Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Section V07/P542–V07/P544

وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة الماء العذب الزلال البارد، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا كالبحار المغرقة. وخلق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزاجرا لهم في المعاد. {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } . {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } . قال جويبر، عن الضحاك: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وهذا القول ضعيف. والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله عز وجل، يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. ثم قال بعض المفسرين: "لا" هاهنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم. ورواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. ويكون جوابه: {إنه لقرآن كريم} . وقال آخرون: ليست "لا" زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي، كقول عائشة رضي الله عنها: "لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط" وهكذا هاهنا تقدير الكلام: "لا أقسم بمواقع النجوم ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم". وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فلا أقسم} فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: أقسم. واختلفوا في معنى قوله: {بمواقع النجوم} ، فقال حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يعني: نجوم القرآن؛ فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فهو قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} نجوم القرآن. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسدي، وأبو حزرة. وقال مجاهد أيضا: {بمواقع النجوم} في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها: منازلها. وعن الحسن أيضا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: {فلا أقسم بمواقع النجوم} يعني بذلك: الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا، قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه، {إنه لقرآن كريم} أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم. {في كتاب مكنون} أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر. قال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى ، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي، عن ابن عباس: { [لا يمسه] إلا المطهرون} يعني: الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: {لا يمسه إلا المطهرون} قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس. وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: {ما يمسه إلا المطهرون} . وقال أبو العالية: {لا يمسه إلا المطهرون} ليس أنتم أصحاب الذنوب. وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال: {وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 210-212] . وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به.

Section V07/P544–V07/P545

وقال آخرون: {لا يمسه إلا المطهرون} أي: من الجنابة والحدث. قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو . واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: ألا يمس القرآن إلا طاهر . وروى أبو داود في المراسيل، من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر" . وهذه وجادة جيدة. قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر ، والله أعلم. وقوله: {تنزيل من رب العالمين} أي: هذا القرآن منزل من [الله] رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحر، أو كهانة، أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع. وقوله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} قال العوفي، عن ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين. وكذا قال الضحاك، وأبو حزرة، والسدي. وقال مجاهد: {مدهنون} أي: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم. {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال بعضهم: يعني: وتجعلون رزقكم بمعنى شكركم أنكم تكذبون، أي: تكذبون بدل الشكر. وقد روي عن علي، وابن عباس أنهما قرآها: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" كما سيأتي. وقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم بن عدي: أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى: ما شكر فلان. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وتجعلون رزقكم} ، يقول: "شكركم {أنكم تكذبون} ، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا" . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مخول بن إبراهيم النهدي -وابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل، به مرفوعا . وكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن حسين بن محمد -وهو المروزي-به. وقال: "حسن غريب". وقد رواه سفيان، عن عبد الأعلى، ولم يرفعه . وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون". وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال مالك في الموطأ، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". أخرجاه في الصحيحين، وأبو داود، والنسائي، كلهم من حديث مالك، به . وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، وعمرو بن سواد، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث؛ أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث، فيقولون: بكوكب كذا وكذا". تفرد به مسلم من هذا الوجه .

Section V07/P545–V07/P547

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا". قال محمد -هو ابن إبراهيم-: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا. قال: فما مضت سابعة حتى مطروا . وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء يؤثر بنفسه في نزول المطر؛ فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده. وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} [فاطر:2] . وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية -أحسبه أو غيره-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا -ومطروا-يقول: مطرنا ببعض عشانين الأسد. فقال: "كذبت! بل هو رزق الله" . ثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراري، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي ، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين" . ثم قال: " {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} ، يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا" . وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعا: "لو قحط الناس سبع سنين ثم مطروا لقالوا: مطرنا بنوء المجدح" . وقال مجاهد: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم، لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به؛ ولهذا قال قبله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين } . يقول تعالى: {فلولا إذا بلغت} أي: الروح {الحلقوم} أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار كما قال: {كلا إذا بلغت التراقي. وقيل من راق. وظن أنه الفراق. والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق} [القيامة: 26، 30] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وأنتم حينئذ تنظرون} أي: إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت. {ونحن أقرب إليه منكم} أي: بملائكتنا {ولكن لا تبصرون} أي: ولكن لا ترونهم. كما قال في الآية الأخرى: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 61، 62] . وقوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها} : معناه: فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ، ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين. قال ابن عباس: يعني محاسبين. وروي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وأبي حزرة، مثله. وقال سعيد بن جبير، والحسن البصري: {فلولا إن كنتم غير مدينين} غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون، فردوا هذه النفس. وعن مجاهد: {غير مدينين} غير موقنين. وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين. {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم } .

Section V07/P547–V07/P549

هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: إما أن يكون من المقربين ، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين. وإما أن يكون من المكذبين الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله؛ ولهذا قال تعالى: {فأما إن كان} أي: المحتضر، {من المقربين} ، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، {فروح وريحان وجنة نعيم} أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: "أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان". قال علي بن طلحة ، عن ابن عباس: {فروح} يقول: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وكذا قال مجاهد: إن الروح: الاستراحة. وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا. وقال سعيد بن جبير، والسدي: الروح: الفرح. وعن مجاهد: {فروح وريحان} : جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح ورحمة . وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: {وريحان} : ورزق. وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، {وجنة نعيم} . وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيقبض روحه فيه. وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم: أمن أهل الجنة هو أم [من] أهل النار؟ وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت [في الحياة الدنيا وفي الآخرة] } [إبراهيم: 27] ، ، ولو كتبت هاهنا لكان حسنا! ومن جملتها حديث تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول الله لملك الموت: انطلق إلى فلان فأتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنه. قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك". وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم ، وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون، عن بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فروح وريحان} برفع الراء. وكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث هارون -وهو ابن موسى الأعور-به ، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه. وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرؤوا: {فروح} بفتح الراء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل: أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانئ: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النسم طيرا يعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها" . هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى "يعلق": يأكل، ويشهد له بالصحة أيضا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" . وهذا إسناد عظيم، ومتن قويم. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش" الحديث.

Section V07/P549–V07/P552

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى: رأيت شيخا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة، فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قال: فأكب القوم يبكون فقال: "ما يبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت. قال: "ليس ذاك، ولكنه إذا حضر {فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنة نعيم} ، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله عز وجل، والله، عز وجل، للقائه أحب {وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم [وتصلية جحيم] } فإذا بشر بذلك كره لقاء الله، والله للقاءه أكره. هكذا رواه الإمام أحمد ، وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-شاهد لمعناه . وقوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين} أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين، {فسلام لك من أصحاب اليمين} أي: تبشرهم الملائكة بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله. كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وهذا معنى حسن ويكون ذلك كقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30-32] . وقال البخاري: {فسلام لك} أي: مسلم لك، أنك من أصحاب اليمين. وألغيت "إن" وهو: معناها، كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل. إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل. وقد يكون كالدعاء له، كقولك: سقيا لك من الرجال، إن رفعت "السلام" فهو من الدعاء . وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية، ومال إليه، والله أعلم . وقوله: {وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم وتصلية جحيم} أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، {فنزل} أي: فضيافة {من حميم} وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود، {وتصلية جحيم} أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: {إن هذا لهو حق اليقين} أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه. {فسبح باسم ربك العظيم} قال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فسبح باسم ربك العظيم} قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:1] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في سجودكم". وكذا رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب، به . وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة". هكذا رواه الترمذي من حديث روح ، ورواه هو والنسائي أيضا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير. وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث محمد بن فضيل، بإسناده، مثله . تفسير سورة الحديد وهي مدنية.

Section V07/P552–V07/P005

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية". وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن بقية، به وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه النسائي عن ابن أبي السرح، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره مرسلا لم يذكر عبد الله بن أبي بلال، ولا العرباض بن سارية والآية المشار إليها في الحديث هي-والله أعلم-قوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات والأرض أي: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44] . وقوله: {وهو العزيز} أي: الذي قد خضع له كل شيء {الحكيم} في خلقه وأمره وشرعه {له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت} أي: هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت، ويعطي من يشاء ما يشاء، {وهو على كل شيء قدير} أي: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} وهذه الآية هي المشار إليها في حديث العرباض بن سارية: أنها أفضل من ألف آية. وقال أبو داود حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة-يعني بن عمار-حدثنا أبو زميل قال: سألت بن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال ما هو؟ قلت والله لا أتكلم به قال: فقال لي أشيء من شك؟ قال -وضحك -قال: ما نجا من ذلك أحد قال حتى أنزل الله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك [لقد جاءك الحق من ربك] } الآية [يونس:94] قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولا. وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما قال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو بن زياد الفراء، له كتاب سماه: "معاني القرآن". وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم: "اللهم، رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول ليس قبلك شيء وأنت الآخر ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم، رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر.

Section V07/P005–V07/P007

وكان يروي ذلك، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا، فقال حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى، ثم همس-ما يدرى ما يقول-فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: "اللهم، رب السموات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء، ورب كل شيء، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم، أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" السري بن إسماعيل هذا ابن عم الشعبي، وهو ضعيف جدا والله أعلم. وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد-المعنى واحد-قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "هل تدرون ما هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا العنان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه". ثم قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال " فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف". ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "بينكم وبينها خمسمائة سنة". ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة- حتى عد سبع سموات-ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض". ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة-حتى عد سبع أرضين-بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة". ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"، ثم قرأ: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس-يعني بن عبيد-وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه. انتهى كلامه وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، وعنده بعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام، وقال: "لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله"، ثم قرأ: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ورواه بن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث، ولم يذكر بن أبي حاتم آخره وهو قوله: "لو دليتم بحبل"، وإنما قال: "حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام"، ثم تلا {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} وقال البزار: لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة.

Section V07/P007–V08/P008

ورواه بن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال: "هل تدرون ما هذا؟ " وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه وأرضاه، رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات ولكن في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقال ابن جرير عند قوله تعالى {ومن الأرض مثلهن} [الطلاق "12"] حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي، عز وجل، من السماء السابعة وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي، عز وجل من الأرض السابعة وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثم وهذا [حديث] غريب جدا، وقد يكون الحديث الأول موقوفا على قتادة كما روي هاهنا من قوله، والله أعلم. {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور } يخبر تعالى عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة "الأعراف بما أغنى عن إعادته هاهنا. {يعلم ما يلج في الأرض} أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر {وما يخرج منها} من زرع ونبات وثمار، كما قال: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . وقوله: {وما ينزل من السماء} أي: من الأمطار، والثلوج والبرد، والأقدار والأحكام مع الملائكة الكرام، وقد تقدم في سورة "البقرة" أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء تعالى. وقوله: {وما يعرج فيها} أي: من الملائكة والأعمال، كما جاء في الصحيح: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، كما قال: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] . وقال {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] ، فلا إله غيره ولا رب سواه. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال لجبريل، لما سأله عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة، حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: زودني كلمة أعيش بها فقال: "استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك لا يفارقك"

Section V08/P008–V08/P010

هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعا: "ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة، ولا الشرط اللئيمة ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم. وزكى نفسه" وقال رجل: يا رسول الله، ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: "يعلم أن الله معه حيث كان" وقال نعيم بن حماد، رحمه الله: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت". غريب. وكان الإمام أحمد ينشد هذين البيتين: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل: علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب وقوله: {له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} أي: هو المالك للدنيا والآخرة كما قال: {وإن لنا للآخرة والأولى} [الليل: 13] ، وهو المحمود على ذلك، كما قال: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} [القصص:70] ، وقال {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير} [سبإ: 1] . فجميع ما في السماوات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه كما قال: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 93-95] . ولهذا قال: {وإلى الله ترجع الأمور} أي: إليه المرجع يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة، بل إن يكن أحدهم عمل حسنة واحدة يضاعفها إلى عشر أمثالها، {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] وكما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] . وقوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين. وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ثم قيظا ثم خريفا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه، {وهو عليم بذات الصدور} أي: يعلم السرائر وإن دقت، وإن خفيت. {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } أمر تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، فإن يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه. وقوله: {مما جعلكم مستخلفين فيه} فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان.

Section V08/P010–V08/P011

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن مطرف-يعني بن عبد الله بن الشخير-عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " {ألهاكم التكاثر} [التكاثر:1] ، يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ ". ورواه مسلم من حديث شعبة، به وزاد: "وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" وقوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} ؟ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم، يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به؟ وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح "كتاب الإيمان" من صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " قالوا: فالأنبياء. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ ". قالوا: فنحن؟ قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيؤون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها" وقد ذكرنا طرفا من هذا في أول سورة "البقرة" عند قوله: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] . وقوله: {وقد أخذ ميثاقكم} كما قال: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة:7] . ويعني بذلك: بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وزعم ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وهو مذهب مجاهد، فالله أعلم. وقوله: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات} أي: حججا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات، {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان، {وإن الله بكم لرءوف رحيم} أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشبه. ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق، ثم حثهم على الإيمان، وبين أنه قد أزال عنهم موانعه، حثهم أيضا على الإنفاق. فقال: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض} أي: أنفقوا ولا تخشوا فقرا وإقلالا فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض، وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبإ:39] ، وقال {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل:96] فمن توكل على الله أنفق، ولم يخش من ذي العرش إقلالا وعلم أن الله سيخلفه عليه. وقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورا عظيما، ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ ولهذا قال: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} والجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحد-أو مثل الجبال-ذهبا، ما بلغتم أعمالهم"

Section V08/P011–V08/P012

ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: "صبأنا، صبأنا"، فلم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر وغيرهما. فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث ابن وهب: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" فقلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: لا ولكن أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبا". فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: "لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه، ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس، {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} ] وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في الصحيحين من رواية جماعة، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد -ذكر الخوارج-: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" الحديث. ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر، فقال: حدثني بن البرقي، حدثنا بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم". قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش؟ قال: "لا ولكن أهل اليمن، لأنهم أرق أفئدة، وألين قلوبا". وأشار بيده إلى اليمن، فقال: "هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية". فقلنا: يا رسول الله، هم خير منا؟ قال: "والذي نفسي بيده، لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مد أحدكم ولا نصيفه". ثم جمع أصابعه ومد خنصره، وقال: "ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس، {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} ] " فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية فإن كان ذلك محفوظا كما تقدم، فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخبارا عما بعده، كما في قوله تعالى في سورة "المزمل"-وهي مكية، من أوائل ما نزل-: {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} الآية [المزمل: 20] فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه والله أعلم.

Section V08/P012–V08/P014

وقوله: {وكلا وعد الله الحسنى} يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} [النساء:95] . وهكذا الحديث الذي في الصحيح: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه؛ فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه؛ ولهذا قال: {والله بما تعملون خبير} أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق. وفي الحديث: "سبق درهم مائة ألف" ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر، رضي الله عنه، له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله، عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. وقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد، عن آدم بن علي، عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: "أنفق ماله علي قبل الفتح" قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله: "يا أبا بكر، إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ " فقال: أبو بكر، رضي الله عنه: أسخط على ربي عز وجل؟ إني عن ربي راض هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه. وقوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية؛ ولهذا قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} كما قال في الآية الأخرى: {أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون} [البقرة: 245] أي: جزاء جميل ورزق باهر-وهو الجنة-يوم القيامة. قال بن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ " قال: "نعم، يا أبا الدحداح". قال أرني يدك يا رسول الله قال: فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي-وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها-قال: فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. فقال: اخرجي، فقد أقرضته ربي، عز وجل-وفي رواية: أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح". وفي لفظ: "رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة".

Section V08/P014–V08/P015

{يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير } يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: {يسعى نورهم بين أيديهم} قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة ورواه بن أبي حاتم وبن جرير. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه" وقال سفيان الثوري، عن حصين، عن مجاهد عن جنادة بن أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وسيماكم وحلاكم، ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان، هذا نورك. يا فلان، لا نور لك. وقرأ: {يسعى نورهم بين أيديهم} وقال الضحاك: ليس لأحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: ربنا، أتمم لنا نورنا. وقال الحسن [في قوله] {يسعى نورهم بين أيديهم} يعني: على الصراط. وقد قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن مسعود: أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث: أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم". فقال له رجل: يا نبي الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: "أعرفهم، محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وذريتهم وقوله {وبأيمانهم} قال الضحاك: أي وبأيمانهم كتبهم، كما قال: {فمن أوتي كتابه بيمينه} [الإسراء: 71] . وقوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: يقال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار، {خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبدا {ذلك هو الفوز العظيم} . وقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، به وترك ما عنه زجر.

Section V08/P015–V08/P017

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا-يشير إلى القبر-بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن [حتى] يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه، قال {أو كظلمات في بحر لجي} إلى قوله: {فما له من نور} [النور: 40] ، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء:142] . فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب، {باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} الآية. يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور، ويميز الله بين والمؤمن المنافق. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطأة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج، عن أبي أمامة قال: تبعث ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه، حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: {انظرونا نقتبس من نوركم} . وقال العوفي، والضحاك، وغيرهما، عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا فلما رأي المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: {انظرونا نقتبس من نوركم} فإنا كنا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: {ارجعوا} من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن علويه القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نورا، وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات فقال المنافقون: {انظرونا نقتبس من نوركم} وقال المؤمنون: {ربنا أتمم لنا نورنا} [التحريم: 8] . فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا" وقوله: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} قال الحسن، وقتادة: هو حائط بين الجنة النار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال الله تعالى: {وبينهما حجاب} [الأعراف: 46] . وهكذا روي عن مجاهد، رحمه الله، وغير واحد، وهو الصحيح. {باطنه فيه الرحمة} أي: الجنة وما فيها {وظاهره من قبله العذاب} أي: النار. قاله قتادة، وبن زيد، وغيرهما. قال بن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم. ثم قال: حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوام- مؤذن بيت المقدس-قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن السور الذي ذكر الله في القرآن: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} هو السور الشرقي باطنه المسجد وما يليه، وظاهره وادي جهنم.

Section V08/P017–V08/P018

ثم روي عن عبادة بن الصامت، وكعب الأحبار، وعلي بن الحسين زين العابدين، نحو ذلك. وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين ونفس المسجد وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم؛ فإن الجنة في السموات في أعلى عليين، والنار في الدركات أسفل سافلين. وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وترهاته. وإنما المراد بذلك: سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة {ينادونهم ألم نكن معكم} أي: ينادي المنافقون المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ {قالوا بلى} أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى، قد كنتم معنا، {ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني} قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات {وتربصتم} أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: {وتربصتم} بالحق وأهله {وارتبتم} أي: بالبعث بعد الموت {وغرتكم الأماني} أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا {حتى جاء أمر الله} أي: ما زلتم في هذا حتى جاء الموت {وغركم بالله الغرور} أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا [أي] بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتا، ويعطون النور جميعا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز بينهم حينئذ. وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله به عنهم، حيث يقول-وهو أصدق القائلين-: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} [المدثر: 38-47] ، فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ. ثم قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] ، كما قال تعالى هاهنا: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله، ما قبل منه. وقوله: {مأواكم النار} أي: هي مصيركم وإليها منقلبكم. وقوله: {هي مولاكم} أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم، وبئس المصير. {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} الآية، رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن حسين المروزي، عن ابن المبارك، به.

Section V08/P018–V08/P020

ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال-يعني الليث-عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الآية] إلا أربع سنين كذا رواه مسلم في آخر الكتاب. وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية، عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، به وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حزم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، مثله فجعله من مسند بن الزبير. لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن بن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره وقال سفيان الثوري، عن المسعودي، عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله. فأنزل الله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} [يوسف:3] قال: ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر:23] . ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله. فأنزل الله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} وقال قتادة: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول ما يرفع من الناس الخشوع" وقوله: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنا قليلا ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد. {وكثير منهم فاسقون} أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة. كما قال: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة:13] ، أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهو عنه؛ ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية. وقد قال بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار، عن منصور بن المعتمر، عن الربيع بن أبي عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثا ما سمعت أعجب إلي منه، إلا شيئا من كتاب الله-أو: شيئا قاله النبي صلى الله عليه وسلم-قال: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه. ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلانا فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه. فدعوا فلانا ذلك الفقيه فقالوا: تؤمن بما في كتابنا؟ قال: وما فيه؟ اعرضوه علي. فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بهذا؟ قال: نعم، آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن-فتركوه، فلما مات نبشوه فوجدوه متعلقا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة. فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن".

Section V08/P020–V08/P021

قال ابن مسعود: [وإنكم] أوشك بكم إن بقيتم-أو: بقي من بقي منكم -أن تروا أمورا تنكرونها، لا تستطيعون لها غيرا، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره. وقال أبو جعفر الطبري: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى بن مسعود فقال: يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا؛ إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض على بني إسرائيل هذا الكتاب فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه. قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال آمنت به -ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه-ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن وقوله: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} فيه إشارة إلى أنه، تعالى، يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان [الوابل] كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد ما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم } {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، {وأقرضوا الله قرضا حسنا} أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا؛ ولهذا قال: {يضاعف لهم} أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك {ولهم أجر كريم} أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب {كريم} وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذا تمام لجملة، وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هذه مفصولة {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} . وقال أبو الضحى: {أولئك هم الصديقون} ثم استأنف الكلام فقال: {والشهداء عند ربهم} وهكذا قال مسروق، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين، والصديقين، والشهداء، كما قال [الله] تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان. ولا شك أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، في كتابه الموطإ، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك، به وقال آخرون: بل المراد من قوله: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء. حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال ابن جرير:

Section V08/P021–V08/P023

حدثني صالح ابن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مؤمنو أمتي شهداء". قال: ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم [لهم أجرهم] } هذا حديث غريب وقال أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} قال: يجيؤون يوم القيامة معا كالإصبعين. وقوله: {والشهداء عند ربهم} أي: في جنات النعيم، كما جاء في الصحيحين: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟ فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة. فقال إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" وقوله: {لهم أجرهم ونورهم} أي: لهم عند ربهم أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى ابن إسحاق، حدثنا بن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فصدق الله فقتل، فذلك الذي ينظر الناس إليه هكذا-ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قلنسوة عمر-والثاني مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح، جاءه سهم غرب فقتله، فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة". وهكذا رواه علي بن المديني، عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة، وقال: هذا إسناد مصري صالح. ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم. {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } يقول تعالى موهنا أمر الحياة الدنيا ومحقرا لها: {أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: {كمثل غيث} وهو: المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [وينشر رحمته] } [الشورى: 28]

Section V08/P023–V08/P025

وقوله: {أعجب الكفار نباته} أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث؛ وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها، {ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما} أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرا بعد ما كان خضرا نضرا، ثم يكون بعد ذلك كله حطاما، أي: يصير يبسا متحطما، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزا شوهاء، والإنسان كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه وينفد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54] . ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير، فقال: {وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان. وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} أي: هي متاع فان غار لمن ركن إليه فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. قال ابن جرير: حدثنا علي ابن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها. اقرؤوا: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك". انفرد بإخراجه البخاري في "الرقاق"، من حديث الثوري، عن الأعمش، به ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلهذا حثه الله على المبادرة إلى الخيرات، من فعل الطاعات، وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، فقال تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} والمراد جنس السماء والأرض، كما قال في الآية الأخرى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] . وقال هاهنا: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. قال: "وما ذاك؟ ". قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال: "أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين". قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا، ففعلوا مثله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد }

Section V08/P025–V08/P026

يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} أي: في الآفاق وفي نفوسكم {إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: {من قبل أن نبرأها} عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة. والأحسن عوده على الخليقة والبرية؛ لدلالة الكلام عليها، كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسا مع الحسن، فقال رجل: سله عن قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} فسألته عنها، فقال: سبحان الله! ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض، ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة وقال قتادة: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} قال: هي السنون. يعني: الجدب، {ولا في أنفسكم} يقول: الأوجاع والأمراض. قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق-قبحهم الله-وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا حدثنا أبو هانئ الخولاني: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". ورواه مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن يزيد، وثلاثتهم عن أبي هانئ، به. وزاد بن وهب: "وكان عرشه على الماء". ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله، عز وجل ؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وقوله: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، فإنه لو قدر شيء لكان {ولا تفرحوا بما آتاكم} أي: جاءكم، ويقرأ: "آتاكم" أي: أعطاكم. وكلاهما متلازمان، أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا، تفخرون بها على الناس؛ ولهذا قال: {والله لا يحب كل مختال فخور} أي: مختال في نفسه متكبر فخور، أي: على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا. ثم قال: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي: يفعلون المنكر ويحضون الناس عليه، {ومن يتول} أي: عن أمر الله وطاعته {فإن الله هو الغني الحميد} كما قال موسى عليه السلام: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] . {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز }

Questions