Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V08/P342–V08/P343

يونس : ( 36 ) وما يتبع أكثرهم . . . . . > > < > ( يونس 36 ) < > قوله تعالى : ( وما يتبعاكثركم إلا ظنا ) يريد الرؤساء منهم أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة وأنها تشفع ولا حجة معهم وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) أي من عذاب الله فالحق هو الله وقيل الحق هنا اليقين أي ليس الظن كاليقين وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفي بالظن في العقائد ( إن الله عليم بما يفعلون ) من الكفر والتكذيب خرجت مخرج التهديد < < يونس : ( 37 ) وما كان هذا . . . . . > > < > ( يونس 37 ) < > قوله تعالى : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) أن مع يفتري مصدر والمعنى : وما كان هذا القرآن افتراء كما تقول : فلان يحب أن يركب أي يحب الركوب قاله الكسائي وقال الفراء : المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله : وما كان لنبي أن يغل وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقيل : أن بمعنى اللام تقديره : وما كان هذا القرآن ليفترى وقيل : بمعنى لا أي لا يفترى وقيل : المعنى ما كان يتهيأ لأحد ان يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله تعالى لإعجازه لوصفه ومعانيه وتأليفه ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) قال الكسائي والفراء ومحمد بن سعدان : التقدير ولكن كان تصديق ويجوز عندهم الرفع بمعنى : ولكن هو تصديق ( الذي بين يديه ) أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب فإنها قد بشرت به فجاء مصدقا لها في تلك البشارة وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة وقيل : المعنى ولكن تصديق النبي الذي بين يديه القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن وتفصيل بالنصب والرفع على الوجهين المذكورين في تصديق والتفصيل التبيين أي يبين ما في كتب الله المتقدمة والكتاب اسم الجنس وقيل : أراد بتفصيل الكتاب ما بين في القرآن من الأحكام ( لا ريب فيه ) الهاء عائدة للقرآن أي لا شك فيه أي في نزوله من قبل الله تعالى < < يونس : ( 38 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > < > ( يونس 38 ) < > قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه ) أم ها هنا في موضع ألف الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها وقيل : هي أم المنقطعة التي تقدر بمعنى بل والهمزة كقوله تعالى : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه السجدة أي بل يقولون افتراه وقال أبو عبيدة : أم بمعنى الواو مجازه : ويقولون افتراه وقيل : الميم صلة والتقدير : أيقولون افتراه أي اختلق محمد القرآن من قبل نفسه فهو استفهام معناه التقريع ( قل فأتوا بسورة من مثله ) ومعنى الكلام الاحتجاج فإن الآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله لأنه مصدق الذي بين يديه من الكتب وموافق لها من غير أن يتعلم محمد عليه السلام عن أحد وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى وقد مضى القول في إعجاز القرآن وأنه معجز في مقدمة الكتاب والحمد لله < < يونس : ( 39 ) بل كذبوا بما . . . . . > > < > ( يونس 39 ) <

Section V08/P343–V08/P345

> قوله تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال فهذا يدل على أنه يجب أن ينظر في التأويل وقوله : ( ولما يأتهم تأويله ) أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب قاله الضحاك وقيل للحسين بن الفضل : هل تجد في القرآن ( من جهل شيئا عاداه ) قال نعم في موضعين : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وقوله : وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) يريد الأمم الخالية أي كذا كانت سبيلهم والكاف في موضع نصب ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) أي أخذهم بالهلاك والعذاب < < يونس : ( 40 ) ومنهم من يؤمن . . . . . > > < > ( يونس 40 ) < > قوله تعالى : ( ومنهم من يؤمن به ) قيل : المراد أهل مكة أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعداء ومن رفع بالابتداء والخبر في المجرور وكذا ( ومنهم من لا يؤمن به ) والمعنى ومنهم من يصر على كفره حتى يموت كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما وقيل : المراد أهل الكتاب وقيل : هو عام في جميع الكفار وهو الصحيح وقيل : إن الضمير في به يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخر العقوبة لأن منهم من سيؤمن ( وربك أعلم بالمفسدين ) أي من يصر على كفره وهذا تهديد لهم < < يونس : ( 41 ) وإن كذبوك فقل . . . . . > > < > ( يونس 41 ) < > قوله تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ) رفع بالابتداء والمعنى : لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى ( ولكم عملكم ) أي جزاؤه من الشرك ( أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) مثله أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر وهذه الآية منسوخة بآية السيف في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وبن زيد < < يونس : ( 42 ) ومنهم من يستمعون . . . . . > > < > ( يونس 42 : 43 ) < > قوله تعالى : ( ومنهم من يستمعون إليك ) يريد بظواهرهم وقلوبهم لا تعي شيئا مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن ولهذا قال : ( أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ) أي لا تسمع فظاهره الاستفهام ومعناه النفي وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع الهدى وكذا المعنى في : ( ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ) أخبر تعالى أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته وهذا وما كان مثله يرد على القدرية قولهم كما تقدم في غير موضع وقال : يستمعون على معنى من وينظر على اللفظ والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألا يؤمنوا ومعنى : ينظر إليك أي يديم النظر إليك كما قال : ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت قيل : إنها نزلت في المستهزئين والله أعلم < < يونس : ( 44 ) إن الله لا . . . . . > > < > ( يونس 44 ) <

Section V08/P345–V08/P348

> لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم وأن تقدير الشفاء عليهم وسلب سمع القلب وبصره ليس ظلما منه لأنه مصرف في ملكه بما شاء وهو في جميع أفعاله عادل ( ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم وقرأ حمزة والكسائي ولكن مخففا الناس رفعا قال النحاس : زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت ولكن بالواو آثرت التشديد وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف واعتل في ذلك فقال : لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل وإذا جاؤوا بالواو خالفت بل فشددوها ونصبوا بها لأنها إن زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحد وأنشد : ولكنني من حبها لعميد فجاء باللام لأنها إن < < يونس : ( 45 ) ويوم يحشرهم كأن . . . . . > > < > ( يونس 45 ) < > قوله تعالى : ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ) بمعنى كأنهم خففت أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم ( إلا ساعة من النهار ) أي قدر ساعة يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث دليله قولهم : لبثنا يوما أو بعض يوم وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر بن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة ( يتعارفون بينهم ) في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في يحشرهم ويجوز أن يكون منقطعا فكأنه قال فهم يتعارفون قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال : ولا يسأل حميم حميما المعارج وقيل : يبقى تعارف التوبيخ وهو الصحيح لقوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون إلى قوله وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا سبأ وقوله : كلما دخلت أمة لعنت أختها الأعراف الآية وقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا الأحزاب الآية فأما قوله : ولا يسأل حميم حميما وقوله : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم المؤمنون فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة والله أعلم وقيل : القيامة مواطن وقيل : معنى يتعارفون يتساءلون أي يتساءلون كم لبثتم كما قال : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وهذا حسن وقال الضحاك : ذلك تعارف تعاطف المؤمنين والكافرون لا تعاطف عليهم كما قال : فلا أنساب بينهم والأول أظهر والله أعلم قوله تعالى : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) أي بالعرض على الله ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور أي خسروا ثواب الجنة وقيل : خسروا في حال لقاء الله لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم يقولون هذا ( وما كانوا مهتدين ) يريد في علم الله < < يونس : ( 46 ) وإما نرينك بعض . . . . . > > < > ( يونس 46 ) < > قوله تعالى : ( وإما نرينك ) شرط ( بعض الذي نعدهم ) أي من إظهار دينك في حياتك وقال المفسرون : كان البعض الذي وعدهم قتل من قتل وأسر من أسر ببدر ( أو نتوفينك ) عطف على نرينك أي نتوفينك قبل ذلك ( فإلينا مرجعهم ) جواب إما والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا ( ثم الله شهيد ) أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد ( ) من محاربتك وتكذيبك ولو قيل : ثم الله شهيد بمعنى هناك جاز < <

Section V08/P348–V08/P349

يونس : ( 47 ) ولكل أمة رسول . . . . . > > < > ( يونس 47 ) < > قوله تعالى : ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ) يكون المعنى : ولكل أمة رسول شاهد عليهم فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينهم مثل فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وقال بن عباس : تنكر الكفار غدا مجيء الرسل إليهم فيؤتى بالرسول فيقول : قد أبلغتكم الرسالة فحينئذ يقضي عليهم بالعذاب دليله قوله : ويكون الرسول عليكم شهيدا ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم فمن آمن فاز ونجا ومن لم يؤمن هلك وعذب دليله قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا والقسط : العدل وهم لا يظلمون أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة < < يونس : ( 48 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > < > ( يونس 48 ) < > يريد كفار مكة لفرط إنكارهم واستعجالهم العذاب أي متى العقاب أو متى القيامة التي يعدنا محمد وقيل : هو عام في كل أمة كذبت رسولها < < يونس : ( 49 ) قل لا أملك . . . . . > > < > ( يونس 49 ) < > قوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ) لما استعجلوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له : قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا أي ليس ذلك لي ولا لغيري ( إلا ما شاء الله ) أن أملكه وأقدر عليه فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا تستعجلوا ( لكل أمة أجل ) أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم في علمه سبحانه ( إذا جاء أجلهم ) أي وقت انقضاء أجلهم ( فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) أي لا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدمون فيؤخرون < < يونس : ( 50 ) قل أرأيتم إن . . . . . > > < > ( يونس 50 ) < > قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ) ظرفان وهو جواب لقولهم : متى هذا الوعد وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب أي إن أتاكم العذاب فما نفعكم فيه ولا ينفعكم الإيمان حينئذ ( ما ذا يستعجل منه المجرمون ) استفهام معناه التهويل والتعظيم أي ما أعظم ما يستعجلون به كما يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته : ماذا تجني على نفسك والضمير في منه قيل : يعود على العذاب وقيل : يعود على الله سبحانه وتعالى قال النحاس : إن جعلت الهاء في منه تعود على العذاب كان لك في ماذا تقديران : احدهما أن يكون ما في موضع رفع بالابتداء وذا بمعنى الذي وهو خبر ما والعائد محذوف والتقدير الآخر أن يكون ماذا اسما واحدا في موضع رفع بالابتداء والخبر في الجملة قاله الزجاج : وإن جعلت الهاء في منه تعود على اسم الله تعالى جعلت ما وذا شيئا واحدا وكانت في موضع نصب ب يستعجل والمعنى : أي شيء يستعجل منه المجرمون عن الله عز وجل < < يونس : ( 51 ) أثم إذا ما . . . . . > > < > ( يونس 51 ) <

Section V08/P349–V08/P352

> قوله تعالى : ( أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن ) في الكلام حذف والتقدير : أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل : الآن آمنتم به قيل : هو من قول الملائكة استهزاء بهم وقيل : هو من قول الله تعالى ودخلت ألف الاستفهام على ثم والمعنى : التقرير والتوبيخ وليدل على أن معنى الجملة الثانية بعد الأولى وقيل : إن ثم ها هنا بمعنى : ثم بفتح الثاء فتكون ظرفا والمعنى : أهنالك وهو مذهب الطبري وحينئذ لا يكون فيه معنى الاستفهام والآن قيل : أصله فعل مبني مثل حان والألف واللام لتحويله إلى الاسم الخليل : بنيت لإلتقاء الساكنين والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت وهو حد الزمانين ( وقد كنتم به ) أي بالعذاب ( تستعجلون ) < < يونس : ( 52 ) ثم قيل للذين . . . . . > > < > ( يونس 52 ) < > قوله تعالى : ( ثم قيل للذين ظلموا ) أي تقول لهم خزنة جهنم ( ذوقوا عذاب الخلد ) أي الذي لا ينقطع ( هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) أي جزاء كفركم < < يونس : ( 53 ) ويستنبئونك أحق هو . . . . . > > < > ( يونس 53 ) < > قوله تعالى : ( ويستنبئونك ) أي يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيام الساعة ( أحق ) ابتداء ( هو ) سد مسد الخبر وهذا قول سيبويه ويجوز أن يكون هو مبتدأ وأحق خبره ( قل إي ) إي كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم ( وربي ) قسم ( إنه لحق ) جوابه أي كائن لا شك فيه ( وما أنتم بمعجزين ) أي فائتين عن عذابه ومجازاته < < يونس : ( 54 ) ولو أن لكل . . . . . > > < > ( يونس 54 ) < > قوله تعالى : ( ولو أن لكل نفس ظلمت ) أي أشركت وكفرت ( ما في الأرض ) أي ملكا ( لا فتدت به ) أي من عذاب الله يعني ولا يقبل منها كما قال : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به وقد تقدم قوله تعالى : ( وأسروا الندامة ) أي أخفوها يعني رؤساءهم أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم ( لما رأوا العذاب ) وهذا قبل الإحراق بالنار فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع بدليل قولهم : ربنا غلبت علينا شقوتنا المؤمنون فبين أنهم لا يكتمون ما بهم وقيل : أسروا أظهروا والكلمة من الأضداد ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها قال كثير : فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال غاضرة المنادي وذكر المبرد فيه وجها ثالثا أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم وهي تكاسير الجبهة واحدها سرار والندامة : الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء وأصلها اللزوم ومنه النديم لأنه يلازم المجالس وفلان نادم سادم والسدم اللهج بالشيء وندم وتندم بالشيء أي اهتم به قال الجوهري : السدم ( بالتحريك ) الندم والحزن وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم وندمان سدمان وقيل : هو إتباع وما له هم ولا سدم إلا ذلك وقيل : الندم مقلوب الدمن والدمن اللزوم ومنه فلان مدمن الخمر والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار سمي به للزومه والدمنة : الحقد الملازم للصدر والجمع دمن وقد دمنت قلوبهم بالكسر يقال : دمنت على فلان أي ضغنت ( وقضي بينهم بالقسط ) أي بين الرؤساء والسفل بالعدل ( وهم لا يظلمون ) < < يونس : ( 55 ) ألا إن لله . . . . . > > < > ( يونس 55 ) <

Section V08/P352–V08/P353

> ألا كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول الكلام أي انتبهوا لما أقول لكم : إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق له ملك السماوات والأرض الحديد فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ذلك < < يونس : ( 56 ) هو يحيي ويميت . . . . . > > < > ( يونس 56 ) < > بين المعنى وقد تقدم < < يونس : ( 57 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( يونس 57 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الناس ) يعني قريشا ( قد جاءتكم موعظة ) أي وعظ ( من ربكم ) يعني القرآن فيه مواعظ وحكم ( وشفاء لما في الصدور ) أي من الشك والنفاق والخلاف والشقاق ( وهدى ) أي ورشدا لمن اتبعه ( ورحمة ) أي نعمة ( للمؤمنين ) خصهم لأنهم المنتفعون بالإيمان والكل صفات القرآن والعطف لتأكيد المدح قال الشاعر : إلى الملك القرم وبن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم < < يونس : ( 58 ) قل بفضل الله . . . . . > > < > ( يونس 58 ) < > قوله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته ) قال أبو سعيد الخدري وبن عباس رضي الله عنهما : فضل الله القرآن ورحمته الإسلام وعنهما أيضا : فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة : فضل الله الإيمان ورحمته القرآن على العكس من القول الأول وقيل : غير هذا ( فبذلك فليفرحوا ) إشارة إلى الفضل والرحمة والعرب تأتي بذلك للواحد والأثنين والجمع وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فبذلك فلتفرحوا بالتاء وهي قراءة يزيد بن القعقاع ويعقوب وغيرهما وفي الحديث ( لتأخذوا مصافكم ( والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب وقد ذم الفرح في مواضع كقوله : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين القصص وقوله : إنه لفرح فخور ولكنه مطلق فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله : فرحين بما آتاهم الله من فضله وها هنا قال تبارك وتعالى : فبذلك فليفرحوا أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا فقيد قال هارون : وفي حرف أبي فبذلك فافرحوا قال النحاس : سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفا إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخاطب استغناء بمخاطبته وربما جاؤوا به على الأصل منه فبذلك فلتفرحوا ( هو خير مما يجمعون ) يعني في الدنيا وقراءة العامة بالياء في الفعلين وروي عن بن عامر أنه قرأ فليفرحوا بالياء تجمعون بالتاء خطابا للكافرين وروي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأول ويجمعون بالياء على العكس وروى أبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ثم تلا قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ( < < يونس : ( 59 ) قل أرأيتم ما . . . . . > > < > ( يونس 59 ) <

Section V08/P353–V08/P356

> قوله تعالى : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( قل أرأيتم ) يخاطب كفار مكة ( ما أنزل الله لكم من رزق ) ما في موضع نصب بأرأيتم وقال الزجاج : في موضع نصب بأنزل وأنزل بمعنى خالق كما قال : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج الزمر وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد الحديد فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر ( فجعلتم منه حراما وحلالا ) قال مجاهد : هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقال الضحاك : هو قول الله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ( قل الله أذن لكم ) أي في التحليل والتحريم ( أم على الله ) أم بمعنى بل ( تفترون ) هو قولهم إن الله أمرنا بها الثانية استدل بهذه الآية من نفى القياس وهذا بعيد فإن القياس دليل الله تعالى فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره < < يونس : ( 60 ) وما ظن الذين . . . . . > > < > ( يونس 60 ) < > قوله تعالى : ( وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) يوم منصوب على الظرف أو بالظن نحو ما ظنك زيدا والمعنى : أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به ( إن الله لذو فضل على الناس ) أي في التأخير والإمهال وقيل : أراد أهل مكة حين جعلهم في حرم آمن ( ولكن أكثرهم ) يعني الكفار ( لا يشكرون ) الله على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم وقيل : لا يشكرون لا يوحدون < < يونس : ( 61 ) وما تكون في . . . . . > > < > ( يونس 61 ) < > قوله تعالى : ( وما تكون في شأن ) ما للجحد أي لست في شأن يعني من عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك والشأن الخطب والأمر وجمعه شؤون قال الأخفش : تقول العرب ما شأنت شأنة أي ما عملت عمله ( وما تتلو منه من قرآن ) قال الفراء والزجاج : الهاء في منه تعود على الشأن أي تحدث شأنا فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه أو ينزل فيه قرآن فيتلى وقال الطبري : منه أي من كتاب الله تعالى من قرآن أعاد تفخيما كقوله : إني أنا الله ( ولا تعملون من عمل ) يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة وقوله : وما تكون في شأن خطاب له والمراد هو وأمته وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه وقيل : المراد كفار قريش ( إلا كنا عليكم شهودا ) أي نعلمه ونظيره ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ( إذ تفيضون فيه ) أي تأخذون فيه والهاء عائدة على العمل يقال : أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه قال الراعي : فأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا بن عباس : تفيضون فيه تفعلونه الأخفش : تتكلمون بن زيد : تخوضون بن كيسان : تنشرون القول وقال الضحاك : الهاء عائدة على القرآن المعنى : إذ تشيعون في القرآن الكذب ( وما يعزب على ربك ) قال بن عباس : يغيب وقال أبو روق : يبعد وقال بن كيسان : يذهب وقرأ الكسائي يعزب بكسر الزاي حيث وقع وضم الباقون وهما لغتان فصيحتان نحو يعرش ويعرش ( من مثقال ) من صلة أي وما يعزب عن ربك مثقال ( ذرة ) أي وزن وذرة أي نميلة حمراء صغيرة وقد تقدم في النساء ( في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) عطف على لفظ مثقال وإن شئت على ذرة وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفا على موضع مثقال لأن من زائدة للتأكيد وقال الزجاج : ويجوز الرفع على الابتداء وخبره ( إلا في كتاب مبين ) يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به قال الجرجاني : إلا بمعنى واو النسق أي وهو في كتاب مبين كقوله تعالى : إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم أي ومن ظلم وقوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم أي والذين ظلموا منهم ف إلا بمعنى واو النسق وأضمر هو بعده كقوله : وقولوا حطة أي هي حطة وقوله : ولا تقولوا ثلاثة أي هم ثلاثة ونظير ما نحن فيه : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين الأنعام وهو في كتاب مبين < <

Section V08/P356–V08/P357

يونس : ( 62 ) ألا إن أولياء . . . . . > > < > ( يونس 62 ) < > قوله تعالى : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ) أي في الآخرة ( ولا هم يحزنون ) لفقد الدنيا وقيل : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن قال الله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها أي عن جهنم مبعدون إلى قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر الأنبياء وروى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : من أولياء الله فقال : ( الذين يذكر الله برؤيتهم ( وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى ( قيل : يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم قال : ( هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الجوع يبس الشفاه من الذوي وقيل : لا خوف عليهم في ذريتهم لأن الله يتولاهم ولا هم يحزنون على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأخراهم لأنه وليهم ومولاهم < < يونس : ( 63 ) الذين آمنوا وكانوا . . . . . > > < > ( يونس 63 ) < > هذه صفة أولياء الله تعالى فيكون : ( الذين ) في موضع نصب على البدل من اسم إن وهو اولياء وإن شئت على أعني وقيل : هو ابتداء وخبره لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيكون مقطوعا مما قبله أي يتقون الشرك والمعاصي < < يونس : ( 64 ) لهم البشرى في . . . . . > > < > ( يونس 64 ) <

Section V08/P357–V08/P359

> قوله تعالى : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) عن أبي الدرداء قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ( ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ( خرجه الترمذي في جامعه وقال الزهري وعطاء وقتادة : هي البشارة التي تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت وعن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : ( السلام عليك ولي الله الله يقرئك السلام ( ثم نزع بهذه الآية : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم النحل ذكره بن المبارك وقال قتادة والضحاك : هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت وقال الحسن : هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه لقوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وقوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات وقوله : وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون فصلت ولهذا قال : لا تبديل لكلمات الله أي لا خلف لمواعيده وذلك لأن مواعيده بكلماته ( وفي الآخرة ) قيل : بالجنة إذا خرجوا من قبورهم وقيل : إذا خرجت الروح بشرت برضوان الله وذكر أبو إسحاق الثعلبي : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول : رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان وعمامة فسلمت عليه وقلت له : أهلا بك إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك فقال : ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك قال الله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة الثناء الحسن : وأشار بيده ( لا تبديل لكلمات الله ) أي لا خلف لوعده وقيل : لا تبديل لأخباره أي لا ينسخها بشيء ولا تكون إلا كما قال ( ذلك هو الفوز العظيم ) أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم < < يونس : ( 65 ) ولا يحزنك قولهم . . . . . > > < > ( يونس 65 ) < > قوله تعالى : ( ولا يحزنك قولهم ) تم الكلام أي لا يحزنك افتراؤهم وتكذيبهم لك ثم ابتداء فقال : ( إن العزة لله ) أي القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده فهو ناصرك ومعينك ومانعك ( جميعا ) نصب على الحال ولا يعارض هذا قوله : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين المنافقون فإن كل عزة بالله فهي كلها لله قال الله سبحانه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( هو السميع العليم ) السميع لأقوالهم وأصواتهم العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم < < يونس : ( 66 ) ألا إن لله . . . . . > > < > ( يونس 66 ) < > قوله تعالى : ( ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ) أي يحكم فيهم بما يريد ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه ق : ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ) ما للنفي أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة بل يظنون أنها تشفع أو تنفع وقيل : ما استفهام أي أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحا لفعلهم ثم أجاب فقال : ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) أي يحدسون ويكذبون وقد تقدم < < يونس : ( 67 ) هو الذي جعل . . . . . > > < > ( يونس 67 ) <

Section V08/P359–V08/P361

> قوله تعالى : ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) بين أن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر على شيء لتسكنوا فيه أي مع أزواجكم وأولادكم ليزول التعب والكلال بكم والسكون : الهدوء عن الاضطراب ) أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم والمبصر : الذي يبصر والنهار يبصر فيه وقال : مبصرا تجوزا وتوسعا على عادة العرب في قولهم : ليل قائم ونهار صائم وقال جرير : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم وقال قطرب : قال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات ) أي علامات ودلالات ( لقوم يسمعون ) أي سماع اعتبار < < يونس : ( 68 ) قالوا اتخذ الله . . . . . > > < > ( يونس 68 ) < > قوله تعالى : ( قالوا اتخذ الله ولدا ) يعني الكفار وقد تقدم ( سبحانه ) نزه نفسه عن الصحابة والأولاد وعن الشركاء والأنداد ( هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض ) ثم أخبر بغناه المطلق وأن له ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ( إن عندكم من سلطان بهذا ) أي ما عندكم من حجة بهذا ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) من إثبات الولد له والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانس شيئا ولا يشابه شيئا < < يونس : ( 69 ) قل إن الذين . . . . . > > < > ( يونس 69 : 70 ) < > قوله تعالى : ( قل إن الذين يفترون ) أي يختلقون ( على الله الكذب لا يفلحون ) أي لا يفوزون ولا يأمنون وتم الكلام ( متاع في الدنيا ) أي ذلك متاع أوهو متاع في الدنيا قاله الكسائي وقال الأخفش : لهم متاع في الدنيا قال أبو إسحاق : ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا ( ثم إلينا مرجعهم ) أي رجوعهم ( ثم نذيقهم العذاب الشديد ) أي الغليظ ( بما كانوا يكفرون ) أي بكفرهم < < يونس : ( 71 ) واتل عليهم نبأ . . . . . > > < > ( يونس 71 ) <

Section V08/P361–V08/P363

> قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ نوح ) أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم وحذفت الواو من اتل لأنه أمر أي اقرأ عليهم خبر نوح ( إذا قال لقومه ) إذا في موضع نصب ( يا قوم إن كان كبر عليكم ) أي عظم وثقل عليكم ( مقامي ) المقام ( بفتح الميم ) : الموضع الذي يقوم فيه والمقام ( بالضم ) الإقامة ولم يقرأ به فيما علمت أي إن طال عليكم لبثي فيكم ( وتذكيري ) إياكم وتخويفي لكم ( بآيات الله ) وعزمتم على قتلي وطردي ( فعلى الله توكلت ) أي اعتمدت وهذا هو جواب الشرط ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني قوله تعالى : ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) قراءة العامة فأجمعوا بقطع الألف شركاءكم بالنصب وقرأ عاصم الجحدري فأجمعوا بوصل الألف وفتح الميم من جمع يجمع شركاءكم بالنصب وقرأ الحسن وبن أبي إسحاق ويعقوب فأجمعوا بقطع الألف شركاؤكم بالرفع فأما القراءة الأولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه وقال الفراء : أجمع الشيء أعده وقال المؤرج : أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه وأنشد : يا ليت شعري والمني لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع قال النحاس : وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه قال الكسائي والفراء : هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل وقال محمد بن يزيد : هو معطوف على المعنى كما قال : يا ليت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا والرمح لا يتقلد إلا أنه محمول كالسيف وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى مع شركائكم على تناصركم كما يقال : التقى الماء والخشبة والقراءة الثانية من الجمع اعتبارا بقوله تعالى : فجمع كيده ثم أتى طه قال أبو معاذ : ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد وشركاءكم على هذه القراءة عطف على أمركم أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم وإن شئت بمعنى مع قال أبو جعفر النحاس : وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا وحسن ذلك لأن الكلام قد طال قال النحاس وغيره : وهذه القراءة تبعد لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو ولم ير في المصاحف واو في قوله وشركاءكم وأيضا فإن شركاءهم الأصنام والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع قال المهدوي : ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخير محذوف أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها قوله تعالى : ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) اسم يكن وخبرها وغمة وغم سواء ومعناه التغطية من قولهم : غم الهلال إذا استتر أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم لا كمن يخفي أمره فلا يقدر على ما يريد قال طرفة : لعمرك ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد الزجاج : غمة ذا غم والغم والغمة كالكرب والكربة وقيل : إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه وفي الصحاح : والغمة الكربة قال العجاج : بل لو شهدت الناس إذ تكتمون بغمة لو لم تفرج غموا يقال : أمر غمة أي مبهم ملتبس قال تعالى : ثم لا يكن أمركم عليكم غمة قال أبو عبيدة : مجازها ظلمة وضيق والغمة أيضا : قعر النحي وغيره قال غيره : وأصل هذا كله مشتق من الغمامة قوله تعالى : ( ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) ألف اقضوا ألف وصل من قضى يقضي قال الأخفش والكسائي : وهو مثل وقضينا إليه ذلك الأمر الحجر أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه وروي عن بن عباس ثم اقضوا إلي ولا تنظرون قال : امضوا إلى ولا تؤخرون قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة ومنه قضى الميت أي مضى وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه وهذا من دلائل النبوات وحكى الفراء عن بعض القراء ثم أفضوا إلي بالفاء وقطع الألف أي توجهوا يقال : أفضت الخلافة إلى فلان وأفضى إلي الوجع وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا ومن كيدهم غير خائف علما منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه < <

Section V08/P363–V08/P365

يونس : ( 72 ) فإن توليتم فما . . . . . > > < > ( يونس 72 ) < > قوله تعالى : ( فإن توليتم فما سألتكم من أجر ) أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجرا فيثقل عليكم مكافأتي ( إن أجري إلا على الله ) في تبليغ رسالته ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي الموحدين لله تعالى فتح أهل المدينة وأبو عمرو وبن عامر وحفص ياء أجرى حيث وقع وأسكن الباقون < < يونس : ( 73 ) فكذبوه فنجيناه ومن . . . . . > > < > ( يونس 73 ) < > قوله تعالى : ( فكذبوه ) يعني نوحا ( فنجيناه ومن معه ) أي من المؤمنين ( في الفلك ) أي السفينة وسيأتي ذكرها ( وجعلناهم خلائف ) أي سكان الأرض وخلفا ممن غرق ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا < < يونس : ( 74 ) ثم بعثنا من . . . . . > > < > ( يونس 74 ) < > قوله تعالى : ( ثم بعثنا من بعده ) أي من بعد نوح ( رسلا إلى قومهم ) كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم ( فجاءوهم بالبينات ) أي بالمعجزات ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) التقدير : بما كذب به قوم نوح من قبل وقيل : بما كذبوا به من قبل أي من قبل يوم الذر فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال الجميع : بلى قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم مثل : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( كذلك نطبع ) أي نختم ( على قلوب المعتدين ) أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا وهذا يرد على القدرية قولهم كما تقدم < < يونس : ( 75 ) ثم بعثنا من . . . . . > > < > ( يونس 75 ) < > قوله تعالى : ( ثم بعثنا من بعدهم ) أي من بعد الرسل والأمم ( موسى وهارون إلى فرعون وملئه ) أي أشراف قومه ( بآياتنا ) يريد الآيات التسع وقد تقدم ذكرها ( فاستكبروا ) أي عن الحق ( وكانوا قوما مجرمين ) أي مشركين < < يونس : ( 76 ) فلما جاءهم الحق . . . . . > > < > ( يونس 76 : 77 ) < > قوله تعالى : ( فلما جاءهم الحق من عندنا ) يريد فرعون وقومه ( قالوا إن هذا لسحر مبين ) حملوا المعجزات على السحر قال لهم موسى : ( أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ) قيل : في الكلام حذف المعنى : أتقولون للحق هذا سحر ف أتقولون إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر ثم استأنف إنكارا آخر من قبله فقال : أسحر هذا فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم منكرا على فرعون وملئه وقال الأخفش : هو من قولهم ودخلت الألف حكاية لقولهم لأنهم قالوا أسحر هذا فقيل لهم : أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا وروي عن الحسن ( ولا يفلح الساحرون ) أي لا يفلح من أتى به < < يونس : ( 78 ) قالوا أجئتنا لتلفتنا . . . . . > > < > ( يونس 78 ) <

Section V08/P365–V08/P368

> قوله تعالى : ( قالوا أجئتنا لتلفتنا ) أي تصرفنا وتلوينا يقال : لفته يلفته لفتا إذا لواه وصرفه قال الشاعر : تلفت نحو الحي حتى رأيتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا ومن هذا التفت إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه ( عما وجدنا عليه آباءنا ) يريد من عبادة الأصنام ( وتكون لكما الكبرياء ) أي العظمة والملك والسلطان ( في الأرض ) يريد أرض مصر ويقال للملك : الكبرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا ( وما نحن لكما بمؤمنين ) وقرأ بن مسعود والحسن وغيرهما ويكون بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما وحكى سيبويه : حضر القاضي اليوم امرأتان < < يونس : ( 79 ) وقال فرعون ائتوني . . . . . > > < > ( يونس 79 ) < > إنما قاله لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر وقرأ حمزة والكسائي وبن وثاب والأعمش سحار وقد تقدم في الأعراف القول فيهما < < يونس : ( 80 ) فلما جاء السحرة . . . . . > > < > ( يونس 80 ) < > أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم وقد تقدم في الأعراف القول في هذا مستوفي < < يونس : ( 81 ) فلما ألقوا قال . . . . . > > < > ( يونس 81 ) < > قوله تعالى : ( فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر ) تكون ما في موضع رفع بالابتداء والخبر جئتم به والتقدير : أي شيء جئتم به على التوبيخ والتصغير لما جاؤوا به من السحر وقراءة أبي عمرو آلسحر على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف التقدير : السحر جئتم به ولا تكون ما على قراءة من استفهم بمعنى الذي إذ لا خبر لها وقرأ الباقون السحر على الخبر ودليل هذه القراءة قراءة بن مسعود : ما جئتم به سحر وقراءة أبي : ما أتيتم به سحر ف ما بمعنى الذي وجئتم به الصلة وموضع ما رفع بالابتداء والسحر خبر الابتداء ولا تكون ما إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لأن الصلة لا تعمل في الموصول وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم وتكون ما للشرط وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة التقدير : فإن الله سيبطله ويجوز أن ينصب السحر على المصدر أي ما جئتم به سحرا ثم دخلت الألف واللام زائدتين فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء واختار هذا القول النحاس وقال : حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر كما قال : من يفعل الحسنات الله يشكرها بل ربما قال بعضهم : إنه لا يجوز ألبتة وسمعت علي بن سليمان يقول : حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول : غير النحويون هذا البيت وإنما الرواية : من يفعل الخير فالرحمن يشكره وسمعت علي بن سليمان يقول : حذف الفاء في المجازاة جائز قال : والدليل على ذلك وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم قراءتان مشهورتان معروفتان ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) يعني السحر قال بن عباس : من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين لم يضره كيد ساحر ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر < < يونس : ( 82 ) ويحق الله الحق . . . . . > > < > ( يونس 82 ) < > قوله تعالى : ( ويحق الله الحق ) أي يبينه ويوضحه ( بكلماته ) أي بكلامه وحججه وبراهينه وقيل : بعداته بالنصر ( ولو كره المجرمون ) من آل فرعون < <

Section V08/P368–V08/P370

يونس : ( 83 ) فما آمن لموسى . . . . . > > < > ( يونس 83 ) < > قوله تعالى : ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) الهاء عائدة على موسى قال مجاهد : أي لم يؤمن منهم أحد وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا وهذا اختيار الطبري والذرية أعقاب الإنسان وقد تكثر وقيل : أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل قال بن عباس : كانوا ستمائة ألف وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف وقال بن عباس أيضا : من قومه يعني من قوم فرعون منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه وقيل : هم أقوام آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم قال الفراء : وعلى هذا فالكناية في قومه ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات وإلى فرعون إذا كانوا من القبط قوله تعالى : ( على خوف من فرعون ) لأنه كان مسلطا عليهم عاتيا ( وملئهم ) ولم يقل وملئه وعنه ستة أجوبة : أحدها أن فرعون لما كان جبارا أخبر عنه بفعل الجميع الثاني أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيره فعاد الضمير عليه وعليهم وهذا أحد قولي الفراء الثالث أن تكون الجماعة سميت بفرعون مثل ثمود الرابع أن يكون التقدير : على خوف من آل فرعون فيكون من باب حذف المضاف مثل : واسأل القرية يوسف وهو القول الثاني للفراء وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ لا يجوز عندهما قامت هند وأنت تريد غلامها الخامس مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذرية أي ملأ الذرية وهو اختيار الطبري السادس أن يكون الضمير يعود على قومه قال النحاس : وهذا الجواب كأنه أبلغها ( أن يفتنهم ) وحد يفتنهم على الإخبار عن فرعون أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال ويجوز أن يكون في موضع نصب ب خوف ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة ( وإن فرعون لعال في الأرض ) أي عات متكبر ( وإنه لمن المسرفين ) أي المجاوزين الحد في الكفر لأنه كان عبدا فادعى الربوبية < < يونس : ( 84 ) وقال موسى يا . . . . . > > < > ( يونس 84 : 85 ) < > قوله تعالى : ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ) أي صدقتم ( بالله فعليه توكلوا ) أي اعتمدوا ( إن كنتم مسلمين ) كرر الشرط تأكيدا وبين أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله ( فقالوا على الله توكلنا ) أي أسلمنا أمورنا إليه ورضينا بقضائه وقدره وانتهينا إلى أمره ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) أي لا تنصرهم علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم وقال مجاهد : المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا ولا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا وقال أبو مجلز وأبو الضحا : يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانا < < يونس : ( 86 ) ونجنا برحمتك من . . . . . > > < > ( يونس 86 ) < > قوله تعالى : ( ونجنا برحمتك ) أي خلصنا ( من القوم الكافرين ) أي من فرعون وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة < < يونس : ( 87 ) وأوحينا إلى موسى . . . . . > > < > ( يونس 87 ) <

Section V08/P370–V08/P372

> قوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءأ لقومكما بمصر بيوتا ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ) أي اتخذا ( لقومكما بمصر بيوتا ) يقال : بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا والمبوأ المنزل الملزوم ومنه بوأه الله منزلا أي ألزمه إياه وأسكنه ومنه الحديث : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( قال الراجز : نحن بنو عدنان ليس شك تبوأ المجد بنا والملك ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية في قول مجاهد وقال الضحاك : إنه البلد المسمى مصر ومصر ما بين البحر إلى أسوان والإسكندرية من أرض مصر الثانية قوله تعالى : ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال أكثر المفسرين : كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذوا لبني إسرائيل بيوتا بمصر أي مساجد ولم يرد المنازل المسكونة هذا قول إبراهيم وبن زيد والربيع وأبي مالك وبن عباس وغيرهم وروي عن بن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى : واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا والقول الأول أصح أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة قيل : بيت المقدس وهي قبلة اليهود إلى اليوم قال بن بحر وقيل الكعبة عن بن عباس قال : وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة وقيل : المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت والإقدام على الصلاة والدعاء إلى أن ينجز الله وعده وهو المراد بقوله : قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا الآية وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم قال بن العربي : والأول أظهر القولين لأن الثاني دعوى قلت : قوله : دعوى صحيح فإن في الصحيح قوله عليه السلام : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( وهذا مما خص به دون الأنبياء فنحن بحمد الله نصلي في المساجد والبيوت وحيث أدركتنا الصلاة إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها وقبل الصلوات المفروضات وبعدها إذ النوافل يحصل فيها الرياء والفرائض لا يحصل فيها ذلك وكلما خلص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى روى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه قالت : ( كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ( الحديث وعن بن عمر قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وروى أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال : ( هذه صلاة البيوت ( الثالثة واختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي وذهب بن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل وقال الليث : لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يخرجوا إليه والحجة لمالك ومن قال بقوله قوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت : ( فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ( خرجه البخاري احتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها في الجماعة في المسجد ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم : ( فعليكم بالصلاة في بيوتكم ( ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعا متفرقين إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد فاستقر الأمر على ذلك وثبت سنة الرابعة وإذا تنزلنا على أنه كان أن أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس أو خوف زيادته أو خوف جور السلطان في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه وقد فعل ذلك بن عمر الخامسة قوله تعالى : ( وبشر المؤمنين ) قيل : الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل لموسى عليه السلام وهو أظهر أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم < <

Section V08/P372–V08/P374

يونس : ( 88 ) وقال موسى ربنا . . . . . > > < > ( يونس 88 ) < > قوله تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ) آتيت أي أعطيت ( زينة وأموالا في الحياة الدنيا ) أي مال الدنيا وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت قوله تعالى : ( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) اختلف في هذه اللام وأصح ما قيل فيها وهو قول الخليل وسيبويه أنها لام العاقبة والصيرورة وفي الخبر ( إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب ( أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا وقيل : هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا وقيل : هي لام أجل أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم وزعم قوم أن المعنى : أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا فحذفت لا كما قال عز وجل : يبين الله لكم أن تضلوا والمعنى : لأن لا تضلوا قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع ان فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل : أن تضلوا وقيل : اللام للدعاء أي ابتلهم بالضلال عن سبيلك لأن بعده : اطمس على أموالهم واشدد وقيل : الفعل معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل : لتعرضوا عنهم قرأ الكوفيون : ليضلوا بضم الياء من الإضلال وفتحها الباقون قوله تعالى : ( ربنا اطمس على أموالهم ) أي عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم قال الزجاج : طمس الشيء إذهابه عن صورته قال بن عباس ومحمد بن كعب : صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد وقال قتادة : بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة وقال مجاهد وعطية : أهلكها حتى لا ترى يقال : عين مطموسة وطمس الموضع إذا عفا ودرس وقال بن زيد : صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة محمد بن كعب : وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين قال : وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة وقال السدي : وكانت إحدى الآيات التسع ( واشدد على قلوبهم ) قال بن عباس : أي امنعهم الإيمان وقيل : قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان والمعنى واحد ( فلا يؤمنوا ) قيل : هو عطف على قوله : ليضلوا أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا قاله الزجاج والمبرد وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء وقوله : ربنا اطمس واشدد كلام معترض وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : هو دعاء فهو في موضع جزم عندهم أي اللهم فلا يؤمنوا أي فلا آمنوا ومنه قول الأعشى : فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوي ولا تلقني إلا وأنفك راغم أي لا انبسط ومن قال ليضلوا دعاء أي ابتلهم بالضلال قال : عطف عليه فلا يؤمنوا وقيل : هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا وهذا قول الأخفش والفراء أيضا وأنشد الفراء : يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب ( حتى يروا العذاب الأليم ) قال بن عباس : هو الغرق وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال : كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن دليله قوله لنوح عليه السلام : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وعند ذلك قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآية نوح والله أعلم < <

Section V08/P374–V08/P376

يونس : ( 89 ) قال قد أجيبت . . . . . > > < > ( يونس 89 ) < > قوله تعالى : ( قال قد أجيبت دعوتكما ) قال أبو العالية : دعا موسى وأمن هارون فسمى هارون وقد أمن على الدعاء داعيا والتأمين على الدعاء أن يقول آمين فقولك آمين دعاء أي يا رب استجب لي وقيل : دعا هارون مع موسى أيضا وقال أهل المعاني : ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين قال الشاعر : فقلت لصاحبي لا تعجلا بنزع أصوله فاجتز شيحا وهذا على أن آمين ليس بدعاء وأن هارون لم يدع قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول : الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام ربنا ولم يقل رب وقرأ علي والسلمي دعواتكما بالجميع وقرأ بن السميقع أجبت دعوتكما خبرا عن الله تعالى ونصب دعوة بعده وتقدم القول في آمين في آخر الفاتحة مستوفي وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط احدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ( ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وقد تقدم في الفاتحة قوله تعالى : ( فاستقيما ) قال الفراء وغيره : امر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة قال محمد بن علي وبن جريج : مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا وقيل : استقيما أي على الدعاء والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب ( ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) بتشديد النون في موضع جزم على النهي والنون للتوكيد وحركت لإلتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين وقرأ بن ذكوان بتخفيف النون على النفي وقيل هو حال من استقيما أي استقيما غير متبعين والمعنى : لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي < < يونس : ( 90 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . > > < > ( يونس 90 ) <

Section V08/P376–V08/P378

> قوله تعالى : ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) تقدم القول فيه في البقرة في قوله وإذ فرقنا بكم البحر وقرأ الحسن وجوزنا وهما لغتان ( فاتبعهم فرعون وجنوده ) يقال : تبع وأتبع بمعنى واحد إذا لحقه وأدركه واتبع ( بالتشديد ) إذا سار خلفه وقال الأصمعي : أتبعه ( بقطع الألف ) إذا لحقه وأدركه واتبعه ( بوصل الألف ) إذا اتبع أثره أدركه أو لم يدركه وكذلك قال أبو زيد وقرأ قتادة فاتبعهم بوصل الألف وقيل : اتبعه ( بوصل الألف ) في الأمر اقتدى به وأتبعه ( بقطع الألف ) خيرا أو شرا هذا قول أبي عمرو وقد قيل هما بمعنى واحد فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف وقد تقدم ( بغيا ) نصب على الحال ( وعدوا ) معطوف عليه أي في حال بغي واعتداء وظلم يقال : عدا يعدو وعدوا مثل غزا يغزو غزوا وقرأ الحسن وعدوا بضم العين والدال وتشديد الواو مثل علا يعلو علوا وقال المفسرون : بغيا طلبا للاستعلاء بغير حق في القول وعدوا في الفعل فهما نصب على المفعول له ( حتى إذا أدركه الغرق ) أي ناله ووصله ( قال آمنت ) أي صدقت ( أنه ) أي بأنه ( لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) فلما حذف الخافض تعدى الفعل فنصب وقرئ بالكسر أي صرت مؤمنا ثم استأنف وزعم أبو حاتم أن القول محذوف أي آمنت فقلت إنه والإيمان لا ينفع حينئذ والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل حسب ما تقدم في النساء بيانه ويقال : إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس وديق أي شهي في صورة هامان وقال له : تقدم ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد فلما صار آخرهم في البحر وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر وألجم فرعون الغرق فقال : آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل فدس جبريل في فمه حال البحر وروى الترمذي عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن حال البحر : الطين الأسود الذي يكون في أرضه قال أهل اللغة وعن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر : ( أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه ( قال : هذا حديث حسن غريب صحيح وقال عون بن عبد الله : بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون فإنه لما أدركه الغرق قال : آمنت الآية فخشيت أن يقولها فيرحم فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه وقيل : إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي وقال كعب الأحبار : أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه فقالت له القبط : إن كنت ربنا فأجر لنا الماء فركب وأمر بجنوده قائدا قائدا وجعلوا يقفون عل درجاتهم وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مستفت وقال : ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند له غيره فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه فكتب فرعون : يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في البحر فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه وقد مضى هذا في البقرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص وبن عباس مسندا وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في البقرة أيضا فلا معنى للإعادة قوله تعالى : ( وأنا من المسلمين ) أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة < <

Section V08/P378–V08/P380

يونس : ( 91 ) آلآن وقد عصيت . . . . . > > < > ( يونس 91 ) < > قيل : هو من قول الله تعالى وقيل : هو من قول جبريل وقيل : ميكائيل صلوات الله عليهما أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم وقيل : هو من قول فرعون في نفسه ولم يكن ثم قول اللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال : حيث لم تنفعه الندامة ونظيره إنما نطعمكم لوجه الله الإنسان أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم والكلام الحقيقي كلام القلب < < يونس : ( 92 ) فاليوم ننجيك ببدنك . . . . . > > < > ( يونس 92 ) < > قوله تعالى : ( فاليوم ننجيك ببدنك ) أي نلقيك على نجوة من الأرض وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك فألقاه الله على نجوة من الأرض أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه قال أوس بن حجر يصف مطرا : فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكن كمن يمشي بقرواح وقرأ اليزيدي وبن السميقع ننحيك بالحاء من التنحية وحكاها علقمة عن بن مسعود أي تكون على ناحية من البحر 9 قال بن جريج : فرمى به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل وكان قصيرا أحمر كأنه ثور وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ بندائك من النداء قال أبو بكر الأنباري : وليس بمخالف لهجاء مصحفنا إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسموات فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا إذ ليس فيها للدرع ذكره الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون وسألوا الله تعالى أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب قال بن عباس ومحمد بن كعب القرظي : وكانت درعه من لؤلؤ منظوم وقيل : من الذهب وكان يعرف بها وقيل : من حديد قاله أبو صخر : والبدن الدرع القصيرة وأنشد أبو عبيدة للأعشى : وبيضاء كالنهى موضونة لها قونس فوق جيب البدن وأنشد أيضا لعمرو بن معد يكرب : ومضى نساؤهم بكل مفاضة جدلاء سابغة وبالأبدان وقال كعب بن مالك : ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا أراد بالأبدان الدروع واليلب الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض وهو اسم جنس الواحد يلبة قال عمرو بن كلثوم : علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنينا وقيل : ببدنك بجسد لا روح فيه قاله مجاهد : قال الأخفش : وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء قال أبو بكر : لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روح فيه فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم يا موسى هذا فرعون وقد غرق فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان فعلى هذا ننجيك ببدنك احتمل معنيين : أحدهما نلقيك على نجوة من الأرض والثاني نظهر جسدك الذي لا روح فيه والقراءة الشاذة بندائك يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة لأن النداء يفسر تفسيرين أحدهما نلقيك بصياحك بكلمة التوبة وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها : ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين على موضع رفيع والآخر فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت أنا ربكم الأعلى فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت وادعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له قال أبو بكر الأنباري : فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها قوله تعالى : ( لتكون لمن خلفك آية ) أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر ( وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها وقرئ لمن خلفك ( بفتح اللام ) أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك وقرأ علي بن أبي طالب لمن خلقك بالقاف أي تكون آية لخالقك < <

Section V08/P380–V08/P382

يونس : ( 93 ) ولقد بوأنا بني . . . . . > > < > ( يونس 93 ) < > قوله تعالى : ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) أي منزل صدق محمود مختار يعني مصر وقيل : الأردن وفلسطين وقال الضحاك : هي مصر والشام ( ورزقناهم من الطيبات ) أي من الثمار وغيرها وقال بن عباس : يعني قريظة والنضير وأهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وينتظرون خروجه ثم لما خرج حسدوه ولهذا قال : ( فما اختلفوا ) أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ( حتى جاءهم العلم ) أي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم والعلم بمعنى المعلوم لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه قال بن جرير الطبري ( إن ربك يقضي بينهم ) أي يحكم بينهم ويفصل ( يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) في الدنيا فيثيب الطائع ويعاقب العاصي < < يونس : ( 94 ) فإن كنت في . . . . . > > < > ( يونس 94 : 95 ) < > قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره أي لست في شك ولكن غيرك في شك قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد : سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان : معنى فإن كنت في شك أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ( فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ) أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود يعني عبد الله بن سلام وأمثاله لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم هل يبعث الله برسول من بعد موسى وقال القتبي : هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم بل كان في شك وقيل : المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره والمعنى : لو كنت يلحقك الشك فيه فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك وقيل : الشك ضيق الصدر أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم والشك في اللغة أصله الضيق يقال : شك الثوب أي ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق وقال الحسين بن الفضل : الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية : ( والله لا أشك ثم استأنف الكلام فقال لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ( أي الشاكين المرتابين ( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ) والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره < < يونس : ( 96 ) إن الذين حقت . . . . . > > < > ( يونس 96 : 97 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) تقدم القول فيه في هذه السورة قال قتادة : أي الذين حق عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون ( ولو جاءتهم كل آية ) أنث كلا على المعنى أي ولو جاءتهم الآيات ( حتى يروا العذاب الأليم ) فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم < < يونس : ( 98 ) فلولا كانت قرية . . . . . > > < > ( يونس 98 ) <

Questions