İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقوله: {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، {في ستة أيام ثم استوى على العرش [الرحمن] } ، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين. وقوله: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه، على سيد ولد آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى -فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب رد نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله، وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] . وقال: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] أي: صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: {فاسأل به خبيرا} قال مجاهد في قوله: {فاسأل به خبيرا} قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك. وكذا قال ابن جريج. وقال شمر بن عطية في قوله: {فاسأل به خبيرا} قال: هذا القرآن خبير به. ثم قال تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} ؟ أي: لا نعرف الرحمن. وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم؛ ولهذا أنزل الله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] أي: هو الله وهو الرحمن. وقال في هذه الآية: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} ؟ أي: لا نعرفه ولا نقر به؟ {أنسجد لما تأمرنا} أي: لمجرد قولك؟ {وزادهم نفورا} ، أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية ويسجدون له. وقد اتفق العلماء -رحمهم الله -على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. {تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } . يقول تعالى ممجدا نفسه، ومعظما على جميل ما خلق في السماء من البروج -وهي الكواكب العظام -في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة. وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مهران الأعمش. وهو رواية عن أبي صالح أيضا، والقول الأول أظهر. اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} [الملك: 5] ؛ ولهذا قال: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا} وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: {وجعلنا سراجا وهاجا} [النبأ: 13] . {وقمرا منيرا} أي: مضيئا مشرقا بنور آخر ونوع وفن آخر، غير نور الشمس، كما قال: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] ، وقال مخبرا عن نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} [نوح: 15 -16] .
ثم قال: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان لا يفتران. إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك ، كما قال: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم: 33] ، وقال {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} [الأعراف: 54] وقال: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] . وقوله: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} أي: جعلهما يتعاقبان، توقيتا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" . قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حرة عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي علي من وردي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه -وتلا هذه الآية: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة [لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا] } . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [قوله: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} ] يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير. والحسن. وقال مجاهد، وقتادة: {خلفة} أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه. {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } .سب هذه صفات عباد الله المؤمنين {الذين يمشون على الأرض هونا} أي: بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، كما قال: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] . فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما المراد بالهون هاهنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" . وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم -والله -الأسماع والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه. وقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أي: إذا سفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وسب رجل رجلا عنده، قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما] إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به. وإذا قال له: عليك السلام، قال: لا بل عليك، وأنت أحق به. " إسناده حسن، ولم يخرجوه . وقال مجاهد: {قالوا سلاما} يعني: قالوا: سدادا. وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفا من القول. وقال الحسن البصري: {قالوا [سلاما} ، قال: حلماء لا يجهلون] ، وإن جهل عليهم حلموا. يصاحبون عباد الله نهارهم بما تسمعون ، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل. وقوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17 -18] ، وقال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16] وقال {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} الآية [الزمر: 9] ولهذا قال: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} أي: ملازما دائما، كما قال الشاعر : إن يعذب يكن غراما، وإن يع ط جزيلا فإنه لا يبالي ولهذا قال الحسن في قوله: {إن عذابها كان غراما} : كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. وكذا قال سليمان التيمي. وقال محمد بن كعب [القرظي] : {إن عذابها كان غراما} يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن الله سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار. {إنها ساءت مستقرا ومقاما} أي: بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما. [و] قال ابن أبي حاتم عند قوله: {إنها ساءت مستقرا ومقاما} : حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسا من سم الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم ، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين -عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان، يا منان. فيقول الله لجبريل: اذهب فآتني بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: آتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان، شر مقيل. فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي . وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، {وكان بين ذلك قواما} ، كما قال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فقه الرجل رفقه في معيشته". ولم يخرجوه . وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين بن عبد العزيز العبدي، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد". ولم يخرجوه . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني العبسي -عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة" ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه . وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف. وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله. وقال الحسن البصري: ليس النفقة في سبيل الله سرفا [والله أعلم] . {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } . قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: الذنب أكبر؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} . وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، به . وقد أخرجه البخاري ومسلم، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل -ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به ، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ الحديث. طريق غريب: وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل -حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته وقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنوب أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك".قلت: ثم مه؟ قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} . [إلى آخر] الآية . وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع -فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني، رحمه الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنى"؟ قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة"؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره" . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له" . وقال ابن جريج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير أنه سمعه يحدث عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ، ونزلت: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [إنه هو الغفور الرحيم] } [الزمر: 53] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فاختة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: "إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك". قال سفيان: وهو قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} . وقوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} . روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: {أثاما} واد في جهنم. وقال عكرمة: {يلق أثاما} أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد. وقال قتادة: {يلق أثاما} نكالا كنا نحدث أنه واد في جهنم. وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنى، فإن أوله مخافة، وآخره ندامة. وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره، عن أبي أمامة الباهلي -موقوفا ومرفوعا -أن "غيا" و"أثاما" بئران في قعر جهنم أجارنا الله منها بمنه وكرمه. وقال السدي: {يلق أثاما} : جزاء. وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فسره بما بعده مبدلا منه، وهو قوله: {يضاعف له العذاب يوم القيامة} أي: يكرر عليه ويغلظ، {ويخلد فيه مهانا} أي: حقيرا ذليلا. وقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل [عملا] صالحا} أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر {إلا من تاب} في الدنيا إلى الله من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه. وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال [الله] تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48،116] . وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث. وقوله: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} : في معنى قوله: {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قولان:
أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية: بدلن بعد حره خريفا وبعد طول النفس الوجيفا يعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا ، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرا. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما. وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين. والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى -وهذا سياق الحديث -قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة: يؤتى برجل فيقول: نحوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا - فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وانفرد به مسلم . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم قالا حدثنا ثابت -يعني: ابن يزيد أبو زيد -حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته ، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتين الله عز وجل بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبل -قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا -قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟. فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: (هاؤم اقرؤوا كتابيه) ، فهم أكثر أهل الجنة. وقال علي بن الحسين زين العابدين: {يبدل الله سيئاتهم حسنات} قال: في الآخرة. وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات: [رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله] .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر، أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلمت؟ " قال : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات". فقال: يا رسول الله، وغدراتي وفجراتي؟ فقال: "وغدراتك وفجراتك". فولى الرجل يهلل ويكبر . وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فروة -شطب -أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمت؟ " فقال: نعم، قال: "فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها". قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: "نعم". قال فما زال يكبر حتى توارى . ورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعا . وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فليح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت لا ولا نعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} فقرأتها عليها. فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا. هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تطلبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرت ساجدة، وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله عز وجل ثم قال تعالى مخبرا عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير: فقال {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] ، وقال {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 104] ، وقال {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] ،أي: لمن تاب إليه. {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } وهذه أيضا من صفات عباد الرحمن، أنهم: {لا يشهدون الزور} قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام. وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل. وقال محمد بن الحنفية: [هو] اللهو والغناء.
وقال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين . وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا. وقال مالك، عن الزهري: [شرب الخمر] لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" . وقيل: المراد بقوله تعالى: {لا يشهدون الزور} أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدا على غيره، كما [ثبت] في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين". وكان متكئا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور] . فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت . والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه؛ ولهذا قال: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا، ولم يتدنسوا منه بشيء ؛ ولهذا قال: {مروا كراما} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسين العجلي، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أصبح ابن مسعود، وأمسى كريما". وحدثنا الحسن بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أنا عبد الله، أنا محمد بن مسلم، أخبرني ابن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما" . ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} . وقوله: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} [و] هذه من صفات المؤمنين {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال:2] ، بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يقصر عما كان عليه، بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 124 -125] . فقوله: {لم يخروا عليها صما وعميانا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى. قال مجاهد: قوله: {لم يخروا عليها صما وعميانا} لم يسمعوا: ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا. وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى. وقال قتادة: قوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم -والله -قوم عقلوا عن الله وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حمران، حدثنا ابن عون قال: سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجودا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} يعني: أنه لا يسجد معهم لأنه لم يتدبر آية السجدة فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره، ويقين واضح بين. وقوله: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له. قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وقال الحسن البصري -وسئل عن هذه الآية -فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته، ومن أخيه، ومن حميمه طاعة الله. لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا، أو ولد ولد، أو أخا، أو حميما مطيعا لله عز وجل.
وقال ابن جريج في قوله: {هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} قال: يعبدونك ويحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت. فاستغضب، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيرا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبيا من الأنبياء في فترة من جاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده، أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها التي قال الله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} . وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه . وقوله: {واجعلنا للمتقين إماما} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم: هداة مهتدين [ودعاة] إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا؛ ولهذا ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية" . {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } . لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من [هذه] الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال الجليلة -قال بعد ذلك كله: {أولئك} أي: المتصفون بهذه {يجزون} أي: يوم القيامة {الغرفة} وهي الجنة. قال أبو جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي: سميت بذلك لارتفاعها. {بما صبروا} أي: على القيام بذلك {ويلقون فيها} أي: في الجنة {تحية وسلاما} أي: يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون [فيها] التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار. وقوله: {خالدين فيها} أي: مقيمين، لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون، ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولا كما قال تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] . وقوله {حسنت مستقرا ومقاما} أي: حسنت منظرا وطابت مقيلا ومنزلا. ثم قال تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي} أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا. وقال مجاهد، وعمرو بن شعيب: {ما يعبأ بكم ربي} يقول: ما يفعل بكم ربي. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} يقول: لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقوله: {فقد كذبتم} أي: أيها الكافرون {فسوف يكون لزاما} أي: فسوف يكون تكذيبكم لزاما لكم، يعني: مقتضيا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال الحسن البصري: {فسوف يكون لزاما} يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما. والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشعراء وهي مكية. ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها: سورة الجامعة. {طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة. وقوله: {تلك آيات الكتاب المبين} أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح، الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد. وقوله: {لعلك باخع} أي: مهلك {نفسك} أي: مما تحرص [عليهم] وتحزن عليهم {ألا يكونوا مؤمنين} ، وهذه تسلية من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر:8] ، وقال: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف:6] . قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعطية، والضحاك: {لعلك باخع نفسك} أي: قاتل نفسك. قال الشاعر ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر ثم قال الله تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي: لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا، ولكنا لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري؛ وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99] ، وقال: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118، 119] ، فنفذ قدره، ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم. ثم قال: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف:103] ، وقال: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] ، وقال: {ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون} [المؤمنون: 44] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] . ثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترؤوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان. قال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. {إن في ذلك لآية} أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره وارتكبوا زواجره. وقوله: {وإن ربك لهو العزيز} أي: الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، {الرحيم} أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه، بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، و [محمد ] بن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره.
وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب. {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } يقول تعالى مخبرا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه، حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: {أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} [طه:25-36] . وقوله: {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} أي: بسبب ما كان [من] قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر. {قال كلا} أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كما قال: {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} أي: برهانا {فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص:35] . {فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} كما قال تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه:46] أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ، وقال في الآية الأخرى: {إنا رسولا ربك} [طه:47] أي: كل منا رسول الله إليك، {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين. [وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين] } [أي: أما أنت الذي ربيناه فينا ] ، وفي بيتنا وعلى فراشنا [وغذيناه ] ، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك؛ ولهذا قال: {وأنت من الكافرين} أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. {قال فعلتها إذا} أي: في تلك الحال، {وأنا من الضالين} أي: قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة . قال ابن عباس، رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: {وأنا من الضالين} أي: الجاهلين. قال ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت. ثم قال موسى: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي: وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. {قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون }
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون، وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: {وما رب العالمين} ؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص:38] ، {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف:54] ، وكانوا يجحدون الصانع -تعالى -ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: {إني رسول رب العالمين} [الزخرف:46] ، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه:49، 50] . ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم؛ أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية ، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: {قال رب السموات والأرض وما بينهما} أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون. {إن كنتم موقنين} أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: {ألا تستمعون} أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه: أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين ، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه. {قال} أي: فرعون لقومه: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} أي: ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري. {قال} أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} أي: هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربا، والمغرب مشرقا، كما أخبر تعالى عن {الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة:258] ؛ ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى، عليه السلام، فقال ما أخبر الله تعالى عنه: {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} . فعند ذلك قال موسى: {أولو جئتك بشيء مبين} ؟ أي: ببرهان قاطع واضح. {قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج.
{ونزع يده} أي: من جيبه {فإذا هي بيضاء للناظرين} أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون -بشقائه -إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: {إن هذا لساحر عليم} أي: فاضل بارع في السحر. فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به. فقال {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ؟ أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم] يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة. {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . ذكر [الله] تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه" وفي هذه السورة: وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء:18] ، {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء:81] ، ولهذا لما جاء السحرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان السحرة جمعا كثيرا، وجما غفيرا، قيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: خمسة عشر ألفا. وقيل: سبعة عشر ألفا وقيل: تسعة عشر ألفا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا. وقيل: ثمانين ألفا. وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم. قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم: وهم: ساتور وعازور وحطحط ويصقى. واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين [قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين] } ، ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. {فلما جاء السحرة} أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقا، وجمع حشمه وخدمه [وأمراءه] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا، أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا: {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا} [طه: 65، 66] ، وقد اختصر هذا هاهنا فقال لهم موسى: {ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} ، وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في سورة الأعراف: أنهم {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف:116] ، وقال في "سورة طه": {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه:66، 69] .
وقال هاهنا: {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} أي: تختطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا. قال تعالى: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الأعراف:118-122] وكان هذا أمرا عظيما جدا، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:71] ، وقال: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} [الأعراف:123] . {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } . تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} ؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} . وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل. ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: {لا ضير} أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به {إنا إلى ربنا منقلبون} أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، {أن كنا أول المؤمنين} أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم. {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل } . لما طال مقام موسى، عليه السلام، ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى، عليه السلام، أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى، عليه السلام، ما أمره به ربه عز وجل. خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان خروجه بهم، فيما ذكر غير واحد من المفسرين، وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد، رحمه الله، أنه كسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى، عليه السلام، سأل عن قبر يوسف، عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه، عليهما السلام، وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال:
حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعاهدنا. فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ " قال ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال لها: وما حكمك؟ قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة -مستنقع ماء -فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه قالت: احتفروا، فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". هذا حديث غريب جدا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم. فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل؛ لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجند ويجمعه، كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم: {إن هؤلاء} -يعني: بني إسرائيل - {لشرذمة قليلون} أي: لطائفة قليلة. {وإنهم لنا لغائظون} أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا. {وإنا لجميع حاذرون} أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم. قال الله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم} أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا. {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} ، كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف:137] ، وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:5، 6] . {فأتبعوهم مشرقين } {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير ، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دهم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم، ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم؛ إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم. {فأتبعوهم مشرقين} أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها.
{فلما تراءى الجمعان} أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعون قد أدركهم بجنوده، فلهذا قالوا: {إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله، سبحانه، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد. وكان هارون، عليه السلام، في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، [ومؤمن آل فرعون وموسى، عليه السلام، في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى، عليه السلام: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة [بن محمد] بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء، والكائن قبل كل شيء، اجعل لنا مخرجا. فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر} . وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة، وله اضطراب ، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله -فيما ذكر لي -إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا، فرقا من الله تعالى، وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر} ، فضربه بها وفيها، سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق. وذكر غير واحد أنه كناه فقال: انفلق علي أبا خالد بحول الله . قال الله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق -وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه:77] . وقال في هذه القصة: {وأزلفنا} أي: هنالك {الآخرين} . قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: {وأزلفنا} أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم إليه. {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، فلم يبق منهم رجل إلا هلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -أن موسى، عليه السلام، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه [يعني: البحر، فأقحم فرسه، فسبح به فخرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] . قال: والله ما كذبت ولا كذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه؟ قال: والله ما كذبت ولا كذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم. وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطم عليهم البحر، فما رئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله. ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية} أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين؛ لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم تفسيره. {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدا، صلوات الله وسلامه عليه، أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله؛ فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، عز وجل، فقال: {لأبيه وقومه ما تعبدون} ؟ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: مقيمين على عبادتها ودعائها.
{قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي: إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس:71] وقال هود، عليه السلام: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود:54-56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} [الأنعام:81] وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة:4] وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف:26-28] يعني: لا إله إلا الله. {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، {الذي خلقني فهو يهدين} أي: هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] قدر، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا ل {نسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} [الفرقان:49] . وقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرا للمصلي أن يقول: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة:6، 7] فأسند الإنعام إلى الله، سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدبا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:10] ؛ ولهذا قال إبراهيم: {وإذا مرضت فهو يشفين} أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. {والذي يميتني ثم يحيين} أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء. {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } {واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } . وهذا سؤال من إبراهيم، عليه السلام، أن يؤتيه ربه حكما. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: {وألحقني بالصالحين} أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: " [اللهم الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا . وفي الحديث في الدعاء] : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" .
وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين} [الصافات:108-110] . قال مجاهد، وقتادة: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت:27] ، وكقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل:122] . قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة. وقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} كقوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي} [إبراهيم:41] ، وهذا مما رجع عنه إبراهيم، عليه السلام، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة:114] . وقد قطع [الله] تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة:4] . وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي: أجرني من الخزي يوم القيامة و [يوم] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. قال البخاري في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة" . حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين". هكذا رواه عند هذه الآية . وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} : أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يا رب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار . هذا إسناد غريب، وفيه نكارة. والذيخ : هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته ، فيلقى في النار كذلك. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا: {ولا بنون} ولو افتدى بمن في الأرض جميعا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي: سالم من الدنس والشرك. قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس: {إلا من أتى الله بقلب سليم} حيي يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: {بقلب سليم} يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب [الكافر و] المنافق مريض، قال الله: {في قلوبهم مرض} [البقرة:10] . وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة. {وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . {وأزلفت الجنة} أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها [عملها] في الدنيا. {وبرزت الجحيم للغاوين} أي: أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب [إلى] الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: {أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن أنفسها؛ فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون. وقوله: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} قال مجاهد: يعني: فدهوروا فيها. وقال غيره: كببوا فيها. والكاف مكررة، كما يقال: صرصر. والمراد: أنه ألقي بعضهم على بعض، من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. {وجنود إبليس أجمعون} أي: ألقوا فيها عن آخرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: يقول الضعفاء الذين استكبروا: {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} [غافر:47] . ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين. {وما أضلنا إلا المجرمون} أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون. {فما لنا من شافعين} قال بعضهم: يعني من الملائكة، كما يقولون: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} [الأعراف:53] . وكذا قالوا: {فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم} أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله -أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع. {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، سبحانه وتعالى، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله {وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . {كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون } .
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Que croient les musulmans au sujet des prophètes ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?