İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: هذا في الدنيا. قال: وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون: {لا تدركه الأبصار} أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، وقال تعالى عن الكافرين: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] . قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل: المراد بقوله: {لا تدركه الأبصار} أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك. وهذا غريب جدا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله [سبحانه وتعالى] أعلم. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى. وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لا تدركه الأبصار} ؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} هو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث. رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا". غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم.
وقال آخرون في [قوله تعالى] {لا تدركه الأبصار} بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة" له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى. فقلت: أليس الله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية؟ فقال: لي "لا أم لك. ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء". وفي رواية: "لا يقوم له شيء". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو: النار -لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه -تعالى وتقدس وتنزه -فلا تدركه الأبصار؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء. وقوله: {وهو يدرك الأبصار} أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] . وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي في قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} لا يراه شيء وهو يرى الخلائق. وقال أبو العالية في قوله [تعالى] {وهو اللطيف الخبير} اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها. والله أعلم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] . {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم {فمن أبصر فلنفسه} مثل قوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} [الإسراء: 15] ؛ ولهذا قال: {ومن عمي فعليها} لما ذكر البصائر قال: {ومن عمي فعليها} أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه، كقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] . {وما أنا عليكم بحفيظ} أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وقوله: {وكذلك نصرف الآيات} أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة، من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم. هكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، سمعت ابن عباس يقرأ: {دارست} تلوت، خاصمت، جادلت
وهذا كما قال تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها [فهي تملى عليه بكرة وأصيلا] } [الفرقان: 4، 5] ، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم: {إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر} [المدثر: 18 -25] . وقوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء. كما قال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا [وما يضل به إلا الفاسقين] } [البقرة: 26] ، وقال تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } [الحج: 53] وقال تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] . وقال [تعالى] {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء: ولهذا قال هاهنا: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون} وقرأ بعضهم: {وليقولوا درست} قال التميمي، عن ابن عباس: "درست" أي: قرأت وتعلمت. وكذا قال مجاهد، والسدي والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال عبد الرزاق، عن معمر، قال الحسن: "وليقولوا درست"، يقول: تقادمت وانمحت. وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانا يقرؤون هاهنا: "درست"، وإنما هي: "درست". وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال في قراءة ابن مسعود: "درست" بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء. وقال ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما، وتطاولت مدته. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أنه قرأها: "درست" أي: قرئت وتعلمت. وقال معمر، عن قتادة: "درست": قرئت. وفي حرف ابن مسعود "درس". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: "وليقولوا درس". قال: يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهذا غريب، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن الليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وليقولوا درست} . ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين، ونصب التاء، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به؛ فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو. {وأعرض عن المشركين} أي: اعف عنهم واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم.
واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا [ولو شاء الله لجمعهم على الهدى] {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي: حافظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم {وما أنت عليهم بوكيل} أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم {إن عليك إلا البلاغ} كما قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] ، وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فيسبوا الله عدوا بغير علم} وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل الله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية، وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري وبعثوا رجلا منهم يقال له: "المطلب"، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه. فدعاه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تريدون؟ ". قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك. قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج؟ " قال أبو جهل: وأبيك لأعطينكها وعشرة أمثالها [قال] فما هي؟ قال: "قولوا لا إله إلا الله". فأبوا واشمأزوا. قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها. قال: " يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها". إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا، أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك فذلك قوله: {فيسبوا الله عدوا بغير علم} ومن هذا القبيل -وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها -ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ملعون من سب والديه". قالوا يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". أو كما قال، عليه السلام وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره. {ثم إلى ربهم مرجعهم} أي: معادهم ومصيرهم، {فينبئهم بما كانوا يعملون} أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } يقول تعالى إخبارا عن المشركين: إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيمانا مؤكدة {لئن جاءتهم آية} أي: معجزة وخارق، {ليؤمنن بها} أي: ليصدقنها، {قل إنما الآيات عند الله} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء أجابكم، وإن شاء ترككم، كما قال، قال ابن جرير: حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ ". قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. فقال لهم: "فإن فعلت تصدقوني؟ ". قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل، عليه السلام، فقال له: لك ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بل يتوب تائبهم". فأنزل الله: {وأقسموا بالله} إلى قوله [تعالى] {يجهلون} وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وقال الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا] } [الإسراء: 59] . وقوله تعالى: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} قيل: المخاطب ب {وما يشعركم} المشركون، وإليه ذهب مجاهد كأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها. وعلى هذا فالقراءة: "إنها إذا جاءت لا يؤمنون" بكسر "إنها" على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها، وقراءة بعضهم: "أنها إذا جاءت لا تؤمنون" بالتاء المثناة من فوق. وقيل: المخاطب بقوله: {وما يشعركم} المؤمنون، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في {أنها} الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم. وعلى هذا فتكون "لا" في قوله: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} صلة كما في قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ، وقوله {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] . أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك وحرام أنهم يرجعون. وتقديره في هذه الآية: وما يدريكم -أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك حرصا على إيمانهم -أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون وقال بعضهم: "أنها" بمعنى لعلها. قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. قال: وقد ذكر عن العرب سماعا: "اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئا" بمعنى: لعلك تشتري. قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا: أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد وقد اختار هذا القول ابن جرير وذكر عليه شواهد من أشعار العرب والله [تعالى] أعلم. وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [كما لم يؤمنوا به أول مرة] } ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. قال: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] ، [وقال]
{أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله [وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب] لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 56 -58] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، وقال {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله: {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: في ضلالهم. {يعمهون} قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يترددون. {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم {لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} فنزلنا عليهم الملائكة، أي: تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] ، {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] . {وكلمهم الموتى} أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل، {وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} -قرأ بعضهم: "قبلا" بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة، والمعاينة. وقرأ آخرون [وقبلا] بضمهما قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس. وبه قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد: {قبلا} أفواجا، قبيلا قبيلا أي: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} أي: إن الهداية إليه، لا إليهم. بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، وسلطانه وقهره وغلبته. وهذه الآية كقوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } يقول تعالى: وكما جعلنا لك -يا محمد -أعداء يخالفونك، ويعادونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] ، وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا [حتى أتاهم نصرنا] } [الأنعام: 34] ، وقال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} [فصلت: 43] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [وكفى بربك هاديا ونصيرا] } [الفرقان: 43] . وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وقوله: {شياطين الإنس والجن} بدل من {عدوا} أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله [تعالى] {شياطين الإنس والجن} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قال: لا يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به طريق أخرى عن أبي ذر: قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ ". قال: قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم" طريق أخرى للحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: يا رسول الله، وهل للإنس [من] شياطين؟ قال: "نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم. وقد روى ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: {شياطين الإنس والجن} قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن. قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض} في تفسير هذه الآية: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن الذين يضلون الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا. ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم. ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا، عن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، أضلله بكذا. فهو قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}
وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الكلب الأسود شيطان" ومعناه -والله أعلم -: شيطان في الكلاب. وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا. وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدث الناس. قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: 3] ، وقال [الله] تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني. وإنما عرض عكرمة بالمختار -وهو ابن أبي عبيد -قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، [قال] الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] ، وقوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره. {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء. {فذرهم} أي: فدعهم، {وما يفترون} أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. وقوله تعالى: {ولتصغى إليه} أي: ولتميل إليه -قاله ابن عباس - {أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم. وقال السدي: قلوب الكافرين، {وليرضوه} أي: يحبوه ويريدوه. وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: {فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 161 -163] ، وقال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف. يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 8، 9] . مكتسبون وقال السدي، وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } يقول [الله] تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره: {أفغير الله أبتغي حكما} أي: بيني وبينكم، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} أي: مبينا، {والذين آتيناهم الكتاب} أي: من اليهود والنصارى، {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ، أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، {فلا تكونن من الممترين} كقوله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] ، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه؛ ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أشك ولا أسأل". وقوله: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} قال قتادة: صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم. يقول: صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر [ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث] } إلى آخر الآية [الأعراف: 157] . {لا مبدل لكلماته} أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، {وهو السميع} لأقوال عباده، {العليم} بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} [الصافات: 71] ، وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] ، وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل، وهو حزر ما عليها من التمر وكذلك كله قدر الله ومشيئته، و {هو أعلم من يضل عن سبيله} فييسره لذلك {وهو أعلم بالمهتدين} فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له. {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين } هذا إباحة من الله [تعالى] لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار المشركين من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها. ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه. وقرأ بعضهم: {فصل} بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. {إلا ما اضطررتم إليه} أي: إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى: فقال {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } قال مجاهد: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} معصيته في السر والعلانية -وفي رواية عنه [قال] هو ما ينوي مما هو عامل. وقال: قتادة: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} أي: قليله وكثيره، سره وعلانيته وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه: [الزنا] مع الخليلة والصدائق والأخدان. وقال عكرمة: ظاهره: نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا] } الآية [الأعراف: 33] ؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي: سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه" {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] . ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وإنه لفسق} والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله -وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج. "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم. وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه وعن عائشة، رضي الله عنها، أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري: أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، [وأنهم] خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله [تعالى] أعلم. والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدا أو نسيانا لم تضر وهذا مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى {أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] . وقال ابن جريج، عن عطاء: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي [رحمه الله] قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل "الواو" في قوله: {وإنه لفسق} حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقا، ولا يكون فسقا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون "الواو" عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة إسمية خبرية على جملة فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} فإنها عاطفة لا محاولة، فإن كانت "الواو" التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن "الواو" حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: هي الميتة. ثم رواه، عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لهيعة، عن عطاء -وهو ابن السائب -به.
وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل، من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي -مولى سويد بن منجوف أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله" وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم -ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله" واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة، رضي الله عنها، المتقدم أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا". قال: فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم. المذهب الثالث في المسألة: [أنه] إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر وإن تركها عمدا لم تحل. هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن. ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني في كتابه "الهداية" الإجماع -قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع. وهذا الذي قاله غريب جدا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله" وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري فإنه وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله. فزادا في إسناده "أبا الشعثاء"، ووقفا والله [تعالى] أعلم. وهذا أصح، نص عليه البيهقي [وغيره من الحفاظ] وقد نقل ابن جرير وغيره. عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيرا، والله أعلم. إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور، فيعده إجماعا، فليعلم هذا، والله الموفق. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جهير بن يزيد قال: سئل الحسن، سأله رجل أتيت بطير كرى فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كله، كله. قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله [تعالى] {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" وفيه نظر، والله أعلم. وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي، من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسم الله على كل مسلم"
ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي، ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات ، والله أعلم. قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عنيت به. وعلى هذا قول عامة أهل العلم. وروي عن الحسن البصري وعكرمة. ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال الله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} وقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فنسخ واستثنى من ذلك فقال: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] . وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان -يعني ابن المنذر -عن مكحول قال: أنزل الله في القرآن: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: قال رجل لابن عمر: أن المختار يزعم أنه يوحى إليه؟ قال: صدق، وتلا هذه الآية: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل قال: كنت قاعدا عند ابن عباس، وحج المختار ابن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، وزعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة؟ فقال ابن عباس: صدق، فنفرت وقلت: يقول ابن عباس صدق. فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله [عز وجل] إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} وقد تقدم عن عكرمة في قوله: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} نحو هذا. وقوله [تعالى] : {ليجادلوكم} قال ابن أبي حاتم:: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} هكذا رواه مرسلا ورواه أبو داود متصلا فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [وإنه لفسق] } . وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة، به. ورواه البزار، عن محمد بن موسى الحرشي، عن عمران بن عيينة، به. وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام، وهي مكية. الثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي، عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه الترمذي بلفظ : أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال: حسن غريب، روي عن سعيد بن جبير مرسلا .
وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} أرسلت فارس إلى قريش: أن خاصموا محمدا وقولوا له: كما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله، عز وجل، بشمشير من ذهب -يعني الميتة -فهو حرام. فنزلت هذه الآية: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} قال: الشياطين من فارس، وأوليائهم [من] قريش . وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه. وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل، به . وهذا إسناد صحيح. ورواه ابن جرير من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ ، والله أعلم. وقال ابن جريج: قال عمرو بن دينار، عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، وكتب فارس إلى مشركي قريش: أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه -للميتة وما ذبحوه هم يأكلون. فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله : {وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون [إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] } ونزلت: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمؤمنين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، وما ذبح الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله: {وإن أطعتموهم} فأكلتم الميتة {إنكم لمشركون} وهكذا قاله مجاهد، والضحاك، وغير واحد من علماء السلف، رحمهم الله. وقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون] } [التوبة: 31] . \ وقد روى الترمذي في تفسيرها، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: "بل إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" . {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي: في الضلالة، هالكا حائرا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله. {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} أي: يهتدي [به] كيف يسلك، وكيف يتصرف به. والنور هو: القرآن، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقال السدي: الإسلام. والكل صحيح.
{كمن مثله في الظلمات} أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة، {ليس بخارج منها} أي: لا يهتدي إلى منفذ، ولا مخلص مما هو فيه، [وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"] كما قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257] . و [كما] قال تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} [الملك: 22] ، وقال تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} [هود: 24] ، وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير} [فاطر: 19 -23] . والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور والظلمات، ما تقدم في أول السورة: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] . وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا فأحياه الله، وجعل له نورا يمشي به في الناس. وقيل: عمار بن ياسر. وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها: أبو جهل عمرو بن هشام، لعنه الله. والصحيح أن الآية عامة، يدخل فيها كل مؤمن وكافر. وقوله تعالى: {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} أي: حسنا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قدرا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو [ولا رب سواه] . {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك -يا محمد -أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [وكفى بربك هاديا ونصيرا] } [الفرقان: 31] ، وقال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها [فحق عليها القول فدمرناها تدميرا] } [الإسراء: 16] ، قيل: معناه: أمرناهم بالطاعات، فخالفوا، فدمرناهم. وقيل: أمرناهم أمرا قدريا، كما قال هاهنا: {ليمكروا فيها} وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {أكابر مجرميها} قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: {أكابر مجرميها} قال عظماؤها. قلت: وهذا كقوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبأ: 34، 35] ، وقال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] . والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارا عن قوم نوح: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] ، وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا [وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون] } [سبأ: 31 -33] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.
وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كم قال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] ، وقال {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] . وقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، كقوله، جل وعلا {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا [لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا] } [الفرقان: 21] . وقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كما قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك} الآية [الزخرف: 31، 32] يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم {من القريتين} أي: مكة والطائف. وذلك لأنهم -قبحهم الله -كانوا يزدرون بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا، كما قال تعالى مخبرا عنهم: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} [الأنبياء: 36] ، وقال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} [الفرقان: 41] ، وقال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] . هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه. وطهارة بيته ومرباه ومنشئه، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه: "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار "أبو سفيان" حين سأله "هرقل" ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب. قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا الحديث بطوله الذي استدل به ملك الروم بطهارة صفاته، عليه السلام، على صدقه ونبوته وصحة ما جاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي -وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، به نحوه . وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه" . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث ابن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال: "من أنا؟ ". قالوا: أنت رسول الله. قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة. وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا" . صدق صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث أيضا المروي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال لي جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم". رواه الحاكم والبيهقي . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ . وقال أحمد: حدثنا شجاع بن الوليد قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك". قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: "تبغض العرب فتبغضني" . وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد فلما نظر إليه راعه، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقوله تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد [بما كانوا يمكرون] } هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيد، لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله {صغار} وهو الذلة الدائمة، لما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلا كما قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] أي: صاغرين ذليلين حقيرين. وقوله: {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا، وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وفاقا، {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] ، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر. وجاء في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان" . والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل. {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } يقول تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين] } [الزمر: 22] ، وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] . قال ابن عباس: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك، وغير واحد. وهو ظاهر. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادا". قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} وقالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: "نور يقذف فيه، فينشرح له وينفسح". قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" .
وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان -يعني الثوري -عن عمرو بن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فمن يرد الله أن يهديه [يشرح صدره للإسلام] } فذكر نحو ما تقدم . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا: يا رسول الله، هل لذلك من أمارة؟ قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت". وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر فذكره . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسور قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} قالوا:: يا رسول الله، ما هذا الشرح؟ قال: "نور يقذف به في القلب". قالوا: يا رسول الله، فهل لذلك من أمارة ؟ قال "نعم" قالوا: وما هي؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت" . وقال ابن جرير أيضا: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح". قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقي الموت" . وقد رواه [ابن جرير] من وجه آخر، عن ابن مسعود متصلا مرفوعا فقال: حدثني بن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} قالوا: يا رسول الله، وكيف يشرح صدره؟ قال: "يدخل الجنة فينفسح". قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت" . فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا، والله أعلم. وقوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [كأنما يصعد في السماء] } قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون: {ضيقا} بتشديد الياء وكسرها، وهما لغتان: كهين وهين. وقرأ بعضهم: {حرجا} بفتح الحاء وكسر الراء، قيل: بمعنى آثم. وقال السدي. وقيل: بمعنى القراءة الأخرى {حرجا} بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه. وقد سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج: ما الحرجة؟ قال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء. فقال عمر، رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير . وقال العوفي عن ابن عباس: يجعل الله عليه الإسلام ضيقا، والإسلام واسع. وذلك حين يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق.
وقال مجاهد والسدي: {ضيقا حرجا} شاكا. وقال عطاء الخراساني: {ضيقا حرجا} ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن المبارك، عن ابن جريج {ضيقا حرجا} بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخله، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: يجعل صدره {ضيقا حرجا} قال: لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا. وقال السدي: {كأنما يصعد في السماء} من ضيق صدره. وقال عطاء الخراساني: {كأنما يصعد في السماء} يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: {كأنما يصعد في السماء} يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه. وقال الأوزاعي: {كأنما يصعد في السماء} كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضيقه إياه عن وصول الإيمان إليه. يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته. وقال في قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل الله . قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الرجس: الشيطان. وقال مجاهد: الرجس: كل ما لا خير فيه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس: العذاب. {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله، الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق فقال: {وهذا صراط ربك مستقيما} منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن، وهو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، عن علي [رضي الله عنه] في نعت القرآن: "هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم". رواه أحمد والترمذي بطوله . {قد فصلنا الآيات} أي: [قد] وضحناها وبيناها وفسرناها، {لقوم يذكرون} أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله. {لهم دار السلام} وهي: الجنة، {عند ربهم} أي: يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام. {وهو وليهم} أي: والسلام -وهو الله -وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {بما كانوا يعملون} أي: جزاء [على] أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه. {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتذكرهم به {ويوم يحشرهم جميعا} يعني: الجن وأولياءهم {من الإنس} الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أي: ثم يقول: يا معشر الجن. وسياق الكلام يدل على المحذوف. ومعنى قوله: {قد استكثرتم من الإنس} أي: من إضلالهم وإغوائهم، كما قال [تعالى] {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 60 -62] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} يعني: أضللتم منهم كثيرا. وكذلك قال مجاهد، والحسن، وقتادة. {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن الحسن في هذه الآية قال: استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض. قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس. وقال محمد بن كعب في قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال: الصحابة في الدنيا. وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: "أعوذ بكبير هذا الوادي": فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة. وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان -فيما ذكر -ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن. {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} قال السدي، أي الموت. قال: {النار مثواكم} أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم. {خالدين فيها} أي: ماكثين مكثا مخلدا إلا ما شاء الله. قال بعضهم: يرجع معنى [هذا] الاستثناء إلى البرزخ. وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا. وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها [إن شاء الله] عند قوله تعالى في سورة هود: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [الآية: 107] . وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن صالح -كاتب الليث-: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا. {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } قال سعيد، عن قتادة في تفسيرها: وإنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. واختاره ابن جرير. وقال معمر، عن قتادة في تفسيرها: {نولي بعض الظالمين بعضا} في النار، يتبع بعضهم بعضا. وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قوله تعالى {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] ، قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعا: "من أعان ظالما سلطه الله عليه" . وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم. {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } وهذا أيضا مما يقرع الله به سبحانه وتعالى كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم -وهو أعلم -: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} أي: من جملتكم. والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل، كما [قد] نص على ذلك مجاهد، وابن جريج، وغير واحد من الأئمة، من السلف والخلف. وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر.
وحكى ابن جرير، عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا واحتج بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي -والله أعلم -كقوله [تعالى] {مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان} إلى أن قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 19 -22] ، ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرج من الملح لا من الحلو. وهذا واضح، ولله الحمد. وقد نص هذا الجواب بعينه ابن جرير . والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [وأوحينا] } إلى أن قال: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة [بعد الرسل ] } [النساء: 163 -165] ، وقال تعالى عن إبراهيم: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} [العنكبوت: 27] ، فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل [عليه السلام] ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20] ، وقال [تعالى] : {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] ، ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب؛ ولهذا قال تعالى إخبارا عنهم: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين} [الأحقاف: 29 -32] . وقد جاء في الحديث -الذي رواه الترمذي وغيره -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الآيتان: 31، 32] . وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. قال تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا} أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، {وشهدوا على أنفسهم} أي: يوم القيامة {أنهم كانوا كافرين} أي: في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين] . {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون } يقول تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} [الملك: 8، 9] والآيات في هذا كثيرة. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: {بظلم} وجهين: أحدهما: ذلك من أجل أن ربك مهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم من ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} [المائدة: 19] .
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?