Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

Section V02/P155–V02/P157

وقد قال علي بن المديني، رحمه الله، والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا. وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام [أحمد] بن حنبل، رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه، وخالفه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والجمهور، فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله. وقال البخاري: وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم. طريق أخرى عن عمر: قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوما الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة: "من غل منها بعيرا أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه، عن عمرو بن سواد، عن عبد الله بن وهب، به . ورواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه. ثم روي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي [رضي الله عنه] قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد [المملوك، ويحرم نصيبه، وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله، وقد قال البخاري: وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال ولم يحرق متاعه، والله أعلم] . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن خمير بن مالك قال: أمر بالمصاحف أن تغير قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغله، فإنه من غل شيئا جاء به يوم القيامة، ثم قال قرأت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . وروى وكيع في تفسيره عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله: يا أيها الناس، غلوا المصاحف، فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف. يأتي به أحدكم يوم القيامة . وقال [أبو] داود عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم يخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة. فقال: "أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟ "، قال: نعم. قال: "فما منعك أن تجيء به؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كلا أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله منك" . وقوله: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير. وهذه لها نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد:19] وكقوله {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا [ثم هو يوم القيامة من المحضرين] } [القصص:61] . ثم قال: {هم درجات عند الله} قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني: أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كما قال تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} الآية [الأنعام:132] ؛ ولهذا قال: {والله بصير بما يعملون} أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كلا بعمله.

Section V02/P157–V02/P158

وقوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} [الروم:21] أي: من جنسكم. وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف:110] وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان:20] وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف:109] وقال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام:130] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال: {يتلو عليهم آياته} يعني: القرآن {ويزكيهم} أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم {ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني: القرآن والسنة {وإن كانوا من قبل} أي: من قبل هذا الرسول {لفي ضلال مبين} أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد. {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } يقول تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة} وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم {قد أصبتم مثليها} يعني: يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا {قلتم أنى هذا} أي: من أين جرى علينا هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم} قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عز وجل: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان، وهو قراد أبو نوح، بإسناده ولكن بأطول منه، وكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون، عن محمد عن عبيدة (ح) قال سنيد -وهو حسين-: وحدثني حجاج عن جرير، عن محمد، عن عبيدة، عن علي، رضي الله عنه، قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين، إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، به. ثم قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروى عن ابن سيرين عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

Section V02/P158–V02/P160

وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسدي: {قل هو من عند أنفسكم} أي: بسبب عصيانكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة {إن الله على كل شيء قدير} أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه . ثم قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك. [وقوله] {وليعلم المؤمنين} أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا. {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} يعني [بذلك] أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة؛ ولهذا قال: {أو ادفعوا} قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو صالح، والحسن، والسدي: يعني كثروا سواد المسلمين. وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء. وقال غيره: رابطوا. فتعللوا قائلين: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني حين خرج إلى أحد-في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط -بين أحد والمدينة-انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب [إلى] الإيمان؛ لقوله: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} ثم قال: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: {والله أعلم بما يكتمون} . وقوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول.

Section V02/P160–V02/P161

{فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة قال: لا أدري أربعين أو سبعين. وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتوا غارا مشرفا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال -أراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج حتى أتى حيا [منهم] فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر. فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. وقال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: أن الله [تعالى] أنزل فيهم قرآنا: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمنا وأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} . وقد قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" . وقد روي نحوه عن أنس وأبي سعيد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة". انفرد به مسلم من طريق حماد . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما علمت أن الله أحيا أباك فقال له: تمن علي، فقال له: أرد إلى الدنيا، فأقتل مرة أخرى، فقال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون".

Section V02/P161–V02/P162

انفرد به أحمد من هذا الوجه وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر -وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه-قتل يوم أحد شهيدا. قال البخاري: وقال أبو الوليد، عن شعبة عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبكه -أو: ما تبكيه -ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع". وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي ... وذكر تمامه بنحوه . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم، ومأكلهم، وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب" فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} وما بعدها". هكذا رواه [الإمام] أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق به ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، وهذا أثبت . وكذا رواه سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد. حديث آخر: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "يا جابر، ما لي أراك مهتما؟ " قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينا وعيالا. قال: فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا -قال علي: الكفاح: المواجهة -فقال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل: إنه سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله [عز وجل] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} الآية . ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سبيط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه. وكذا رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق علي بن المديني، به .

Section V02/P162–V02/P164

وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن، إن شاء الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [رضي الله عنها] قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: "يا جابر، ألا أبشرك؟ قال: بلى. بشرك الله بالخير. قال شعرت أن الله أحيا أباك فقال: تمن علي عبدي ما شئت أعطكه. قال: يا رب، ما عبدتك حق عبادتك. أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرة أخرى. قال: إنه سلف مني أنه إليها [لا] يرجع" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا". تفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة عن محمد بن إسحاق، به. وهو إسناد جيد . وكان الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم. وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإمام أحمد، رحمه الله، رواه عن [الإمام] محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، عن مالك بن أنس الأصبحي، رحمه الله، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" . قوله: "يعلق" أي: يأكل . وفي هذا الحديث: "إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة". وأما أرواح الشهداء، فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يثبتنا على الإيمان. وقوله: {فرحين بما آتاهم الله [من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون] } أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله، وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. قال محمد بن إسحاق {ويستبشرون} أي: ويسرون بلحوق من خلفهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم؛ ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. [و] قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: "يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غيابهم" . وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا للقتال باشروها بأنفسهم، حتى ويستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم -أي ربهم-[أني] قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم، وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} الآية. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله عنه، في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار، الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوهم، يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: "أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" .

Section V02/P164–V02/P166

ثم قال: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم، سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم. وقوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه -لما سنذكره-فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله [عز وجل] ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد -أو: بئر أبي عيينة -الشك من سفيان-فقال المشركون: نرجع من قابل. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله عز وجل: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره . وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه ألا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان؛ أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدا قال: شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جراحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون . وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: {الذين استجابوا لله والرسول [من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم] } قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، رضي الله عنهما، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: "من يرجع في إثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير، رضي الله عنهما.

Section V02/P166–V02/P167

هكذا رواه البخاري منفردا به، بهذا السياق. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن العباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة، به، ثم قال: صحيح ولم يخرجاه. كذا قال . ورواه أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا بني، إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه . وروى ابن ماجه، عن هشام بن عمار، وهدبة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة به وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان، به . وقال أبو بكر بن مردويه. حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير، رضي الله عنهما" . ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده، لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة كما قدمناه، ومن جهة معناه، فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت عائشة لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، [حدثني] عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع، وقذف الله في قلبه الرعب". وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: "إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل". فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: "إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد". لأحضض الناس، فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوا حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله [عز وجل] {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم [القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم] } . ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال.

Section V02/P167–V02/P168

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مر به -كما حدثني عبد الله بن أبي بكر-معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة -مسلمهم ومشركهم-عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم.. لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك. ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل -قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذول فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: بعكاظ إذ وافيتمونا قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل . وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه رجوعهم: "والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب" . وقال الحسن البصري [في قوله] {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه [الرعب] فمن ينتدب في طلبه؟ " فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم، يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال: ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعا، وأنني راجع إليهم. فجاء التجار فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {حسبنا الله ونعم الوكيل} فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قال عكرمة، وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن [غزوة] حمراء الأسد"، وقيل: نزلت في بدر الموعد، والصحيح الأول. وقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا [وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] } أي: الذين توعدهم الناس [بالجموع] وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}

Section V02/P168–V02/P170

قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وقد رواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر -وهو ابن عياش-به. والعجب أن الحاكم [أبا عبد الله] رواه من حديث أحمد بن يونس، به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم، عليه السلام، حين ألقي في النار: {حسبنا الله ونعم الوكيل} . وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في البنيان. رواه ابن جرير. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. فأنزل الله هذه الآية . وروى أيضا بسنده عن محمد بن عبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، أخبرنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل" . هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس قالا حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ردوا علي الرجل". فقال: "ما قلت؟ ". قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير، عن خالد، عن سيف -وهو الشامي، ولم ينسب -عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه . وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس [في قوله: {فإذا نقر في الناقور} [المدثر: 8] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، يسمع متى يؤمر فينفخ". فقال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: فما نقول ؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد وروينا عن أم المؤمنين عائشة وزينب [بنت جحش] رضي الله عنهما، أنهما تفاخرتا فقالت زينب: زوجني الله وزوجكن أهاليكن وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن. فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت زينب: قلت كلمة المؤمنين .

Section V02/P170–V02/P172

ولهذا قال تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم ورد عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم {بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} مما أضمر لهم عدوهم {واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرا مرت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالا فقسمه بين أصحابه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} قال: [هذا] أبو سفيان، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: موعدكم بدر، حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد صلى الله عليه وسلم: "عسى". فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا فذلك قول الله عز وجل: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء [واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم] } قال: وهي غزوة بدر الصغرى. رواه ابن جرير. وروى [أيضا] عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج قال: لما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون قد جمعوا لكم يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم فيقول المؤمنون: {حسبنا الله ونعم الوكيل} حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، قال: رجل من المشركين فأخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك: نفرت قلوصي من خيول محمد وعجوة منثورة كالعنجد واتخذت ماء قديد موعدي ثم قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو: قد نفرت من رفقتي محمد وعجوة من يثرب كالعنجد تهوى على دين أبيها الأتلد قد جعلت ماء قديد موعدي وماء ضجنان لها ضحى الغد ثم قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، قال الله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [أي: ف] إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه} إلى قوله: {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر:36-38] وقال تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [النساء:76] وقال تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} [المجادلة:19] وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة:21] وقال [تعالى] {ولينصرن الله من ينصره} [الحج:40] وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم [ويثبت أقدامكم] } [محمد:7] وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر:51، 52] . {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير }

Section V02/P172–V02/P173

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك {إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة {ولهم عذاب عظيم} . ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: استبدلوا هذا بهذا {لن يضروا الله شيئا} أي: ولكن يضرون أنفسهم {ولهم عذاب أليم} . ثم قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} كقوله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون:55، 56] ، وكقوله {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [القلم:44] ، وكقوله {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة:55] . ثم قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي: لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم [وثباتهم] وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله [صلى الله عليه وسلم] ولهذا قال: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} . قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد. وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة. وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر. فأنزل الله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى [يميز الخبيث من الطيب} أي: حتى] يخرج المؤمن من الكافر. روى ذلك كله ابن جرير: ثم قال: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} كقوله {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن:26، 27] . ثم قال: {فآمنوا بالله ورسله} أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} . وقوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم} أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه -وربما كان-في دنياه. ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن عبد الله بن دينار-عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه-يقول: أنا مالك، أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم} إلى آخر الآية. تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، به .

Section V02/P173–V02/P175

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه، يقول: أنا كنزك، أنا كنزك". وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، به ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أثبت من رواية عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قلت: ولا منافاة بينهما فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم. وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد، عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة، به. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: " ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه فيقول: أنا كن ". ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} . وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، به. ثم قال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه، من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به ورواه ابن جرير من غير وجه، عن ابن مسعود، موقوفا. حديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: " من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع يوم القيامة له زبيبتان، يتبعه ويقول: من أنت؟ ويلك. فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جس". إسناده جيد قوي ولم يخرجوه . وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده، فيمنعه إياه، إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع". لفظ ابن جرير . وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ، حتى يطوقه". ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة -واسمه حجير بن بيان-عن أبي مالك العبدي موقوفا. ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلا . وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها. رواه ابن جرير. والصحيح الأول، وإن دخل هذا في معناه. وقد يقال: [إن] هذا أولى بالدخول، والله أعلم. وقوله: {ولله ميراث السماوات والأرض} أي: فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل. فقدموا لكم من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم {والله بما تعملون خبير} أي: بنياتكم وضمائركم.

Section V02/P175–V02/P176

{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير } قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة:245] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك. يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} الآية. رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: دخل أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، بيت المدراس، فوجد من يهود أناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع. فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله -يا أبا بكر-ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير. ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطناه ولو كان غنيا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر، رضي الله عنه، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فاكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبصر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قد قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبي بكر: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} الآية. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {سنكتب ما قالوا} تهديد ووعيد؛ ولهذا قرنه بقوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} أي: هذا قولهم في الله، وهذه معاملتهم لرسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء؛ ولهذا قال: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتحقيرا وتصغيرا. وقوله: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} يقول تعالى تكذيبا أيضا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله تعالى: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي: بالحجج والبراهين {وبالذي قلتم} أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة {فلم قتلتموهم} أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم {إن كنتم صادقين} أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} أي: لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة من قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاؤوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة {والزبر} وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين {والكتاب المنير} أي: البين الواضح الجلي.

Section V02/P176–V02/P178

{كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } يخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله: {كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا. وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية -أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة؛ ولهذا قال: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي اللهبي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر، عليه السلام . وقوله: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} . هذا حديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن عمرو هذا. ورواه ابن مردويه [أيضا] من وجه آخر فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها". قال: ثم تلا هذه الآية: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} وتقدم عند قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ما رواه الإمام أحمد، عن وكيع عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" . وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} تصغيرا لشأن الدنيا، وتحقيرا لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى} [الأعلى:16، 17] [وقال تعالى: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد:26] وقال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق] } [النحل:96] . وقال تعالى: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى} [القصص:60] وفي الحديث: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه؟ " .

Section V02/P178–V02/P179

وقال قتادة في قوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} هي متاع، هي متاع، متروكة، أوشكت -والله الذي لا إله إلا هو-أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. وقوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} كقوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون] } [البقرة:155، 156] أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في البلاء {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرا لهم بالصبر والصفح والعفو حتى يفرج الله، فقال: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. هكذا رواه مختصرا، وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولا فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير؛ أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار، عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: "لا تغبروا علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي-قال كذا وكذا". فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا [وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور] } وقال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} الآية [البقرة:109] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام وأسلموا .

Section V02/P179–V02/P181

فكان من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلا بد أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله، عز وجل. {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير } هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". وقوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب] } الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة" وفي الصحيح: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" . وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه-إلى ابن عباس، رضي الله عنه، فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل -معذبا، لنعذبن أجمعون؟ فقال ابن عباس: وما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} وتلا ابن عباس: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم، والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج، بنحوه ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فذكره . وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه؛ أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية.

Section V02/P181–V02/P183

وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم، بنحوه وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد، رأيت قول الله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، فإن كان فيه نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح. فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا، فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك -يعني رافع بن خديج-ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة. فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على شهادة لك ؟ فقال أبو سعيد: شهدت الحق. فقال زيد: أو لا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع، في أي شيء نزلت هذه؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد، رضي الله عنهم، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له ما ذكرناه، ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء؛ لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري؛ أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت. قال: "لم؟ " قال: نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحب الحمد. ونهى الله عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جهوري الصوت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ " قال: بلى يا رسول الله. فعاش حميدا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب . وقوله: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم، أي: لا تحسبون أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه؛ ولهذا قال: {ولهم عذاب أليم} ثم قال: {ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير} أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا نقمته وغضبه، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه. {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } قال الطبراني: حدثنا الحسن بن إسحاق التستري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا. فدعا ربه، فنزلت هذه الآية: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} فليتفكروا فيها

Section V02/P183–V02/P184

وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية. وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة. والله أعلم. ومعنى الآية أنه يقول تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص {واختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم ؛ ولهذا قال: {لأولي الألباب} أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين قال الله [تعالى] فيهم: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:105، 106] . ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار". وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وقال الفضيل: قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك. وربما تمثل بهذا البيت: إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة وعن عيسى، عليه السلام، أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكرا، وصمته تفكرا، ونظره عبرا. وقال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة. وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم، وما فهم امرؤ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل. وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله، عز وجل، حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه، قد ذهب عقله. وقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر، كنز الرجال وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص:88] . وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه . وقال الحسن: يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة. وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة. وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان، أو نور الإيمان، التفكر. وعن عيسى، عليه السلام، أنه قال: يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد.

Section V02/P184–V02/P018

وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، أنه بكى يوما بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: نزهة المؤمن الفكر لذة المؤمن العبر نحمد الله وحده نحن كل على خطر رب لاه وعمره قد تقضى وما شعر رب عيش قد كان فو ق المنى مونق الزهر في خرير من العيو ن وظل من الشجر وسرور من النبا ت وطيب من الثمر غيرته وأهله سرعة الدهر بالغير نحمد الله وحده إن في ذا لمعتبر إن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبر وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:105، 106] ومدح عباده المؤمنين: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} قائلين {ربنا ما خلقت هذا باطلا} أي: ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا: {سبحانك} أي: عن أن تخلق شيئا باطلا {فقنا عذاب النار} أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم. ثم قالوا: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع {وما للظالمين من أنصار} أي: يوم القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم. {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} أي: داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم {أن آمنوا بربكم فآمنا} أي يقول: {آمنوا بربكم فآمنا} أي: فاستجبنا له واتبعناه {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها {وكفر عنا سيئاتنا} أي: فيما بيننا وبينك {وتوفنا مع الأبرار} أي: ألحقنا بالصالحين {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} قيل: معناه: على الإيمان برسلك. وقيل: معناه: على ألسنة رسلك. وهذا أظهر. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عسقلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفا شهداء وفودا إلى الله، وبها صفوف الشهداء، رؤوسهم مقطعة في أيديهم، تثج أوداجهم دما، يقولون: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} فيقول: صدق عبدي، اغسلوهم بنهر البيضة. فيخرجون منه نقاء بيضا، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا". وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، والله أعلم . {ولا تخزنا يوم القيامة} أي: على رؤوس الخلائق {إنك لا تخلف الميعاد} أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سريج حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر؛ أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله، عز وجل، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار" حديث غريب . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري، رحمه الله:

Questions