İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني: أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب-عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء. وكانا نصرانيين، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته. فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله -قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إلينا غيره-قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء. وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به فذكره -وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} إلى قوله: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء. ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. وفيهم نزلت: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} وكذا رواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة. ومحمد بن أبي القاسم، كوفي، قيل: إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير. وكذا ذكرها مرسلة: مجاهد، والحسن، والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها. ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير:
حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي؛ أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري -يعني: أبا موسى الأشعري، رضي الله عنه-فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي؛ أن أبا موسى قضى بدقوقا. وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري. فقوله: "هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" الظاهر -والله أعلم-أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، قد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري، رضي الله عنه، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم. وقال أسباط عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، قال: هذا في الحضر، {أو آخران من غيركم} في السفر، {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [مال صاحبهم] تركوا الرجلين وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم} قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخونوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان: بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين: أن صاحبهم لبهذا أوصى، وأن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} الآية، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فذلك قوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا {فآخران يقومان مقامهما} يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس. رواهما ابن جرير. وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف، رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد، رحمه الله.
وقوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها، هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} ثم قال: {واتقوا الله} أي: في جميع أموركم {واسمعوا} أي: وأطيعوا {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته. {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب } وهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] وقال تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر:92، 93] . وقول الرسل: {لا علم لنا} قال مجاهد، والحسن البصري، والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} فيفزعون فيقولون: {لا علم لنا} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخا يقول: سمعت الحسن يقول في قوله: {يوم يجمع الله الرسل} الآية، قال: من هول ذلك اليوم. وقال أسباط، عن السدي: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} ذلك: أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: {لا علم لنا} ثم نزلوا منزلا آخر، فشهدوا على قومهم. رواه ابن جرير. ثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} يقولون للرب، عز وجل: لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منا. رواه ابن جرير. ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب، عز وجل، أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره، لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء. فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك {أنت علام الغيوب} {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون }
يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات، فقال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء {وعلى والدتك} حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة، {إذ أيدتك بروح القدس} وهو جبريل، عليه السلام، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي؛ ولهذا قال تعالى: {تكلم الناس في المهد وكهلا} أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن "تكلم" تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. وقوله: {وإذ علمتك الكتاب والحكمة} أي: الخط والفهم {والتوراة} وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث ويراد به ما هو أعم من ذلك. وقوله: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فيكون طائرا بإذني، أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرا ذا روح بإذن الله وخلقه. وقوله: {وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني} قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: {وإذ تخرج الموتى بإذني} أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة -يعني ابن مصرف-عن أبي بشر، عن أبي الهذيل قال: كان عيسى ابن مريم، عليه السلام، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: {تبارك الذي بيده الملك} [سورة الملك] ، وفي الثانية: {الم. تنزيل الكتاب} [سورة السجدة] . فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد -وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض، وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب. وهذا أثر عجيب جدا. وقوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم. وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة. وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} وهذا أيضا من الامتنان عليه، عليه السلام، بأن جعل له أصحابا وأنصارا. ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} الآية [القصص:7] ، وهذا وحي إلهام بلا خوف، وكما قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا} الآية [النحل:68، 69] . وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا} [أي: بالله وبرسول الله] {واشهد بأننا مسلمون} أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله. عز وجل ذلك، وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: {آمنا واشهد بأننا مسلمون}
{إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: "سورة المائدة". وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة. وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم. فقوله تعالى: {إذ قال الحواريون} وهم أتباع عيسى عليه السلام: {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون: "هل تستطيع ربك" أي: هل تستطيع أن تسأل ربك {أن ينزل علينا مائدة من السماء} . والمائدة هي: الخوان عليه طعام. وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة. قال: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي: فأجابهم المسيح، عليه السلام، قائلا لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين. {قالوا نريد أن نأكل منها} أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها {وتطمئن قلوبنا} إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء {ونعلم أن قد صدقتنا} أي: ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك، {ونكون عليها من الشاهدين} أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} قال السدي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يوما نصلي فيه، وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم، وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأولنا وآخرنا. {وآية منك} أي: دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك {وارزقنا} أي: من عندك رزقا هنيئا بلا كلفة ولا تعب {وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم} أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها {فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} أي: من عالمي زمانكم، كقوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46] ، وكقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء:145] . وقد روى ابن جرير، من طريق عوف الأعرابي، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين:
قال أبو جعفر بن جرير حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس: أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له. ففعلوا، ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. كذا رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس؛ أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزلت المائدة من السماء، عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير" وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن قزعة ثم رواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال: نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا ألا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا. قال: فخان القوم وخبئوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال: صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبؤوا، أو تخونوا، أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، قال: فما مضى يومهم حتى خبؤوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم -معشر العرب- كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكتنزوا الذهب والفضة. وأيم الله، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابا أليما. وقال: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله، أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: "لعلها لا تنزل غدا". فرفعت.
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا. وقال خصيف، عن عكرمة ومقسم، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأرغفة. وقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبزا وسمكا. وقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء. وقال وهب بن منبه: أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم. فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل. وقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا. وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم. وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم. وعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن عبيد الله بن مرداس العبدري -مولى بني عبد الدار-عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير؛ أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا: {نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا} الآية. فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائما مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفا للشروط التي اتخذها الله عليهم -فيها: أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين -وهو يدعو الله من مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شكارين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.
فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجدا شكرا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرا عجيبا أورثهم كمدا وغما، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى. والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطي. قال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه؟ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها. فقام عيسى، عليه السلام، واستأنف وضوءا جديدا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا. ثم انصرف فجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: "باسم الله خير الرازقين"، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات. فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية! فقال شمعون: وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصديقة. فقال عيسى، عليه السلام: ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له: كن. فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله! أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى، عليه السلام، على السمكة، فقال: يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها. ففزع القوم منها وانحازوا. فلما رأى عيسى ذلك منهم قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت. فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول. فقالوا لعيسى: كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى: معاذ الله من ذلك! يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة، فتحاموها. فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زمن أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحا حتى خرجوا من الدنيا.
وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة، سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضا: الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضا. فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يوما ولا تنزل يوما. فلبثوا في ذلك أربعين يوما، تنزل عليهم غبا عند ارتفاع الضحى فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم. بإذن الله إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى، عليه السلام، أن اجعل رزقي المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغمطوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة، ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟ فقال عيسى، عليه السلام: هلكتم وإله المسيح! طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقا، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله. وأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات. هذا أثر غريب جدا. قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا له ليكون سياقه أتم وأكمل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل، أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم: {قال الله إني منزلها عليكم} الآية. وقد قال قائلون: إنها لم تنزل. فروى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: {أنزل علينا مائدة من السماء} قال: هو مثل ضرب، ولم ينزل شيء. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. ثم قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا القاسم -هو ابن سلام-حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم. وقال أيضا: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن؛ أنه قال في المائدة: لم تنزل. وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم. ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأنه تعالى أخبر بنزولها بقوله تعالى: {إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق. وهذا القول هو -والله أعلم-الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس وتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة. ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود، عليهما السلام، فالله أعلم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: " بل باب التوبة والرحمة". ثم رواه أحمد، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من حديث سفيان الثوري، به. {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } هذا أيضا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليه السلام، قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا. قال ابن جرير: هذا هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه الله إلى سماء الدنيا. واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين: أحدهما: أن الكلام لفظ المضي. والثاني: قوله: {إن تعذبهم} و {إن تغفر لهم} وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي، ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية: التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات. والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم: أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله، مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه، فيقر بها، فيقول: {يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} الآية [المائدة: 110] ثم يقول: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون: نعم، هو أمرنا بذلك، قال: فيطول شعر عيسى، عليه السلام، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده. فيجاثيهم بين يدي الله، عز وجل، مقدار ألف عام، حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار"، وهذا حديث غريب عزيز. وقوله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: يلقى عيسى حجته، ولقاه الله في قوله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه الله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} أي آخر الآية. وقد رواه الثوري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس، بنحوه.
وقوله: {إن كنت قلته فقد علمته} أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب، فإنه لا يخفى عليك شيء مما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته؛ ولهذا قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} بإبلاغه {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه: {أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي: هذا هو الذي قلت لهم، {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان فأملاه على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان، فحدثنا قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: "يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله، عز وجل، حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده، وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". ورواه البخاري عند هذه الآية عن الوليد، عن أبي شعبة -وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، كلاهما عن المغيرة بن النعمان، به. وقوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله، عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله، وعلى رسوله، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي، عز وجل، الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا".
طريق أخرى وسياق آخر: قال أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة: أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربذة، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إلي بيمينه، فقمت عن يمينه. ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله، فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلو. وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة. فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود: أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود بيده: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي، فقلت: بأبي أنت وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: "دعوت لأمتي". قلت: فماذا أجبت؟ -أو ماذا رد عليك؟ -قال: "أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة". قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: "بلى". فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر. فقال عمر: يا رسول الله، إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع فرجع، وتلك الآية: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه فقال: "اللهم أمتي". وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم-فاسأله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: "إن ربي، عز وجل، استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي فقال: ادع تجب، وسل تعط". فقلت لرسوله: أومعطي ربي سؤلي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيا صحيحا، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج". {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير } يقول تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه، عز وجل، فعند ذلك يقول تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال الضحاك، عن ابن عباس يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم.
{لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} أي: ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون، رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] . وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث. وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن عثمان -يعني ابن عمير أبو اليقظان -عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم يتجلى لهم الرب تعالى فيقول: سلوني سلوني أعطكم". قال: "فيسألونه الرضا، فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني أعطكم. فيسألونه الرضا"، قال: "فيشهدهم أنه قد رضي عنهم". وقوله: {ذلك الفوز العظيم} أي: هذا هو الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: {لمثل هذا فليعمل العاملون} [الصافات:61] ، وكما قال: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] . وقوله: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، فلا إله غيره ولا رب سواه. قال ابن وهب: سمعت حيي بن عبد الله يحدث، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. [بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة وما توفيقي إلا بالله] تفسير سورة الأنعام [وهي مكية] قال العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس: أنزلت سورة الأنعام بمكة. وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وقال سفيان الثوري، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة [واحدة] وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة وقال شريك، عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض وقال السدي عن مرة، عن عبد الله قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة. وروي نحوه من وجه آخر، عن ابن مسعود. وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ". ثم قال: صحيح على شرط مسلم وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج "، ورسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم " ثم روى ابن مردويه عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمرو، عن يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: " نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد "
{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحد لفظ النور"؛ لكونه أشرف، كما قال {عن اليمين والشمائل} [النحل: 48] ، وكما قال في آخر هذه السورة {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] . وقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وقوله: {هو الذي خلقكم من طين} يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب. وقوله: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ثم قضى أجلا} يعني: الموت {وأجل مسمى عنده} يعني: الآخرة. وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقول الحسن -في رواية عنه: {ثم قضى أجلا} قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت {وأجل مسمى عنده} ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] والمصير إلى الدار الآخرة. وعن ابن عباس ومجاهد: {ثم قضى أجلا} يعني: مدة الدنيا {وأجل مسمى عنده} يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم [يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم] } الآية [الأنعام: 60] . وقال عطية، عن ابن عباس {ثم قضى أجلا} يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة {وأجل مسمى عنده} يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب. ومعنى قوله: {عنده} أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: {إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} [الأعراف: 187] ، وكقوله {يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} [النازعات: 42 -44] . وقوله: {ثم أنتم تمترون} قال السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة. وقوله: {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوا كبيرا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] ، أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: {يعلم سركم وجهركم} خبرا أو حالا. والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: {يعلم} متعلقا بقوله: {في السماوات وفي الأرض} تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون. والقول الثالث أن قوله {وهو الله في السماوات} وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: {وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} وهذا اختيار ابن جرير. وقوله: {ويعلم ما تكسبون} أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها.
{وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين: إنهم مهما أتتهم {من آية} أي: دلالة ومعجزة وحجة، من الدلالات على وحدانية الرب، عز وجل، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها. قال الله تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غبه، وليذوقن وباله. ثم قال تعالى واعظا ومحذرا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعا، وأكثر أموالا وأولادا واستغلالا للأرض وعمارة لها، فقال {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسعة والجنود، {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} أي: شيئا بعد شيء، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجا وإملاء لهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [مثل] ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه. {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } يقول تعالى مخبرا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14، 15] وقال تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم} [الطور: 44] . {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [أي: فيكون معه نذيرا] قال الله: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} [الحجر: 8] ، [و] قال تعالى: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [ويقولون حجرا محجورا] } [الفرقان: 22] . وقوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة رجل لتفهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كما قال تعالى: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95] ، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية [آل عمران: 164] .
قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ] الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم. وقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذا تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. ثم قال: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنون. {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين } يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي" وقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [وهو يوم القيامة] الذي لا ريب فيه ولا شك فيه عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون. وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: "والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء". هذا حديث غريب وفي الترمذي: "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة ولهذا قال: {الذين خسروا أنفسهم} [أي يوم القيامة] {فهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. ثم قال تعالى {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا إله إلا هو، {وهو السميع العليم} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم. ثم قال لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه المستقيم: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} كما قال {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] ، والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين] } [الذاريات: 56 -58] . وقرأ بعضهم هاهنا: {وهو يطعم ولا يطعم} الآية أي: لا يأكل.
وفي حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ومن علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين" {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} أي: من هذه الأمة {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يعني: يوم القيامة. {من يصرف عنه} يعني: العذاب {يومئذ فقد رحمه} يعني: فقد رحمه الله {وذلك الفوز المبين} كما قال: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} [آل عمران: 185] ، والفوز: هو حصول الربح ونفي الخسارة. {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون } يقول تعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} كما قال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} الآية [فاطر: 2] وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" ؛ ولهذا قال تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره {وهو الحكيم} أي: في جميع ما يفعله {الخبير} بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق. ثم قال: {قل أي شيء أكبر شهادة} أي: من أعظم الأشياء [شهادة] {قل الله شهيد بيني وبينكم} أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي: وهو نذير لكل من بلغه، كما قال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: {ومن بلغ} [قال] من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم -زاد أبو خالد: وكلمه. ورواه ابن جرير من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {لأنذركم به ومن بلغ} إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله". وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر كالذي أنذر.
وقوله: {أئنكم لتشهدون} [أي] أيها المشركون {أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} كما قال تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150] ، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} ثم قال مخبرا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وببعثه وصفته، وبلده ومهاجره، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: {الذين خسروا أنفسهم} أي: خسروا كل الخسارة، {فهم لا يؤمنون} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه. ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي: لا أظلم ممن تقول على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب. {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } يقول تعالى مخبرا عن المشركين: {ويوم نحشرهم جميعا} يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلا [لهم] {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} كما قال تعالى في سورة القصص: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} [الآية: 62] . وقوله: {ثم لم تكن فتنتهم} أي: حجتهم. وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: أي: معذرتهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي قيلهم. وكذا قال الضحاك. وقال عطاء الخراساني: ثم لم تكن بليتهم حين ابتلوا {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال يا أبا عباس. سمعت الله يقول: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال: أما قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه. وقال الضحاك، عن ابن عباس: هذه في المنافقين. وفي هذا نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له [كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون] } [المجادلة: 18] ، وهكذا قال في حق هؤلاء: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} كما قال {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا [بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين] } [غافر: 73، 74] .
وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} أي: يجيؤوك ليسمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئا؛ لأن الله جعل {على قلوبهم أكنة} أي: أغطية لئلا يفقهوا القرآن {وفي آذانهم وقرا} أي: صمما عن السماع النافع، فهم كما قال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [صم بكم عمي فهم لا يعقلون] } [البقرة: 171] . وقوله: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات، لا يؤمنوا بها. فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون] } [الأنفال: 23] . وقوله: {حتى إذا جاءوك يجادلونك} أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل {يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم. وقوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} وفي معنى {ينهون عنه} قولان: أحدهما: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول، والانقياد للقرآن، وينسأون عنه أي: [ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون] ولا يتركون أحدا ينتفع [ويتباعدون] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. وقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم-، وينهون عنه. وكذا قال مجاهد وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وهذا القول أظهر، والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير. والقول الثاني: رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى [الناس] عن النبي صلى الله عليه وسلم إن يؤذى وكذا قال القاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن دينار: إنها نزلت في أبي طالب. وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر. رواه ابن أبي حاتم. وقال محمد بن كعب القرظي: {وهم ينهون عنه} أي: ينهون الناس عن قتله. [و] قوله: {وينأون عنه} أي: يتباعدون منه {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} أي: وما يهلكون بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وما يشعرون. {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا عملا صالحا، ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. قال تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها، في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبل هذا بيسير {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، كما قال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} الآية [الإسراء: 102] . قال تعالى مخبرا عن فرعون وقومه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] .
ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه [السورة] مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} [العنكبوت: 11] ؛ وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق، والله أعلم. وأما معنى الإضراب في قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} فهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار؛ ولهذا قال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} أي: في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان. ثم قال مخبرا عنهم: إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] {وإنهم لكاذبون} أي: في قولهم: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} أي: لعادوا لما نهوا عنه، إنهم لكاذبون ولقالوا: {إن هي إلا حياتنا} أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها؛ ولهذا قال: {وما نحن بمبعوثين} ثم قال {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: أوقفوا بين يديه قال: {أليس هذا بالحق} أي: أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون؟ {قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي: بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} [الطور: 15] {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال ولهذا قال: {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة [الدنيا] وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها. وقوله {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون. [و] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن أبي مرزوق قال: ويستقبل الكافر -أو: الفاجر - -عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني؟ فيقول: لا والله إلا أن الله [قد] قبح وجهك ونتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، طالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك، فهو قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم [ألا ساء ما يزرون] } وقال أسباط: عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الرائحة عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحا قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنا ! قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسا. قال له: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي: إنما غالبها كذلك {وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون}
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?