Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( اتل ) أمر من التلاوة والدءوب عليها وقد مضى في طه الوعيد فيمن أعرض عنها وفي مقدمة الكتاب الأمر بالحض عليها والكتاب يراد به القرآن الثانية قوله تعالى : ( وأقم الصلاة ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها وقد تقدم بيان ذلك في البقرة فلا معنى للإعادة الثالثة قوله تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) يريد إن الصلاة الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب كما قال عليه السلام : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ( قالوا : لا يبقى من درنه شيء قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ( خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال فيه حديث حسن صحيح وقال بن عمر : الصلاة هنا القرآن والمعنى : الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر وعن الزنى والمعاصي قلت : ومنه الحديث الصحيح : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ( يريد قراءة الفاتحة وقال حماد بن أبي سليمان وبن جريج والكلبي : العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها قال بن عطية : وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال : كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ركبه فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الصلاة ستنهاه ( فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألم أقل لكم ( وفي الآية تأويل ثالث وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون فقيل المراد ب أقم الصلاة إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة والصلاة تشغل كل بدن المصلى فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه واقف بين يديه وأنه مطلع عليه ويراه صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى وظهرت على جوارحه هيبتها ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة فهذا معنى هذه الأخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون قلت : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم وهذا مما لا خلاف فيه وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل كصلاتنا وليتها تجزي فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن بن مسعود وبن عباس والحسن والأعمش قولهم : ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا ( وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند قال بن عطية سمعت أبي رضي الله عنه يقول : فإذا قررنا ونظر معناه فغير جائز أن يقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله بل تتركه على حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر والبعد فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله وقيل لابن مسعود : إن فلانا كثير الصلاة فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها قلت : وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث : ( لم تزده من الله إلا بعدا ولم يزدد بها من الله إلا مقتا ( إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته لغلبة المعاصي على صاحبها وقيل : هو خبر بمعنى الأمر أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر والصلاة بنفسها لا تنهى ولكنها سبب الانتهاء وهو كقوله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق وقوله : أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون الرابعة قوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) أي ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم قال معناه بن مسعود وبن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن وهو اختيار الطبري وروي مرفوعا من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل : ولذكر الله أكبر قال : ( ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه ( وقيل : ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء وقيل : المعنى إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر وقال الضحاك : ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجل الذكر وقيل : المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير وأكبر يكون بمعنى كبير وقال بن زيد وقتادة : ولذكر الله أكبر من كل شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر وقيل : ذكر الله يمنع من المعصية فإن من كان ذاكرا له لا يخالفه قال بن عطية : وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقب له وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى كما في الحديث ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ( والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة لذكر العبد ربه قال الله عز وجل : فاذكروني أذكركم وباقي الآية ضرب من الوعيد والحث على المراقبة < <
العنكبوت : ( 46 ) ولا تجادلوا أهل . . . . . > > < > ( العنكبوت 46 : 47 ) < > فيه مسألتان : الأولى اختلف العلماء في قوله تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب ) فقال مجاهد : هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة وقوله على هذا : إلا الذين ظلموا منهم معناه ظلموكم وإلا فكلهم ظلم 4 ة على الإطلاق وقيل : المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومن آمن معه ( إلا بالتي هي أحسن ) أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك وقوله على هذا التأويل : ( إلا الذين ظلموا ) يريد به من بقي على كفره منهم كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم والآية على هذا أيضا محكمة وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال قوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قاله قتادة إلا الذين ظلموا أي جعلوا لله ولدا وقالوا : يد الله مغلولة وإن الله فقير فهؤلاء المشركون الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا الجزية فانتصروا منهم قال النحاس وغيره : من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك وقول مجاهد حسن لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول واختار هذا القول بن العربي قال مجاهد وسعيد بن جبير : وقوله : إلا الذين ظلموا منهم معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية الثانية قوله تعالى : ( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ) روى البخاري عن أبي هريرة : قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل ( وفي البخاري : عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب < < العنكبوت : ( 48 ) وما كنت تتلو . . . . . > > < > ( العنكبوت 48 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ) الضمير في ( قبله ) عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله ولا تختلف إلى أهل الكتاب بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك فلو كنت ممن يقرأ كتابا ويخط حروفا ( لارتاب المبطلون ) أي من أهل الكتاب وكان لهم في ارتيابهم متعلق وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به قال مجاهد : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية قال النحاس : دليلا على نبوته لقريش لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك الثانية ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال : ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وأسند أيضا حديث أبي كبشة السلولي مضمنه : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها قال بن عطية : وهذا كله ضعيف وقول الباجي رحمه الله منه قلت : وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي : ( اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ( فقال له المشركون : لو نعلم أنك رسول الله تابعناك وفي رواية بايعناك ولكن أكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن يمحوها فقال علي : والله لا أمحاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرني مكانها ( فأراه فمحاها وكتب بن عبد الله قال علماؤنا رضي الله عنهم : وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب مكانها بن عبد الله وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب وزاد في طريق أخرى : ولا يحسن أن يكتب فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده منهم السمناني وأبو ذر والباجي ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا ولا معارض بقوله : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ولا بقوله : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ( بل رأوه زيادة في معجزاته واستظهارا على صدقه وصحة رسالته وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابه ولا تعاط لأسبابها وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها بن عبد الله لمن قرأها فكان ذلك خارقا للعادة كما أنه عليه السلام علم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا إكتساب فكان ذلك أبلغ في معجزاته وأعظم في فضائله ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة : ولا يحسن أن يكتب فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كتب قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم وشددوا النكير فيه ونسبوا قائله إلى الكفر وذلك دليل على عدم العلوم النظرية وعدم التوقف في تكفير المسلمين ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة على أن المسألة ليست قطعية بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة غير أن العقل لا يحيلها وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها قلت : وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة فيقال له : كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب وبكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحدون وانحسمت الشبهة فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا وإنما معنى كتب وأخذ القلم أي أمر من يكتب به من كتابه وكان من كتبه الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتبا الثالثة ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم ( قال القاضي : وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة والكتابة قلت : هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى فإن قيل : فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال : ( مكتوب بين عينيه ك ا ف ر ( وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا قال الله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب الآية وقال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ( فكيف هذا فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا ففي حديث حذيفة ( يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ( فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا وهذا من أوضح ما يكون جليا < <
العنكبوت : ( 49 ) بل هو آيات . . . . . > > < > ( العنكبوت 49 ) < > قوله تعالى : ( بل هو آيات بينات ) يعني القرآن قال الحسن : وزعم الفراء في قراءة عبد الله بل هي آيات بينات المعنى بل آيات القرآن آيات بينات قال الحسن : ومثله هذا بصائر ولو كانت هذه لجاز نظيره : هذا رحمة من ربي قال الحسن : أعطيت هذه الأمة الحفظ وكان من قبلها لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون فقال كعب في صفة هذه الأمة : إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء ( في صدور الذين أوتوا العلم ) أي ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به يحفظونه ويقرءونه ووصفهم بالعلم لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين وقال قتادة وبن عباس : بل هو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميا لا يقرأ ولا يكتب ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا وهذا اختيار الطبري ودليل هذا القول قراءة بن مسعود وبن السميقع : بل هذا آيات بينات وكان عليه السلام آيات لا آية واحدة لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين فلهذا قال : بل هو آيات بينات وقيل : بل هو ذو آيات بينات فحذف المضاف ( وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) أي الكفار لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به < < العنكبوت : ( 50 ) وقالوا لولا أنزل . . . . . > > < > ( العنكبوت 50 : 52 ) < > قوله تعالى : ( وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه ) هذا قول المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه هلا أنزل عليه آية كآيات الأنبياء قيل : كما جاء صالح بالناقة وموسى بالعصا وعيسى بإحياء الموتى أي ( قل ) لهم يا محمد : ( إنما الآيات عند الله ) فهو يأتي بها كما يريد إذا شاء أرسلها وليست عندي ( وإنما أنا نذير مبين ) وقرأ بن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي : آية بالتوحيد وجمع الباقون وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى : قل إنما الآيات عند الله قوله تعالى : ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) هذا جواب لقولهم لولا أنزل عليه آيات من ربه أي أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا : سحر ونحن لا نعرف السحر والكلام مقدور لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه كتاب فقال ( كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم ( فأنزل الله تعالى : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده وذكره أهل التفسير في كتبهم وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : ( لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي ( وفي مثله قال صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أي يستغنى به عن غيره وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية وإذا كان لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فالرغبة عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان ( إن في ذلك ) أي في القرآن ( لرحمة ) في الدنيا والآخرة وقيل : رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة ( وذكرى ) في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق ( لقوم يؤمنون ) قوله تعالى : ( قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ) أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيدا يشهد لي بالصدق فيما أدعيه من أني رسوله وأن هذا القرآن كتابه ( يعلم ما في السماوات والأرض ) أي لا يخفى عليه شيء وهذا إحتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم لأنهم قد أقروا بعلمه فلزمهم أن يقروا بشهادته ( والذين آمنوا بالباطل ) قال يحيى بن سلام : بإبليس وقيل : بعبادة الأوثان والأصنام قاله بن شجرة ( وكفروا بالله ) أي لتكذيبهم برسله وجحدهم لكتابه وقيل : بما أشركوا به من الأوثان وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد ( أولئك هم الخاسرون ) أنفسهم وأعمالهم في الآخرة < <
العنكبوت : ( 53 ) ويستعجلونك بالعذاب ولولا . . . . . > > < > ( العنكبوت 53 : 55 ) < > قوله تعالى : ( ويستعجلونك بالعذاب ) لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار : عجل لنا هذا العذاب وقيل : إن قائل ذلك النضر بن الحرث وأبو جهل حين قالا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وقولهم : ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب وقوله : ( ولولا أجل مسمى ) في نزول العذاب قال بن عباس : يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة بيانه : بل الساعة موعدهم وقال الضحاك : هو مدة أعمارهم في الدنيا وقيل : المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى قاله يحيى بن سلام وقيل : الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم قاله بن شجرة وقيل : هو القتل يوم بدر وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر دليله قوله : لكل نبإ مستقر ( لجاءهم العذاب ) يعني الذي استعجلوه ( وليأتينهم بغتة ) أي فجأة ( وهم لا يشعرون ) أي لا يعلمون بنزوله عليهم ( يستعجلونك بالعذاب ) أي يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة فما معنى الإستعجال وقيل : نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا قوله تعالى : ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ) قيل : هو متصل بما هو قبله أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم وإنما قال : ( من تحت أرجلهم ) للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم كما قال الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقال آخر : لقد كان قواد الجياد إلى العدا عليهن غاب من قنى ودروع ( ويقول ذوقوا ) قرأ أهل المدينة والكوفة : نقول بالنون الباقون بالياء واختاره أبو عبيد لقوله : قل كفى بالله ويحتمل أن يكون الملك الموكل بهم يقول : ذوقوا والقراءتان ترجع إلى معنى أي يقول الملك بإمرنا ذوقوا < < العنكبوت : ( 56 ) يا عبادي الذين . . . . . > > < > ( العنكبوت 56 : 60 ) <
> قوله تعالى : ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ) هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة في قول مقاتل والكلبي فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع صالحي عباده أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنها واسعة لإظهار التوحيد بها وقال بن جبير وعطاء : إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق وقاله مالك وقال مجاهد : إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وقال مطرف بن الشخير : المعنى إن رحمتي واسعة وعنه أيضا : إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض قال سفيان الثوري : إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم وقيل : المعنى : إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة ( فاعبدون ) حتى أورثكموها فإياي فاعبدون إياي منصوب بفعل مضمر أي فاعبدوا إياي فاعبدون فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني والفاء في قوله : فإياي بمعنى الشرط أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني في غيره لأن أرضي واسعة قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) تقدم في آل عمران وإنما ذكره ها هنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا فحقر الله شأن الدنيا أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى وذكر الجزاء الذي ينالونه ثم نعتهم بقوله : ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وبن أبي إسحاق وبن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف : يا عبادي بإسكان الياء وفتحها الباقون إن أرضي فتحها بن عامر وسكنها الباقون وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيم ( عليهما السلام ثم إلينا ترجعون وقرأ السلمي وأبو بكر عن عاصم : يرجعون بالياء لقوله : كل نفس ذائقة الموت وقرأ الباقون بالتاء لقوله : يا عبادي الذين آمنوا وأنشد بعضهم : الموت في كل حين ينشد الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همو كانوا لها سكنا سقاهم الموت كأسا غير صافة صيرهم تحت أطباق الثرى رهنا قوله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبؤنهم من الجنة غرفا ) وقرأ بن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي : لنثوينهم بالثاء مكان الباء من الثوى وهو الإقامة أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري والسلمي : ليبوئنهم بالباء مكان النون الباقون ( لنبوئنهم ) أي لننزلهم غرفا جمع غرفة وهي العلية المشرفة وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ( قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال ( بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ( وخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ) فقام إليه أعرابي فقال : لمن هي يا رسول الله قال : ( هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام ( وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب التذكرة والحمد لله قوله تعالى : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم قلت : وهذا ضعيف يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم اتفق البخاري عليه ومسلم وكانت الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين وقد روى بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون ( اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة ( قالوا : ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا فنزلت : وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم أي ليس معها رزقها مدخرا وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة وهذا أشبه من القول الأول وتقدم الكلام في كأين وأن هذه أي دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد أي كشيء كثير من العدد من دابة قال مجاهد : يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا الحسن : تأكل لوقتها ولا تدخر لغد وقيل : لا تحمل رزقها أي لا تقدر على رزقها الله يرزقها أينما توجهت وإياكم وقيل : الحمل بمعنى الحمالة وحكى النقاش : أن المراد النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدخر قلت : وليس بشيء لإطلاق لفظ الدابة وليس مستعملا في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى هذا في النمل عند قوله : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم قال بن عباس : الدواب هو كل ما دب من الحيوان فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا بن آدم والنمل والفأر وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها ( الله يرزقها وإياكم ) يسوى بين الحريص والمتوكل في رزقه وبين الراغب والقانع وبين الحيول والعاجز حتى لا يغتر الجلد أنه مرزوق بجلده ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ( وهو السميع ) لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة ( العليم ) بما في قلوبكم < <
العنكبوت : ( 61 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > < > ( العنكبوت 61 : 62 ) < > قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ) الآية لما عير المشركون المسلمين بالفقر وقالوا لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء وكان هذا تمويها وكان في الكفار فقراء أيضا أزال الله هذه الشبهة وكذا قول من قال إن هاجرنا لم نجد ما ننفق أي فإذا اعترفتم بأن الله خالق هذه الأشياء فكيف تشكون في الرزق فمن بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العبد ولهذا وصله بقوله تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ( فأنى يؤفكون ) أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي ( الله يبسط الرزق لمن يشاء ) أي لا يختلف أمر الرزق بالإيمان والكفر فالتوسيع والتقتير منه فلا تعيير بالفقر فكل شيء بقضاء وقدر ( إن الله بكل شيء عليم ) من أحوالكم وأموركم وقيل : عليم بما يصلحكم من إقتار وتوسيع < < العنكبوت : ( 63 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > < > ( العنكبوت 63 : 64 ) < > قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ) أي من السحاب مطرا ( فاحيا به الأرض من بعد موتها ) أي جدبها وقحط أهلها ( ليقولن الله ) أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة وإذا قدر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين فكرر تأكيدا ( قل الحمد لله ) أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته ( بل أكثرهم لا يعقلون ) أي لا يتدبرون هذه الحجج وقيل : الحمد لله على إقرارهم بذلك وقيل : على إنزال الماء وإحياء الأرض ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ) أي شيء يلهى به ويلعب أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات قال بعضهم : الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها وأنشد : تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت وتحدث من بعد الأمور أمور وتجري الليالي باجتماع وفرقة وتطلع فيها أنجم وتغور فمن ظن أن الدهر باق سروره فذاك محال لا يدوم سرور عفا الله عمن صير الهم واحدا وأيقن أن الدائرات تدور قلت : وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه ( وإن الدارالآخرة لهي الحيوان ) أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها وزعم أبو عبيدة : أن الحيوان والحياة والحي بكسر الحاء واحد كما قال : وقد ترى إذ الحياة حي وغيره يقول : إن الحي جمع على فعول مثل عصي والحيوان يقع على كل شيء حي وحيوان عين في الجنة وقيل : أصل حيوان حييان فأبدلت إحداهما واوا لإجتماع المثلين ( لو كانوا يعلمون ) أنها كذلك < < العنكبوت : ( 65 ) فإذا ركبوا في . . . . . > > < > ( العنكبوت 65 : 66 ) <
> قوله تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك ) يعني السفن وخافوا الغرق ( دعوا الله مخلصين له الدين ) أي صادقين في نياتهم وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) أي يدعون معه غيره وما لم ينزل به سلطانا وقيل : إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه قوله تعالى : ( ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا ) قيل : هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا وقيل : إذا هم يشركون ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا وقيل : هما لام أمر معناه التهديد والوعيد أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا ودليل هذا قراءة أبي وتمتعوا بن الأنباري : ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة : وليتمتعوا بجزم اللام النحاس : وليتمتعوا لام كي ويجوز أن تكون لام أمر لأن أصل لام الأمر الكسر إلا أنه أمر فيه معنى التهديد ومن قرأ وليتمتعوا بإسكان اللام لم يجعلها لام كي لأن لام كي لا يجوز إسكانها وهي قراءة بن كثير والمسيبي وقالون عن نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الباقون بكسر اللام وقرأ أبو العالية : ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون تهديد ووعيد < < العنكبوت : ( 67 ) أو لم يروا . . . . . > > < > ( العنكبوت 67 : 68 ) < > قوله تعالى : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ) قال عبد الرحمن بن زيد : هي مكة وهم قريش أمنهم الله تعالى فيها ( ويتخطف الناس من حولهم ) قال الضحاك : يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا والخطف الأخذ بسرعة وقد مضى في القصص وغيرها فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة أي جعلت لهم حرما آمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل وخلصتهم في البر كما خلصتهم في البحر فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر فهذا تعجب من تناقض أحوالهم ( أفبالباطل يؤمنون ) قال قتادة : أفبالشرك وقال يحيى بن سلام : أفبإبليس ( وبنعمة الله يكفرون ) قال بن عباس : أفبعافية الله وقال بن شجرة : أفبعطاء الله وإحسانه وقال بن سلام : أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى وحكى النقاش : أفبإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف يكفرون وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الإستفهام قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) أي لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا وإذا فعل فاحشة قال : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ( أو كذب بالحق لما جاءه ) قال يحيى بن سلام : بالقرآن وقال السدي : بالتوحيد وقال بن شجرة : بمحمد صلى الله عليه وسلم وكل قول يتناول القولين ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ) أي مستقر وهو استفهام تقرير < < العنكبوت : ( 69 ) والذين جاهدوا فينا . . . . . > > < > ( العنكبوت 69 ) <
> قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا ) أي جاهدوا الكفار فينا أي في طلب مرضاتنا وقال السدي وغيره : إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال قال بن عطية : فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته قال الحسن بن أبي الحسن : الآية في العباد وقال بن عباس وإبراهيم بن أدهم : هي في الذين يعملون بما يعلمون وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم ( ونزع بعض العلماء إلى قوله : واتقوا الله ويعلمكم الله وقال عمر بن عبد العزيز : إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا قال الله تعالى : واتقوا الله ويعلمكم الله وقال أبو سليمان الداراني : ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر وقال سفيان بن عيينة لإبن المبارك : إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول : لنهدينهم وقال الضحاك : معنى الآية والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان ثم قال : مثل السنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى من دخل الجنة في العقبى سلم كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم وقال عبد الله بن عباس : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال ونحوه قول عبد الله بن الزبير قال : تقول الحكمة من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين : أن يعمل بأحسن ما يعلمه ويجتنب أسوأ ما يعلمه وقال الحسن بن الفضل : فيه تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا ( لنهدينهم سبلنا ) أي طريق الجنة قاله السدي النقاش : يوفقهم لدين الحق وقال يوسف بن أسباط : المعنى لنخلصن نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم ( وإن الله لمع المحسنين ) لام تأكيد ودخلت في مع على أحد وجهين : أن يكون إسما ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء أو حرفا فتدخل عليها لأن فيها معنى الإستقرار كما تقول إن زيدا لفي الدار ومع إذا سكنت فهي حرف لا غير وإذا فتحت جاز أن تكون إسما وأن تكون حرفا والأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى وتقدم معنى الإحسان والمحسنين في البقرة وغيرها وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة والحفظ والهداية ومع الجميع بالإحاطة والقدرة فبين المعيتين بون < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الروم < > أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك كما تقول زيد ذلك الرجل وقال بن كيسان النحوي الم في موضع نصب كما تقول اقرأ الم أو عليك الم وقيل في موضع خفض بالقسم لقول بن عباس إنها أقسام أقسم الله بها 1 : 5 ) <
> قوله تعالى : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض ) روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت : الم غلبت الروم في أدنى الأرض إلى قوله يفرح المؤمنون بنصر الله قال : ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس قال : هذا حديث غريب من هذا الوجه هكذا قرأ نصر بن علي الجهضمي غلبت الروم ورواه أيضا من حديث بن عباس بأتم منه قال بن عباس في قول الله عز وجل : الم غلبت الروم في أدنى الأرض قال : غلبت وغلبت قال : كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أما إنهم سيغلبون ( فذكره أبو بكر لهم فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ألا جعلته إلى دون ( أراه قال العشر قال قال أبو سعيد : والبضع ما دون العشرة قال : ثم ظهرت الروم بعد قال : فذلك قوله الم غلبت الروم إلى قوله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله قال سفيان : سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال : لما نزلت الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذلك نزل قول الله تعالى : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة : الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين قال ناس من قريش لأبي بكر : فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك قال : بلى وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر : كم تجعل البضع ثلاث سنين أو تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين قال : فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين قال : لأن الله تعالى قال في بضع سنين قال : وأسلم عند ذلك ناس كثير قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب وروى القشيري وبن عطية وغيرهما : أنه لما نزلت الآيات خرج أبو بكر بها إلى المشركين فقال : أسركم أن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون في بضع سنين فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب : يا أبا فصيل يعرضون بكنيته يا أبا بكر \ فلنتناحب أي نتراهن في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة : وذلك قبل أن يحرم القمار وجعلوا الرهان خمس قلائص والأجل ثلاث سنين وقيل : جعلوا الرهان ثلاث قلائص ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث والتسع والعشر ولكن ارجع فزدهم في الرهان واستزدهم في الأجل ( ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام فغلبت الروم في أثناء الأجل وقال الشعبي : فظهروا في تسع سنين القشيري : المشهور في الروايات أن ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم ولعل رواية الشعبي تصحيف من السبع إلى التسع من بعض النقلة وفي بعض الروايات : أنه جعل القلائص سبعا إلى تسع سنين ويقال : إنه آخر فتوح كسرى أبرويز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين وحكى النقاش وغيره : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعلق به أبي بن خلف وقال له : أعطني كفيلا بالخطر إن غلبت فكفل به ابنه عبد الرحمن فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلا ثم مات أبي بمكة من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس تسع سنين من مناحبتهم وقال الشعبي : لم تمض تلك المدة حتى غلبت الروم فارس وربطوا خيلهم بالمدائن وبنوا رومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( تصدق به ( فتصدق به وقال المفسرون : إن سبب غلبة فارس امرأة كانت في فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال فقال لها كسرى : أريد أن أستعمل أحد بنيك على جيش أجهزه إلى الروم فقالت : هذا هرمز أروغ من ثعلب وأحذر من صقر وهذا فرخان أحد من سنان وأنفذ من نبل وهذا شهر بزان أحلم من كذا فاختر قال فاختار الحليم وولاه فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر على الروم قال عكرمه وغيره : إن شهر بزان لما غلب الروم خرب ديارها حتى بلغ الخليج فقال أخوه فرخان : لقد رأيتني جالسا على سرير كسرى فكتب كسرى إلى شهر بزان أرسل إلي برأس فرخان فلم يفعل فكتب كسرى إلى فارس : إني قد استعملت عليكم فرخان وعزلت شهر بزان وكتب إلى فرخان إذا ولى أن يقتل شهر بزان فأراد فرخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف من كسرى يأمره بقتل فرخان فقال شهر بزان لفرخان : إن كسرى كتب إلي أن أقتلك ثلاث صحائف وراجعته أبدا في أمرك أفتقتلني أنت بكتاب واحد فرد الملك إلى أخيه وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى فغلبت الروم فارس ومات كسرى وجاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح من معه من المسلمين فذلك قوله تعالى : الم غلبت الروم في أدنى الأرض يعني أرض الشام عكرمة : بأذرعات وهي ما بين بلاد العرب والشام وقيل : إن قيصر كان بعث رجلا يدعى يحنس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصري وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم مجاهد : بالجزيرة وهو موضع بين العراق والشام مقاتل : بالأردن وفلسطين وأدنى معناه أقرب قال بن عطية : فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله : تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم فلما طرأ ذلك وغلبت الروم سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب وقد مضى الكلام في فواتح السور وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة غلبت الروم بفتح الغين واللام وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر بذلك المسلمون فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضا في بضع سنين ذكر هذا التأويل أبو حاتم قال أبو جعفر النحاس قراءة أكثر الناس غلبت الروم بضم العين وكسر اللام وروي عن بن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرآ غلبت الروم وقرأ سيغلبون وحكى أبو حاتم أن عصمة روى عن هارون أن هذه قراءة أهل الشام وأحمد بن حنبل يقول إن عصمة هذا ضعيف وأبو حاتم كثير الحكاية عنه والحديث يدل على أن القراءة غلبت بضم الغين وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الروم غلبتها فارس فأخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين وأن المؤمنين يفرحون بذلك لأن الروم أهل كتاب فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم يكن علموه وأمر أبا بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان ثم حرم الرهان بعد ونسخ بتحريم القمار قال بن عطية والقراءة بضم الغين أصح وأجمع الناس على سيغلبون أنه بفتح الياء يراد به الروم ويروى عن بن عمر أنه قرأ أيضا بضم الياء في سيغلبون وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به قال أبو جعفر النحاس ومن قر سيغلبون فالمعنى عنده وفارس من بعد غلبهم أي من بعد أن غلبوا سيغلبون وروي أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر كما في حديث أبي سعيد الخدري حديث الترمذي وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر وصل يوم بيعة الرضوان قاله عكرمة وقتادة قال بن عطية وفي كلا اليومين كان نصر من الله للمؤمنين وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين وفارس من أهل الأوثان كما تقدم بيانه في الحديث قال النحاس وقول آخر وهو أولى أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه قال بن عطية ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤونة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه وقيل سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين لأن جبريل أخبر بذلك النبي عليه السلام يوم بدر حكاه القشيري قلت ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك فسروا بظهورهم على عدوهم وبظهور الروم أيضا وبإنجاز وعد الله وقرأ أبو حيوة الشامي ومحمد بن السميقع من بعد غلبهم بسكون اللام وهما لغتان مثل الظعن والظعن وزعم الفراء أن الأصل من بعد غلبتهم فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل وإقام الصلاة وأصله وإقامة الصلاة قال النحاس وهذا غلط لا يخيل على كثير من أهل النحو لأن إقام الصلاة مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله فجعلت التاء عوضا من المحذوف وغلب ليس بمعتل ولا حذف منه شيء وقد حكى الأصمعي طرد طردا وجلب جلبا وحلب حلبا وغلب غلبا فأي حذف في هذا وهل يجوز أن يقال في أكل أكلا وما أشبهه حذف منه يعني أرض الشام عكرمة بأذرعات وهي ما بين بلاد العرب والشام وقيل إن قيصر كان بعث رجلا يدعى يحنس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم مجاهد بالجزيرة وهو موضع بين العراق والشام مقاتل بالأردن وفلسطين وأدنى معناه أقرب قال بن عطية فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم فلما طرأ ذلك وغلبت الروم سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر بذلك المسلمون فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضا في بضع سنين ذكر هذا التأويل أبو حاتم قال أبو جعفر النحاس قراءة أكثر الناس غلبت الروم بضم الغين وكسر اللام وروي عن بن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرآ غلبت الروم وقرآ سيغلبون وحكى أبو حاتم أن عصمة روى عن هارون : أن هذه قراءة أهل الشام وأحمد بن حنبل يقول : إن عصمة هذا ضعيف وأبو حاتم كثير الحكاية عنه والحديث يدل على أن القراءة غلبت بضم الغين وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الروم غلبتها فارس فأخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين وأن المؤمنين يفرحون بذلك لأن الروم أهل كتاب فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم يكن علموه وأمر أبا بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان ثم حرم الرهان بعد ونسخ بتحريم القمار قال بن عطية : والقراءة بضم الغين أصح وأجمع الناس على سيغلبون أنه بفتح الياء يراد به الروم ويروي عن بن عمر أنه قرأ أيضا بضم الياء في سيغلبون وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به قال أبو جعفر النحاس : ومن قرأ سيغلبون فالمعنى عنده : وفارس من بعد غلبهم أي من بعد أن غلبوا سيغلبون وروي أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر كما في حديث أبي سعيد الخدري حديث الترمذي وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر وصل يوم بيعة الرضوان قاله عكرمة وقتادة قال بن عطية : وفي كلا اليومين كان نصر من الله للمؤمنين وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين وفارس من أهل الأوثان كما تقدم بيانه في الحديث قال النحاس : وقول آخر وهو أولى أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه قال بن عطية : ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤونة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه وقيل : سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين لأن جبريل أخبر بذلك النبي عليه السلام يوم بدر حكاه القشيري قلت : ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك فسروا بظهورهم على عدوهم وبظهور الروم أيضا وبإنجاز وعد الله وقرأ أبو حيوة الشامي ومحمد بن السميقع من بعد غلبهم بسكون اللام وهما لغتان مثل الظعن والظعن وزعم الفراء أن الأصل من بعد غلبتهم فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل وإقام الصلاة وأصله وإقامة الصلاة قال النحاس : وهذا غلط لا يخيل على كثير من أهل النحو لأن إقام الصلاة مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله فجعلت التاء عوضا من المحذوف وغلب ليس بمعتل ولا حذف منه شيء وقد حكى الأصمعي : طرد طردا وجلب جلبا وحلب حلبا وغلب غلبا فأي حذف في هذا وهل يجوز أن يقال في أكل أكلا وما أشبهه : حذف منه ( في بضع سنين ) حذفت الهاء من بضع فرقا بين المذكر والمؤنث وقد مضى الكلام فيه في يوسف وفتحت النون من سنين لأنه جمع مسلم ومن العرب من يقول في بضع سنين كما يقول في غسلين وجاز أن يجمع سنة جمع من يعقل بالواو والنون والياء والنون لأنه قد حذف منها شيء فجعل هذا الجمع عوضا من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه هذا قول البصريين ويلزم الفراء أن يضمها لأنه يقول : الضمة دليل على الواو وقد حذف من سنة واو في أحد القولين ولا يضمها أحد علمناه قوله تعالى : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته فقال لله الأمر أي إنفاذ الأحكام من قبل ومن بعد أي من قبل هذه الغلبة ومن بعدها وقيل : من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء ومن قبل ومن بعد ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليهما وصارا متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبنيا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكروا وأضيف زال بناؤه وكذلك هما فضما ويقال : من قبل ومن بعد وحكى الكسائي عن بعض بني أسد لله الأمر من قبل ومن بعد الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين وحكى الفراء من قبل ومن بعد مخفوضين بغير تنوين وأنكره النحاس ورده وقال الفراء في كتابه : في القرآن أشياء كثيرة الغلط فيها بين منها أنه زعم أنه يجوز من قبل ومن بعد وإنما يجوز من قبل ومن بعد ) على أنهما نكرتان قال الزجاج : المعنى من متقدم ومن متأخر ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) تقدم ذكره ( ينصر من يشاء ) يعني من أوليائه لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره وإنما هو ابتلاء وقد يسمى ظفرا ( وهو العزيز ) في نقمته ( الرحيم ) لأهل طاعته <
> ( ) لأن كلامه صدق ( ولكن أكثر الناس لايعلمون ) وهم الكفار وهم أكثر وقيل : المراد مشركو مكة وانتصب وعد الله على المصدر أي وعد ذلك وعدا ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) يعني أمر معايشهم ودنياهم : متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون قاله بن عباس وعكرمة وقتادة وقال الضحاك : هو بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها والمعنى واحد وقيل : هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا قاله سعيد بن جبير وقيل : الظاهر والباطن كما قال في موضع آخر أم بظاهر من القول قلت : وقول بن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا حتى لقد قال الحسن : بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي وقال أبو العباس المبرد : قسم كسرى أيامه فقال : يصلح يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب واللهو ويوم الشمس للحوائج قال بن خالويه : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ( وهم عن الآخرة ) أي عن العلم بها والعمل لها ( هم غافلون ) قال بعضهم : ومن البلية أن ترى لك صاحبا في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر < > ( : ( في أنفسهم ) ظرف للتفكر وليس بمفعول تعدي إليه يتفكروا بحرف جر لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم إنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السماوات والأرض وأنفسهم حتى يعلموا أن الله لم يخلق السماوات وغيرها إلا بالحق قال الزجاج : في الكلام حذف أي فيعلموا لأن في الكلام دليلا عليه ( إلا بالحق ) قال الفراء : معناه إلا للحق يعني الثواب والعقاب وقيل : إلا لإقامة الحق وقيل : بالحق بالعدل وقيل : بالحكمة والمعنى متقارب وقيل : بالحق أي أنه هو الحق وللحق خلقها وهو الدلالة على توحيده وقدرته ( وأجل مسمى ) أي للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه وهو يوم القيامة وفي هذا تنبيه على الفناء وعلى أن لكل مخلوق أجلا وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء وقيل : وأجل مسمى أي خلق ما خلق في وقت سماه لأن يخلق ذلك الشيء فيه ( وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) اللام للتوكيد والتقدير : لكافرون بلقاء ربهم على التقديم والتأخير أي لكافرون بالبعث بعد الموت وتقول : إن زيدا في الدار لجالس ولو قلت : إن زيدا لفي الدار لجالس جاز فإن قلت : إن زيدا جالس لفي الدار لم يجز لأن اللام إنما يؤتى بها توكيدا لاسم إن وخبرها وإذا جئت بهما لم يجز أن تأتي بها وكذا إن قلت : إن زيدا لجالس لفي الدار لم يجز < < الروم : ( 9 ) أو لم يسيروا . . . . . > > < > ( الروم 9 ) < > قوله تعالى : ( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا ) ببصائرهم وقلوبهم ( كيف كان عاقبة الذين من قلبهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض ) أي قلبوها للزراعة لأن أهل مكة لم يكونوا أهل حرث قال الله تعالى : تثير الأرض ( وعمروها أكثر مما عمروها ) أي وعمروها أولئك أكثر مما عمروها هؤلاء فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدتهم ( وجاءتهم رسلهم بالبينات ) أي بالمعجزات وقيل : بالأحكام فكفروا ولم يؤمنوا ( فما كان الله ليظلمهم ) بأن أهلكهم بغير ذنب ولا رسل ولا حجة ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بالشرك والعصيان < < الروم : ( 10 ) ثم كان عاقبة . . . . . > > < > ( الروم 10 ) <
> قوله تعالى : ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى ) السوءى فعلى من السوء تأنيث الأسوإ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن وقيل : يعني بها ها هنا النار قاله بن عباس ومعنى أساءوا أشركوا دل عليه أن كذبوا بآيات الله السوءى : اسم جهنم كما أن الحسنى اسم الجنة ( أن كذبوا بآيات الله ) أي لأن كذبوا قاله الكسائي وقيل : بأن كذبوا وقرأ نافع وبن كثير وأبو عمرو ثم كان عاقبة الذين بالرفع اسم كان وذكرت لأن تأنيثها غير حقيقي والسوءى خبر كان والباقون بالنصب على خبر كان السوءى بالرفع اسم كان ويجوز أن يكون اسمها التكذيب فيكون التقدير : ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا ويكون السوءى مصدرا لأساءوا أو صفة لمحذوف أي الخلة السوءى وروي عن الأعمش أنه قرأ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء برفع السوء قال النحاس : السوء أشد الشر والسوءى الفعلى منه ( أن كذبوا بآيات الله ) قيل بمحمد والقرآن قاله الكلبي مقاتل : بالعذاب أن ينزل بهم الضحاك : بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم ( وكانوا بها يستهزئون ) < < الروم : ( 11 ) الله يبدأ الخلق . . . . . > > < > ( الروم 11 : 13 ) < > قرأ أبو عمرو وأبو بكر يرجعون بالياء الباقون بالتاء ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي يبلس بفتح اللام والمعروف في اللغة : أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته ولم يؤمل أن يكون له حجة وقريب منه : تحير كما قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا وأنه أبلس لأنه انقطعت حجته النحاس : ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف وهو في القرآن غير منصرف الزجاج : المبلس الساكت المنقطع في حجته اليائس من أن يهتدي إليها ( ولم يكن لهم من شركائهم ) أي ماعبدوه من دون الله ( شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ) قالوا ليسوا بآلهة فتبرءوا منها وتبرأت منهم حسبما تقدم في غير موضع < < الروم : ( 14 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . > > < > ( الروم 14 : 15 ) <
> قوله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) يعني المؤمنين من الكافرين ثم بين كيف تفريقهم فقال : ( فأما الذين آمنوا ) قال النحاس : سمعت الزجاج يقول : معنى أما دع ما كنا فيه وخذ في غيره وكذا قال سيبويه : إن معناها مهما كنا في شيء فخذ في غير ما كنا فيه ( فهم في روضة يحبرون ) قال الضحاك : الروضة الجنة والرياض الجنان وقال أبو عبيد : الروضة ما كان في تسفل فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة وقال غيره : أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ كما قال الأعشى : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل إلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان فيها نبت فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة وقد قيل في الترعة غير هذا وقال القشيري : والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه الجوهري : والجمع روض ورياض صارت الواو ياء لكسر ما قبلها والروض : نحو من نصف القربة ماء وفي الحوض روضة من ماء إذا غطى أسفله وأنشد أبو عمرو : وروضة سقيت منها نضوتي ( يحبرون ) قال الضحاك وبن عباس : يكرمون وقيل ينعمون وقاله مجاهد وقتادة وقيل يسرون السدي : يفرحون والحبرة عند العرب : السرور والفرح ذكره الماوردي وقال الجوهري : الحبر : الحبور وهو السرور ويقال : حبره يحبره ( بالضم ) حبرا وحبرة قال تعالى : فهم في روضة يحبرون أي ينعمون ويكرمون ويسرون ورجل يحبور يفعول من الحبور النحاس : وحكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته وسمعت علي بن سليمان يقول : هو مشتق من قولهم : على أسنانه حبرة أي أثر ف يحبرون يتبين عليهم أثر النعيم والحبر مشتق من هذا قال الشاعر : لا تملأ الدلو وعرق فيها أما ترى حبار من يسقيها وقيل : أصله من التحبير وهو التحسين ف يحبرون يحسنون يقال : فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلا حسن الهيئة ويقال أيضا : فلان حسن الحبر والسبر ( بالفتح ) وهذا كأنه مصدر قولك : حبرته حبرا إذا حسنته والأول اسم ومنه الحديث ( يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره ( وقال يحيى بن أبي كثير في روضة يحبرون قال : السماع في الجنة وقاله الأوزاعي قال : إذا أخذ أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة في الجنة إلا رددت الغناء بالتسبيح والتقديس وقال الأوزاعي : ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم زاد غير الأوزاعي : ولم تبق شجرة في الجنة إلا رددت ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح ولم تبق حلقة إلا طنت بألوان طنينها ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر ولم تبق جارية من جوار الحور العين إلا غنت بأغانيها والطير بألحانها ويوحي الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة ثم يقول الله جل ذكره : يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة فذلك قوله تعالى : فهم في روضة يحبرون ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله وذكر الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الناس فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم وفي أخريات القوم أعرابي فقال : يا رسول الله هل في الجنة من سماع فقال : ( نعم يا أعرابي إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة ( فسأل رجل أبا الدرداء : بماذا يتغنين فقال : بالتسبيح والخمصانية : المرهفة الأعلى الخمصانة البطن الضخمة الأسفل قلت : وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام فلا تعارض بين تلك الأقوال وأين هذا من قوله الحق : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين على ما يأتي وقوله عليه السلام : ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( وقد روي : ( إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا ( ذكره الزمخشري < <
الروم : ( 16 ) وأما الذين كفروا . . . . . > > < > ( الروم 16 ) < > قوله تعالى : ( وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) تقدم الكلام فيه ( ولقاء الآخرة ) أي بالبعث ( فاولئك في العذاب محضرون ) أي مقيمون وقيل : مجموعون وقيل : معذبون وقيل : نازلون ومنه قوله تعالى : إذا حضر أحدكم الموت أي نزل به قاله بن شجرة والمعنى متقارب < < الروم : ( 17 ) فسبحان الله حين . . . . . > > < > ( الروم 17 : 18 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فسبحان الله ) الآية فيه ثلاثة أقوال : الأول أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات قال بن عباس : الصلوات الخمس في القرآن قيل له : أين فقال : قال الله تعالى فسبحان الله حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون صلاة الفجر وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر وقاله الضحاك وسعيد بن جبير وعن بن عباس أيضا وقتادة : أن الآية تنبيه على أربع صلوات : المغرب والصبح والعصر والظهر قالوا : والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في وزلفا من الليل وفي ذكر أوقات العورة وقال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون في الصلوات وسمعت علي بن سليمان يقول : حقيقته عندي : فسبحوا الله في الصلوات لأن التسبيح يكون في الصلاة وهو القول الثاني والقول الثالث فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون ذكره الماوردي وذكر القول الأول ولفظه فيه : فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان : أحدهما لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود الثاني مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تكون لهم سبحة يوم القيامة ( أي صلاة الثانية قوله تعالى : ( وله الحمد في السماوات والأرض ) اعتراض بين الكلام بدءوب الحمد على نعمه وآلائه وقيل : معنى وله الحمد أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد والأول أظهر فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة والله أعلم وبدأ بصلاة المغرب لأن الليل يتقدم النهار وفي سورة سبحان بدأ بصلاة الظهر إذ هي أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الماوردي : وخص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلبا في أحوال توجب حمد الله تعالى عليها وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل الثالثة قرأ عكرمة حينا تمسون وحينا تصبحون والمعنى حينا تمسون فيه وحينا تصبحون فيه فحذف فيه تخفيفا والقول فيه كالقول في واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ( وعشيا ) قال الجوهري : العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة تقول : أتيته عشية أمس وعشي أمس وتصغير العشي : عشيان على غير قياس مكبره كأنهم صغروا عشيانا والجمع عشيانات وقيل أيضا في تصغيره عشيشيان والجمع : عشيشيات وتصغير العشية عشيشية والجمع عشيشيات والعشاء ( بالكسر والمد ) مثل العشي والعشاءان المغرب والعتمة وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر وأنشدوا : غدونا غدوة سحرا بليل عشاء بعد ما انتصف النهار الماوردي : والفرق بين المساء والعشاء : أن المساء بدو الظلام بعد المغيب والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس < < الروم : ( 19 ) يخرج الحي من . . . . . > > < > ( الروم 19 ) <
> يبين قدرته أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها كذلك يحييكم بالبعث وفي هذا دليل على صحة القياس وقد مضى في آل عمران بيان يخرج الحي من الميت < < الروم : ( 20 ) ومن آياته أن . . . . . > > < > ( الروم 20 : 26 ) <
> قوله تعالى : ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ) أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل وقد مضى بيان هذا في الأنعام الأنعام وأن في موضع رفع بالإبتداء وكذا أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ( ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم فلم يكن ليخلقكم عبثا ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح ومعنى : ( خلق لكم من أنفسكم أزواجا ) أي نساء تسكنون إليها ( من أنفسكم ) أي من نطف الرجال ومن جنسكم وقيل : المراد حواء خلقها من ضلع آدم قاله قتادة ( وجعل بينكم مودة ورحمة ) قال بن عباس ومجاهد : المودة الجماع والرحمة الولد وقاله الحسن وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال السدي : المودة : المحبة والرحمة : الشفقة وروي معناه عن بن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء ويقال : إن الرجل أصله من الأرض وفيه قوة الأرض وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن وخلقت المرأة سكنا للرجل قال الله تعالى : ومن آياته أن خلقكم من تراب الآية وقال : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج وللرجال خلق البضع البضع منهن قال الله تعالى : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها ( وفي لفظ آخر : ( إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ( ومن آياته خلق السماوات والأرض ) تقدم في البقرة وكانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) اللسان في الفم وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين فلا بد من فاعل فعلم أن الفاعل هو الله تعالى فهذا من أدل دليل على المدبر الباريء ( إن في ذلك لآيات للعالمين ) أي للبر والفاجر وقرأ حفص : للعالمين بكسر اللام جمع عالم ( ومن آياته منامكم بالليل والنهار ) قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة فجعل النوم بالليل دليلا على الموت والتصرف بالنهار دليلا على البعث ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) يريد سماع تفهم وتدبر وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه والمعنى متقارب وقيل : كان منهم من إذا تلى القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) قيل : المعنى أن يريكم فحذف أن لدلالة الكلام عليه قال طرفة : ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وقيل : هو على التقديم والتأخير أي ويريكم البرق من آياته وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق كما قال الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته قاله الزجاج فيكون عطف جملة على جملة ( خوفا ) أي للمسافر ( وطمعا ) للمقيم قاله قتادة الضحاك خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث يحيى بن سلام : خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر أن يحيي الزرع بن بحر : خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر وطمعا أن يكون ممطرا وأنشد قول الشاعر : لا يكن برقك برقا خلبا إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر : فقد أرد المياه بغير زاد سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه ويقال : برق خلب بالإضافة ( وينزل من السماء ماء فيحيي الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) تقدم ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) أن في محل رفع كما تقدم أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد وقيل : بتدبيره وحكمته أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق وقيل : بأمره بإذنه والمعنى واحد ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث كما يجيب الداعي المطاع مدعوه كما قال القائل : دعوت كليبا باسمه فكأنما دعوت برأس الطود أو هو أسرع يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض ب ثم لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وإذا الأولى في قوله تعالى إذا دعاكم للشرط والثانية في قوله تعالى : إذا أنتم للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط وأجمع القراء على فتح التاء هنا في تخرجون واختلفوا في التي في الأعراف فقرأ أهل المدينة : ومنها تخرجون بضم التاء وقرأ أهل العراق : بالفتح وإليه يميل أبو عبيد والمعنيان متقاربان إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام فنسق الكلام في التي في الأعراف بالضم أشبه إذ كان الموت ليس من فعلهم وكذا الإخراج والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم فالفعل بهم أشبه وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة على ما تقدم ويأتي وقرئ : تخرجون بضم التاء وفتحها ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق والله أعلم ( وله من في السماوات والأرض ) خلفا وملكا وعبدا ( كل له قانتون ) روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل قنوت في القرآن فهو طاعة ( قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد وقيل : قانتون مقرون بالعبودية إما قاله وإما دلالة قاله عكرمة وأبو مالك والسدي وقال بن عباس : قانتون مصلون الربيع بن أنس : كل له قانتون أي قائم يوم القيامة كما قال : يوم يقوم الناس لرب العالمين أي للحساب الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له سعيد بن جبير : قانتون مخلصون < <
الروم : ( 27 ) وهو الذي يبدأ . . . . . > > < > ( الروم 27 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفي من إعادته استدلالا بالشاهد على الغائب ثم اكد ذلك بقوله ( وهو أهون عليه ) وقرأ بن مسعود وبن عمر : يبدئ الخلق من أبدأ يبدئ دليله قوله تعالى : إنه هو يبدئ ويعيد ودليل قراءة العامة قوله سبحانه : كما بدأكم تعودون وأهون بمعنى هين أي الإعادة هين عليه قاله الربيع بن خثيم والحسن فأهون بمعنى هين لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء قال أبو عبيدة : ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : وكان ذلك على الله يسيرا وبقوله : ولا يئوده حفظهما والعرب تحمل أفعل على فاعل ومنه قول الفرزدق : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أي دعائمه عزيزة طويلة وقال آخر : لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول أراد : إني لوجل وأنشد أبو عبيدة أيضا : إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل أراد لمائل وأنشد أحمد بن يحيى : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أراد بواحد وقال آخر : لعمرك إن الزبرقان لباذل لمعروفه عند السنين وأفضل أي وفاضل ومنه قولهم : الله أكبر إنما معناه الله الكبير وروى معمر عن قتادة قال : في قراءة عبد الله بن مسعود وهو عليه هين وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : إن المعنى أن الإعادة أهون عليه أي على الله من البداية أي أيسر وإن كان جميعه على الله تعالى هينا وقاله بن عباس ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول : إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء وقيل : الضمير في عليه للمخلوقين أي وهو أهون عليه أي على الخلق يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم : كونوا فيكونون فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء وقاله بن عباس وقطرب وقيل : أهون أسهل قال : وهان على أسماء أن شطت النوى يحن إليها واله ويتوق أي سهل عليها وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى : وهو أهون عليه قال : ما شيء على الله بعزيز عكرمة : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية ( وله المثل الأعلى ) أي ما أراده جل وعز كان وقال الخليل : المثل الصفة أي وله الوصف الأعلى ( في السماوات والأرض ) كما قال : مثل الجنة التي وعد المتقون أي صفتها وقد مضى الكلام في ذلك وعن مجاهد : المثل الأعلى قول لا إله إلا الله ومعناه : أي الذي له الوصف الأعلى أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية وكذا قال قتادة : إن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله ويعضده قوله تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى وقال الزجاج : وله المثل الأعلى في السماوات والأرض أي قوله : وهو أهون عليه قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل يريد التفسير الأول وقال بن عباس : أي ليس كمثله شيء ( وهو العزيز الحكيم ) تقدم < < الروم : ( 28 ) ضرب لكم مثلا . . . . . > > < > ( الروم 28 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( من أنفسكم ) ثم قال : ( من شركاء ) ثم قال : ( مما ملكت أيمانكم ) ف من الأولى للابتداء كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم والثانية للتبعيض والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام والآية نزلت في كفار قريش كانوا يقولون في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك قاله سعيد بن جبير وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله للمشركين والمعنى : هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء الثانية قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه وذلك أنه لما قال جل وعز : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم الآية فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله فلم يبقى إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك إذ الشركة تقتضي المعاونة ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل والقديم الأزلي منزه عن ذلك جل وعز وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب فافهم ذلك < < الروم : ( 29 ) بل اتبع الذين . . . . . > > < > ( الروم 29 ) < > قوله تعالى : ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك ( فمن يهدي من أضل الله ) أي لا هادي لمن أضله الله تعالى وفي هذا رد على القدرية ( ومالهم من ناصرين ) < < الروم : ( 30 ) فأقم وجهك للدين . . . . . > > < > ( الروم 30 ) <
> قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قال الزجاج : فطرة منصوب بمعنى اتبع فطرة الله قال : لأن معنى فأقم وجهك للدين اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله وقال الطبري : فطرة الله مصدر من معنى : فأقم وجهك لأن معنى ذلك : فطر الله الناس على ذلك فطرة وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له وعلى هذا القول يكون الوقف على حنيفا تاما وعلى القولين الأولين يكون متصلا فلا يوقف على حنيفا وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له قال جل وعز : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ويقال : عليها بمعنى لها كقوله تعالى : وإن أسأتم فلها والخطاب ب أقم وجهك للنبي صلى الله عليه وسلم أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم كما قال : فأقم وجهك للدين القيم وهو دين الإسلام وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل وحنيفا معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة الثانية في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة في رواية ( على هذه الملة أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( ثم يقول أبو هريرة : واقرءوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله في رواية : ( حتى تكونوا أنتم تجدعونها ( قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( لفظ مسلم الثالثة واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة منها الإسلام قاله أبو هريرة وبن شهاب وغيرهما قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : ( ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما ( الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( خمس من الفطرة ( فذكر منها قص الشارب وهو من سنن الإسلام وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة والفاطر : المبتدئ واحتجوا بما روى عن بن عباس أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا والله أعلم ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه قال : وكان من الكافرين قلت : قد مضى قول كعب هذا في الأعراف وجاء معناه مرفوعا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت : يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال : ( أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ( خرجه بن ماجة في السنن وخرج أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : ( أتدرون ما هذان الكتابان ( فقلنا : لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمنى : ( هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ( وذكر الحديث وقال فيه : حديث حسن وقالت فرقة : ليس المراد بقوله تعالى : فطر الناس عليها ولا قوله عليه السلام : ( كل مولود يولد على الفطرة ( العموم وإنما المراد بالناس المؤمنون إذ لو فطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء وقال في الغلام الذي قتله الخضر : طبع يوم طبع كافرا وروى أبو سعيد الخدري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار وفيه : وكان فيما حفظنا أن قال : ( ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا ومنهم حسن القضاء حسن الطلب ( ذكره حماد بن زيد بن سلمة في مسند الطيالسي قال : حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد قالوا : والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ألا ترى إلى قوله عز وجل : تدمر كل شيء ولم تدمر السماوات والأرض وقوله : فتحنا عليهم أبواب كل شيئ ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة وقال إسحاق بن راهوية الحنظلي : تم الكلام عند قوله : فأقم وجهك للدين حنيفا ثم قال : فطرة الله أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( كل مولود يولد على الفطرة ( ولهذا قال : ( لا تبديل لخلق الله ) قال شيخنا أبو العباس : من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن لأن الله تعالى قال : لا تبديل لخلق الله وأما في الحديث فلا لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته واحتجوا على أن الفطرة الخلقة والفاطر الخالق لقول الله عز وجل : الحمد لله فاطر السماوات والأرض فاطر يعني خالقهن وبقوله : ومالي لا أعبد الذي فطرني يعني خلقني وبقوله : الذي فطرهن يعني خلقهن قالوا : فالفطرة الخلقة والفاطر الخالق وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قالوا : وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا واحتجوا بقوله في الحديث : ( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون فيها من جدعاء ( يعني مقطوعة الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال : هذه بحائر وهذه سوائب يقول : فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله أقلهم قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون قالوا ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا قال الله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قال أبو عمر بن عبدالبر : هذا أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى : إنما تجزون ما كنتم تعملون وكل نفس بما كسبت رهينة ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء وقال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك والله أعلم ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلام كما قال بن شهاب لأن الإسلام والإيمان : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وهذا معدوم من الطفل لا يجهل ذلك ذو عقل وأما قول الأوزاعي : سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام فإنما أجزى عتقه عند من أجازه لأن حكمه حكم أبويه وخالفهم آخرون فقالوا : لايجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى وليس في قوله تعالى : كما بدأكم تعودون ولا في ( أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه ( دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا والحديث الذي جاء فيه : ( أن الناس خلقوا على طبقات ( ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان وقد كان شعبة يتكلم فيه على أنه يحتمل قوله : ( يولد مؤمنا ( أي يولد ليكون مؤمنا ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه وليس في قوله في الحديث ( خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار ( أكثر من مراعاة ما يختم به لهم لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا أو يعقل كفرا أو إيمانا قلت : وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له ذهب غير واحد من المحققين منهم بن عطية في تفسيره في معنى الفطرة وشيخنا أبو العباس قال بن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به فكأنه تعالى قال : أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ( فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة وقال شيخنا في عبارته : إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهو الدين الحق وقد دل على صحة هذا المعنى قوله : ( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ( يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل وكذلك الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح قلت : وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة : من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة أعني جميع الأطفال لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية وأنه الله لا إله غيره ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل وهو يجمع بين الأحاديث ويكون معنى قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ( يعني لو بلغوا ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل حديث الرؤيا وفيه قول عليه السلام : ( وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة ( قال فقيل : يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأولاد المشركين ( وهذا نص يرفع الخلاف وهو أصح شيء روي في هذا الباب وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء قاله أبو عمر بن عبد البر وقد روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : ( لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار فهم خدم لأهل الجنة ( ذكره يحيى بن سلام في التفسير له وقد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب التذكرة وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ماذكره أبو عمر من ذلك والحمد لله وذكر إسحاق بن راهوية قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعت بن عباس يقول : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو متقاربا أو كلمة تشبه هاتين حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر قال يحيى بن آدم : فذكرته لابن المبارك فقال : أيسكت الإنسان على الجهل قلت : فتأمر بالكلام قال فسكت وقال أبو بكر الوراق : فطرة الله التي فطر الناس عليها هي الفقر والفاقة وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج نعم وفي الآخرة قوله تعالى : ( لاتبديل لخلق الله ) أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه أي لا يشقى من خلقه سعيدا ولا يسعد من خلقه شقيا وقال مجاهد : المعنى لا تبديل لدين الله وقاله قتادة وبن جبير والضحاك وبن زيد والنخعي قالوا : هذا معناه في المعتقدات وقال عكرمة : وروي عن بن عباس وعمر بن الخطاب أن المعنى : لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان وقد مضى هذا في النساء ( ذلك الدين القيم ) أي ذلك القضاء المستقيم قاله بن عباس وقال مقاتل : ذلك الحساب البين وقيل : ذلك الدين القيم أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم ( ) أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه < <
الروم : ( 31 ) منيبين إليه واتقوه . . . . . > > < > ( الروم 31 : 32 ) < > قوله تعالى : ( منيبين إليه ) اختلف في معناه فقيل : راجعين إليه بالتوبة والإخلاص وقال يحيى بن سلام والفراء : مقبلين إليه وقال عبد الرحمن بن زيد : مطيعين له وقيل : تائبين إليه من الذنوب ومنه قول أبي قيس بن الأسلت : فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا والمعنى واحد فإن ناب وتاب وثاب وآب \ معناه الرجوع قال الماوردي : وفي أصل الإنابة قولان : أحدهما أن أصله القطع ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة الثاني أصله الرجوع مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة الجوهري وأناب إلى الله أقبل وتاب والنوبة واحدة النوب تقول : جاءت نوبتك ونيابتك وهم يتناوبون النوبة فيما بينهم في الماء وغيره وانتصب على الحال قال محمد بن يزيد : لأن معنى : أقم وجهك فأقيموا وجوهكم منيبين وقال الفراء : المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين وقيل : انتصب على القطع أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه لأن الأمر له أمر لأمته فحسن أن يقول منيبين إليه وقد قال الله تعالى : يأيها النبي إذا طلقتم النساء ( واتقوه ) أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به ( وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ) بين أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص فلذلك قال : ولا تكونوا من المشركين وقد مضى هذا مبينا في النساء والكهف وغيرهما ) تأوله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة : أنه لأهل القبلة من أهل الأهواء والبدع وقد مضى في الأنعام بيانه وقال الربيع بن أنس : الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى وقاله قتادة ومعمر وقرأ حمزة والكسائي : فارقوا دينهم وقد قرأ بذلك علي بن أبي طالب أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه وهو التوحيد ( وكانوا شيعا ) أي فرقا قاله الكلبي وقيل أديانا قاله مقاتل ( كل حزب بما لديهم فرحون ) أي مسرورون معجبون لأنهم لم يتبينوا الحق وعليهم أن يتبينوه وقيل : كان هذا قبل أن تنزل الفرائض وقول ثالث : أن العاصي لله عز وجل قد يكون فرحا بمعصيته فكذلك الشيطان وقطاع الطريق وغيرهم والله أعلم وزعم الفراء أنه يجوز أن يكون التمام ولا تكونوا من المشركين ويكون المعنى : من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا على الاستئناف وأنه يجوز أن يكون متصلا بما قبله النحاس : وإذا كان متصلا بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف كما قال جل وعز : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ولو كان بلا حرف لجاز < < الروم : ( 33 ) وإذا مس الناس . . . . . > > < > ( الروم 33 ) < > قوله تعالى : ( وإذا مس الناس ضر ) أي قحط وشدة ( دعوا ربهم ) أن يرفع ذلك عنهم ( منيبين إليه ) قال بن عباس : مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون ومعنى هذا الكلام التعجب عجب نبيه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم أي إذا مس هؤلاء الكفار ضر من مرض وشدة دعوا ربهم أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم مقبلين عليه وحده دون الأصنام لعلمهم بأنه لا فرج عندها ( ثم إذا أذاقهم منه رحمة ) أي عافية ونعمة ( إذا فريق منهم بربهم يشركون ) أي يشركون به في العبادة < < الروم : ( 34 ) ليكفروا بما آتيناهم . . . . . > > < > ( الروم 34 ) <
Questions
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?