İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقوله: {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} أي: تجعلوا له شريكا في عبادته، وأن تقولوا عليه من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدا ونحو ذلك، مما لا علم لكم به كما قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان [واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به] } الآية [الحج: 30، 31] . {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يقول تعالى: {ولكل أمة} أي: قرن وجيل {أجل فإذا جاء أجلهم} أي: ميقاتهم المقدر لهم {لا يستأخرون ساعة} عن ذلك {ولا يستقدمون} ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه سيبعث إليهم رسلا يقصون عليهم آياته، وبشر وحذر فقال: {فمن اتقى وأصلح} أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} أي: كذبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} أي: ماكثون فيها مكثا مخلدا. {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } يقول [تعالى] {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله، أو كذب بآيات الله المنزلة. {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} اختلف المفسرون في معناه، فقال العوفي عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرا جزي به، ومن عمل شرا جزي به. وقال مجاهد: ما وعدوا فيه من خير وشر. وكذا قال قتادة، والضحاك، وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقال محمد بن كعب القرظي: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال: عمله ورزقه وعمره. وكذا قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} ويصير المعنى في هذه الآية كما في قوله [تعالى] {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] وقوله {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا [ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ] } [لقمان: 23، 24] . وقوله [تعالى] {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم [قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله] } الآية: يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار، يقولون لهم أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه. قالوا: {ضلوا عنا} أي: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم، ولا خيرهم. {وشهدوا على أنفسهم} أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم {أنهم كانوا كافرين} . {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } يقول تعالى مخبرا عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته: {ادخلوا في أمم} أي: من أشكالكم وعلى صفاتكم، {قد خلت من قبلكم} أي: من الأمم السالفة الكافرة، {من الجن والإنس في النار} يحتمل أن يكون بدلا من قوله: {في أمم} ويحتمل أن يكون {في أمم} أي: مع أمم.
وقوله: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} كما قال الخليل، عليه السلام: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض [ويلعن بعضكم بعضا] } الآية [العنكبوت:25] . وقوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة:166، 167] . وقوله [تعالى] {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} أي: اجتمعوا فيها كلهم، {قالت أخراهم لأولاهم} أي: أخراهم دخولا -وهم الأتباع -لأولاهم -وهم المتبوعون -لأنهم أشد جرما من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} أي: أضعف عليهم العقوبة، كما قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب [والعنهم لعنا كبيرا ] } [الأحزاب:66-68] وقوله: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه، كما قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا [فوق العذاب بما كانوا يفسدون ] } [النحل:88] وقال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ] } [العنكبوت:13] وقال: {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [ألا ساء ما يزرون ] } [النحل:25] {وقالت أولاهم لأخراهم} أي: قال المتبوعون للأتباع: {فما كان لكم علينا من فضل} قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا. {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} وهذا الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم، في قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأ:31-33] {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين } قوله: {لا تفتح لهم أبواب السماء} قيل: المراد: لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء. قاله مجاهد، وسعيد بن جبير. ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا رواه الثوري، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس. وقيل: المراد: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء. رواه الضحاك، عن ابن عباس. وقاله السدي وغير واحد، ويؤيده ما قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال -هو ابن عمرو -عن زاذان، عن البراء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء، قال: "فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له فلا يفتح له". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء [ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط] } الآية. هكذا رواه، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من طرق، عن المنهال بن عمرو، به وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال:
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب [رضي الله عنه] قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد. فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر". مرتين أو ثلاثا ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد بصره. ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها فلا يمرون -يعني-بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله، عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى". قال: "فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة". "فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره". قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي". قال: "وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط الله وغضب". قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله، عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحا". ثم قرأ: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج:31]
"فتعاد روحه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك؛ هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة" وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة، فذكر نحوه. وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك من السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله، عز وجل، أن يعرج بروحه من قبلهم". وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة فيصير ترابا، ثم يعيده الله، عز وجل، كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: "ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له فرش من النار" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه وابن جرير -واللفظ له -من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقولون: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك حتى ينتهى به إلى السماء التي فيها الله، عز وجل. وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر" وقد قال ابن جريج في قوله: {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال: لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم. وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم. وقوله: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} هكذا قرأه الجمهور، وفسروه بأنه البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة. وفي رواية: زوج الناقة. وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة. وكذا قال أبو العالية، والضحاك. وكذا روى علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد، وعكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: " [حتى] يلج الجمل في سم الخياط" بضم الجيم، وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإبرة. وهذا اختيار سعيد بن جبير. وفي رواية أنه قرأ: "حتى يلج الجمل" يعني: قلوس السفن، وهي الحبال الغلاظ. وقوله: {لهم من جهنم مهاد [ومن فوقهم غواش] } قال محمد بن كعب القرظي: {لهم من جهنم مهاد} قال: الفرش، {ومن فوقهم غواش} قال: اللحف. وكذا قال الضحاك بن مزاحم، والسدي، {وكذلك نجزي الظالمين} {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون }
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء، فقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله، واستكبروا عنها. وينبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال: {لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ونزعنا ما في صدورهم من غل} أي: من حسد وبغضاء، كما جاء في الصحيح للبخاري، من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة؛ فوالذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" وقال السدي في قوله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار} الآية: إن أهل الجنة إذا سبقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نضرة النعيم" فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا. وقد روى أبو إسحاق، عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحوا من ذلك كما سيأتي في قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} [الزمر: 73] إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وقال قتادة: قال علي، رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} رواه ابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} وروى النسائي وابن مردويه -واللفظ له -من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرا. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فيكون له حسرة" ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: {أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون }
يخبر تعالى بما يخاطب أهل الجنة أهل النار إذا استقروا في منازلهم، وذلك على وجه التقريع والتوبيخ: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا [فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا] } أن" هاهنا مفسرة للقول المحذوف، و"قد" للتحقيق، أي: قالوا لهم: {قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} كما أخبر تعالى في سورة "الصافات" عن الذي كان له قرين من الكفار: {فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} [الآيات:55-59] أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال، وكذا تقرعهم الملائكة يقولون لهم: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور:14-16] وكذلك قرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر، فنادى: "يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة -وسمى رءوسهم-: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا". وقال عمر: يا رسول الله، تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا". وقوله: {فأذن مؤذن بينهم} أي: أعلم معلم ونادى مناد: {أن لعنة الله على الظالمين} أي: مستقرة عليهم. ثم وصفهم بقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي: يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد. {وهم بالآخرة كافرون} أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به. فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابا عليه، ولا عقابا، فهم شر الناس أعمالا وأقوالا. {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار حجابا، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة. قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد:13] وهو الأعراف الذي قال الله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله [تعالى] {وبينهما حجاب} وهو "السور"، وهو "الأعراف". وقال مجاهد: الأعراف: حجاب بين الجنة والنار، سور له باب. قال ابن جرير: والأعراف جمع "عرف"، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى "عرفا"، وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه. وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: الأعراف هو الشيء المشرف. وقال الثوري، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: الأعراف: سور كعرف الديك. وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف، تل بين الجنة والنار، حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار. وفي رواية عنه: هو سور بين الجنة والنار. وكذلك قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير. وقال السدي: إنما سمي "الأعراف" أعرافا؛ لأن أصحابه يعرفون الناس. واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف، رحمهم الله. وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه:
حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له: أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: "أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون". وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه من وجه آخر، عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف، فقال: "إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله" وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر، حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "أصحاب الأعراف" فقال: "هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم النار قتلهم في سبيل الله". هكذا رواه ابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق، عن أبي معشر به وكذلك رواه ابن ماجه مرفوعا، من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري [رضي الله عنهما] والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة؛ أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم. وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي: أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن -وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش -وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فبينا هم كذلك، اطلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. وقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير، وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ثم قرأ قول الله: {فمن ثقلت موازينه [فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ] } [المؤمنون:102، 103] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فتعوذوا بالله من منازلهم. قال: فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نورا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا، وكل أمة نورا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: {ربنا أتمم لنا نورنا} [التحريم:8] . وأما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع، فهنالك يقول الله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطمع دخولا. قال: وقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من غلبت واحدته أعشاره. رواه ابن جرير وقال أيضا:
حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: "الأعراف": السور الذي بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدأ الله أن يعافيهم، انطلق بهم إلى نهر يقال له: "الحياة"، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال: تمنوا ما شئتم فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفا. فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين أهل الجنة. وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير، به. وقد رواه سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث، من قوله وهذا أصح، والله أعلم. وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد. وقال سنيد بن داود: حدثني جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف قال هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم". وهذا مرسل حسن وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "الوليد بن موسى"، عن منبه بن عثمان عن عروة بن رويم، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: "على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فسألناه: وما الأعراف؟ فقال: "حائط الجنة تجري فيها الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار". رواه البيهقي، عن ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد بن موسى، به وقال سفيان الثوري، عن خصيف، عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله تعالى: {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} قال: هم رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا} في النار {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} . وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق: وقول الجمهور مقدم على قوله، بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه. وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضا. والله أعلم. وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولا منها: أنهم شهدوا أنهم صلحاء تفرعوا من فرع الآخرة، دخلوا يطلعون على أخبار الناس. وقيل: هم أنبياء. وقيل: ملائكة. وقوله تعالى: {يعرفون كلا بسيماهم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه. وكذا روى الضحاك، عنه. وقال العوفي، عن ابن عباس أنزلهم الله بتلك المنزلة، ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين. وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله. وكذا قال مجاهد، والضحاك، والسدي، والحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال معمر، عن الحسن: إنه تلا هذه الآية: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم. وقال قتادة [قد] أنبأكم الله بمكانهم من الطمع.
وقوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} وقال السدي: وإذا مروا بهم -يعني بأصحاب الأعراف -بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} وقال عكرمة: تحدد وجوههم في النار، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة، {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} {ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } يقول الله تعالى مخبرا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم: {ما أغنى عنكم جمعكم} أي: كثرتكم، {وما كنتم تستكبرون} أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله، بل صرتم إلى ما صرتم فيه من العذاب والنكال. {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: أصحاب الأعراف {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم [وما كنتم تستكبرون] } الآية، قال: فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا -يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار-قال الله [تعالى] لأهل التكبر والأموال: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشفع لنا عند ربك. فقال: هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. [قال] فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: [هل] تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا؟ هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا ابني موسى. فيأتون موسى، عليه السلام، [فيقولون: اشفع لنا عند ربك] فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري؟ فيقولون: لا فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه، عليه السلام، فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول: هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي. ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها. ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فآتي ربي، عز وجل، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود. فآتي بهم الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت. فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح [أهل الجنة] فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: مساكين أهل الجنة"
{ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون } يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، وأنهم لا يجابون إلى ذلك. قال السدي: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} يعني: الطعام وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يستطعمونهم ويستسقونهم. وقال الثوري، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه فيقول: قد احترقت، أفض علي من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: {إن الله حرمهما على الكافرين} وروي من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس، مثله [سواء] وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {إن الله حرمهما على الكافرين} يعني: طعام الجنة وشرابها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال: سألت ابن عباس -أو: سئل -: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا: {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قالوا له: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا، فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به. فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: إن الله حرمهما على الكافرين ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا من اتخاذهم الدين لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للدار الآخرة. قوله {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: {في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} [طه:52] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة، كما قال: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة:67] وقال: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه:126] وقال تعالى: {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية:34] وقال العوفي، عن ابن عباس في [قوله] {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار. وقال السدي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا. وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: "ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله: فاليوم أنساك كما نسيتني" {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } يقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسول إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين، كما قال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت [من لدن حكيم خبير] } الآية [هود:1] . وقوله: {فصلناه على علم} أي: على علم منا بما فصلناه به، كما قال تعالى: {أنزله بعلمه} [النساء:166] قال ابن جرير: وهذه الآية مردودة على قوله: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه [لتنذر به وذكرى للمؤمنين ] } [الأعراف:2] {ولقد جئناهم بكتاب [فصلناه على علم] } الآية.
وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد طال الفصل، ولا دليل على ذلك، وإنما لما أخبر عما صاروا إليه من الخسار في الدار الآخرة، ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدار الدنيا، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء:15] ؛ ولهذا قال: {هل ينظرون إلا تأويله} أي: ما وعد من العذاب والنكال والجنة والنار. قاله مجاهد وغير واحد. وقال مالك: ثوابه. وقال الربيع: لا يزال يجيء تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ. {يوم يأتي تأويله} أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس - {يقول الذين نسوه من قبل} أي: تركوا العمل به، وتناسوه في الدار الدنيا: {قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} أي: في خلاصنا مما نحن فيه، {أو نرد} إلى الدار الدنيا {فنعمل غير الذي كنا نعمل} كما قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام:27، 28] كما قال هاهنا: {قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: [قد] خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيه، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا ينصرونهم، ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم مما هم فيه. {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة -وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم، عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان ؟ أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد، والإمام أحمد بن حنبل، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس؟ فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة -عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه، عن حجاج -وهو ابن محمد الأعور -عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال في ستة أيام؛ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة، عن كعب الأحبار، ليس مرفوعا، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11] بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري -: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى. وقوله تعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، أي: سريعا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا، كما قال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس:37-40] فقوله: {ولا الليل سابق النهار} أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه، بل هو في أثره لا واسطة بينهما؛ ولهذا قال: {يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} -منهم من نصب، ومنهم من رفع، وكلاهما قريب المعنى، أي: الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته؛ ولهذا قال منبها: {ألا له الخلق والأمر} ؟ أي: له الملك والتصرف، {تبارك الله رب العالمين} كما قال [تعالى] {تبارك الذي جعل في السماء بروجا [وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا] } [الفرقان: 61] . وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه -وكانت له صحبة -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح، وحمد نفسه، فقد كفر وحبط عمله. ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا، فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه؛ لقوله: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} وفي الدعاء المأثور، عن أبي الدرداء -وروي مرفوعا -: "اللهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله" {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين } أرشد [سبحانه و] تعالى عباده إلى دعائه، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [قيل] معناه: تذللا واستكانة، و {خفية} كما قال: {واذكر ربك في نفسك [تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ] } [الأعراف:205] وفي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري [رضي الله عنه] قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب الحديث. وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: {تضرعا وخفية} قال: السر. وقال ابن جرير: {تضرعا} تذللا واستكانة لطاعته. {وخفية} يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا ومراءاة.
وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية [إنه لا يحب المعتدين] } وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم:3] وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: {إنه لا يحب المعتدين} في الدعاء ولا في غيره. وقال أبو مجلز: {إنه لا يحب المعتدين} لا يسأل منازل الأنبياء. وقال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد ابن مخراق، سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد؛ أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء". وقرأ هذه الآية: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية [إنه لا يحب المعتدين] } وإن بحسبك أن تقول: "اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل" ورواه أبو داود، من حديث شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن ابن لسعد، عن سعد، فذكره والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة، وعذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور". وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان به. وأخرجه أبو داود، عن موسى ابن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نعامة -واسمه: قيس ابن عباية الحنفي البصري -وهو إسناد حسن لا بأس به، والله أعلم. وقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد. فنهى [الله] تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: {وادعوه خوفا وطمعا} أي: خوفا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب. ثم قال: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره، كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون. [ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي] } [الأعراف: 156، 157] . وقال: {قريب} ولم يقل: "قريبة"؛ لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: قريب من المحسنين. وقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين، رواه ابن أبي حاتم. {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون }
لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه؛ لأنه على ما يشاء قادر -نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال: " وهو الذي يرسل الرياح نشرا " أي: ناشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرأ {بشرا} كقوله {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} [الروم:46] وقوله: {بين يدي رحمته} أي: بين يدي المطر، كما قال: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد} [الشورى:28] وقال {فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} [الروم:50] وقوله: {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا} أي: حملت الرياح سحابا ثقالا أي: من كثرة ما فيها من الماء، تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل، رحمه الله. وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا وقوله: {سقناه لبلد ميت} أي: إلى أرض ميتة، مجدبة لا نبات فيها، كما قال تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها [وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ] } [يس:33] ؛ ولهذا قال: {فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى} أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله، سبحانه وتعالى، ماء من السماء، فتمطر الأرض أربعين يوما، فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض. وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلا للقيامة بإحياء الأرض بعد موتها؛ ولهذا قال: {لعلكم تذكرون} وقوله: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا، كما قال: {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا} [آل عمران:37] {والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} قال مجاهد وغيره: كالسباخ ونحوها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أسامة عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكانت منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا. ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". رواه مسلم والنسائي من طرق، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة، وما يتعلق بذلك وما يتصل به، وفرغ منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء، عليهم السلام، الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح، عليه السلام، فإنه أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم، عليه السلام، وهو: نوح بن لامك بن متوشلح بن خنوخ -وهو إدريس [النبي] عليه السلام -فيما، يزعمون، وهو أول من خط بالقلم -ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم، عليه السلام. هكذا نسبه [محمد] بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب، قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل. وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه. وقد كان بين آدم إلى زمن نوح، عليهما السلام، عشرة قرون، كلهم على الإسلام [قاله عبد الله ابن عباس]
قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام، أن قوما صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها، ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان، جعلوا تلك الصور أجسادا على تلك الصور. فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين "ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا". فلما تفاقم الأمر بعث الله، سبحانه وتعالى -وله الحمد والمنة -رسوله نوحا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي: من عذاب يوم القيامة إن لقيتم الله وأنتم مشركون به {قال الملأ من قومه} أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: {إنا لنراك في ضلال مبين} أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا. وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة، كما قال تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين:32] ، {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف:11] إلى غير ذلك من الآيات. {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه، {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} وهذا شأن الرسول، أن يكون بليغا فصيحا ناصحا بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين } يقول تعالى إخبارا عن نوح [عليه السلام] أنه قال لقومه: {أوعجبتم [أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون] } أي لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس يعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم، رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم، لإنذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به، {ولعلكم ترحمون} قال الله تعالى: {فكذبوه} أي: فتمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما نص عليه في موضع آخر، {فأنجيناه والذين معه في الفلك} وهي السفينة، كما قال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت:15] {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} كما قال: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} [نوح:25] وقوله: {إنهم كانوا قوما عمين} أي: عن الحق، لا يبصرونه ولا يهتدون له. فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا [والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة] ولهم سوء الدار } [غافر:51، 52] وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة، أن العاقبة للمتقين والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح [عليه االسلام] بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين. قال مالك، عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح [عليه السلام] إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز. وقال ابن وهب: بلغني عن ابن عباس: أنه نجا مع نوح [عليه السلام] في السفينة ثمانون رجلا أحدهم "جرهم"، وكان لسانه عربيا. رواهن ابن أبي حاتم. وقد روي هذا الأثر الأخير من وجه آخر متصلا عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
{وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين } {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون } يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا، كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. قال محمد بن إسحاق: هم [من] ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. قلت: وهؤلاء هم عاد الأولى، الذين ذكرهم الله [تعالى] وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد} [الفجر:6-8] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون} [فصلت:15] . وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل. قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، سمعت علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبا أحمر تخالطه مدرة حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود، عليه السلام. رواه ابن جرير وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن، وأن هودا، عليه السلام، دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسبا؛ لأن الرسل [صلوات الله عليهم] إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق؛ ولهذا دعاهم هود، عليه السلام، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه. {قال الملأ الذين كفروا من قومه} -والملأ هم: الجمهور والسادة والقادة منهم -: {إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين} أي: في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام، والإقبال إلى عبادة الله وحده [لا شريك له] كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد {فقالوا} {أجعل الآلهة إلها واحدا [إن هذا لشيء عجاب ] } [ص: 5] . {قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين} أي: ليست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغة والنصح والأمانة. {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم، {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح، الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته، لما خالفوه وكذبوه، {وزادكم في الخلق بسطة} أي: زاد طولكم على الناس بسطة، أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم، كما قال تعالى: في قصة طالوت: {وزاده بسطة في العلم والجسم} [البقرة:247] {فاذكروا آلاء الله} أي: نعمه ومننه عليكم {لعلكم تفلحون} [وآلاء جمع ألى وقيل: إلى] {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين }
يقول تعالى مخبرا عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود، عليه السلام: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده [ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين] } كما قال الكفار من قريش: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال:32] وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصناما، فصنم يقال له: صداء، وآخر يقال له: صمود، وآخر يقال له: الهباء ولهذا قال هود، عليه السلام: {قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس [وغضب] قيل: هو مقلوب من رجز. وعن ابن عباس: معناه السخط والغضب. {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلا؛ ولهذا قال: {ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين} وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه؛ ولهذا عقب بقوله: {فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين} وقد ذكر الله، سبحانه، صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن، بأنه أرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، كما قال في الآية الأخرى: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية} [الحاقة:6-8] لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين جثته؛ ولهذا قال: {كأنهم أعجاز نخل خاوية} وقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن من عمان وحضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها، بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هودا، عليه السلام، وهو من أوسطهم نسبا، وأفضلهم موضعا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ واتبعه منهم ناس، وهم يسير مكتتمون بإيمانهم، فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا، وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع، كلمهم هود فقال: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء:128-131] {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} أي: بجنون {قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود:53-56] قال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به، أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك، قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه، إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته، وكان معروفا عند الملل وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له: "معاوية بن بكر"، وكانت له أم من قوم عاد، واسمها كلهدة ابنة الخيبري، قال: فبعثت عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا إلى الحرم، ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان -قينتان لمعاوية -وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمل شعرا يعرض لهم بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنياهم به، فقال: ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يصبحنا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عيامى وإن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودعوا لقومهم فدعا داعيهم، وهو: "قيل بن عنز" فأنشأ الله سحابات ثلاثا: بيضاء، وسوداء، وحمراء، ثم ناداه مناد من السماء: "اختر لنفسك -أو: -لقومك من هذا السحاب"، فقال: "اخترت هذه السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء" فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهندا قال: وبنو اللوذية: بطن من عاد مقيمون بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم -قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة -قال: وساق الله السحابة السوداء، فيما يذكرون، التي اختارها "قيل بن عنز" بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد يقال له: "المغيث"، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: {هذا عارض ممطرنا} يقول: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف:24، 25] أي: تهلك كل شيء مرت به، فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح، فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال لها: مهدد فلما تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت. فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا مهدد ؟ قالت ريحا فيها شهب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، كما قال الله. و "الحسوم": الدائمة -فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك واعتزل هود، عليه السلام، فيما ذكر لي، ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود، وتلتذ الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وذكر تمام القصة بطولها، وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة، وقد قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} [هود:58] وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ فقالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست، فدخل منزله -أو قال: رحله فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، قال: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا، فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت، فقالت: يا رسول الله، فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول: "معزى حملت حتفها"، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد! قال: هيه، وما وافد عاد؟ -وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه -قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له: "قيل"، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، يقال لهما: "الجرادتان"، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه. اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي: منها "اختر". فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: "خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا". قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى، هلكوا -قال أبو وائل: وصدق -قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: "لا تكن كوافد عاد".
هكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب، به نحوه: ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر. عن عاصم -وهو ابن بهدلة -ومن طريقه رواه ابن ماجه أيضا، عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري، به. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب، به. ووقع عنده: "عن الحارث بن يزيد البكري" فذكره، ورواه أيضا عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث بن يزيد البكري، فذكره ولم أر في النسخة "أبا وائل"، والله أعلم. {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم } {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } قال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم" وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس: "الصلاة جامعة". قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم". فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله. قال: "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا" لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه: عمر بن سعد، ويقال: عامر بن سعد، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت -يعني الناقة -ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله". فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه" وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم. فقوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا، {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] وقال [تعالى] {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] . وقوله: {قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية} أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به. وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاتبة، فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه؟ فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح، عليه السلام، إلى صلاته ودعا الله، عز وجل، فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو: "جندع بن عمرو" ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم "ذؤاب بن عمرو بن لبيد" "والحباب" صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكان ل"جندع بن عمرو" ابن عم يقال له: "شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس"، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود، يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} [القمر:28] وقال تعالى: {هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء:155] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع عن الماء، وكانت -على ما ذكر -خلقا هائلا ومنظرا رائعا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي، عليه السلام، عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم، أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان [أيضا] قلت: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى يقول: {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها} [الشمس:14] وقال: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الإسراء:59] وقال: {فعقروا الناقة} فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدل على رضا جميعهم بذلك، والله أعلم.
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?