Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الإسراء: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء: 18] يقول تعالى ذكره: من كان طلبه الدنيا العاجلة ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي، لا يوقن بمعاد ولا يرجو ثوابا ولا عقابا من ربه على عمله {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء: 18] يقول: يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الدنيا عليه، أو تقتيرها لمن أراد الله أن يفعل ذلك به، أو إهلاكه بما يشاء من عقوباته. {ثم جعلنا له جهنم يصلاها} [الإسراء: 18] يقول: ثم أصليناه عند مقدمه علينا في الآخرة جهنم {مذموما} [الإسراء: 18] على قلة شكره إيانا وسوء صنيعه فيما سلف من أيادينا عنده في الدنيا {مدحورا} [الأعراف: 18] يقول: مبعدا: مقصى في النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء: 18] يقول: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته عجل الله له فيها ما يشاء، ثم اضطره إلى جهنم. قال: {ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء: 18] مذموما في نعمة الله مدحورا في نقمة الله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو طيبة شيخ من أهل المصيصة، أنه سمع أبا إسحاق الفزاري، يقول: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء: 18] قال: لمن نريد هلكته حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {مذموما} [الإسراء: 18] يقول: ملوما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء: 18] قال: العاجلة: الدنيا 14P537 [الإسراء: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] يقول تعالى ذكره: من أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه، وأضاف السعي إلى الهاء والألف وهي كناية عن الآخرة، فقال: وسعى للآخرة سعي الآخرة، ومعناه: وعمل لها عملها لمعرفة السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعى لها سعيه لها وهو مؤمن، يقول: هو مؤمن مصدق بثواب الله، وعظيم جزائه على سعيه لها، غير مكذب به تكذيب من أراد العاجلة، يقول الله جل ثناؤه: {فأولئك} [البقرة: 81] يعني: فمن فعل ذلك {كان سعيهم} [الإسراء: 19] يعني عملهم بطاعة الله {مشكورا} [الإسراء: 19] وشكر الله إياهم على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سيئها برحمته. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] شكر الله لهم حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم 14P537
[الإسراء: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] يقول تعالى ذكره: يمد ربك يا محمد كلا الفريقين من مريدي العاجلة ومريدي 14P538 الآخرة، الساعي لها سعيها وهو مؤمن في هذه الدنيا من عطائه فيرزقهما جميعا من رزقه إلى بلوغهما الأمد واستيفائهما الأجل ما كتب لهما، ثم تختلف بهما الأحوال بعد الممات، وتفترق بهما بعد الورود المصادر، ففريق مريدي العاجلة إلى جهنم مصدرهم، وفريق مريدي الآخرة إلى الجنة مآبهم {وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] يقول: وما كان عطاء ربك الذي يؤتيه من يشاء من خلقه في الدنيا ممنوعا عمن بسطه عليه لا يقدر أحد من خلقه منعه من ذلك، وقد آتاه الله إياه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] أي منقوصا، وإن الله عز وجل قسم الدنيا بين البر والفاجر، والآخرة خصوصا عند ربك للمتقين حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] قال: منقوصا حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سهل بن أبي الصلت السراج، قال: سمعت الحسن، يقول {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} [الإسراء: 20] قال: كلا نعطي من الدنيا البر والفاجر حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} [الإسراء: 18] . . الآية {ومن أراد الآخرة} [الإسراء: 19] . . ثم قال {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} [الإسراء: 20] قال ابن عباس: فيرزق من أراد الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة. قال ابن جريج {وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] قال: ممنوعا حدثنا بشر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء} [الإسراء: 20] أهل الدنيا وأهل الآخرة {من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] قال: ممنوعا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء} [الإسراء: 20] أهل الدنيا وأهل الآخرة {من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] من بر ولا فاجر، قال: والمحظور: الممنوع، وقرأ {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21] 14P539 [الإسراء: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد بعين قلبك إلى هذين الفريقين اللذين هم أحدهما الدار العاجلة، وإياها يطلب ولها يعمل، والآخر الذي يريد الدار الآخرة ولها يسعى موقنا بثواب الله على سعيه، كيف فضلنا أحد الفريقين على الآخر، بأن بصرنا هذا رشده، وهديناه للسبيل التي هي أقوم، ويسرناه للذي هو أهدى وأرشد، وخذلنا هذا الآخر، فأضللناه عن طريق الحق، وأغشينا بصره عن سبيل الرشد {وللآخرة أكبر درجات} [الإسراء: 21] يقول: وفريق مريد الآخرة أكبر في الدار الآخرة درجات بعضهم على بعض لتفاوت منازلهم بأعمالهم في الجنة وأكبر تفضيلا بتفضيل الله بعضهم على بعض من هؤلاء الفريق الآخرين في الدنيا فيما بسطنا لهم فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} [الإسراء: 21] أي في الدنيا {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21] وإن للمؤمنين في الجنة منازل، وإن لهم فضائل بأعمالهم. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها» 14P540
[الإسراء: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما 14P541 مخذولا} [الإسراء: 22] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تجعل يا محمد مع الله شريكا في ألوهته وعبادته، ولكن أخلص له العبادة، وأفرد له الألوهة، فإنه لا إله غيره، فإنك إن تجعل معه إلها غيره، وتعبد معه سواه، تقعد مذموما، يقول: تصير ملوما على ما ضيعت من شكر الله على ما أنعم به عليك من نعمه، وتصييرك الشكر لغير من أولاك المعروف، وفي إشراكك في الحمد من لم يشركه في النعمة عليك غيره، مخذولا قد أسلمك ربك لمن بغاك سوءا، وإذا أسلمك ربك الذي هو ناصر أوليائه لم يكن لك من دونه ولي ينصرك ويدفع عنك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} [الإسراء: 22] يقول: مذموما في نعمة الله وهذا الكلام وإن كان خرج على وجه خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو معني به جميع من لزمه التكليف من عباد الله جل وعز 14P541
[الإسراء: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] يعني بذلك تعالى ذكره حكم ربك يا محمد بأمره إياكم ألا تعبدوا إلا الله، فإنه لا ينبغي أن يعبد غيره. وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله {وقضى ربك} [الإسراء: 23] وإن كان 14P542 معنى جميعهم في ذلك واحدا ذكر ما قالوا في ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] يقول: أمر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا زكريا بن سلام، قال: جاء رجل إلى الحسن، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: قضى الله ذلك علي، قال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله: أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] فقال الناس: تكلم الحسن في القدر حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] أي أمر ربك في ألا تعبدوا إلا إياه، فهذا قضاء الله العاجل، وكان يقال في بعض الحكمة: من أرضى والديه: أرضى خالقه، ومن أسخط والديه، فقد أسخط ربه حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] قال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وفي حرف ابن مسعود: «وصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث، 14P543 قال: ثني ابن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبي بن كعب، قال أبو كريب: قال يحيى: رأيت المصحف عند نصير فيه: «ووصى ربك» يعني: وقضى ربك حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] قال: وأوصى ربك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] قال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قرأها: «ووصى ربك» وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافا وقوله: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] يقول: وأمركم بالوالدين إحسانا أن تحسنوا إليهما وتبروهما. ومعنى الكلام: وأمركم أن تحسنوا إلى الوالدين، فلما حذفت «أن» تعلق القضاء بالإحسان، كما يقال في الكلام: آمرك به خيرا، وأوصيك به خيرا، بمعنى: آمرك أن تفعل به خيرا، ثم تحذف «أن» فيتعلق الأمر والوصية بالخير، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيرا بها كأننا جافونا وعمل يوصينا في الخير . واختلفت القراء في قراءة قوله {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} [الإسراء: 23] فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفيين: {إما يبلغن} [الإسراء: 23] على التوحيد على توجيه ذلك إلى أحدهما لأن أحدهما واحد، فوحدوا {يبلغن} [الإسراء: 23] لتوحيده، وجعلوا قوله {أو كلاهما} [الإسراء: 23] معطوفا على الأحد. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (إما يبلغان) على التثنية وكسر النون وتشديدها، وقالوا: قد ذكر الوالدان قبل، وقوله: «يبلغان» خبر عنهما بعد ما قدم أسماءهما. قالوا: والفعل إذا جاء بعد الاسم كان الكلام أن يكون فيه دليل على أنه خبر عن اثنين أو جماعة. قالوا: والدليل على أنه خبر عن اثنين في الفعل المستقبل الألف والنون.
قالوا: وقوله {أحدهما أو كلاهما} [الإسراء: 23] كلام مستأنف، كما قيل: {فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم} [المائدة: 71] وكقوله {وأسروا النجوى} [طه: 62] ثم ابتدأ فقال {الذين ظلموا} [البقرة: 59] وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك، قراءة من قرأه {إما يبلغن} [الإسراء: 23] على التوحيد على أنه خبر عن أحدهما، لأن الخبر عن الأمر بالإحسان في الوالدين، قد تناهى عند قوله {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] ثم ابتدأ قوله {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} [الإسراء: 23] وقوله: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] يقول: فلا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب في الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك في صغرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] قال: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويخرآن، فلا تقل لهما أف تقذرهما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: إما يبلغان عندك الكبر فلا تقل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول، كما كانا يميطانه عنك صغيرا ، ولا تؤذهما 14P546 وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى «أف» ، فقال بعضهم: معناه: كل ما غلظ من الكلام وقبح. وقال آخرون: الأف: وسخ الأظفار والتف كل ما رفعت بيدك من الأرض من شيء حقير. وللعرب في أف لغات ست: رفعها بالتنوين وغير التنوين، وخفضها كذلك، ونصبها، فمن خفض ذلك بالتنوين، وهي قراءة عامة أهل المدينة. شبهها بالأصوات التي لا معنى لها، كقولهم في حكاية الصوت غاق غاق، فخفضوا القاف ونونوها، وكان حكمها السكون، فإنه لا شيء يعربها من أجل مجيئها بعد حرف ساكن وهو الألف، فكرهوا أن يجمعوا بين ساكنين، فحركوا إلى أقرب الحركات من السكون، وذلك الكسر، لأن المجزوم إذا حرك فإنما يحرك إلى الكسر. وأما الذين خفضوا بغير تنوين، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين والبصريين، فإنهم قالوا: إنما يدخلون التنوين فيما جاء من الأصوات ناقصا، كالذي يأتي على حرفين مثل: مه وصه وبخ، فيتمم بالتنوين لنقصانه عن أبنية الأسماء. قالوا: وأف تام لا حاجة بنا إلى تتمته بغيره، لأنه قد جاء على ثلاثة أحرف. قالوا: وإنما كسرنا الفاء الثانية لئلا نجمع بين ساكنين. وأما من ضم ونون، فإنه قال: هو اسم كسائر الأسماء التي تعرب وليس 14P547 بصوت، وعدل به عن الأصوات. وأما من ضم ذلك بغير تنوين، فإنه قال: ليس هو باسم متمكن فيعرب بإعراب الأسماء المتمكنة، وقالوا: نضمه كما نضم قوله {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4] وكما نضم الاسم في النداء المفرد، فنقول: يا زيد. ومن نصبه بغير تنوين، وهو قراءة بعض المكيين وأهل الشام فإنه شبهه بقولهم: مد يا هذا ورد. ومن نصب بالتنوين، فإنه أعمل الفعل فيه، وجعله اسما صحيحا، فيقول: ما قلت له: أفا ولا تفا. وكان بعض نحويي البصرة يقول: قرئت: أف، وأفا لغة جعلوها مثل نعتها. وقرأ بعضهم «أف» ، وذلك أن بعض العرب يقول: «أف لك» على الحكاية: أي لا تقل لهما هذا القول. قال: والرفع قبيح، لأنه لم يجئ بعده بلام، والذين قالوا: «أف» فكسروا كثير ، وهو أجود. وكسر بعضهم ونون. وقال بعضهم: «أفي» ، كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه، فقال: أفي هذا لكما، والمكسور من هذا منون وغير منون على أنه اسم غير متمكن، نحو أمس وما أشبهه، والمفتوح بغير تنوين كذلك. وقال بعض أهل العربية: كل هذه الحركات الست تدخل في «أف» حكاية تشبه بالاسم مرة وبالصوت أخرى. قال: وأكثر ما تكسر الأصوات بالتنوين إذا 14P548 كانت على حرفين مثل صه ومه وبخ. وإذا كانت على ثلاثة أحرف شبهت بالأدوات «أف» مثل: ليت ومد، وأف مثل مد يشبه بالأدوات.
وإذا قال أف مثل صه. وقالوا: سمعت مض يا هذا ومض. وحكي عن الكسائي أنه قال: سمعت «ما علمك أهلك إلا مض ومض» ، وهذا كأف وأف. ومن قال: «أفا» جعله مثل سحقا وبعدا. والذي هو أولى بالصحة عندي في قراءة ذلك، قراءة من قرأه: «فلا تقل لهما أف» بكسر الفاء بغير تنوين لعلتين، إحداهما: أنها أشهر اللغات فيها وأفصحها عند العرب، والثانية: أن حظ كل ما لم يكن له معرب من الكلام السكون، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الفاء في أف حظها الوقوف، ثم لم يكن إلى ذلك سبيل لاجتماع الساكنين فيه، وكان حكم الساكن إذا حرك أن يحرك إلى الكسر حركت إلى الكسر، كما قيل: مد وشد ورد الباب وقوله: {ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] يقول جل ثناؤه: ولا تزجرهما. كما: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا واصل الرقاشي، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] قال: لا تنفض يدك على والديك يقال منه: نهره ينهره نهرا، وانتهره ينتهره انتهارا وأما قوله: {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] فإنه يقول جل ثناؤه: وقل لهما قولا جميلا حسنا. 14P549 كما: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] قال: أحسن ما تجد من القول حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الله بن المختار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، {قولا كريما} [الإسراء: 23] قالا: لا تمتنع من شيء يريدانه قال أبو جعفر: وهذا الحديث خطأ، أعني حديث هشام بن عروة، إنما هو عن هشام بن عروة، عن أبيه، ليس فيه عمر، حدث عن ابن علية وغيره، عن عبد الله بن المختار حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] أي قولا لينا سهلا حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة بن عمران، عن أبي الهداج التجيبي، قال: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما ذكر الله عز وجل في القرآن من بر الوالدين، فقد عرفته، إلا قوله {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ 14P549
[الإسراء: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء: 24] قال: لا تمتنع من شيء يحبانه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، قال: سمعت هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء: 24] قال: هو أن تلين لهما حتى لا تمتنع من شيء أحباه حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله {واخفض لهما جناح الذل من 14P551 الرحمة} [الإسراء: 24] قال: لا تمتنع من شيء أحباه حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عبد الله بن المختار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء: 24] قال: هو أن لا تمتنع من شيء يريدانه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المقرئ أبو عبد الرحمن، عن حرملة بن عمران، عن أبي الهداج، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما قوله {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء: 24] قال: ألم تر إلى قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ والذل بضم الذال والذلة مصدران من الذليل، وذلك أن يتذلل، وليس بذليل في الخلقة من قول القائل: قد ذللت لك أذل ذلة وذلا، وذلك نظير القل والقلة، إذا أسقطت الهاء ضمت الذال من الذل، والقاف من القل، وإذا أثبتت الهاء كسرت الذال من الذلة، والقاف من القلة، لما قال الأعشى: [+البحر الطويل] وما كنت قلا قبل ذلك أزيبا يريد: القلة. وأما الذل بكسر الذال وإسقاط الهاء فإنه مصدر من الذلول من قولهم: دابة ذلول: بينة الذل، وذلك إذا كانت لينة غير صعبة. ومنه قول الله جل ثناؤه 14P552 : {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} [الملك: 15] يجمع ذلك ذللا، كما قال جل ثناؤه: {فاسلكي سبل ربك ذللا} [النحل: 69] وكان مجاهد يتأول ذلك أنه لا يتوعر عليها مكان سلكته. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق والشام {واخفض لهما جناح الذل} [الإسراء: 24] بضم الذال على أنه مصدر من الذليل. وقرأ ذلك سعيد بن جبير وعاصم الجحدري: «جناح الذل» بكسر الذال حدثنا ابن حميد، قال: ثنا بهز بن أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أنه قرأ: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» قال: كن لهما ذليلا، ولا تكن لهما ذلولا حدثنا نصر بن علي، قال: أخبرني عمر بن شقيق، قال: سمعت عاصما الجحدري، يقرأ: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» قال: كن لهما ذليلا، ولا تكن لهما ذلولا حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عمر بن شقيق، عن عاصم، مثله قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوله عاصم كان ينبغي أن تكون قراءته بضم الذال لا بكسرها حدثنا نصر وابن بشار، وحدثت عن الفراء، قال: ثني هشيم، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد 14P553 بن جبير، أنه قرأ: «واخفض لهما جناح الذل» . قال الفراء: وأخبرني الحكم بن ظهير، عن عاصم بن أبي النجود، أنه قرأها الذل أيضا، فسألت أبا بكر فقال: الذل قرأها عاصم. وأما قوله: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] فإنه يقول: ادع الله لوالديك بالرحمة، وقل رب ارحمهما وتعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك كما تعطفا علي في صغري، فرحماني وربياني صغيرا، حتى استقللت بنفسي، واستغنيت عنهما.
كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] هكذا علمتم، وبهذا أمرتم، خذوا تعليم الله وأدبه ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو ماد يديه رافع صوته يقول: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه» . ولكن كانوا يرون أنه من بر والديه وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم الخير. وقال جماعة من أهل العلم: إن قول الله جل ثناؤه: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] منسوخ بقوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب 14P554 الجحيم} [التوبة: 113] ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] ثم أنزل الله عز وجل بعد هذا: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قال في سورة بني إسرائيل (إما يبلغان عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) . . إلى قوله {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء : 24] فنسختها الآية التي في براءة {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] . الآية حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس {وقل رب ارحمهما} [الإسراء: 24] . . الآية، قال: نسختها الآية التي في براءة {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] . الآية وقد تحتمل هذه الآية أن تكون وإن كان ظاهرها عاما في كل الآباء 14P555 بغير معنى النسخ، بأن يكون تأويلها على الخصوص، فيكون معنى الكلام: وقل رب ارحمهما إذا كانا مؤمنين، كما ربياني صغيرا، فتكون مرادا بها الخصوص على ما قلنا غير منسوخ منها شيء. وعني بقول ربياني: نمياني 14P554
[الإسراء: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] يقول تعالى ذكره {ربكم} [البقرة: 21] أيها الناس {أعلم} [البقرة: 30] منكم {بما في نفوسكم} [الإسراء: 25] من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم والبر بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءا، وتعقدوا لهم عقوقا. وقوله {إن تكونوا صالحين} [الإسراء: 25] يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البر بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوابين بعد الزلة، والتائبين بعد الهفوة غفورا لهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل 14P556
[الإسراء: 26_27] القول في تأويل قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} [الإسراء: 26_27] اختلف أهل التأويل في المعني بقوله {وآت ذا القربى} [الإسراء: 26] فقال بعضهم: عنى به: قرابة الميت من قبل أبيه وأمه، أمر الله جل ثناؤه عباده بصلتها ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا حبيب المعلم، قال: سأل رجل الحسن، قال: أعطي قرابتي زكاة مالي؟ فقال: إن لهم 14P563 في ذلك لحقا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] قال: صلته التي تريد أن تصله بها ما كنت تريد أن تفعله إليه حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الإسراء: 26] قال: هو أن تصل ذا القربة والمسكين وتحسن إلى ابن السبيل وقال آخرون: بل عنى به قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المزني، عن السدي، عن أبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أفما قرأت في بني إسرائيل {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] قال: وإنكم للقرابة التي أمر الله جل ثناؤه أن يؤتى حقه؟ قال: نعم وأولى التأويلين عندي بالصواب، تأويل من تأول ذلك أنها بمعنى وصية الله عباده بصلة قرابات أنفسهم وأرحامهم من قبل آبائهم وأمهاتهم، وذلك أن الله عز وجل عقب ذلك عقيب حضه عباده على بر الآباء والأمهات، فالواجب أن يكون ذلك حضا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يجر لها ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وأعط يا محمد ذا قرابتك حقه من صلتك إياه، وبرك به، والعطف عليه. وخرج ذلك مخرج الخطاب لنبي الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بحكمه جميع من لزمته فرائض الله، يدل على ذلك ابتداؤه الوصية بقوله جل ثناؤه: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما} [الإسراء: 23] فوجه الخطاب بقوله {وقضى ربك} [الإسراء: 23] إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال {ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] فرجع بالخطاب به إلى الجميع، ثم صرف الخطاب بقوله {إما يبلغن عندك} [الإسراء: 23] إلى إفراده به. والمعنى بكل ذلك جميع من لزمته فرائض الله عز وجل، أفرد بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أو عم به هو وجميع أمته. وقوله: {والمسكين} [الإسراء: 26] وهو الذلة من أهل الحاجة. وقد دللنا فيما مضى على معنى المسكين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله {وابن السبيل} [الإسراء: 26] يعني: المسافر المنقطع به، يقول تعالى: وصل قرابتك، فأعطه حقه من صلتك إياه، والمسكين ذا الحاجة، والمجتاز بك المنقطع به، فأعنه، وقوة على قطع سفره. وقد قيل: إنما عنى بالأمر بإتيان ابن السبيل حقه أن يضاف ثلاثة أيام. والقول الأول عندي أولى بالصواب، لأن الله تعالى لم يخصص من حقوقه شيئا دون شيء في كتابه، ولا على لسان رسوله، فذلك عام في كل حق له أن يعطاه من ضيافة أو حمولة أو معونة على سفره. وقوله {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] يقول: ولا تفرق يا محمد ما أعطاك الله من مال في معصيته تفريقا.
وأصل التبذير: التفريق في السرف، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] أناس أجارونا فكان جوارهم أعاصير من فسق العراق المبذر وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي العبيدين، قال: قال عبد الله في قوله {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] قال: التبذير في غير الحق وهو الإسراف حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن 14P566 مسلم البطين، عن أبي العبيدين، قال: سئل عبد الله عن المبذر فقال: الإنفاق في غير حق حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن أبي العبيدين ضرير البصر، أنه سأل عبد الله بن مسعود عن هذه الآية {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] قال : إنفاق المال في غير حقه حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين، عن عبد الله، مثله حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين، كان ضرير البصر، سأل ابن مسعود فقال: ما التبذير؟ فقال: إنفاق المال في غير حقه 14P567 حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا المسعودي، قال: أخبرنا سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين، وكانت به زمانة، وكان عبد الله يعرف له ذلك، فقال: يا أبا عبد الرحمن ما التبذير؟ فذكر مثله حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو الحوأب، عن عمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن أبي العبيدين، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن التبذير: النفقة في غير حقه حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن كثير العنبري، قال: ثنا شعبة، قال: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجص وآجر، فقال: هذا التبذير في قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] قال: المبذر: المنفق في غير حقه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: المبذر: المنفق في غير حقه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: " لا تنفق في الباطل، فإن المبذر: هو المسرف في غير حق " قال ابن جريج وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا، 14P568 ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] قال: التبذير: النفقة في معصية الله، وفي غير الحق وفي الفساد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الإسراء: 26] قال: بدأ بالوالدين قبل هذا، فلما فرغ من الوالدين وحقهما، ذكر هؤلاء وقال {لا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] لا تعط في معاصي الله وأما قوله {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27] فإنه يعني: إن المفرقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء الشياطين، وكذلك تقول العرب لكل ملازم سنة قوم وتابع أثرهم: هو أخوهم. {وكان الشيطان لربه كفورا} [الإسراء: 27] يقول: وكان الشيطان لنعمة ربه التي أنعمها عليه جحودا لا يشكره عليه، ولكنه يكفرها بترك طاعة الله، وركوبه معصيته، فكذلك إخوانه من بني آدم المبذرون أموالهم في معاصي الله، لا يشكرون الله على نعمه عليهم، ولكنهم يخالفون أمره ويعصونه، ويستنون فيما أنعم الله عليهم به من الأموال التي خولهموها عز وجل سنته من ترك الشكر عليها، 14P569 وتلقيها بالكفران.
كالذي: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {إن المبذرين} [الإسراء: 27] إن المنفقين في معاصي الله {كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} [الإسراء: 27] 14P569
[الإسراء: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] يقول تعالى ذكره: وإن تعرض يا محمد عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم إذا وجدت إليها السبيل بوجهك عند مسألتهم إياك، ما لا تجد إليه سبيلا، حياء منهم ورحمة لهم {ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] يقول: انتظار رزق تنتظره من عند ربك، وترجو تيسير الله إياه لك، فلا تؤيسهم، ولكن قل لهم قولا ميسورا. يقول: ولكن عدهم وعدا جميلا، بأن تقول: سيرزق الله فأعطيكم، وما أشبه ذلك من القول اللين غير الغليظ، كما قال جل ثناؤه {وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 10] . وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال : ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] قال: انتظار 14P570 الرزق {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] قال: لينا تعدهم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، {ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] قال: رزق {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف: 32] حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة، في قوله {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] قال: انتظار رزق من الله يأتيك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] قال: إن سألوك فلم يجدوا عندك ما تعطيهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ترجوه {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] قال: عدهم عدة حسنة: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعلنا أعطيناكم، فهو القول الميسور قال ابن جريج، قال مجاهد: إن سألوك فلم يكن عندك ما تعطيهم، فأعرضت عنهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] . حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 14P571 في قول الله عز وجل {ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] قال: انتظار رزق الله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن عبيدة، في قوله {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] قال: ابتغاء الرزق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] قال: أي رزق تنتظره {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] أي معروفا حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] قال: عدهم خيرا وقال الحسن: قل لهم قولا لينا وسهلا.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله {وإما تعرضن عنهم} [الإسراء: 28] يقول: لا تجد شيئا تعطيهم {ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] يقول: انتظار الرزق من ربك، نزلت فيمن كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم من المساكين حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثني عمارة، عن عكرمة في قول الله {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] قال: الرفق 14P572 وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني به، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وإما تعرضن عنهم} [الإسراء: 28] عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] إذا خشيت إن أعطيتهم أن يتقووا بها على معاصي الله عز وجل، ويستعينوا بها عليها فرأيت أن تمنعهم خيرا، فإذا سألوك {فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] قولا جميلا: رزقك الله، بارك الله فيك وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن زيد مع خلافه أقوال أهل التأويل في تأويل هذه الآية، بعيد المعنى، مما يدل عليه ظاهرها، وذلك أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28] فأمره أن يقول إذا كان إعراضه عن القوم الذين ذكرهم انتظار رحمة منه يرجوها من ربه {قولا ميسورا} [الإسراء: 28] وذلك الإعراض ابتغاء الرحمة، لن يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها لنفسه، فيكون معنى الكلام كما قلناه، وقال أهل التأويل الذين ذكرنا قولهم، وخلاف قوله، أو يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها للسائلين الذين أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم بزعمه أن يمنعهم ما سألوه خشية عليهم من أن ينفقوه في معاصي الله، فمعلوم أن سخط الله على من كان غير مأمون منه صرف ما أعطي من نفقة ليتقوى بها على طاعة الله في معاصيه، أخوف من رجاء رحمته له ، وذلك أن رحمة الله إنما ترجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه، إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلى أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر بمنعهم ما سألوه لينيبوا من معاصي الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه فيكون ذلك وجها يحتمله تأويل الآية، وإن كان لقول أهل التأويل مخالفا 14P573
[الإسراء: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى للممتنع من الإنفاق في الحقوق التي أوجبها في أموال ذوي الأموال، فجعله كالمشدودة يده إلى عنقه، الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] يقول: ولا تبسطها بالعطية كل البسط، فتبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك {فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلومك نفسك على الإسراع في مالك وذهابه {محسورا} [الإسراء: 29] يقول: معيبا، قد انقطع بك، لا شيء عندك تنفقه. وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقطع سيرها وكلت ورزحت من السير، بأنه حسير. يقال منه: حسرت الدابة فأنا أحسرها، وأحسرها حسرا، وذلك إذا أنضيته بالسير، وحسرته بالمسألة إذا سألته فألحفت. وحسر البصر فهو يحسر، وذلك إذا بلغ أقصى المنظر فكل. ومنه قوله عز وجل: {ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} وكذلك ذلك في كل شيء كل وأزحف حتى يضنى. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] قال: لا تجعلها مغلولة عن النفقة {ولا تبسطها} [الإسراء: 29] تبذر بسرف حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يوسف بن بهز، قال: ثنا حوشب، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] يقول: لا تطفف برزقي عن غير رضاي، ولا تضعه في سخطي فأسلبك ما في يديك، فتكون حسيرا ليس في يديك منه شيء حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل 14P575 البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] يقول هذا في النفقة، يقول {لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] يقول: لا تبسطها بالخير {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] يعني التبذير {فتقعد ملوما} [الإسراء: 29] يقول: يلوم نفسه على ما فات من ماله {محسورا} [الإسراء: 29] يعني: ذهب ماله كله فهو محسور حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] يعني بذلك البخل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] أي لا تمسكها عن طاعة الله، ولا عن حقه {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] يقول: لا تنفقها في معصية الله، ولا فيما لا يصلح لك، ولا ينبغي لك، وهو الإسراف، قوله {فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] قال: ملوما في عباد الله، محسورا على ما سلف من دهره وفرط حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] قال: في النفقة، يقول: لا تمسك عن النفقة {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] يقول: لا تبذر تبذيرا {فتقعد ملوما} [الإسراء: 29] 14P576 في عباد الله {محسورا} [الإسراء: 29] يقول: نادما على ما فرط منك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] فيما نهيتك {فتقعد ملوما} [الإسراء: 29] قال: مذنبا {محسورا} [الإسراء: 29] قال: منقطعا بك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] قال: مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] في الحق والباطل، فينفذ ما معك، وما في يديك، فيأتيك من يريد أن تعطيه فيحسر بك، فيلومك حين أعطيت هؤلاء، ولم تعطهم 14P576
[الإسراء: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} [الإسراء: 30] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد يبسط رزقه لمن يشاء من عباده، فيوسع عليه، ويقدر على من يشاء، يقول: ويقتر على من يشاء منهم، فيضيق عليه {إنه كان بعباده خبيرا} [الإسراء: 30] يقول: إن ربك ذو خبرة بعباده، ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده، ومن الذي يصلحه الإقتار والضيق ويهلكه. {بصيرا} [النساء: 58] يقول: هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم، يقول: فانته يا محمد إلى أمرنا فيما أمرناك ونهيناك من بسط يدك فيما تبسطها فيه، وفيمن تبسطها له، ومن كفها عمن تكفها عنه، وتكفها فيه، فنحن أعلم بمصالح العباد منك، ومن جميع الخلق وأبصر بتدبيرهم، كالذي: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، ثم أخبرنا تبارك وتعالى، كيف يصنع، فقال: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الإسراء: 30] قال: يقدر: يقل، وكل شيء في القرآن يقدر كذلك، ثم أخبر عباده أنه لا يرزؤه ولا يئوده أن لو بسط عليهم، ولكن نظرا لهم منه، فقال: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} [الشورى: 27] قال: والعرب إذا كان الخصب وبسط عليهم أشروا، وقتل بعضهم بعضا، وجاء الفساد، فإذا كان السنة شغلوا عن ذلك 14P577 [الإسراء: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء: 31] يقول تعالى ذكره: {وقضى ربك} [الإسراء: 23] يا محمد {ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] فموضع تقتلوا نصب عطفا على ألا تعبدوا. ويعني بقوله: {خشية إملاق} [الإسراء: 31] خوف إقتار وفقر. 14P578 وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى وذكرنا الرواية فيه. وإنما قال جل ثناؤه ذلك للعرب، لأنهم كانوا يقتلون الإناث من أولادهم خوف العيلة على أنفسهم بالإنفاق عليهن، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] أي خشية الفاقة، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله، فقال: {نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا} حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {خشية إملاق} [الإسراء: 31] قال: كانوا يقتلون البنات حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] قال: الفاقة والفقر حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {خشية إملاق} [الإسراء: 31] يقول: الفقر وأما قوله: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والعراق {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} بكسر الخاء من الخطء وسكون الطاء. وإذا قرئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون اسما من قول القائل: خطئت فأنا أخطأ، بمعنى: أذنبت وأثمت. ويحكى عن العرب: خطئت: إذا أذنبت عمدا، وأخطأت: إذا وقع منك الذنب خطأ على غير عمد منك له. والثاني: أن يكون بمعنى خطأ بفتح الخاء والطاء، ثم كسرت الخاء وسكنت الطاء، كما قيل: قتب وقتب وحذر وحذر، ونجس ونجس. والخطء بالكسر اسم، والخطأ بفتح الخاء والطاء مصدر من قولهم: خطئ الرجل، وقد يكون اسما من قولهم: أخطأ. فأما المصدر منه فالإخطاء. وقد قيل: خطئ، بمعنى أخطأ، كما قال: الشاعر: [+البحر الرجز] يا لهف هند إذ خطئن كاهلا بمعنى: أخطأن. وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة: (إن قتلهم كان خطأ) بفتح الخاء والطاء مقصورا على توجيهه إلى أنه اسم من قولهم: أخطأ فلان خطأ. وقرأه بعض قراء أهل مكة: (إن قتلهم كان خطاء) بفتح الخاء والطاء ومد الخطاء بنحو معنى من قرأه خطأ بفتح الخاء والطاء، غير أنه يخالفه في مد الحرف. وكان عامة أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة وبعض البصريين منهم يرون أن الخطء والخطأ بمعنى واحد، إلا أن بعضهم زعم أن الخطأ بكسر الخاء وسكون الطاء في القراءة أكثر، وأن الخطأ بفتح الخاء والطاء في كلام الناس أفشى، وأنه لم يسمع الخطأ بكسر الخاء وسكون الطاء، في شيء من كلامهم وأشعارهم، إلا في بيت أنشده لبعض الشعراء: [+البحر البسيط] الخطء فاحشة والبر نافلة كعجوة غرست في الأرض تؤتبر وقد ذكرت الفرق بين الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء وفتحهما. وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، القراءة التي عليها قراء أهل العراق، وعامة أهل الحجاز، لإجماع الحجة من القراء عليها، وشذوذ ما عداها. وإن معنى ذلك كان إثما وخطيئة، لا خطأ من الفعل، لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدا لا خطأ، وعلى عمدهم ذلك عاتبهم ربهم، وتقدم إليهم بالنهي عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {خطئا كبيرا} قال: أي خطيئة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} قال: خطيئة قال ابن جريج، وقال ابن عباس: خطئا: أي خطيئة 14P581
[الإسراء: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] يقول تعالى ذكره: وقضى أيضا أن {لا تقربوا} [النساء: 43] أيها الناس {الزنا إنه كان فاحشة} يقول: إن الزنا كان فاحشة {وساء سبيلا} [النساء: 22] يقول: وساء طريق الزنا طريقا، لأن طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم 14P581
[الإسراء: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} [الإسراء: 33] 14P582 يقول جل ثناؤه: وقضى أيضا أن {لا تقتلوا} [المائدة: 95] أيها الناس {النفس التي حرم الله} [الأنعام: 151] قتلها {إلا بالحق} [الأنعام: 151] وحقها أن لا تقتل إلا بكفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قود نفس، وإن كانت كافرة لم يتقدم كفرها إسلام، فأن لا يكون تقدم قتلها لها عهد وأمان، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] وإنا والله ما نعلم بحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، إلا رجلا قتل متعمدا، فعليه القود، أو زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو كفر بعد إسلامه فعليه القتل حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، أو غيره، قال: قيل لأبي بكر: أتقتل من يرى أن لا يؤدي الزكاة؟ قال: لو منعوني شيئا مما أقروا به لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم فقيل لأبي بكر: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " فقال أبو بكر: هذا من حقها حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» قيل: وما حقها؟ قال: «زنا بعد إحصان، وكفر 14P583 بعد إيمان، وقتل نفس فيقتل بها» قوله: {ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] يقول: ومن قتل بغير المعاني التي ذكرنا أنه إذا قتل بها كان قتلا بحق {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] يقول: فقد جعلنا لولي المقتول ظلما سلطانا على قاتل وليه، فإن شاء استقاد منه فقتله بوليه، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية. وقد اختلف أهل التأويل في معنى السلطان الذي جعل لولي المقتول، فقال بعضهم في ذلك، نحو الذي قلنا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] قال: بينة من الله عز وجل أنزلها يطلبها ولي المقتول، العقل، أو القود، وذلك السلطان حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] قال: إن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية 14P584 وقال آخرون: بل ذلك السلطان: هو القتل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وهو القود الذي جعله الله تعالى وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأول ذلك: أن السلطان الذي ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما قاله ابن عباس، من أن لولي القتيل القتل إن شاء وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة: «ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو يأخذ الدية» وقد بينت الحكم في ذلك في كتابنا: كتاب الجراح وقوله: {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: (فلا تسرف) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به هو والأئمة من بعده، يقول: فلا تقتل بالمقتول ظلما غير قاتله، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك إذا قتل رجل رجلا عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل، فقتله بوليه وترك القاتل، فنهى الله عز وجل عن ذلك عباده، وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام: قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف ، فلا تقتل به غير قاتله، وإن قتلت القاتل بالمقتول فلا تمثل به.
وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة: {فلا يسرف} [الإسراء: 33] بالياء، بمعنى فلا يسرف ولي المقتول، فيقتل غير قاتل وليه. وقد قيل: عنى به: فلا يسرف القاتل الأول لأولي المقتول. والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وذلك أن خطاب الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهي في أحكام الدين قضاء منه بذلك على جميع عباده، وكذلك أمره ونهيه بعضهم، أمر منه ونهي جميعهم، إلا فيما دل فيه على أنه مخصوص به بعض دون بعض، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بينا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام فمعلوم أن خطابه تعالى بقوله (فلا تسرف في القتل) نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان موجها إليه أنه معني به جميع عباده، فكذلك نهيه ولي المقتول أو القاتل عن الإسراف في القتل، والتعدي فيه نهي لجميعهم، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك نحو اختلاف القراء في قراءتهم إياه ذكر من تأول ذلك بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور عن طلق بن حبيب، في قوله: «فلا تسرف في القتل» قال: لا تقتل غير قاتله، ولا 14P586 تمثل به حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن طلق بن حبيب، بنحوه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، في قوله: (فلا تسرف في القتل) قال: لا تقتل اثنين بواحد حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: (فلا تسرف في القتل إنه كان منصورا) كان هذا بمكة، ونبي الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل، كان المشركون يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تبارك وتعالى: من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله إياكم عن أن تقتلوا له أبا أو أخا أو أحدا من عشيرته، وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلا قاتلكم، وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين، فذلك قوله: (فلا تسرف في القتل) يقول: لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين، لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم ذكر من قال: عنى به ولي المقتول: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] قال: كان الرجل يقتل فيقول وليه: لا أرضى حتى أقتل به فلانا وفلانا من أشراف قبيلته حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فلا تسرف في القتل) قال: لا تقتل غير قاتلك، ولا تمثل به حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] قال: لا يقتل غير قاتله، من قتل بحديدة قتل بحديدة، ومن قتل بخشبة قتل بخشبة، ومن قتل بحجر قتل بحجر.
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إن من أعتى الناس على الله جل ثناؤه ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، أو قتل بدخن في الجاهلية، أو قتل في حرم الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته يعني ابن زيد، يقول في قول الله جل ثناؤه {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] قال: إن 14P588 العرب كانت إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم، حتى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فقال الله جل ثناؤه {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] ينصره وينتصف من حقه {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] يقتل بريئا ذكر من قال عنى به القاتل: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] قال: لا يسرف القاتل في القتل وقد ذكرنا الصواب من القراءة في ذلك عندنا، وإذا كان كلا وجهي القراءة عندنا صوابا، فكذلك جميع أوجه تأويله التي ذكرناها غير خارج وجه منها من الصواب، لاحتمال الكلام ذلك، وإن في نهي الله جل ثناؤه بعض خلقه عن الإسراف في القتل، نهى منه جميعهم عنه وأما قوله: {إنه كان منصورا} [الإسراء: 33] فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عنى بالهاء التي في قوله {إنه} [البقرة: 37] وعلى ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على ولي المقتول، وهو المعني بها، وهو المنصور على القاتل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {إنه 14P589 كان منصورا} [الإسراء: 33] قال: هو دفع الإمام إليه، يعني إلى الولي، فإن شاء قتل، وإن شاء عفا وقال آخرون: بل عنى بها المقتول، فعلى هذا القول هي عائدة على «من» في قوله: {ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، {إنه كان منصورا} [الإسراء: 33] إن المقتول كان منصورا وقال آخرون: عنى بها دم المقتول، وقالوا: معنى الكلام: إن دم القتيل كان منصورا على القاتل. وأشبه ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بها الولي، وعليه عادت، لأنه هو المظلوم، ووليه المقتول، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول، وهو المنصور أيضا، لأن الله جل ثناؤه قضى في كتابه المنزل أن سلطه على قاتل وليه وحكمه فيه بأن جعل إليه قتله إن شاء، واستبقاءه على الدية إن أحب، والعفو عنه إن رأى، وكفى بذلك نصرة له من الله جل ثناؤه، فلذلك قلنا: هو المعني بالهاء التي في قوله: {إنه كان منصورا} [الإسراء: 33] 14P589
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?