İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع [حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عز وجل، قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا. قال: "تحب ذلك". قال: نعم! فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وقال ابن جرير في قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} أي: من النفقة والظهر والزاد والماء، {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} أي: عن الحق ويشك في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرتاب، بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه، {ثم تاب عليهم} يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه، {إنه بهم رءوف رحيم} . {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }
قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عمى -قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غيرها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان -فقال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصعر. فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت: الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل [ذلك] يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم -وليت أني فعلت -ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد [خروج] رسول الله صلى الله عليه وسلم [فطفت فيهم] يحزنني ألا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله، عز وجل، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ " قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه، والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس.
فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له -وكانوا بضعة وثمانين رجلا -فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: "تعال"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك، ألم تك قد اشتريت ظهرك"؟ قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [عفوا] من الله، عز وجل والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون فقد كان كافيك [من ذنبك] استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي: قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، [لقيه معك] رجلان، قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي -قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة -من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة -وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي -فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدت فنشدته [فسكت، فعدت فنشدته] فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء. قال: فتيممت به التنور فسجرته حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا ولكن لا يقربنك" قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا.
قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدري ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثنا [بعد ذلك] عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله". قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه [حين كذبوه] ؛ فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 95، 96] .
قال: وكنا خلفنا -أيها الثلاثة -عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا، حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.
هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري، بنحوه. فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها. وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار. وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي وغير واحد -وكلهم قال: مرارة بن ربيعة. [وكذا في مسلم: مرارة بن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع] . وفي رواية عن سعيد بن جبير: ربيع بن مرارة. وقال الحسن البصري: ربيع بن مرارة أو مرارة بن ربيع. وفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين، وهو الصواب. وقوله: "فسموا رجلين شهدا بدرا"، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أي: مع سعتها، فسددت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجا، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق ؛ عن عبد الله، هو ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا". أخرجاه في الصحيحين. وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: [إن] الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين} -هكذا قرأها -ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة. وعن عبد الله بن عمر: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة. {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } يعاتب تعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم {لا يصيبهم ظمأ} وهو: العطش {ولا نصب} وهو: التعب {ولا مخمصة} وهي: المجاعة {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} أي: ينزلون منزلا يرهب عدوهم {ولا ينالون} منه ظفرا وغلبة عليه إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرتهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم، أعمالا صالحة وثوابا جزيلا {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} كما قال تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30] .
{ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } يقول تعالى: ولا ينفق هؤلاء الغزاة في سبيل الله {نفقة صغيرة ولا كبيرة} أي: قليلا ولا كثيرا {ولا يقطعون واديا} أي: في السير إلى الأعداء {إلا كتب لهم} ولم يقل ها هنا "به" لأن هذه أفعال صادرة عنهم؛ ولهذا قال: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} . وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، من هذه الآية الكريمة حظ وافر، ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة، والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هاشم، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان، رضي الله عنه: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث، فقال عثمان بن عفان: على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا -يحركها. وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا". وقال عبد الله أيضا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم". يرددها مرارا. وقال قتادة في قوله تعالى: {ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم} الآية: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ازدادوا من الله قربا. {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] ، وقال: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] ، قالوا: فنسخ ذلك بهذه الآية. وقد يقال: إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا: النفير المعين وبعده، صلوات الله وسلامه عليه، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني: عصبة، يعني: السرايا، ولا يتسروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا، وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: {ليتفقهوا في الدين} يقول: ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم {لعلهم يحذرون} .
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله، عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يبتغون الخير، {ليتفقهوا [في الدين] } وليستمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، {ولينذروا قومهم} الناس كلهم {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} . وقال قتادة في هذه الآية: هذا إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش، أمرهم الله ألا يعروا نبيه صلى الله عليه وسلم، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم. وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل الأعذار. وكان إذا أقام فاسترت السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا استرى فنزل بعده قرآن، تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا. فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول إذا أقام رسول الله {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تسرت السرايا، وقعد معه عظم الناس. وقال [علي] بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس: قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون. فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم. فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله إلى عشائرهم، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} . وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم. فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبرنا [ما نقول] لعشائرنا إذا قدمنا انطلقنا إليهم. قال: فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: إن من أسلم فهو منا، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: [الشريفة] {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } [التوبة: 39] ، و {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا [عن رسول الله] } [التوبة: 120] ، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه. وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله، عز وجل: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية، ونزلت: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} الآية [الشورى: 16] . وقال الحسن البصري: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يردهم الله من الظهور على المشركين، والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين }
أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته، عليه السلام. ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع. ثم عاجلته المنية، صلوات الله وسلامه عليه، بعد الحجة بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده. وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر، رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم. ورد شارد الدين وهو راغم. ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله. ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله. وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي. ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار. على خلافة أمير المؤمنين [أبي عمرو] عثمان بن عفان شهيد الدار. فكسى الإسلام [بجلاله] رياسة حلة سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} وقوله تعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} [أي: وليجد الكفار منكم غلظة] عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كما قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] ، وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] ، وقال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73، والتحريم: 9] ، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا الضحوك القتال"، يعني: أنه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه. وقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} أي: قاتلوا الكفار، وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إن اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة، في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار. ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله، سبحانه، الأمر من قبل ومن بعد. فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم.
{وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } يقول تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة} فمن المنافقين {من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} ؟ أي: يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} . وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول "شرح البخاري" رحمه الله، {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} أي: زادتهم شكا إلى شكهم، وريبا إلى ريبهم، كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] ، وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] ، وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا. {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } يقول تعالى: أولا يرى هؤلاء المنافقون {أنهم يفتنون} أي: يختبرون {في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم. قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع. وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين. وقال شريك، عن جابر -هو الجعفي -عن أبي الضحى، عن حذيفة: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. رواه ابن جرير. وفي الحديث عن أنس: "لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، وما من عام إلا والذي بعده شر منه"، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، {نظر بعضهم إلى بعض} أي: تلفتوا، {هل يراكم من أحد ثم انصرفوا} أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يقيمونه كما قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة} [المدثر: 49-51] ، وقال تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين. عن اليمين وعن الشمال عزين} [المعارج:36، 37] ، أي: ما لهؤلاء القوم يتقللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق، وذهابا إلى الباطل. وقوله: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} كقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، {بأنهم قوم لا يفقهون} أي: لا يفهمون عن الله خطابه، ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شده عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه. {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم }
يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم، عليه السلام: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] ، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي: منكم وبلغتكم، كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته، وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال صلى الله عليه وسلم: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح". وقد وصل هذا من وجه آخر، كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه "الفاصل بين الراوي والواعي": حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء". وقوله: {عزيز عليه ما عنتم} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها؛ ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" وفي الصحيح: "إن هذا الدين يسر" وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه. {حريص عليكم} أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم. قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن فطر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر قال. تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما -قال: وقال صلى الله عليه وسلم: "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم". وقال الإمام أحمد: حدثنا [أبو] فطن، حدثنا السعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبدة النهدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار، كتهافت الفراش، أو الذباب". وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان، فيما يرى النائم، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم. قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضا معشبة، وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق، والله لنتبعنه وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه.
وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي، عن عكرمة عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينه في شيء -قال عكرمة: أراه قال: "في دم" -فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال: "أحسنت إليك؟ " قال الأعرابي: لا ولا أجملت. فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله إليهم: أن كفوا. فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت، فقال له: "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت" فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، وقال: "أحسنت إليك؟ " فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب عن صدورهم". قال: نعم. فلما جاء الأعرابي. قال إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، [كذلك يا أعرابي؟] قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة، فشردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، وأعلم بها. فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها وإنه لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار". ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. قلت: وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم. وقوله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} كما قال تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون. وتوكل على العزيز الرحيم} [الشعراء: 215-217] . وهكذا أمره تعالى. وهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {فإن تولوا} أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة، {فقل حسبي الله} أي: الله كافي، لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] . {وهو رب العرش العظيم} أي: هو مالك كل شيء وخالقه، لأنه رب العرش العظيم، الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن أبي بكر، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر السورة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبد المؤمن، حدثنا عمر بن شقيق، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، رضي الله عنه؛ أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر، رضي الله عنه، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} [التوبة: 127] ، فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن. فقال لهم أبي بن كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} إلى: {وهو رب العرش العظيم} قال: "هذا آخر ما أنزل من القرآن" قال: فختم بما فتح به، بالله الذي لا إله إلا هو، وهو قول الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] غريب أيضا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، رضي الله عنه، قال: أتى الحارث بن خزمة بهاتين الآيتين من آخر براءة: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى عمر بن الخطاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها. فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم -ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن، فضعوها فيها. فوضعوها في آخر براءة. وقد تقدم أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، بجمع القرآن، فأمر زيد بن ثابت فجمعه. وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك. وفي الصحيح أن زيدا قال: فوجدت آخر سورة "براءة" مع خزيمة بن ثابت -أو: أبي خزيمة وقدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها، والله أعلم. وقد روى أبو داود، عن يزيد بن محمد، عن عبد الرزاق بن عمر -وقال: كان من ثقات المسلمين من المتعبدين، عن مدرك بن سعد -قال يزيد: شيخ ثقة -عن يونس بن ميسرة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، إلا كفاه الله ما أهمه. وقد رواه ابن عساكر في ترجمة "عبد الرزاق بن عمر" هذا، من رواية أبى زرعة الدمشقي، عنه، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري، عن يونس بن ميسرة بن حليس، عن أم الدرداء، سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، صادقا كان بها أو كاذبا، إلا كفاه الله ما همه. وهذه زيادة غريبة. ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد، عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق، عن جده عبد الرزاق بن عمر، بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة. وهذا منكر، والله أعلم. آخر سورة براءة، والحمد لله وحده. تفسير سورة يونس [وهي مكية] بسم الله الرحمن الرحيم {الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } أما الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم الكلام عليها [مستوفى] في أوائل سورة البقرة. وقال أبو الضحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: "الر"، أي: أنا الله أرى. وكذا قال الضحاك وغيره. {تلك آيات الكتاب الحكيم} أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [قال: التوراة والإنجيل] . [وقال الحسن: التوراة والزبور] . وقال قتادة: {تلك آيات الكتاب} قال: الكتب التي كانت قبل القرآن. وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه. وقوله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا} الآية، يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، كما أخبر تعالى عن القرون الماضية من قولهم: {أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] وقال هود وصالح لقومهما: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} [الأعراف: 63: 69] وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] . وقال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد. قال: فأنزل الله عز وجل: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم}
وقوله: {أن لهم قدم صدق عند ربهم} اختلفوا فيه، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {أن لهم قدم صدق [عند ربهم] } يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول. وقال العوفي، عن ابن عباس: {أن لهم قدم صدق عند ربهم} يقول: أجرا حسنا، بما قدموا. وكذا قال الضحاك، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا كقوله تعالى: {لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا} [الكهف: 2، 3] وقال مجاهد: {أن لهم قدم صدق عند ربهم} قال: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. [وقال عمرو بن الحارث عن قتادة أو الحسن {أن لهم قدم صدق عند ربهم] } قال: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم. وكذا قال زيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان. وقال قتادة: سلف صدق عند ربهم. واختار ابن جرير قول مجاهد -أنها الأعمال الصالحة التي قدموها -قال: كما يقال: "له قدم في الإسلام" ومنه قول [حسان] رضي الله عنه. لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع وقول ذي الرمة: لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر وقوله تعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم، رجلا من جنسهم، بشيرا ونذيرا، {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} أي: ظاهر، وهم الكاذبون في ذلك. {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام -قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون. كما سيأتي بيانه [إن شاء الله تعالى] ثم استوى على العرش، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعد الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء. وقال وهب بن منبه: خلقه الله من نوره. وهذا غريب. {يدبر الأمر} أي: يدبر أمر الخلائق، {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] ، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلظه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير، في الجبال والبحار والعمران والقفار، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود: 6] . {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . وقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب [بن عجرة] أنه قال حين نزلت هذه الآية: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} لقيهم ركب عظيم [لا يرون إلا أنهم] من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا. من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم. [وقوله] {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] وكقوله تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] وقوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] . وقوله: {ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، {أفلا تذكرون} أي: أيها المشركون في أمركم، تعبدون مع الله غيره، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق، كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ، وقوله: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون} [المؤمنون: 86 -87] ، وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها. {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون }
أخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه. ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل والجزاء الأوفى، {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العقاب، من {سموم وحميم وظل من يحموم} [الواقعة: 42، 43] . {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 57، 58] . {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون } يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 39، 40] . وقال: {والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقال في هذه الآية الكريمة: {وقدره} أي: القمر {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي: لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كما قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] . وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115، 116] . وقوله: {نفصل الآيات} أي: نبين الحجج والأدلة {لقوم يعلمون} وقوله: {إن في اختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئا، كما قال تعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف: 54] ، وقال: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] ، وقال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقوله: {وما خلق الله في السماوات والأرض} أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: {وكأين من آية في السماوات والأرض [يمرون عليها وهم عنها معرضون] } [يوسف: 105] ، [وقال {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض] وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] . وقال: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} [سبأ: 9] . وقال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] . أي: العقول، وقال هاهنا: {لآيات لقوم يتقون} أي: عقاب الله، وسخطه، وعذابه. {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } يقول الله تعالى مخبرا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقاء الله شيئا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها أنفسهم. قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها، حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، بأن مأواهم يوم معادهم النار، جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } وهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا، به فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم. يحتمل أن تكون "الباء" هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط، حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة. ويحتمل أن تكون للاستعانة، كما قال مجاهد في قوله: {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال: [يكون لهم نورا يمشون به] . وقال ابن جريج في [قوله: {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال] : يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيجعل له نورا. من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله تعالى: {يهديهم ربهم بإيمانهم} والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلازم صاحبه ويلازه حتى يقذفه في النار. وروي نحوه عن قتادة مرسلا فالله أعلم. وقوله: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} أي: هذا حال أهل الجنة. قال ابن جريج: أخبرت أن قوله: {دعواهم فيها سبحانك اللهم} [قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم] وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم، فيردون عليه. فذلك قوله: {وتحيتهم فيها سلام} قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} وقال مقاتل بن حيان: إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم: {سبحانك اللهم} قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفة من ذهب، فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهن كلهن. وقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: {سبحانك اللهم} وهذه الآية فيها شبه من قوله: {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما} [الأحزاب: 44] ، وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26] . وقوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] . وقوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24] . وقوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} هذا فيه دلالة على أن الله تعالى هو المحمود أبدا، المعبود على طول المدى؛ ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند ابتداء تنزيله، حيث يقول تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} [الكهف: 1] ، {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأول و [في] الآخر، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، في جميع الأحوال؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تضاعف نعم الله عليهم، فتكرر وتعاد وتزاد، فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم -والحالة هذه -لطفا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} أي: لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك، لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده:
حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم". ورواه أبو داود، من حديث حاتم بن إسماعيل، به. وقال البزار: [و] تفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، لم يشاركه أحد فيه، وهذا كقوله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا} [الإسراء: 11] . وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: "اللهم لا تبارك فيه والعنه". فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم. {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر، كقوله: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} [فصلت: 51] أي: كثير، وهما في معنى واحد؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها وزوالها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه، وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذاك شيء، {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من ذلك، كما قال تعالى: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له"، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد حدثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء، فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعيد، فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر بثلاث أذرع إلى المنبر. فقال عمر: دعنا من رؤياك، لا أرب لنا فيها! فلما استخلف عمر قال: يا عوف، رؤياك! فقال: وهل لك في رؤياي من حاجة؟ أولم تنتهرني ؟ فقال: ويحك! إني: كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه! فقص عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ: "ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع"، قال: أما إحداهن فإنه كائن خليفة. وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم. وأما الثالثة فإنه شهيد. قال: فقال: يقول الله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله: "فإني لا أخاف في الله لومة لائم"، فما شاء الله! وأما قوله: [إني] شهيد فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به.
{وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون } يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين الحق المعرضين عنه، أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له: {ائت بقرآن غير هذا} أي: رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر، أو بدله إلى وضع آخر، قال الله لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه، {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} أي: ليس هذا إلي، إنما أنا عبد مأمور، ورسول مبلغ عن الله، {إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به؛ ولهذا قال: {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؛ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا -وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق: والفضل ما شهدت به الأعداء فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. ! وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه، عليه السلام، بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة. وعن سعيد بن المسيب: ثلاثا وأربعين سنة. والصحيح المشهور الأول. {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون } يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما {ممن افترى على الله كذبا} وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء! فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما وأظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب [لعنه الله] لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، [وصلوا الأرحام] وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام".
ولما قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له من رفع هذه السماء؟ قال: "الله". قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: "الله". قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: "الله". قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض: الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: "اللهم نعم" ثم سأله عن الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه، صلوات الله وسلامه عليه، بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه، كما قال حسان بن ثابت: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر، علم أمره لا محالة، بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم من فرق بين قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] . وبين علاك مسيلمة قبحه الله ولعنه: "يا ضفدع بنت الضفدعين، نقي كما تنقين لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين". وقوله -قبح ولعن -: "لقد أنعم الله على الحبلى، إذ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى". وقوله -خدره الله في نار جهنم، وقد فعل -: "الفيل وما أدراك ما الفيل؟ له زلقوم طويل" وقوله -أبعده الله من رحمته: "والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، إن قريشا قوم يعتدون" إلى غير ذلك من الهذيانات والخرافات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها، إلا على وجه السخرية والاستهزاء؛ ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم "حديقة الموت" حتفه. ومزق شمله. ولعنه صحبه وأهله. وقدموا على الصديق تائبين، وجاءوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي [الله] عنه -أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن يقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم. فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق، رضي الله عنه: ويحكم! أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل.
وذكروا أن وفد عمرو بن العاص على مسيلمة، وكان صديقا له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو، ماذا أنزل على صاحبكم -يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم -في هذه المدة؟ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر] ، ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وقد أنزل علي مثله. فقال: وما هو؟ فقال: "يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ " فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لتكذب"، فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه، لم يشتبه عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، وحال مسيلمة -لعنه الله -وكذبه، فكيف بأولي البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى! ولهذا قال الله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] ، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث: "أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا، أو قتله نبي". {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدا؛ ولهذا قال تعالى: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} . وقال ابن جرير: معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟ ثم نزه نفسه عن شركهم وكفرهم، فقال: {سبحانه وتعالى عما يشركون} . ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام؛ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة} [الأنفال: 42] . وقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه؛ وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما فيه اختلفوا، فأسعد المؤمنين، وأعنت الكافرين. {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين }
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?