Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الإسراء: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] يقول تعالى ذكره: وقضى أيضا أن لا تقربوا مال اليتيم بأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا، ولكن اقربوه بالفعلة التي هي أحسن، والخلة التي هي أجمل، وذلك أن تتصرفوا فيه له بالتثمير والإصلاح والحيطة. وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام أو أكل ولا غيره، فأنزل الله تبارك وتعالى {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] فكانت هذه لهم فيها رخصة حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] قال: كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب، حتى نزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] وقال ابن زيد في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] قال: الأكل بالمعروف، أن تأكل معه إذا احتجت إليه، كان أبي يقول ذلك وقوله: {حتى يبلغ أشده} [الأنعام: 152] يقول: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل، وتدبير ماله، وصلاح حاله في دينه {وأوفوا بالعهد} [الإسراء: 34] يقول: وأوفوا بالعقد 14P591 الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضا، والبيوع والأشربة والإجارات، وغير ذلك من العقود {إن العهد كان مسئولا} يقول: إن الله جل ثناؤه سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقضوا العهود الجائزة بينكم، وبين من عاهدتموه أيها الناس فتخفروه، وتغدروا بمن أعطيتموه ذلك. وإنما عنى بذلك أن العهد كان مطلوبا، يقال في الكلام: ليسألن فلان عهد فلان 14P591 [الإسراء: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: 35] يقول تعالى ذكره: {و} [الحجر: 50] قضى أن {أوفوا الكيل} [الشعراء: 181] للناس {إذا كلتم} [الإسراء: 35] لهم حقوقهم قبلكم، ولا تبخسوهم {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 35] يقول: وقضى أن زنوا أيضا إذا وزنتم لهم بالميزان المستقيم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه، ولا دغل، ولا خديعة. وقد اختلف أهل التأويل في معنى القسطاس، فقال بعضهم: هو القبان ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا الحسن بن ذكوان، عن الحسن: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 35] قال: القبان 14P592 وقال آخرون: هو العدل بالرومية ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد،: القسطاس: العدل بالرومية وقال آخرون: هو الميزان صغر أو كبر، وفيه لغتان: القسطاس بكسر القاف، والقسطاس بضمها، مثل القرطاس والقرطاس، وبالكسر يقرأ عامة قراء أهل الكوفة، وبالضم يقرأ عامة قراء أهل المدينة والبصرة، وقد قرأ به أيضا بعض قراء الكوفيين، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لأنهما لغتان مشهورتان، وقراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار وقوله: {ذلك خير} [النساء: 59] يقول: إيفاؤكم أيها الناس من تكيلون له الكيل، ووزنكم بالعدل لمن توفون له {خير} [البقرة: 54] لكم من بخسكم إياهم ذلك، وظلمكموهم فيه وقوله: {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] يقول: وأحسن مردودا عليكم وأولى إليه فيه فعلكم ذلك، لأن الله تبارك وتعالى يرضى بذلك عليكم، فيحسن لكم عليه الجزاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: 35] أي خير ثوابا وعاقبة وأخبرنا أن ابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا المكيال، وهذا الميزان. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] قال: عاقبة وثوابا 14P593
[الإسراء: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] فقال بعضهم. معناه: ولا تقل ما ليس لك به علم ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] يقول: لا تقل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، فإن الله تبارك وتعالى سائلك عن ذلك كله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] قال: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم حدثت عن محمد بن ربيعة، عن إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، قال: شهادة الزور وقال آخرون: بل معناه: ولا ترم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] يقول: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، {ولا تقف} [الإسراء: 36] ولا ترم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمي الناس بالباطل، وادعاء سماع ما لم يسمعه، ورؤية ما لم يره. وأصل القفو: العضه والبهت. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» وكان بعض البصريين ينشد في ذلك بيتا: [+البحر الطويل] ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا يعني بالتقافي: التقاذف. ويزعم أن معنى قوله {لا تقف} [الإسراء: 36] لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك. وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة، يزعم أن أصله القيافة، وهي اتباع الأثر، وإذا كان كما ذكروا وجب أن تكون القراءة: «ولا تقف» بضم القاف وسكون الفاء، مثل: ولا تقل. قال: والعرب تقول: قفوت أثره، وقفت أثره، فتقدم أحيانا الواو على الفاء وتؤخرها أحيانا بعدها، كما قيل: قاع الجمل الناقة: إذا ركبها وقعا وعاث وعثى، وأنشد سماعا من العرب: [+البحر الوافر] ولو أني رميتك من قريب لعاقك من دعاء الذئب عاق يعني عائق، ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفيهم ما لا علم لك به، فترميهم بالباطل، وتشهد عليهم بغير الحق، فذلك هو القفو. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القفو فيه وأما قوله {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} فإن معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق، وقال «أولئك» ، ولم يقل «تلك» كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام 14P597 وإنما قيل: أولئك، لأن أولئك وهؤلاء للجمع القليل الذي يقع للتذكير والتأنيث، وهذه وتلك للجمع الكثير، فالتذكير للقليل من باب إن كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث. لك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني، وهو الجمع الكثير، لأن العرب تجعل الجمع على مثال الأسماء 14P596
[الإسراء: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] يقول تعالى ذكره: ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا {إنك لن تخرق الأرض} [الإسراء: 37] يقول: إنك لن تقطع الأرض باختيالك، كما قال رؤبة: [+البحر الرجز] وقاتم الأعماق خاوي المخترق يعني بالمخترق: المقطع {ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] بفخرك 14P598 وكبرك، وإنما هذا نهي من الله عباده عن الكبر والفخر والخيلاء، وتقدم منه إليهم فيه معرفهم بذلك أنهم لا ينالون بكبرهم وفخارهم شيئا يقصر عنه غيرهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} [الإسراء: 37] يعني بكبرك ومرحك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولا تمش في الأرض مرحا} [الإسراء: 37] قال: لا تمش في الأرض فخرا وكبرا، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال، ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {ولا تمش في الأرض} [الإسراء: 37] قال: لا تفخر وقيل: لا تمش مرحا، ولم يقل مرحا، لأنه لم يرد بالكلام: لا تكن مرحا، فيجعله من نعت الماشي، وإنما أريد لا تمرح في الأرض مرحا، ففسر المعنى المراد من قوله: ولا تمش، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] 14P599 يعجبه السخون والعصيد والتمر حبا ما له مزيد فقال: حبا، لأن في قوله: يعجبه، معنى يحب، فأخرج قوله: حبا، من معناه دون لفظه 14P598 [الإسراء: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38] فإن القراء اختلفت فيه، فقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38] على الإضافة بمعنى: كل هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التي عددنا من مبتدإ قولنا {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] . . إلى قولنا {ولا تمش في الأرض مرحا} [الإسراء: 37] {كان سيئه} [الإسراء: 38] يقول: سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها. وقال قارئو هذه القراءة: إنما قيل {كل ذلك كان سيئه} [الإسراء: 38] بالإضافة، لأن فيما عددنا من قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] أمورا، هي أمر بالجميل، كقوله {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] وقوله {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] وما أشبه ذلك، قالوا: فليس كل ما فيه نهيا عن سيئة، بل فيه نهي عن سيئة، وأمر بحسنات، فلذلك قرأنا {سيئه} [الإسراء: 38] وقرأ عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة: «كل ذلك كان سيئة» وقالوا: إنما عنى بذلك: كل ما عددنا من قولنا {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ولم يدخل فيه ما قبل ذلك. قالوا: وكل ما عددنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه، فالصواب قراءته بالتنوين. ومن قرأ هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون من نيته أن يكون المكروه مقدما على السيئة، وأن يكون معنى الكلام عنده: كل ذلك كان مكروها سيئة، لأنه إن جعل قوله: مكروها نعد السيئة من نعت السيئة، لزمه أن تكون القراءة: كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة، وذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين. وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ {كل ذلك كان سيئه} [الإسراء: 38] على إضافة السيئ إلى الهاء، بمعنى: كل ذلك الذي عددنا من {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] {كان سيئه} [الإسراء: 38] لأن في ذلك أمورا منهيا عنها، وأمورا مأمورا بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله {ولا تقتلوا أولادكم} [الأنعام: 151] إنما هو عطف على ما تقدم من قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] فإذا كان ذلك كذلك، فقراءته بإضافة السيئ إلى الهاء أولى وأحق من قراءته سيئة بالتنوين، بمعنى السيئة الواحدة. فتأويل الكلام إذن: كل هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التي عددناها عليك كان سيئه مكروها عند ربك يا محمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فاتق مواقعته والعمل به. «ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة» 14P600
[الإسراء: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] 14P601 يقول تعالى ذكره: هذا الذي بينا لك يا محمد من الأخلاق الجميلة التي أمرناك بجميلها، ونهيناك عن قبيحها {مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39] يقول: من الحكمة التي أوحيناها إليك في كتابنا هذا، كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39] قال: القرآن وقد بينا معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] يقول: ولا تجعل مع الله شريكا في عبادتك، فتلقى في جهنم ملوما تلومك نفسك وعارفوك من الناس {مدحورا} [الأعراف: 18] يقول: مبعدا مقصيا في النار، ولكن أخلص العبادة لله الواحد القهار، فتنجو من عذابه. وبنحو الذي قلنا في قوله {ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] يقول: مطرودا حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، { 14P602 ملوما مدحورا} [الإسراء: 39] قال: ملوما في عبادة الله، مدحورا في النار 14P601 [الإسراء: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} [الإسراء: 40] يقول تعالى ذكره للذين قالوا من مشركي العرب: الملائكة بنات الله {أفأصفاكم} [الإسراء: 40] أيها الناس {ربكم بالبنين} [الإسراء: 40] يقول: أفخصكم ربكم بالذكور من الأولاد {واتخذ من الملائكة إناثا} [الإسراء: 40] وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن، وتقتلونهن، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم {إنكم لتقولون قولا عظيما} [الإسراء: 40] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفرية على الله ما ذكرنا: إنكم أيها الناس لتقولون بقيلكم: الملائكة بنات الله، قولا عظيما، وتفترون على الله فرية منكم، وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {واتخذ من الملائكة إناثا} [الإسراء: 40] قال: قالت اليهود: الملائكة بنات الله 14P602 [الإسراء: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا} [الإسراء: 41] يقول تعالى ذكره: {ولقد صرفنا} [الإسراء: 41] لهؤلاء المشركين المفترين على الله {في هذا القرآن} [الإسراء: 41] العبر والآيات والحجج، وضربنا لهم فيه الأمثال، وحذرناهم 14P603 فيه وأنذرناهم {ليذكروا} [الإسراء: 41] يقول: ليتذكروا تلك الحجج عليهم، فيعقلوا خطأ ما هم عليه مقيمون، ويعتبروا بالعبر، فيتعظوا بها، وينيبوا من جهالتهم، فما يعتبرون بها، ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر، وما يزيدهم تذكيرنا إياهم {إلا نفورا} [الإسراء: 41] يقول: إلا ذهابا عن الحق، وبعدا منه وهربا. والنفور في هذا الموضع مصدر من قولهم: نفر فلان من هذا الأمر ينفر منه نفرا ونفورا 14P602
[الإسراء: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر: لو كان الأمر كما تقولون: من أن معه آلهة وليس ذلك كما تقولون، إذن لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزلفة إليه، والمرتبة منه. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] يقول: لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم، فابتغوا ما يقربهم إليه. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] قال: لابتغوا القرب إليه، مع أنه ليس كما يقولون 14P603
[الإسراء: 43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 43_44] وهذا تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه عما وصفه به المشركون، الجاعلون معه آلهة غيره، المضيفون إليه البنات، فقال: تنزيها لله وعلوا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إليه من هذه الأمور ليس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} [الإسراء: 43] يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان وقال تعالى: {عما يقولون علوا} [الإسراء: 43] ولم يقل: تعاليا، كما قال: {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] أنت الفداء لكعبة هدمتها ونقرتها بيديك كل منقر منع الحمام مقيله من سقفها ومن الحطيم فطار كل مطير وقوله: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن} يقول: تنزه الله أيها المشركون عما وصفتموه به إعظاما له وإجلالا، السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المؤمنين به من الملائكة والإنس والجن، وأنتم مع إنعامه عليكم، وجميل أياديه عندكم، تفترون عليه بما تفترون. وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] يقول جل ثناؤه: وما من شيء من خلقه إلا يسبح بحمده، كما: حدثني به، نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه يا بني آمرك أن تقول سبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها ترزق الخلق، قال الله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، قال: سمعت عكرمة، يقول: لا يعيبن أحدكم دابته ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] قال: الشجرة تسبح، والأسطوانة تسبح حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، وزيد بن حباب، قالا: ثنا جرير أبو الخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في طعام، فقدموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعيد يسبح هذا الخوان: فقال: كان يسبح مرة حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، ويونس، عن الحسن، أنهما قالا في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] قالا: كل شيء فيه الروح حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الطعام يسبح حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] قال: كل شيء فيه الروح يسبح، من شجر أو شيء فيه الروح حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي، عن عبد الله بن عمرو، أن الرجل، إذا قال: لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص 14P607 التي لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، فإذا قال الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها: فإذا قال الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحد من خلقه إلا نوره بالصلاة والتسبيح، فإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم وقوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] يقول تعالى ذكره: ولكن لا تفقهون تسبيح ما عدا تسبيح من كان يسبح بمثل ألسنتكم {إنه كان حليما} [الإسراء: 44] يقول: إن الله كان حليما لا يعجل على خلقه الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بالعقوبة.
{غفورا} [النساء: 23] يقول: ساترا ذنوبهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إنه كان حليما} [الإسراء: 44] عن خلقه، فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض {غفورا} [النساء: 23] لهم إذا تابوا 14P607
[الإسراء: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} [الإسراء: 45] يقول تعالى ذكره: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا 14P608 يصدقون بالبعث، ولا يقرون بالثواب والعقاب، جعلنا بينك وبينهم حجابا، يحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقروه عليهم، فينتفعوا به عقوبة منا لهم على كفرهم. والحجاب هاهنا: هو الساتر كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} [الإسراء: 45] الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {حجابا مستورا} [الإسراء: 45] قال: هي الأكنة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} [الإسراء: 45] قال: قال أبي: لا يفقهونه، وقرأ: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] لا يخلص ذلك إليهم وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول: معنى قوله حجابا مستورا حجابا ساترا، ولكنه أخرج وهو فاعل في لفظ المفعول، كما يقال: إنك مشئوم علينا وميمون، وإنما هو شائم ويامن؛ لأنه من شأمهم ويمنهم. قال: والحجاب ههنا: هو الساتر. وقال: مستورا. وكان غيره من أهل العربية يقول: معنى ذلك: حجابا مستورا عن العباد فلا يرونه. وهذا القول الثاني أظهر بمعنى الكلام أن يكون المستور هو الحجاب، فيكون معناه أن لله سترا عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم، وإن كان للقول الأول وجه مفهوم 14P609 [الإسراء: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] يقول تعالى ذكره: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة، وهي جمع كنان، وذلك ما يتغشاها من خذلان الله إياهم عن فهم ما يتلى عليهم {وفي آذانهم وقرا} [الأنعام: 25] يقول: وجعلنا في آذانهم وقرا عن سماعه، وصمما. والوقر بالفتح في الأذن: الثقل. والوقر بالكسر: الحمل. وقوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } [الإسراء: 46] يقول: وإذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه {ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] يقول: انفضوا، فذهبوا عنك نفورا من قولك استكبارا له واستعظاما من أن يوحد الله تعالى. وبما قلنا في ذلك، قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا} [الإسراء: 46] وإن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم، فصافها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها 14P610 ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] قال: بغضا لما تكلم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة، ويستغشون ثيابهم، قال: يلتفون بثيابهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ولا ينظر إليهم وقال آخرون: إنما عنى بقوله {ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] الشياطين، وإنها تهرب من قراءة القرآن، وذكر الله ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] هم الشياطين والقول الذي قلنا في ذلك أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى 14P611 أتبع ذلك قوله {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} [الإسراء: 45] فأن يكون ذلك خبرا عنهم أولى إذ كان بخبرهم متصلا من أن يكون خبرا عمن لم يجز له ذكر. وأما النفور، فإنها جمع نافر، كما القعود جمع قاعد، والجلوس جمع جالس، وجائز أن يكون مصدرا أخرج من غير لفظه، إذ كان قوله {ولوا} [الإسراء: 46] بمعنى: نفروا، فيكون معنى الكلام: نفروا نفورا، كما قال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] ورضت فذلت صعبة أي إذلال إذا كان رضت بمعنى: أذللت، فأخرج الإذلال من معناه، لا من لفظه 14P610
[الإسراء: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الإسراء: 47] يقول تعالى ذكره: نحن أعلم يا محمد بما يستمع به هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قومك، إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ كتاب الله {وإذ هم نجوى} [الإسراء: 47] وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: النجوى: فعلهم، فجعلهم هم النجوى، كما يقول: هم قوم رضا، وإنما رضا: فعلهم وقوله {إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الإسراء: 47] يقول: حين يقول المشركون بالله ما تتبعون إلا رجلا مسحورا. وعنى فيما ذكر بالنجوى: الذين تشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة 14P612 وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إذ يستمعون إليك} [الإسراء: 47] قال: هي مثل قيل الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون} [الإسراء: 47] . . الآية، ونجواهم أن زعموا أنه مجنون. وأنه ساحر، وقالوا: {أساطير الأولين} [الفرقان: 5] وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يذهب بقوله: {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الإسراء: 47] إلى معنى: ما تتبعون إلا رجلا له سحر: أي له رئة، والعرب تسمي الرئة سحرا، والمسحر من قولهم للرجل إذا جبن: قد انتفخ سحره، وكذلك يقال لكل ما أكل أو شرب من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، كما قال لبيد: [+البحر الطويل] فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر وقال آخرون: [+البحر الوافر] ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذى بهما. فكأن معناه عنده كان: إن تتبعون إلا رجلا له رئة، يأكل الطعام، ويشرب الشراب، لا ملكا لا حاجة به إلى الطعام والشراب، والذي قال من ذلك غير بعيد من الصواب 14P613 [الإسراء: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48] يقول تعالى ذكره: انظر يا محمد بعين قلبك فاعتبر كيف مثلوا لك الأمثال، وشبهوا لك الأشباه، بقولهم: هو مسحور، وهو شاعر، وهو مجنون {فضلوا} [النحل: 71] يقول: فجاروا عن قصد السبيل بقيلهم ما قالوا {فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48] يقول: فلا يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه، وأن الله قد خذلهم عن إصابته، فهم لا يقدرون على المخرج مما هم فيه من كفرهم بتوفيقهم إلى الإيمان به، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48] قال: مخرجا، الوليد بن المغيرة وأصحابه أيضا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء: 48] مخرجا، الوليد بن المغيرة وأصحابه 14P614
[الإسراء: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 49] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بعنتهم: {أئذا كنا عظاما} [الإسراء: 49] لم نتحطم ولم نتكسر بعد مماتنا وبلانا {ورفاتا} [الإسراء: 49] يعني ترابا في قبورنا، كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، يقول الله : {رفاتا} [الإسراء: 49] قال: ترابا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا} [الإسراء: 49] يقول: غبارا، 14P615 ولا واحد للرفات، وهو بمنزلة الدقاق والحطام، يقال منه: رفت يرفت رفتا فهو مرفوت: إذا صير كالحطام والرضاض وقوله: {أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} قالوا: إنكارا منهم للبعث بعد الموت: إنا لمبعوثون بعد مصيرنا في القبور عظاما غير منحطمة، ورفاتا منحطمة، وقد بلينا فصرنا فيها ترابا، خلقا منشأ كما كنا قبل الممات جديدا، نعاد كما بدئنا؟ فأجابهم جل جلاله يعرفهم قدرته على بعثه إياهم بعد مماتهم، وإنشائه لهم كما كانوا قبل بلاهم خلقا جديدا، على أي حال كانوا من الأحوال، عظاما أو رفاتا، أو حجارة أو حديدا، أو غير ذلك مما يعظم عندهم أن يحدث مثله خلقا أمثالهم أحياء، قل يا محمد: كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم 14P615
[الإسراء: 50_51] القول في تأويل قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} [الإسراء: 50_51] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمكذبين بالبعث بعد الممات من قومك القائلين {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} : كونوا إن عجبتم من إنشاء الله إياكم وإعادته أجسامكم، خلقا جديدا بعد بلاكم في التراب، ومصيركم رفاتا، وأنكرتم ذلك من قدرته حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم إن قدرتم على ذلك، فإني أحييكم وأبعثكم خلقا جديدا بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أول مرة. واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] فقال بعضهم: عنى به الموت، وأريد به: أو كونوا الموت، فإنكم إن كنتموه أمتكم ثم بعثتكم بعد ذلك يوم البعث ذكر من قال ذلك: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية، عن ابن عمر، {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت، قال: لو كنتم موتى لأحييتكم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] يعني الموت. يقول: إن كنتم الموت أحييتكم حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو مالك الجنبي، قال: ثنا ابن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: الموت حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال 14P617 سعيد بن جبير، في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] كونوا الموت إن استطعتم، فإن الموت سيموت، قال: وليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغني، عن سعيد بن جبير، قال: هو الموت حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار، فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول: هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة وأهل النار أن الموت قد هلك " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] يعني الموت، يقول: لو كنتم الموت لأمتكم وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن الله يجيء بالموت يوم القيامة، وقد صار أهل الجنة وأهل النار إلى منازلهم ، كأنه كبش أملح، فيقف بين الجنة 14P618 والنار، فينادي أهل الجنة وأهل النار هذا الموت، ونحن ذابحوه، فأيقنوا بالخلود وقال آخرون: عنى بذلك السماء والأرض والجبال ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: السماء والأرض والجبال وقال آخرون: بل أريد بذلك: كونوا ما شئتم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] قال: من خلق الله، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم يوم القيامة خلقا جديدا 14P619 وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] وجائز أن يكون عنى به الموت، لأنه عظيم في صدور بني آدم، وجائز أن يكون أراد به السماء والأرض، وجائز أن يكون أراد به غير ذلك، ولا بيان في ذلك أبين مما بين جل ثناؤه، وهو كل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه، لأنه لم يخصص منه شيئا دون شيء وأما قوله: {فسيقولون من يعيدنا} [الإسراء: 51] فإنه يقول: فسيقول لك يا محمد هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة {من يعيدنا} [الإسراء: 51] خلقا جديدا إن كنا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدورنا؟
فقل لهم: يعيدكم {الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] يقول: يعيدكم كما كنتم قبل أن تصيروا حجارة أو حديدا إنسا أحياء، الذي خلقكم إنسا من غير شيء أول مرة، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] أي خلقكم {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: فإنك إذا قلت لهم ذلك، فسيهزون إليك رءوسهم برفع وخفض، وكذلك النغض في كلام العرب، إنما هو حركة بارتفاع ثم انخفاض، أو انخفاض ثم ارتفاع، ولذلك سمي الظليم نغضا، لأنه إذا عجل المشي ارتفع وانخفض، وحرك رأسه، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] 14P620 أسك نغضا لا يني مستهدجا ويقال: نغضت سنه: إذا تحركت وارتفعت من أصلها، ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] ونغضت من هرم أسنانها وقول الآخر: [+البحر . ] لما رأتني أنغضت لي الرأسا وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فسينغضون إليك رءوسهم} أي يحركون رءوسهم تكذيبا واستهزاء حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فسينغضون إليك رءوسهم} قال: يحركون رءوسهم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: سيحركونها إليك استهزاء حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس {فسينغضون إليك رءوسهم} قال: يحركون رءوسهم يستهزئون ويقولون متى هو حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فسينغضون إليك رءوسهم} يقول: يهزون وقوله: {ويقولون متى هو} [الإسراء: 51] يقول جل ثناؤه: ويقولون متى البعث؟ وفي أي حال ووقت يعيدنا خلقا جديدا كما كنا أول مرة؟ قال الله عز وجل لنبيه: قل لهم يا محمد إذ قالوا لك: متى هو، متى هذا البعث الذي تعدنا؟ : عسى أن يكون قريبا وإنما معناه: هو قريب، لأن عسى من الله واجب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى» لأن الله تعالى كان قد أعلمه أنه قريب مجيب 14P621
[الإسراء: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} [الإسراء: 53] يقول تعالى ذكره: قل عسى أن يكون بعثكم أيها المشركون قريبا، ذلك يوم يدعوكم ربكم بالخروج من قبوركم إلى موقف القيامة، فتستجيبون بحمده. 14P622 اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] فقال بعضهم: فتستجيبون بأمره ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] يقول: بأمره حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] قال: بأمره وقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفته وطاعته ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} [الإسراء: 52] أي بمعرفته وطاعته وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم. ولله الحمد في كل حال، كما يقول القائل: فعلت ذلك 14P623 الفعل بحمد الله، يعني: لله الحمد عن كل ما فعلته، وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع بمعنى: فإني والحمد لله لا ثوب فاجر لبست وقوله: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] يقول: وتحسبون عند موافاتكم القيامة من هول ما تعاينون فيها ما لبثتم في الأرض إلا قليلا، كما قال جل ثناؤه {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} [المؤمنون: 113] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] أي في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت حين عاينوا يوم القيامة وقوله: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة . كما: حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا المبارك، عن الحسن، 14P624 في هذه الآية {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] قال: التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله يقول له: يرحمك الله يغفر الله لك وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم} [الإسراء: 53] يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضا ينزغ بينهم، يقول: يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر {إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} [الإسراء: 53] يقول: إن الشيطان كان لآدم وذريته عدوا، قد أبان لهم عداوته بما أظهر لآدم من الحسد، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة 14P624 [الإسراء: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا} [الإسراء: 54] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش الذين قالوا {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} {ربكم} [البقرة: 21] أيها القوم {أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} [الإسراء: 54] فيتوب عليكم برحمته، حتى تنيبوا عما أنتم عليه من الكفر به وباليوم الآخر {وإن يشأ يعذبكم} بأن يخذلكم عن الإيمان، فتموتوا على شرككم، فيعذبكم يوم القيامة بكفركم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قوله: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} [الإسراء: 54] قال: فتؤمنوا {أو إن يشأ 14P625 يعذبكم} [الإسراء: 54] فتموتوا على الشرك كما أنتم وقوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلا} [الإسراء: 54] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد على من أرسلناك إليه لتدعوه إلى طاعتنا ربا ولا رقيبا، إنما أرسلناك إليهم لتبلغهم رسالاتنا وبأيدينا صرفهم وتدبيرهم، فإن شئنا رحمناهم، وإن شئنا عذبناهم 14P625
[الإسراء: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا} [الإسراء: 55] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد أعلم بمن في السماوات والأرض وما يصلحهم فإنه هو خالقهم ورازقهم ومدبرهم، وهو أعلم بمن هو أهل للتوبة والرحمة، ومن هو أهل للعذاب، أهدى للحق من سبق له مني الرحمة والسعادة، وأضل من سبق له مني الشقاء والخذلان، يقول: فلا يكبرن ذلك عليك، فإن ذلك من فعلي بهم لتفضيلي بعض النبيين على بعض، بإرسال بعضهم إلى بعض الخلق، وبعضهم إلى الجميع، ورفعي بعضهم على بعض درجات. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل الله عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان ملكا 14P626 لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، كنا نحدث دعاء علمه داود، تحميد وتمجيد، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55] قال: كلم الله موسى وأرسل محمدا إلى الناس كافة 14P626 [الإسراء: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه: ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضر ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 14P627 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: 56] قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرا 14P626
[الإسراء: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 57] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] يقول: يبتغي المدعون أربابا إلى ربهم القربة والزلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله {أيهم أقرب} [النساء: 11] أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة {ويرجون} [الإسراء: 57] بأفعالهم تلك {رحمته ويخافون} [الإسراء: 57] بخلافهم أمره {عذابه إن عذاب ربك} [الإسراء: 57] يا محمد {كان محذورا} [الإسراء: 57] متقى. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في المدعوين، فقال بعضهم: هم نفر من الجن ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: 14P628 كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] يعني الجن حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: قال عبد الله في هذه الآية {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] قال: قبيل من الجن كانوا يعبدون فأسلموا حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، قال: ثني الحسين، عن قتادة، عن معبد بن عبد الله الزماني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فأنزلت {الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن عتبة 14P629 بن مسعود، عن حديث عمه عبد الله بن مسعود، قال: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون والنفر من العرب لا يشعرون بذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قوم عبدوا الجن، فأسلم أولئك الجن، فقال الله تعالى ذكره: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فقال {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر، قال: قال عبد الله: كان ناس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجنيون، وثبتت الإنس على عبادتهم، فقال الله تبارك وتعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} [الإسراء: 57] قال كان أناس من أهل الجاهلية يعبدون نفرا من الجن، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسلموا جميعا، فكانوا يبتغون أيهم أقرب وقال آخرون: بل هم الملائكة حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا أبو العوام، قال: أخبرنا قتادة، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن، ويقولون: هم بنات الله، فأنزل الله عز وجل {أولئك الذين يدعون} [الإسراء: 57] معشر العرب {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة {أيهم أقرب ويرجون رحمته} [الإسراء: 57] حتى بلغ {إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 57] قال: وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من المشركين وقال آخرون: بل هم عزير وعيسى وأمه ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا شعبة، 14P631 عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: عيسى وأمه وعزير حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: عيسى ابن مريم وأمه وعزير في هذه الآية {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: عيسى ابن مريم وعزير والملائكة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] قال: هو عزير والمسيح والشمس والقمر وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه، عن أبي معمر عنه، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن الذين يدعوهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن عزيرا لم يكن موجودا على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة وأن عيسى قد كان رفع، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة من كان موجودا حيا يعمل بطاعة الله، ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال.
فأما من كان لا سبيل له إلى العمل، فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة. فإذا كان لا معنى لهذا القول، فلا قول في ذلك إلا قول من قال ما اخترنا فيه من التأويل، أو قول من قال: هم الملائكة، وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل. وأما الوسيلة، فقد بينا أنها القربة والزلفة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الوسيلة: القربة حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة الوسيلة، قال: القربة والزلفى 14P632
[الإسراء: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم 14P633 القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] يقول تعالى ذكره: وما من قرية من القرى إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، فمبيدوهم استئصالا قبل يوم القيامة، أو معذبوها، إما ببلاء من قتل بالسيف، أو غير ذلك من صنوف العذاب عذابا شديدا. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} [الإسراء: 58] فمبيدوها {أو معذبوها} [الإسراء: 58] بالقتل والبلاء، قال: كل قرية في الأرض سيصيبها بعض هذا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: سيصيبها هذا أو بعضه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها} [الإسراء: 58] قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بد، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذبوا رسله حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها} [الإسراء: 58] 14P634 قال: مبيدوها حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] يعني في الكتاب الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وذلك اللوح المحفوظ. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] قال: في أم الكتاب، وقرأ {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: 68] ويعني بقوله {مسطورا} [الإسراء: 58] مكتوبا مبينا ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الكتب الأولى التي كان سطر أمرك هذا فاحتفظ فيه النهر 14P634 [الإسراء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها 14P635 الأولون} [الإسراء: 59] يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما آتاهم ما سألوا منه كذبوا رسلهم، فلم يصدقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنا لو أرسلنا بها إليها، فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: «بل تستأني بهم» ، فأنزل الله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] حدثني إسحاق بن وهب، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مسعود بن عباد، عن مالك بن دينار، عن الحسن، في قول الله تعالى {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: قال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني قومك استأنيت بها، قال: «يا رب أستأني» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال: قال أهل مكة لنبي الله صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقا، ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: «بل أستأني بقومي» فأنزل الله: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الإسراء: 59] وأنزل الله عز وجل {ما آمنت قبلهم 14P637 من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} [الأنبياء: 6] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، أنهم سألوا أن يحول الصفا، ذهبا، قال الله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] قال ابن جريج: لم يأت قرية بآية فيكذبوا بها إلا عذبوا، فلو جعلت لهم الصفا ذهبا ثم لم يؤمنوا عذبوا و «أن» الأولى التي مع منعنا، في موضع نصب بوقوع منعنا عليها، وأن الثانية رفع، لأن معنى الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين من الأمم، فالفعل لأن الثانية 14P637
[الإسراء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] يقول تعالى ذكره: وقد سأل الآيات يا محمد من قبل قومك ثمود فآتيناها ما سألت، وحملنا تلك الآية ناقة مبصرة. جعل الإبصار للناقة، كما تقول للشجة: موضحة، وهذه حجة مبينة. وإنما عنى بالمبصرة: المضيئة البينة التي من يراها كانوا أهل بصر بها، أنها لله حجة، كما قيل: {والنهار مبصرا} [يونس: 67] كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] أي بينة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 14P638 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز ذكره {الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] قال: آية حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {فظلموا بها} [الأعراف: 103] يقول عز وجل: فكان بها ظلمهم، وذلك أنهم قتلوها وعقروها، فكان ظلمهم بعقرها وقتلها. وقد قيل: معنى ذلك: فكفروا بها، ولا وجه لذلك إلا أن يقول قائله أراد: فكفروا بالله بقتلها، فيكون ذلك وجها وأما قوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] فإنه يقول: وما نرسل بالعبر والذكر إلا تخويفا للعباد، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] وإن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكرون، أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن 14P639 الحسن، {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] قال: الموت الذريع 14P638
[الإسراء: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء: 60] وهذا حض من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، على تبليغ رسالته ، وإعلام منه أنه قد تقدم منه إليه القول بأنه سيمنعه من كل من بغاه سوءا وهلاكا، يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، ونحن مانعوك منهم، فلا تتهيب منهم أحدا، وامض لما أمرناك به من تبليغ رسالتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: فهم في قبضته حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قوله {أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: منعك من الناس قال معمر، قال قتادة مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] قال: منعك من الناس حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: 60] أي منعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك وقوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال : ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وليست برؤيا منام حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، سئل عن قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن فرات القزاز، عن 14P642 سعيد بن جبير، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: كان ذلك ليلة أسري به إلى بيت المقدس، فرأى ما رأى فكذبه المشركون حين أخبرهم حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: أسري به عشاء إلى بيت المقدس، فصلى فيه، وأراه الله ما أراه من الآيات، ثم أصبح بمكة، فأخبرهم أنه أسري به إلى بيت المقدس، فقالوا له: يا محمد ما شأنك، أمسيت فيه، ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: قال كفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يزعم أنه سار مسيرة شهرين في ليلة حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: مسيره إلى بيت المقدس حدثني أبو السائب، ويعقوب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة 14P643 للناس} [الإسراء: 60] قال: حين أسري به حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: ليلة أسري به حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: الرؤيا التي أريناك في بيت المقدس حين أسري به فكانت تلك فتنة الكافر حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] يقول: الله أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس ذكر لنا أن ناسا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك وكذبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هو ما أري في بيت المقدس ليلة أسري به حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {وما 14P644 جعلنا الرؤيا التي أريناك} [الإسراء: 60] قال: أراه الله من الآيات في طريق بيت المقدس حين أسري به، نزلت فريضة الصلاة ليلة أسري به قبل أن يهاجر بسنة وتسع سنين من العشر التي مكثها بمكة، ثم رجع من ليلته، فقالت قريش: تعشى فينا وأصبح فينا، ثم زعم أنه جاء الشام في ليلة ثم رجع، وايم الله إن الحدأة لتجيئها شهرين: شهرا مقبلة، وشهرا مدبرة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: هذا حين أسري به إلى بيت المقدس، افتتن فيها ناس، فقالوا: يذهب إلى بيت المقدس ويرجع في ليلة وقال: " لما أتاني جبرائيل عليه السلام بالبراق ليحملني عليها صرت بأذنيها، وانقبض بعضها إلى بعض، فنظر إليها جبرائيل، فقال: والذي بعثني بالحق من عنده ما ركبك أحد من ولد آدم خير منه "، قال: " فصرت بأذنيها وارفضت عرقا حتى سال ما تحتها، وكان منتهى خطوها عند منتهى طرفها، فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمد لينتهي حتى يأتي بكذبة تخرج من أقطارها، فأتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: هذا صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: وقد قال ذلك؟
قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فقالوا: تصدقه إن قال ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة؟ فقال أبو بكر: إي، نزع الله عقولكم، أصدقه بخبر السماء، والسماء أبعد من بيت المقدس، ولا أصدقه بخبر بيت المقدس؟ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا قد جئنا بيت المقدس 14P645 فصفه لنا، فلما قالوا ذلك، رفعه الله تبارك وتعالى ومثله بين عينيه، فحمل يقول: «هو كذا، وفيه كذا» ، فقال بعضهم: وأبيكم إن أخطأ منه حرفا، فقالوا: هذا رجل ساحر حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] يعني ليلة أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فكانت فتنة لهم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {الرؤيا التي أريناك} [الإسراء: 60] قال: حين أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه وقال آخرون: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال 14P646 ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقالت أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم وقال آخرون ممن قال: هي رؤيا منام: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوما يعلون منبره. ذكر من قال ذلك: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، قال: ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، قال: ثني أبي، عن جدي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات. قال: وأنزل الله عز وجل في ذلك {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] . . الآية وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس: يقول: إلا بلاء للناس الذين ارتدوا عن الإسلام، لما أخبروا بالرؤيا التي رآها، عليه الصلاة والسلام وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] وأما قوله: {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] فإن أهل التأويل اختلفوا فيها. فقال بعضهم: هي شجرة الزقوم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: شجرة 14P648 الزقوم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] قال: هي شجرة الزقوم.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?