Taberî — Câmiü'l-Beyân
[هود: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 39_40] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: {فسوف تعلمون} [الأنعام: 135] أيها القوم إذا جاء أمر الله، من الهلاك؛ {من يأتيه عذاب يخزيه} [هود: 39] يقول: الذي يأتيه عذاب الله منا ومنكم يهينه ويذله، {ويحل عليه عذاب مقيم} [هود: 39] يقول: وينزل به في الآخرة مع ذلك عذاب دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدا. وقوله: {حتى إذا جاء أمرنا} [هود: 40] يقول: ويصنع نوح الفلك حتى إذا جاء أمرنا الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم. وقوله: {وفار التنور} [هود: 40] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض، وفار التنور، وهو وجه الأرض. ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال في قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: التنور: وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن 12P402 معك " قال: والعرب تسمي وجه الأرض: تنور الأرض حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: وجه الأرض " حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: وجه الأرض " وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نور الصبح تنويرا. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا محمد بن فضيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس، مولى أبي جحيفة ، عن أبي جحيفة، عن علي، رضي الله 12P403 عنه، قوله: " {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} [هود: 40] قال: هو تنوير الصبح " حدثنا ابن وكيع، وإسحاق بن إسرائيل قالا: ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: تنوير الصبح " حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة، أراه قد سماه عن أبي جحيفة، عن علي: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: تنوير الصبح " حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: طلع الفجر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سماه، عن علي بن أبي طالب، قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: إذا طلع الفجر " وقال آخرون: معنى ذلك: وفار على الأرض، وأشرف مكان فيها بالماء. وقال: التنور أشرف الأرض.
12P404 ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} [هود: 40] كنا نحدث أنه أعلى الأرض وأشرفها، وكان علما بين نوح وبين ربه " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة، قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه " وقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فيه، ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} [هود: 40] قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن، قال: " كان تنورا من حجارة كان لحواء حتى صار إلى نوح، قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: حين انبجس الماء وأمر نوح أن يركب هو ومن معه في الفلك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: انبجس الماء منه آية أن يركب بأهله، ومن معه في السفينة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، إلا أنه قال: آية أن يركب أهله ومن معه في السفينة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، قال: " نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته. قال: وكان ذلك في ناحية الكوفة " قال: ثنا القاسم، قال: ثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن 12P406 الشعبي: «أنه كان يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: فار التنور بالهند " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] كان آية لنوح إذا خرج منه الماء فقد أتى الناس الهلاك والغرق " وكان ابن عباس يقول في معنى فار: نبع حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وفار التنور} [هود: 40] قال: نبع " قال أبو جعفر: وفوران الماء سورة دفعته، يقال منه: فار الماء يفور فورانا وفورا، وذاك إذا سارت دفعته. وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: {التنور} [هود: 40] قول من قال: هو التنور 12P407 الذي يخبز فيه؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. {قلنا} [هود: 40] لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي، وعدنا نوحا أن نعذبهم به، وفار التنور الذي جعلنا فورانه بالماء آية مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه: {احمل فيها} [هود: 40] يعني في الفلك {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] يقول: من كل ذكر وأنثى.
كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] قال: ذكر وأنثى من كل صنف " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] فالواحد زوج، والزوجين ذكر وأنثى من كل صنف " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] قال: ذكر وأنثى من كل صنف " قال: ثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 12P408 مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} [هود: 40] يقول: من كل صنف اثنين " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {من كل زوجين اثنين} [هود: 40] يعني بالزوجين اثنين: ذكرا أو أنثى " وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين: الزوجان في كلام العرب: الاثنان، قال: ويقال عليه زوجا نعال: إذا كانت عليه نعلان، ولا يقال عليه زوج نعال، وكذلك عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قيود. وقال: ألا تسمع إلى قوله: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} [النجم: 45] فإنما هما اثنان. وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} [هود: 40] قال: فجعل الزوجين: الضربين، الذكور والإناث، قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: [+البحر الطويل] وأنت امرؤ تعدو على كل غرة فتخطئ فيها مرة وتصيب يعني به الذئب. قال: فهذا أشذ من ذلك. وقال آخر منهم: الزوج: اللون، قال: وكل ضرب يدعى لونا، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك: [+البحر البسيط] وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبوا بذاك معا وبقول لبيد: [+البحر الطويل] بذي بهجة كن المقانب صوبه وزينه أزواج نور مشرب وذكر أن الحسن قال في قوله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء. وقوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] يقول: واحمل أهلك أيضا في الفلك، يعني بالأهل: ولده ونساءه وأزواجه {إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع من أهلك من قومك. ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله، فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج 12P410 : " {وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] قال: العذاب، هي امرأته كانت من الغابرين في العذاب " وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق. ذكر من قال ذلك: حدثت عن المسيب، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: " {وأهلك إلا من سبق عليه القول} [هود: 40] قال: ابنه غرق فيمن غرق " وقوله: {ومن آمن} [هود: 40] يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك. يقول الله: {وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] يقول: وما أقر بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل. واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.
ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] قال: ذكر لنا أنه لم يتم في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية " حدثنا ابن وكيع، والحسن بن عرفة، قالا: ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: " {وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " حدثت أن نوحا حمل معه بنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم. وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوح أن يغير نطفته فجاء بالسودان " وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس. ذكر من قال ذلك حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش: " {وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين " وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما فار التنور، حمل 12P412 نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر بنوح، وبنيه وأزواجهم " وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسا. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: «حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانا» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، كان بعضهم يقول: " كانوا ثمانين، يعني القليل الذي قال الله: {وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] " حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثني حسين بن واقد الخراساني، قال: ثني أبو نهيك، قال: سمعت ابن عباس، يقول: «كان في سفينة نوح ثمانون رجلا، أحدهم جرهم» والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: {وما آمن معه إلا 12P413 قليل} [هود: 40] يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يحدد عددهم بمقدار ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 12P412
[هود: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} [هود: 41] يقول تعالى ذكره: وقال نوح: اركبوا في الفلك بسم الله مجراها ومرساها. وفي الكلام محذوف قد استغنى بدلالة ما ذكر من الخبر عليه عنه، وهو قوله: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] فحملهم نوح فيها وقال لهم: اركبوا فيها. فاستغنى بدلالة قوله: {وقال اركبوا فيها} [هود: 41] عن حمله إياهم فيها، فترك ذكره. واختلفت القراء في قراءة قوله: {بسم الله مجراها ومرساها} [هود: 41] فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: «بسم الله مجراها ومرساها» بضم الميم في الحرفين كليهما. وإذا قرئ كذلك كان من أجرى وأرسى، وكان فيه وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع بمعنى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فيكون المجرى والمرسى مرفوعين حينئذ بالباء التي في قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] والآخر بالنصب، بمعنى: بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها، فيكون قوله: «بسم الله» كلاما مكتفيا بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه في عمل يعمله: بسم الله، ثم يكون المجرى والمرسى منصوبين على ما نصبت العرب قولهم الحمد لله سرارك وإهلالك، يعنون الهلال أوله وآخره، كأنهم قالوا: الحمد لله أول الهلال وآخره، ومسموع منهم أيضا: الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {بسم الله مجراها ومرساها} [هود: 41] بفتح الميم من «مجراها» ، وضمها من «مرساها» ، فجعلوا «مجراها» مصدرا من جرى يجري مجرى، ومرساها من أرسى يرسي إرساء. وإذا قرئ ذلك كذلك كان في إعرابهما من الوجهين نحو الذي فيهما إذا قرئا: «مجراها ومرساها» بضم الميم فيهما على ما بينت. وروي عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقرأ ذلك: «بسم الله مجريها ومرسيها» بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتا لله. وإذا قرئا كذلك، كان فيهما أيضا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الخفض وهو الأغلب عليهما من وجهي الإعراب؛ لأن معنى الكلام على هذه القراءة: بسم الله مجري الفلك ومرسيها، فالمجري نعت لاسم الله. وقد يحتمل أن يكون نصبا، وهو الوجه الثاني، لأنه يحسن دخول الألف واللام في المجري والمرسي، كقولك بسم الله المجريها والمرسيها، وإذا حذفتا نصبتا على الحال، إذ كان فيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافين إلى المعرفة. وقد ذكر عن بعض الكوفيين أنه قرأ ذلك: مجراها ومرساها "، بفتح الميم فيهما جميعا، من جرى ورسا؛ كأنه وجهه إلى أنه في حال جريها وحال رسوها، وجعل كلتا الصفتين للفلك كما قال عنترة: [+البحر الكامل] فصبرت نفسا عند ذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع والقراءة التي نختارها في ذلك قراءة من قرأ: {بسم الله مجراها} [هود: 41] بفتح الميم {ومرساها} [هود: 41] بضم الميم، بمعنى: بسم الله حين تجري وحين ترسي. وإنما اخترت الفتح في ميم «مجراها» لقرب ذلك من قوله: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} [هود: 42] ولم يقل: تجري بهم. ومن قرأ: «بسم الله مجراها» كان الصواب على قراءته أن يقرأ: وهي تجري بهم. وفي إجماعهم على قراءة «تجري» بفتح التاء دليل واضح على أن الوجه في «مجراها» فتح الميم. وإنما اخترنا الضم في «مرساها» لإجماع الحجة من القراء على ضمها. ومعنى قوله {مجراها} [هود: 41] مسيرها {ومرساها} [هود: 41] وقفها، من وقفها الله وأرساها.
وكان مجاهد يقرأ ذلك بضم الميم في الحرفين جميعا حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «بسم الله مجراها ومرساها» قال: حين يركبون ويجرون ويرسون حدثنا ابن وكيع، قال : ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «بسم الله مجراها ومرساها» قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، في قوله: «اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها» قال: إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله فأرست، وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وقوله: {إن ربي لغفور رحيم} [هود: 41] يقول: إن ربي لساتر ذنوب من تاب، وأناب إليه، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة 12P416
[هود: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} [هود: 42] يعني تعالى ذكره بقوله: {وهي تجري بهم} [هود: 42] والفلك تجري بنوح ومن معه فيها {في موج كالجبال ونادى نوح ابنه} [هود: 42] يام {وكان في معزل} [هود: 42] عنه لم يركب معه الفلك: {يا بني اركب معنا} [هود: 42] الفلك {ولا تكن مع الكافرين} [هود: 42] 12P416 [هود: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} [هود: 43] يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفا عليه من الغرق: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} [هود: 43] يقول: سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء. فيمنعني منه أن يغرقني. ويعني بقوله: {يعصمني} [هود: 43] يمنعني، مثل عصام القربة الذي يشد به رأسها، فيمنع الماء أن يسيل منها. وقوله: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} [هود: 43] يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق، والهلاك إلا من رحمنا، فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم. ف «من» في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله إلا الله. وقد اختلف أهل العربية في موضع «من» في هذا الموضع، فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم؛ قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} [النساء: 157] قال: ومن استجاز «اتباع الظن» والرفع في قوله: [+البحر الرجز] وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس لم يجز له الرفع في «من» ، لأن الذي قال: إلا اليعافير، جعل أنيس البر اليعافير وما أشبهها، وكذلك قوله: {إلا اتباع الظن} [النساء: 157] يقول علمهم ظن. قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: المعصوم هو عاصم في حال، ولكن لو جعلت العاصم في تأويل معصوم، لا معصوم اليوم من أمر الله، لجاز رفع «من» . قال: ولا ينكر أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: {من ماء دافق} [الطارق: 6] معناه والله أعلم مدفوق؟ وقوله: {في عيشة راضية} [الحاقة: 21] معناها: مرضية؟ قال الشاعر: [+البحر البسيط] دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ومعناه: المكسو. وقال بعض نحويي البصرة: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} [هود: 43] على: لكن من رحم، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي معصوم، ويكون «إلا من رحم» رفعا بدلا من العاصم. ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يوجه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا شيء إلى أن نجعل «عاصما» في معنى «معصوم» ، ولا أن نجعل «إلا» بمعنى «لكن» ، إذ كنا نجد لذلك في معناه الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجا صحيحا، وهو ما قلنا من أن معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: لا منجي اليوم من عذاب الله إلا الله، ولا مطعم اليوم من طعام زيد إلا زيد. فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم. وقوله: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} [هود: 43] يقول: وحال بين نوح وابنه موج الماء، فغرق، فكان ممن أهلكه الله بالغرق من قوم نوح صلى الله عليه وسلم 12P419
[هود: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44] يقول الله تعالى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهى أمره في هلاك قوم نوح بما أهلكهم به من الغرق: {يا أرض ابلعي ماءك} [هود: 44] أي تشربي، من قول القائل: بلع فلان كذا يبلعه، أو بلعه يبلعه إذا إزدرده. {ويا سماء أقلعي} [هود: 44] يقول: أقلعي عن المطر: أمسكي. {وغيض الماء} [هود: 44] ذهبت به الأرض ونشفته. {وقضي الأمر} [البقرة: 210] يقول: قضي أمر الله، فمضى بهلاك قوم نوح. {واستوت على الجودي} [هود: 44] يعني الفلك. استوت: أرست على الجودي، وهو جبل فيما ذكر بناحية الموصل أو الجزيرة. {وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44] يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالمين الذين كفروا بالله من قوم نوح حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: ثنا المحاربي، عن عثمان بن مطر، عن عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة، فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام 12P420 نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «كانت السفينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفي أسفلها السباع، وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعا، دفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب، وأرست على الجودي يوم عاشوراء، ومرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم اليوم صائما، فليتم صومه، ومن كان مفطرا فليصم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: «كان في زمن نوح شبر من الأرض لا إنسان يدعيه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنها يعني الفلك استقلت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرت على الجودي شهرا، وأهبط بهم في عشر من المحرم يوم عاشوراء» وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: {وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي} [هود: 44] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وغيض الماء} [هود: 44] قال: نقص. {وقضي الأمر} [البقرة: 210] قال: هلاك قوم نوح " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال: قال ابن جريج {وغيض الماء} [هود: 44] نشفته الأرض حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ويا سماء أقلعي} [هود: 44] يقول: أمسكي {وغيض الماء} [هود: 44] يقول: ذهب 12P422 الماء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وغيض الماء} [هود: 44] الغيوض: ذهاب الماء " {واستوت على الجودي} [هود: 44] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] قال: جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال من الغرق، وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرسيت عليه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] يقول: على الجبل، واسمه 12P423 الجودي " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] قال: جبل بالجزيرة شمخت الجبال وتواضع حين أرادت أن ترفأ عليه سفينة نوح " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] أبقاها الله لنا بوادي أرض الجزيرة عبرة وآية " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: " {واستوت على الجودي} [هود: 44] هو جبل بالموصل " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: «ذكر لنا أن نوحا بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة فوقع عليها، فبعث الحمامة، فأتته بورق الزيتون، فأعطيت الطوق الذي في عنقها، وخضاب رجليها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما أراد الله أن يكف ذلك يعني الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض، فسكن الماء، واستدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر، وأبواب السماء؛ يقول الله تعالى: {وقيل يا أرض 12P424 ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} [هود: 44] إلى: {بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44] فجعل ينقص ويغيض ويدبر. وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر، رئي رءوس الجبال. فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما، فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضعا، فبسط يده للحمامة فأخذها، ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست، وفي فيها ورق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض، فظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض. وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح: {اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: «تزعم أناس أن من غرق من الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن 12P425 حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدركون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا، ثم مصيرهم إلى النار» 12P424
[هود: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} [هود: 45] يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه، فقال: رب إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي. {وإن وعدك الحق} [هود: 45] الذي لا خلف له. {وأنت أحكم الحاكمين} [هود: 45] بالحق، فاحكم لي بأن تفي بما وعدتني من أن تنجي لي أهلي، وترجع إلي ابني. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {وأنت أحكم الحاكمين} [هود: 45] قال: أحكم الحاكمين بالحق " 12P425
[هود: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] يقول الله تعالى ذكره: قال الله يا نوح إن الذي غرقته فأهلكته الذي تذكر أنه من أهلك ليس من أهلك واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ليس من أهلك} [هود: 46] فقال بعضهم: معناه: ليس من ولدك هو من غيرك. وقالوا: كان ذلك من حنث. 12P426 ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله: " {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] قال: لم يكن ابنه " حدثنا أبو كريب ، وابن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر: " {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: ابن امرأته " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن أصحاب ابن أبي عروبة، فيهم الحسن، قال: " لا والله ما هو بابنه قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر: " {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: هذه بلغة طيئ لم يكن ابنه، كان ابن امرأته " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن عوف، ومنصور، عن الحسن، في قوله: " {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] قال: لم يكن ابنه. وكان يقرؤها: « (إنه عمل غير صالح) » حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كنت عند الحسن، فقال: {نادى نوح ابنه} [هود: 42] ، لعمر الله ما هو ابنه قال: قلت: يا أبا سعيد يقول: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] وتقول: ليس بابنه؟ قال: أفرأيت قوله: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] قال: قلت: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه. قال: إن أهل الكتاب يكذبون " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سمعت الحسن، يقرأ هذه الآية: { «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح» } [هود: 46] ، فقال عند ذلك: والله ما كان ابنه ثم قرأ هذه الآية: {فخانتاهما} [التحريم: 10] قال سعيد: فذكرت ذلك لقتادة، قال: ما كان ينبغي له أن يحلف حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] قال: تبين لنوح أنه ليس بابنه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] قال: بين الله لنوح أنه ليس بابنه " حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله 12P428 حدثنا القاسم، قال ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. قال ابن جريج في قوله: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: ناداه وهو يحسبه أنه ابنه، وكان ولد على فراشه حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبي جعفر: " {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] قال: لو كان من أهله لنجا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، وسمع عبيد بن عمير، يقول: نرى أن ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش» ، من أجل ابن نوح حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن قال: «لا والله ما هو بابنه» وقال آخرون: معنى ذلك: {ليس من أهلك} [هود: 46] الذين وعدتك أن أنجيهم.
ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: 12P429 هو ابنه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، قال: ثنا أبو عامر، عن الضحاك، قال قال ابن عباس: «هو ابنه، ما بغت امرأة نبي قط» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي عامر الهمداني، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، قال: " ما بغت امرأة نبي قط، قال: وقوله: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] الذين وعدتك أن أنجيهم معك " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية» ، قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملا غير صالح، والخيانة تكون على غير باب حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان عكرمة يقول: " كان ابنه، ولكن كان مخالفا له في النية والعمل، فمن ثم قيل له: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة، قال: سمعت ابن عباس، يسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله، تعالى: {فخانتاهما} [التحريم: 10] قال: " أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف. ثم قرأ: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] " قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدهني أنه: سأل سعيد بن جبير، عن ذلك فقال: " كان ابن نوح، إن الله لا يكذب. قال: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، قال: " قال الله وهو الصادق، وهو ابنه: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سعيد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: «ما بغت امرأة نبي قط» حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: سألت أبا بشر، عن قوله: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] قال: «ليس من أهل دينك، وليس ممن وعدتك أن أنجيهم» قال يعقوب: قال هشيم: كان عامة ما كان يحدثنا أبو بشر عن سعيد بن 12P431 جبير حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن يعقوب بن قيس، قال: أتى سعيد بن جبير رجل فقال: يا أبا عبد الله، الذي ذكر الله في كتابه ابن نوح ابنه هو؟ قال: نعم، والله إن نبي الله أمره أن يركب معه في السفينة فعصى، فقال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} [هود: 43] {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 46] لمعصية نبي الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير أنه جاء إليه رجل فسأله فقال: أرأيتك ابن نوح: ابنه؟ فسبح طويلا، ثم قال: " لا إله إلا الله، يحدث الله محمدا: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] وتقول ليس منه ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن " حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة: " في قوله: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] قال: أشهد أنه ابنه، قال الله: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، وعكرمة، قالا: «هو ابنه» حدثني فضالة بن الفضل الكوفي، قال: قال بزيع: سأل رجل الضحاك عن ابن نوح، فقال: " ألا تعجبون إلى هذا الأحمق يسألني عن ابن نوح؟
وهو ابن نوح، كما قال الله: قال نوح لابنه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، أنه قرأ: " {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] وقوله: {ليس من أهلك} [هود: 46] قال: يقول: ليس هو من أهلك. قال: يقول: ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك. {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] قال: يقول: كان عمله في شرك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «هو والله ابنه لصلبه» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: " {ليس من أهلك} [هود: 46] قال: ليس من أهل دينك، ولا ممن وعدتك أن أنجيه، وكان ابنه لصلبه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} [هود: 46] يقول: ليس ممن وعدناه النجاة " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] يقول: ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك. {إنه عمل غير 12P433 صالح} [هود: 46] يقول: كان عمله في شرك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان، عن جعفر بن برقان، عن ميمون، وثابت بن الحجاج، قالا: «هو ابنه ولد على فراشه» وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، لأنه كان لدينك مخالفا وبي كافرا. وكان ابنه؛ لأن الله تعالى ذكره قد أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، فقال: {ونادى نوح ابنه} [هود: 42] وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] دلالة على أنه ليس بابنه، إذ كان قوله: {ليس من أهلك} [هود: 46] محتملا من المعنى ما ذكرنا، ومحتملا أنه ليس من أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فيقال: إنه ليس من أهلك، كما قيل: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] وأما قوله: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء الأمصار: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] بتنوين عمل ورفع غير، واختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه: إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالح، ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: " {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] قال: إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالح " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] أي سوء {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] يقول: سؤالك عما ليس لك به علم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله: " {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] قال: سؤالك إياي عمل غير صالح؛ {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] " وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرت أنه ابنك، فسألتني أن أنجيه عمل غير صالح أي أنه لغير رشدة. وقالوا: الهاء في قوله: «إنه» عائدة على الابن ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، أنه قرأ: " {عمل غير صالح} [هود: 46] قال: ما هو والله بابنه " وروي عن جماعة من السلف أنهم قرءوا ذلك: (إنه عمل غير صالح) على وجه الخبر عن الفعل الماضي، و «غير» منصوبة.
وممن روي عنه أنه قرأ ذلك 12P435 كذلك ابن عباس حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة، عن ابن عباس، أنه قرأ: { «عمل غير صالح» } [هود: 46] ووجهوا تأويل ذلك إلى ما حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] قال: كان مخالفا في النية والعمل «ولا نعلم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض المتأخرين. واعتل في ذلك بخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث روي عن شهر بن حوشب فمرة يقول عن أم سلمة، ومرة يقول عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلم لبنت يزيد، ولا نعلم لشهر سماعا يصح عن أم سلمة 12P436 والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وذلك رفع» عمل «بالتنوين، ورفع» غير "، يعني: إن سؤالك إياي ما تسألنيه في ابنك المخالف دينك الموالي أهل الشرك بي من النجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتي إياك في دعائك: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم؛ عمل غير صالح لأنه مسألة منك إلي أن لا أفعل ما قد تقدم مني القول بأني أفعله في إجابتي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالح وقوله: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] نهي من الله تعالى ذكره نبيه نوحا أن يسأله عن أسباب أفعاله التي قد طوى علمها عنه، وعن غيره من البشر. يقول له تعالى ذكره: إني يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهلكته، فلا تسألن بعدها عما قد طويت علمه عنك من أسباب أفعالي، وليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين في مسألتك إياي عن ذلك وكان ابن زيد يقول في قوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] ما: حدثني به، يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] أن تبلغ الجهالة بك أن لا أفي لك بوعد وعدتك حتى تسألني ما ليس لك به علم؛ {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] " واختلفت القراء في قراءة قوله: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] بكسر النون 12P437 وتخفيفها، ونحوا بكسرها إلى الدلالة على الياء التي هي كناية اسم الله {فلا تسألن} [هود: 46] وقرأ ذلك بعض المكيين، وبعض أهل الشام: (فلا تسألن) بتشديد النون وفتحها، بمعنى: فلا تسألن يا نوح ما ليس لك به علم والصواب من القراءة في ذلك عندنا تخفيف النون وكسرها، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب المستعمل بينهم 12P436
[هود: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] يقول تعالى ذكره مخبرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلته في مسألته التي سألها ربه في ابنه {قال رب إني أعوذ بك} [هود: 47] أي أستجير بك أن أتكلف مسألتك، {ما ليس لي به علم} [هود: 47] مما قد استأثرت بعلمه، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك {أكن من الخاسرين} [هود: 47] يقول: من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا 12P437
[هود: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] يقول تعالى ذكره: {يا نوح اهبط} [هود: 48] من الفلك إلى الأرض {بسلام منا} [هود: 48] يقول: بأمن منا أنت ومن معك من إهلاكنا، {وبركات عليك} [هود: 48] يقول: وبركات عليك، {وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] يقول: وعلى قرون تجيء من ذرية من معك من ولدك، فهؤلاء المؤمنون من ذرية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة وبارك عليهم قبل أن يخلقهم في بطون أمهاتهم، وأصلاب آبائهم. ثم أخبر تعالى ذكره نوحا عما هو فاعل بأهل الشقاء من ذريته، فقال له: {وأمم} [هود: 48] يقول: وقرون وجماعة، {سنمتعهم} [هود: 48] في الحياة في الدنيا؛ يقول: نرزقهم فيها ما يتمتعون به إلى أن يبلغوا آجالهم. {ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] يقول: ثم نذيقهم إذا وردوا علينا عذابا مؤلما موجعا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي: " {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] إلى آخر الآية، قال: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري عن سفيان، عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي: " {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] قال: دخل في السلام كل مؤمن ومؤمنة، وفي 12P439 الشرك كل كافر وكافرة " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قراءة عن ابن جريج: " {وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] يعني ممن لم يولد، قد قضى البركات لمن سبق له في علم الله وقضائه السعادة. {وأمم سنمتعهم} [هود: 48] ممن سبق له في علم الله وقضائه الشقاوة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، بنحوه، إلا أنه قال: {وأمم سنمتعهم} [هود: 48] متاع الحياة الدنيا، ممن قد سبق له في علم الله وقضائه الشقاوة. قال: ولم يهلك الولدان يوم غرق قوم نوح بذنب آبائهم كالطير والسباع، ولكن جاء أجلهم مع الغرق حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم} [هود: 48] قال: هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله، كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر. ثم أخرج منهم نسلا بعد ذلك أمما، منهم من رحم، ومنهم من عذب. وقرأ: {وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم} [هود: 48] وذلك إنما افترقت الأمم من تلك 12P440 العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] الآية، يقول: بركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة. {وأمم سنمتعهم} [هود: 48] يعني: متاع الحياة الدنيا.
{ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أنه كان إذا قرأ سورة هود، فأتى على: {يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك} [هود: 48] حتى ختم الآية، قال الحسن: فأنجى الله نوحا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون حتى ذكر الأنبياء، كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] قال: بعد الرحمة " حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال، أخبرنا عبد الله بن شوذب، 12P441 قال: سمعت داود بن أبي هند، يحدث عن الحسن، أنه أتى على هذه الآية: " {اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] قال: فكان ذلك حين بعث الله عادا، فأرسل إليهم هودا، فصدقه مصدقون وكذبه مكذبون حتى جاء أمر الله؛ فلما جاء أمر الله نجى الله هودا والذين آمنوا معه، وأهلك الله المتمتعين، ثم بعث الله ثمود، فبعث إليهم صالحا، فصدقه مصدقون وكذبه مكذبون، حتى جاء أمر الله؛ فلما جاء أمر الله نجى الله صالحا، والذين آمنوا معه وأهلك الله المتمتعين، ثم استقرأ الأنبياء نبيا نبيا على نحو من هذا " 12P440
[هود: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هذه القصة التي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه {من أنباء الغيب} [آل عمران: 44] يقول: هي من أخبار الغيب التي لم تشهدها فتعلمها، {نوحيها إليك} [هود: 49] يقول: نوحيها إليك نحن فنعرفكها {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: 49] الوحي الذي نوحيه إليك، فاصبر على القيام بأمر الله، وتبليغ رسالته، وما تلقى من مشركي قومك، كما صبر نوح. {إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] يقول: إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله فأدى فرائضه، واجتنب معاصيه فهم الفائزون بما يؤملون من النعيم في الآخرة والظفر في الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله أن نجاه من الهلكة مع من آمن به وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرق المكذبين به فأهلكهم جميعهم وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: 49] القرآن، وما كان علم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه ما صنع نوح وقومه، لولا ما بين الله في كتابه " 12P442 [هود: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون} [هود: 50] يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان . {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] يقول: ليس لكم معبود يستحق العبادة عليكم غيره، فأخلصوا له العبادة، وأفردوه بالألوهة {إن أنتم إلا مفترون} [هود: 50] 12P443 يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون، تختلقون الباطل، لأنه لا إله سواه 12P442 [هود: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون} [هود: 51] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله، وخلع الأوثان، والبراءة منها جزاء وثوابا {إن أجري إلا على الذي فطرني} [هود: 51] يقول: إن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم، ودعائكم إلى الله، إلا على الذي خلقني {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] يقول: أفلا تعقلون أني لو كنت أبتغي بدعايتكم إلى الله غير النصيحة لكم وطلب الحظ لكم في الدنيا والآخرة للتمست منكم على ذلك بعض أعراض الدنيا، وطلبت منكم الأجر والثواب؟ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن أجري إلا على الذي فطرني} [هود: 51] أي خلقني " 12P443
[هود: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين} [هود: 52] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: {ويا قوم استغفروا ربكم} [هود: 52] يقول: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع، لأن هودا صلى الله عليه وسلم، إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} [نوح: 4] وقوله: {ثم توبوا إليه} [هود: 3] يقول: ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به {يرسل السماء عليكم مدرارا} [هود: 52] يقول: فإنكم إن آمنتم بالله، وتبتم من كفركم به، أرسل قطر السماء عليكم يدر لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {مدرارا} [الأنعام: 6] يقول: يتبع بعضها بعضا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {يرسل السماء عليكم مدرارا} [هود: 52] قال: يدر ذلك عليهم قطرا ومطرا " 12P445 وأما قوله: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود: 52] فإن مجاهدا كان يقول في ذلك ما حدثني به، محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود: 52] قال: شدة إلى شدتكم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وإسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين: قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، فذكر مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود: 52] قال: جعل لهم قوة، فلو أنهم أطاعوه، زادهم قوة إلى قوتهم. وذكر لنا أنه إنما قيل لهم: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود: 52] قال: إنه قد كان انقطع النسل عنهم سنين، فقال هود لهم: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد، لأن ذلك من القوة " وقوله: {ولا تتولوا مجرمين} [هود: 52] يقول: ولا تدبروا عما أدعوكم إليه من توحيد الله، والبراءة من الأوثان والأصنام مجرمين، يعني كافرين بالله 12P445 [هود: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} [هود: 53] 12P446 يقول تعالى ذكره: قال قوم هود لهود: يا هود ما أتيتنا ببيان، ولا برهان على ما تقول، فنسلم لك، ونقر بأنك صادق فيما تدعونا إليه من توحيد الله والإقرار بنبوتك. {وما نحن بتاركي آلهتنا} [هود: 53] يقول: وما نحن بتاركي آلهتنا يعني لقولك: أو من أجل قولك {وما نحن لك بمؤمنين} [هود: 53] يقول: قالوا: وما نحن لك بما تدعي من النبوة والرسالة من الله إلينا بمصدقين 12P445
[هود: 54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} [هود: 54_55] وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن قول قوم هود أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان، والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمها والنهي عن عبادتها أنه أصابك منها خبل من جنون فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضا أيها القوم أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه، {فكيدوني جميعا} [هود: 55] يقول: فاحتالوا أنتم جميعا وآلهتكم في ضري ومكروهي، {ثم لا تنظرون} [هود: 55] يقول: ثم لا تؤخرون ذلك، فانظروا هل تنالونني أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتني به من السوء وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: أصابتك الأوثان بجنون " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: أصابك الأوثان بجنون " حدثني المثنى، قال: ثنا ابن دكين، قال: ثنا سفيان، عن عيسى، عن مجاهد: " {إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: سببت آلهتنا وعبتها فأجنتك " قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] أصابك بعض آلهتنا بسوء؛ يعنون الأوثان " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: أصابك الأوثان بجنون " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: " {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: تصيبك آلهتنا بالجنون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " { 12P448 إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: ما يحملك على ذم آلهتنا، إلا أنه أصابك منها سوء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] قال: إنما تصنع هذا بآلهتنا أنها أصابتك بسوء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " قال عبد الله بن كثير: أصابتك آلهتنا بشر " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] يقولون: اختلط عقلك فأصابك هذا مما صنعت بك آلهتنا " 12P449 وقوله: {اعتراك} [هود: 54] افتعل، من عراني الشيء يعروني: إذا أصابك، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] من القوم يعروه اجتراء ومأثم 12P448
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?