي درجة أي لهم المزية والمرتبة العلية ( وأولئك هم الفائزون ) بذلك < < التوبة : ( 21 ) يبشرهم ربهم برحمة . . . . . > > < > ( التوبه 21 : 22 ) < > قوله تعالى : ( يبشرهم ربهم ) أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم والنعيم : لين العيش ورغده ( خالدين ) نصب على الحال والخلود الإقامة ( إن الله عنده أجر عظيم ) أي أعد لهم في دار كرامته ذلك الثواب < < التوبة : ( 23 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( التوبه 23 ) < > ظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بألا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر ( إن استحبوا ) أي أحبوا كما يقال : استجاب بمعنى أجاب أي لا تطيعوهم ولا تخصوهم وخص الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان وفي مثله تنشد الصوفية : يقولون لي دار الأحبة قد دنت وأنت كئيب إن ذا لعجيب فقلت وما تغني ديار قريبة إذا لم يكن بين القلوب قريب فكم من بعيد الدار نال مراده وآخر جار الجنب مات كئيب ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء والإحسان والهبة مستثناة من الولاية قالت أسماء : يا رسول الله إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها قال : ( صلي أمك ( خرجه البخاري قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) قال بن عباس : هو مشرك مثلهم لأن من رضي بالشرك فهو مشرك < < التوبة : ( 24 ) قل إن كان . . . . . > > < > ( التوبه 24 ) <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?