İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا. رواه البخاري والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، [به] قال البخاري: "وتبعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم". ورواه النسائي، أيضا عن عبد الرحمن بن عبد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به أتم وقوله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} كقوله تعالى في سورة النساء: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ محمد بن محمد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا: "مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني. فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه، فمات". {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } إنما سميت الجمعة جمعة؛ لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها. وفيه تقوم الساعة. وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان، ما يوم الجمعة؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم جمع فيه أبواك -أو أبوكم" وقد روي عن أبي هريرة، من كلامه، نحو هذا، فالله أعلم. وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة. وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة [يوم] الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد" لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم: "أضل الله من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد. فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق".
وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} [الإسراء: 19] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها: "فامضوا إلى ذكر الله". فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم؟ ". قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". أخرجاه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". رواه الترمذي، من حديث عبد الرزاق كذلك وأخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بمثله قال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} يعني: أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: {فلما بلغ معه السعي} [الصافات: 102] أي: المشي معه. روي عن محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وغيرهما نحو ذلك. ويستحب لمن جاء الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" ولهما عن أبي سعيد، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده". رواه مسلم وعن جابر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة". رواه أحمد، والنسائي، وابن حبان وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها". وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" أخرجاه ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويتسوك، ويتنظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من طيب أهله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله -إن كان عنده-ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع -إن بدا له-ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" وفي سنن أبي داود وابن ماجه، عن عبد الله بن سلام، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته" وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال: "ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته". رواه ابن ماجه وقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة} المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاري رحمه الله حيث قال: حدثنا آدم -هو ابن أبي إياس- حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان [بعد زمن] وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء يعني: يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة، بقرب المسجد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي، عن مكحول: أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام، ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده البيع الشراء إذا نودي به، فأمر عثمان، رضي الله عنه، أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس. وإنما يؤمر بحضور الجمعة [الرجال] الأحرار دون النساء والعبيد والصبيان، ويعذر المسافر والمريض، وقيم المريض، وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع. وقوله: {وذروا البيع} أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة: ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني. واختلفوا: هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقوله: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون. وقوله: {فإذا قضيت الصلاة} أي: فرغ منها، {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. كما كان عراك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة، بارك الله له سبعين مرة، لقول الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} وقوله: {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} أي: حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعطائكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة؛ ولهذا جاء في الحديث: "من دخل سوقا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كتبت له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة"
وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا، حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا. {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} أي: على المنبر تخطب. هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة. وزعم مقاتل بن حيان: أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر إلا القليل منهم. وقد صح بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قدمت عير المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} أخرجاه في الصحيحين، من حديث سالم، به وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارا" ونزلت هذه الآية: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما . وفي قوله: {وتركوك قائما} دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. ولكن هاهنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل: إنها كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل: حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف، أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة يعني: فانفضوا، ولم يبق معه إلا نفر يسير. وقوله: {قل ما عند الله} أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة {خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين} أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته. تفسير سورة المنافقون وهي مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } يقول تعالى مخبرا عن المنافقين: إنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك، بل على الضد من ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} أي: إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليسوا كما يقولون: ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله، فقال: {الله والله يعلم إنك لرسوله}
ثم قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقا للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه؛ ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم. وقوله: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفات الآثمة، ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبلا فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس ولهذا قال تعالى: {فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها: "اتخذوا إيمانهم جنة" أي: تصديقهم الظاهر جنة، أي: تقية يتقون به القتل. والجمهور يقرؤها: {أيمانهم} جمع يمين. [وقوله] {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى {فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} أي: كانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن؛ ولهذا قال: {يحسبون كل صيحة عليهم} أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف، يعتقدون، لجبنهم، أنه نازل بهم، كما قال تعالى: {أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} [الأحزاب: 19] فهم جهامات وصور بلا معاني. ولهذا قال: {هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار". وقال يزيد مرة: سخب بالنهار {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } يقول تعالى مخبرا عن المنافقين -عليهم لعائن الله-أنهم {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم، استكبارا عن ذلك، واحتقارا لما قيل لهم ولهذا قال: {ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} ثم جازاهم على ذلك فقال: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} كما قال في سورة "براءة" وقد تقدم الكلام على ذلك، وإيراد الأحاديث المروية هنالك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان {لووا رءوسهم} قال ابن أبي عمر: حول سفيان وجهه على يمينه، ونظر بعينه شزرا، ثم قال: هم هذا. وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة -يعني مرجعه من أحد-وكان عبد الله بن أبي بن سلول -كما حدثني ابن شهاب الزهري-له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، شرفا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام، فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم جلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع -يعني مرجعه بثلث الجيش-ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا؛ أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك. ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا، أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك. ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي وقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذموه وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فجعل يلوي رأسه، أي: لست فاعلا وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله ابن أبي بن سلول قال: {ليخرجن الأعز منها الأذل} فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي: ائت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك. فأنزل الله: {إذا جاءك المنافقون} إلى قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك، فيه نظر، بل ليس بجيد؛ فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش. وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق. قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله مقيم هناك، اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري -وكان أجيرا-لعمر بن الخطاب، وسنان بن وبر قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا فقال سنان: يا معشر الأنصار. وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين -وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي-فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا. والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: "سمن كلبك يأكلك". والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها. فسمعها زيد ابن أرقم، فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غليم -وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه-فأخبره الخبر، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه. فقال صلى الله عليه وسلم: "فكيف إذا تحدث الناس -يا عمر-أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن ناد يا عمر في الرحيل".
فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم -وكان عند قومه بمكان-فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل. وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير فسلم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟. زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل". قال: فأنت -يا رسول الله-العزيز وهو الذليل. ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا، ليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى. ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة". وقال عبد الله بن أبي بن سلول -وقد فعلوها-: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي، عن سفيان بن عيينة ورواه البخاري عن الحميدي، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن سفيان، به نحوه وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيبا حزينا، قال: فأرسل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله قد أنزل عذرك وصدقك". قال: فنزلت هذه الآية {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} حتى بلغ: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ورواه البخاري عند هذه الآية، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة ثم قال: "وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضا من حديث شعبة، به
طريق أخرى عن زيد: قال الإمام أحمد، رحمه الله، حدثنا يحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بكير قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم -وقال ابن أبي بكير عن زيد بن أرقم-قال: خرجت مع عمي في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فأرسل إلى عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه فحلفوا ما قالوا: فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك. قال: حتى أنزل الله: {إذا جاءك المنافقون} قال: فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها رسول الله علي، ثم قال: "إن الله قد صدقك" ثم قال أحمد أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق: أنه سمع زيد ابن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل. فقالوا: كذب زيد يا رسول الله. فوقع في نفسي ما قالوا، حتى أنزل الله تصديقي: {إذا جاءك المنافقون} قال: ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. وقوله تعالى: {كأنهم خشب مسندة} قال: كانوا رجالا أجمل شيء. وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث زهير ورواه البخاري أيضا والترمذي من حديث إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، عن زيد، به . طريق أخرى عن زيد: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا يسبق الأعرابي أصحابه يملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه. قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي، فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجرا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره -وكان من أصحابه-فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله -يعني الأعراب-وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام. فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله، فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فجاء إلي عمي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك المسلمون. فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط، فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ما قال لي رسول الله شيئا، غير أن عرك أذني وضحك في وجهي. فقال: أبشر. ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين.
انفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن سعيد بن مسعود، عن عبيد الله بن موسى، به وزاد بعد قوله "سورة المنافقين" {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول} حتى بلغ: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} حتى بلغ: {ليخرجن الأعز منها الأذل} وقد روى عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، عروة بن الزبير في المغازي -وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام عبد الله بن أبي بن سلول إنما هو أوس بن أرقم، من بني الحارث بن الخزرج. فلعله مبلغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثنا سلامة، حدثني عقيل، أخبرني محمد بن مسلم، أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري أخبراه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، أحدهما من المهاجرين، والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي، فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين. فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق -أو: رجل في قلبه مرض-إلى عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب -وكانوا يدعون كل حديث هجرة الجلابيب-فقال عبد الله بن أبي عدو الله: [والله] لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال مالك بن الدخشم -وكان من المنافقين-: أولم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل يمشي حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس، أضرب عنقه -يريد عمر عبد الله بن أبي-فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟ ". قال: عمر [نعم] والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس". فأقبل أسيد بن الحضير -وهو أحد الأنصار، ثم أحد بني عبد الأشهل-حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس [حتى] أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوقاتله أنت إن أمرتك بقتله؟ ". قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آذنوا بالرحيل". فهجر بالناس، فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار، ثم نزل. ثم هجر بالناس مثلها، فصبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أرسل إلى عمر فدعاه، فقال له رسول الله: "أي عمر، أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟ " قال عمر: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله امتثلوه فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرا". وأنزل الله عز وجل: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} إلى قوله: {لئن رجعنا إلى المدينة [ليخرجن الأعز منها الأذل] } الآية. وهذا سياق غريب، وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن أبي -يعني لما بلغه ما كان من أمر أبيه-أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل نترفق به ونحسن صحبته، ما بقي معنا" وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك. فقال: ما لك؟ ويلك. فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إذ أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجز الآن. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل. قال وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، لئن شئت أن آتيك برأسه لآتينك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي \ {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال [الله] تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 99، 100]
ثم قال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} أي: لا ينظر أحدا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه؛ ولهذا قال: {والله خبير بما تعملون} وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال سأتلوا عليك بذلك قرآنا: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق [وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها] والله خبير بما تعملون} قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. ثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حية -وهو أبو جناب الكلبي-عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي جناب، عن ابن الضحاك، عن ابن عباس، من قوله. وهو أصح، وضعف أبا جناب الكلبي. قلت: رواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة الجهني، عن عمه -يعني أبا مشجعة بن ربعي-عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة في العمر فقال: " إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له، فيلحقه دعاؤهم في قبره" آخر تفسير سورة "المنافقون" ولله الحمد والمنة تفسير سورة التغابن وهي مدنية، وقيل: مكية. قال الطبراني: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن" أورده ابن عساكر في ترجمة "الوليد بن صالح" وهو غريب جدا، بل منكر. بسم الله الرحمن الرحيم {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } هذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها؛ ولهذا قال: {له الملك وله الحمد} أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره. وقوله: {وهو على كل شيء قدير} أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن. وقوله: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء؛ ولهذا قال: {والله بما تعملون بصير}
ثم قال: {خلق السماوات والأرض بالحق} أي: بالعدل والحكمة، {وصوركم فأحسن صوركم} أي: أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 6-8] وكقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات} الآية [غافر: 64] وقوله: {وإليه المصير} أي: المرجع والمآب. ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية، فقال: {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد } يقول تعالى مخبرا عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال؛ في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل} أي: خبرهم وما كان من أمرهم، {فذاقوا وبال أمرهم} أي: وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي {ولهم عذاب أليم} أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي. ثم علل ذلك فقال: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي: بالحجج والدلائل والبراهين {فقالوا أبشر يهدوننا} ؟ أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، {فكفروا وتولوا} أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل، {واستغنى الله} أي: عنهم {والله غني حميد} {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } يقول تعالى مخبرا عن المشركين والكفار والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} أي: لتخبرن بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، {وذلك على الله يسير} أي: بعثكم ومجازاتكم. وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه، عز وجل، على وقوع المعاد ووجوده فالأولى في سورة يونس: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53] والثانية في سورة سبأ: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} الآية [سبأ: 3] والثالثة هي هذه [ {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ] ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} يعني: القرآن، {والله بما تعملون خبير} أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} [هود: 103] وقال تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة: 49، 50] وقوله: {ذلك يوم التغابن} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة. وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وكذا قال قتادة ومجاهد. وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة. {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون }
يقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] وهكذا قال هاهنا: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره ومشيئته. {ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال الأعمش، عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يعني: يسترجع، يقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] وفي الحديث المتفق عليه: "عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح؛ أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله". قال: أريد أهون من هذا يا رسول الله. قال: "لا تتهم الله في شيء، قضى لك به". لم يخرجوه وقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال: {فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} أي: إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة. قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم ثم قال تعالى مخبرا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] . {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد: إن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهى به عن العمل الصالح، كقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] ؛ ولهذا قال هاهنا: {فاحذروهم} قال ابن زيد: يعني على دينكم.
وقال مجاهد: {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس -وسأله رجل عن هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} -قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى، عن الفريابي -وهو محمد بن يوسف-به وقال حسن صحيح. ورواه ابن جرير والطبراني، من حديث إسرائيل، به وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء. وقوله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة، أي: اختبار وابتلاء من الله لخلقه. ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وقوله: {والله عنده} أي: يوم القيامة {أجر عظيم} كما قال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث+ [ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} والتي بعدها] [آل عمران: 14، 15] وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين، رضي الله عنهما، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما". ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد، به وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديثه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، فقال لي: "هل لك من ولد؟ " قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد، ولوددت أن بمكانه: شبع القوم. قال: "لا تقولن ذلك، فإن فيهم قرة عين، وأجرا إذا قبضوا"، ثم قال: "ولئن قلت ذاك: إنهم لمجبنة محزنة" تفرد به أحمد رحمه الله تعالى. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي، عن عيسى [بن أبي وائل] عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة" ثم قال: لا يعرف إلا بهذا الإسناد وقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك" وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم } أي: جهدكم وطاقتكم. كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" وقد قال بعض المفسرين -كما رواه مالك، عن زيد بن أسلم-إن هذه الآية العظيمة ناسخة للتي في "آل عمران" وهي قوله:} يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء -هو ابن دينار-عن سعيد بن جبير في قوله: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} قال: لما نزلت الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: {فاتقوا الله ما استطعتم} فنسخت الآية الأولى. وروي عن أبي العالية، وزيد بن أسلم، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وقوله: {واسمعوا وأطيعوا} أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زجرتم. وقوله تعالى: {وأنفقوا خيرا لأنفسكم} أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن إليكم، يكن خيرا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة. وقوله: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} تقدم تفسيره في سورة "الحشر" وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية، بما أغنى عن إعادته ها هنا، ولله الحمد والمنة، وقوله: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم} أي: مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول: "من يقرض غير ظلوم ولا عديم " ولهذا قال: {يضاعفه لكم} كما تقدم في سورة البقرة: {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] {ويغفر لكم} أي: ويكفر عنكم السيئات. ولهذا قال: {والله شكور} أي: يجزي على القليل بالكثير {حليم} أي: [يعفو و] يصفح ويغفر ويستر، ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات. {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم} تقدم تفسيره غير مرة. تفسير سورة الطلاق وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } خوطب النبي صلى الله عليه وسلم أولا تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعا فقال: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله، عز وجل: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة. ورواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة ... فذكره مرسلا وقد ورد من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث وعقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم: أن عبد الله بن عمر أخبره: أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله، عز وجل" هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم، ولفظه: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة ومواضع استقصائها كتب الأحكام.
وأمس لفظ يورد ها هنا ما رواه مسلم في صحيحه، من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عزة يسأل ابن عمر-وأبو الزبير يسمع ذلك: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليراجعها" فردها، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو يمسك". قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} . وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: {فطلقوهن لعدتهن} قال: الطهر من غير جماع وروي عن ابن عمر وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وميمون بن مهران، ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} قال: لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة. وقال عكرمة: {فطلقوهن لعدتهن} العدة: الطهر، والقرء الحيضة، أن يطلقها حبلى مستبينا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا. ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها. والبدعي: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة، وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله {وأحصوا العدة} أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج. {واتقوا الله ربكم} أي: في ذلك. وقوله: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضا. وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم وتشمل ماذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب، وابن عباس، وعكرمة، وغيرهم. وقوله: {وتلك حدود الله} أي: شرائعه ومحارمه {ومن يتعد حدود الله} أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها {فقد ظلم نفسه} أي: بفعل ذلك. وقوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل.
قال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} قال: هي الرجعة. وكذا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل ابن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم، كالإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير -[يعني] نفقة- فتسخطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ليس لك عليه نفقة". ولمسلم: ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" الحديث وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر، فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار. فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل. قال: لا. قالت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن فلانا طلقني، وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة، [فأرسل إليه] فقال: "ما لك ولابنة آل قيس"، قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعا. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظري يا بنت آل قيس، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كان له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى. اخرجي فانزلي على فلانة". ثم قال: "إنه يتحدث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم، فإنه أعمى لا يراك" وذكر تمام الحديث وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التستري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي: أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئا، ولا أوصانا به. فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي، فطلبت السكنى والنفقة علي، فقال: أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى". وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سعيد بن يزيد وهو الأحمسي البجلي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: وهو شيخ، يروي عنه {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا } يقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات أجلهن، أي: شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها، وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده. {بمعروف} أي: محسنا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها {بمعروف} أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.
وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجه، عن عمران بن حصين: أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة، ورجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله، عز وجل، إلا أن يكون من عذر. وقوله: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} أي: هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة. ومن ها هنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه-إلى وجوب الإشهاد في الرجعة، كما يجب عنده في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها. وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} أي: ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو علي هذه الآية: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} حتى فرغ من الآية، ثم قال: "يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم". وقال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: "يا أبا ذر، كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟. "قلت: إلى السعة والدعة أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال: "كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ ". قال: قلت: إلى السعة والدعة، وإلى الشام والأرض المقدسة. قال: "وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ ". قلت: إذا -والذي بعثك بالحق -أضع سيفي على عاتقي. قال: "أوخير من ذلك؟ ". قلت: أوخير من ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع، وإن كان عبدا حبشيا" وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شتير بن شكل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] وإن أكثر آية في القرآن فرجا: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} وفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، {ويرزقه من حيث لا يحتسب} وقال الربيع بن خثيم: {يجعل له مخرجا} أي: من كل شيء ضاق على الناس. وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجا. وكذا روي عن ابن عباس، والضحاك. وقال ابن مسعود، ومسروق: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} يعلم أن الله إن شاء منع، وإن شاء أعطى {من حيث لا يحتسب} أي من حيث لا يدري. وقال قتادة: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} أي: من شبهات الأمور والكرب عند الموت، {ويرزقه من حيث لا يحتسب} ومن حيث لا يرجو أو لا يأمل.
وقال السدي: {ومن يتق الله} يطلق للسنة، ويراجع للسنة، وزعم أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: "عوف بن مالك الأشجعي" كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر، ويقول له: "إن الله سيجعل لك فرجا" فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا أن انفلت ابنه من أيدي العدو فمر بغنم من أغنام العدو، فاستاقها فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغنى قد أصابه من الغنم، فنزلت فيه هذه الآية: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} رواه ابن جرير، وروي أيضا من طريق سالم بن أبي الجعد مرسلا نحوه وقال الإمام أحمد، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث سفيان -وهو الثوري-به وقال محمد بن إسحاق: جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له أسر ابني عوف. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله". وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم فركبها، وأقبل فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة. فقالت أمه: واسوأتاه. وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد -فاستبقا الباب والخادم، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عنها. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعا بمالك". ونزل: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض، عن هشام بن حسان عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها" وقوله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس: أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف". وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد، وابن لهيعة، به وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنا أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو بموت آجل". ثم رواه عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن بشير، عن سيار أبي حمزة، ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق
وقوله: {إن الله بالغ أمره} أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه {قد جعل الله لكل شيء قدرا} كقوله: {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } يقول تعالى مبينا لعدة الآيسة -وهي التي قد انقطع عنها الحيض لكبرها-: أنها ثلاثة أشهر، عوضا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية "البقرة" وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض أن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ ولهذا قال: {واللائي لم يحضن} وقوله: {إن ارتبتم} فيه قولان: أحدهما -وهو قول طائفة من السلف، كمجاهد، والزهري، وابن زيد-: أي إن رأين دما وشككتم في كونه حيضا أو استحاضة، وارتبتم فيه. والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن، ولم تعرفوه فهو ثلاث أشهر. وهذا مروي، عن سعيد بن جبير. وهو اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، واحتج عليه بما رواه عن أبي كريب وأبي السائب قالا حدثنا ابن إدريس، أخبرنا مطرف، عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب: يا رسول الله، إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال قال: فأنزل الله عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن مطرف، عن عمر بن سالم، عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ناسا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في "البقرة" في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكرن في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض، وذوات الحمل. قال: فأنزلت التي في النساء القصرى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} وقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} يقول تعالى: ومن كانت حاملا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق ناقة في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، وكما وردت به السنة النبوية. وقد روي عن علي، وابن عباس، رضي الله عنهم أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر، عملا بهذه الآية الكريمة، والتي في سورة "البقرة". وقد قال البخاري: حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس -وأبو هريرة جالس-فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال: ابن عباس آخر الأجلين. قلت أنا: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة-فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو السنابل فيمن خطبها هكذا أورد البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا. وقد رواه هو ومسلم وأصحاب الكتب مطولا من وجوه أخر وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة؛ أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تعلت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح، فأذن لها أن تنكح فنكحت. ورواه البخاري في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق عنها كما قال مسلم ابن الحجاج:
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?