Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V15/P343–V15/P349

[الكهف: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم {حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} [الكهف: 77] من الطعام فلم يطعموهما واستضافاهم {فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] يقول: وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع، يقال منه: انقضت الدار: إذا انهدمت وسقطت، ومنه انقضاض الكوكب، وذلك سقوطه وزواله عن مكانه، ومنه قول ذي الرمة: [+البحر البسيط] فانقض كالكوكب الدري منصلتا وقد روي عن يحيى بن يعمر أنه قرأ ذلك: «يريد أن ينقاض» . وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب إذا قرئ ذلك كذلك في معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم: مجاز ينقاض: أي ينقلع من أصله، ويتصدع، بمنزلة قولهم: قد انقاضت السن: أي تصدعت، وتصدعت من أصلها، يقال: فراق كقيض السن: أي لا يجتمع أهله. وقال بعض أهل الكوفة منهم: الانقياض: الشق في طول الحائط في طي البئر وفي سن الرجل، يقال: قد انقاضت سنة: إذا انشقت طولا. 15P347 وقيل: إن القرية التي استطعم أهلها موسى وصاحبه، فأبوا أن يضيفوهما: الآيلة ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا عمران بن المعتمر، صاحب الكرابيسي، قال: ثنا حماد أبو صالح، عن محمد بن سيرين، قال: انتابوا الأيلة، فإنه قل من يأتيها فيرجع منها خائبا، وهي الأرض التي أبوا أن يضيفوهما، وهي أبعد أرض الله من السماء حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} [الكهف: 77] وتلا إلى قوله {لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عز وجل {يريد أن ينقض} [الكهف: 77] فقال بعض أهل البصرة: ليس للحائط إرادة ولا للموات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته. وهذا كقول العرب في غيره: [+البحر الوافر] يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل وقال آخر منهم: إنما كلم القوم بما يعقلون، قال: وذلك لما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقض، قال: ومثله {تكاد السموات يتفطرن} وقولهم: إني لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهم به، ولكن لعظيم الأمر عندك. وقال بعض الكوفيين منهم: من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط، قال: ومثله من قول العرب قول الشاعر: [+البحر الخفيف] إن دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان وقول الآخر: [+البحر الرجز] يشكو إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى قال: والجمل لم يشك، إنما تكلم به على أنه لو تكلم لقال ذلك، قال: وكذلك قول عنترة: [+البحر الكامل] وازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم قال: ومنه قول الله عز وجل: {ولما سكت عن موسى الغضب} [الأعراف: 154] والغضب لا يسكت، وإنما يسكت صاحبه. وإنما معناه: سكن. وقوله: {فإذا عزم الأمر} [محمد: 21] إنما يعزم أهله. وقال آخر منهم: هذا من أفصح كلام العرب، وقال: إنما إرادة الجدار: ميله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تراءى ناراهما» وإنما هو أن تكون ناران كل واحدة من صاحبتها بموضع لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القرب، قال: وهو كقول الله عز وجل في الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] قال: والعرب تقول: داري تنظر إلى دار فلان، تعني: قرب ما بينهما، واستشهد بقول ذي الرمة في وصفه حوضا أو منزلا دارسا: [+البحر الرجز] قد كاد أو قد هم بالبيود قال: فجعله يهم، وإنما معناه: أنه قد تغير للبلى، والذي نقول به في ذلك أن الله عز ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم.

Bagian V15/P349–V15/P351

مما لا تحسه أبصارهم، وقد عقلت العرب معنى القائل: [+البحر الكامل] في مهمه قلقت به هاماتها قلق الفئوس إذا أردن نصولا وفهمت أن الفئوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياهما بأنها تريد. وعلمت ما يريد القائل بقوله: [+البحر البسيط] كمثل هيل النقا طاف المشاة به ينهال حينا وينهاه الثرى حينا وإنما لم يرد أن الثرى نطق، ولكنه أراد به أنه تلبد بالندى، فمنعه من الانهيال، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي المنطق فلا ينهال. وكذلك قوله: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] قد علمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضل فيه ذوو الجهالة والغبا. وقوله: {فأقامه} [الكهف: 77] ذكر عن ابن عباس أنه قال: هدمه ثم قعد يبنيه حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وقال، آخرون في ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] قال: رفع الجدار بيده فاستقام والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عز ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه صاحب موسى، بمعنى: عدل ميله حتى عاد مستويا. وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم. وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه ميله بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأي ذلك كان من أي وقوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا، فقال بعضهم: إنما عنى موسى بالأجر الذي قال له {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] القرى: أي حتى يقرونا، فإنهم قد أبوا أن يضيفونا. وقال آخرون: بل عنى بذلك العوض والجزاء على إقامته الحائط المائل. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] على التوجيه منهم له إلى أنه لافتعلت من الأخذ. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة (لو شئت لتخذت) بتخفيف التاء وكسر الخاء، وأصله: لافتعلت، غير أنهم جعلوا التاء كأنها من أصل الكلمة، ولأن الكلام عندهم في فعل ويفعل من ذلك: تخذ فلان كذا يتخذه تخذا، وهي لغة فيما ذكر لهذيل. وقال بعض الشعراء: [+البحر الطويل] وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها نسيفا كأفحوص القطاة المطرق والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أختار قراءته بتشديد التاء على لافتعلت، لأنها أفصح اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما على ألسن العرب 15P352

Bagian V15/P351–V15/P356

[الكهف: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} [الكهف: 78] 15P353 يقول تعالى ذكره: قال صاحب موسى لموسى: هذا الذي قلته وهو قوله {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] {فراق بيني وبينك} [الكهف: 78] يقول: فرقة ما بيني وبينك: أي مفرق بيني وبينك. {سأنبئك} [الكهف: 78] يقول: سأخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} [الكهف: 78] يقول: بما يئول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها، فلم تستطع علي ترك المسألة عنها، وعن النكير علي فيها صبرا، والله أعلم 15P352 [الكهف: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] يقول: أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم مساكين {يعملون في البحر فأردت أن أعيبها} [الكهف: 79] بالخرق الذي خرقتها، كما: حدثني ابن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل: {فأردت أن أعيبها} [الكهف: 79] قال: أخرقها حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، مثله وقوله: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] وكان أمامهم وقدامهم ملك. كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وكان وراءهم ملك} [الكهف: 79] قال قتادة: أمامهم، ألا ترى أنه يقول: {من ورائهم جهنم} [الجاثية: 10] وهي بين أيديهم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان في القراءة: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا وقد ذكر عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ ذلك: «وكان أمامهم ملك» قال أبو جعفر: وقد جعل بعض أهل المعرفة بكلام العرب وراء من حروف الأضداد، وزعم أنه يكون لما هو أمامه ولما خلفه، واستشهد لصحة ذلك بقول الشاعر: [+البحر الطويل] أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا 15P355 بمعنى أمامي، وقد أغفل وجه الصواب في ذلك. وإنما قيل لما بين يديه: هو ورائي، لأنك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار: إذ كان ملاقيك، كأنه من ورائك وأنت أمامه. وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة لا يجيز أن يقال لرجل بين يديك: هو ورائي، ولا إذا كان وراءك أن يقال: هو أمامي، ويقول: إنما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام والأزمنة كقول القائل: وراءك برد شديد، وبين يديك حر شديد، لأنك أنت وراءه، فجاز لأنه شيء يأتي، فكأنه إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان وقوله: {يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] فيقول القائل: فما أغنى خرق هذا العالم السفينة التي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، معيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله في خرقها بأنه خرقها، لأن وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا؟ قيل: إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدع منها كل معيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال: وما الدليل على أن ذلك كذلك؟ قيل: قوله: {فأردت أن أعيبها} [الكهف: 79] فأبان بذلك أنه إنما عابها، لأن المعيبة منها لا يعرض لها، فاكتفى بذلك من أن يقال: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، على أن ذلك في بعض القراءات كذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: هي في حرف ابن مسعود: «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني الحسن بن دينار، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: في قراءة أبي: «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» . وإنما عبتها لأرده عنها حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها قال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبئي، أن اسم الرجل الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا: هدد بن بدد 15P356

Bagian V15/P356–V15/P359

[الكهف: 80_81] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} [الكهف: 80_81] يقول تعالى ذكره: وأما الغلام، فإنه كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنه 15P357 يرهقهما. يقول: يغشيهما طغيانا، وهو الاستكبار على الله، وكفرا به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكر ذلك في بعض الحروف. وأما الغلام فكان كافرا ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: «وأما الغلام فكان كافرا» في حرف أبي، {فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا} [الكهف: 81] وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} [الكهف: 80] وكان كافرا في بعض القراءة. وقوله: {فخشينا} [الكهف: 80] وهي في مصحف عبد الله: «فخاف ربك أن يرهقهما طغيانا وكفرا» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» والخشية والخوف توجههما العرب إلى معنى الظن، وتوجه هذه 15P358 الحروف إلى معنى العلم بالشيء الذي يدرك من غير جهة الحس والعيان. وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى قوله {خشينا} في هذا الموضع: كرهنا، لأن الله لا يخشى. وقال في بعض القراءات: «فخاف ربك» ، قال: وهو مثل خفت الرجلين أن يعولا، وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما وقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما} [الكهف: 81] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصريين: { «فأردنا أن يبدلهما ربهما» } [الكهف: 81] وكان بعضهم يعتل لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشددا في عامة القرآن، كقول الله عز وجل: {فبدل الذين ظلموا} [البقرة: 59] وقوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: 101] فألحق قوله: {فأردنا أن يبدلهما} [الكهف: 81] به، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {فأردنا أن يبدلهما} [الكهف: 81] بتخفيف الدال. وكان بعض من قرأ ذلك كذلك من أهل العربية يقول: أبدل يبدل بالتخفيف وبدل يبدل بالتشديد: بمعنى واحد. والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقيل: إن الله عز وجل أبدل أبوي الغلام الذي قتله صاحب موسى منه بجارية ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا المبارك بن سعيد، قال: ثنا عمرو بن قيس، في قوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} [الكهف: 81] قال: بلغني أنها جارية حدثنا القاسم، قال. ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج. أخبرني سليمان بن أمية، أنه سمع يعقوب بن عاصم، يقول: أبدلا مكان الغلام جارية قال: ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أنه سمع سعيد بن جبير، يقول: أبدلا مكان الغلام جارية وقال آخرون: أبدلهما ربهما بغلام مسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، {فأردنا أن يبدلهما، ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما} [الكهف: 81] قال: كانت أمه حبلى يومئذ بغلام مسلم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، أنه ذكر الغلام الذي قتله الخضر، فقال: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما.

Bagian V15/P359–V15/P361

فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن 15P360 فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وقوله: {خيرا منه زكاة} [الكهف: 81] يقول: خيرا من الغلام الذي قتله صلاحا ودينا، كما: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة} [الكهف: 81] قال: الإسلام وقوله: {وأقرب رحما} [الكهف: 81] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأقرب رحمة بوالديه وأبر بهما من المقتول ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، {وأقرب رحما} [الكهف: 81] أبر بوالديه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأقرب رحما} [الكهف: 81] أي أقرب خيرا وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، {وأقرب رحما} [الكهف: 81] أرحم به منهما بالذي قتل الخضر وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك: وأقرب أن يرحماه، والرحم: مصدر رحمت، يقال: رحمته رحمة ورحما. وكان بعض البصريين يقول: من الرحم والقرابة. وقد يقال: رحم ورحم مثل عسر وعسر، وهلك وهلك، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج: [+البحر الرجز] ولم تعوج رحم من تعوجا ولا وجه للرحم في هذا الموضع. لأن المقتول كان الذي أبدل الله منه والديه ولدا لأبوي المقتول، فقرابتهما من والديه، وقربهما منه في الرحم سواء. وإنما معنى ذلك: وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما كما قال قتادة. وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه. وأقرب أن يرحماه، غير أنه لا قائل من أهل تأويل تأوله كذلك. فإذ لم يكن فيه قائل، فالصواب فيه ما قلنا لما بينا 15P362

Bagian V15/P361–V15/P365

[الكهف: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول صاحب موسى: وأما الحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز، فقال بعضهم: كان صحفا فيها علم مدفونة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: كان تحته كنز علم حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير: {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: كان كنز علم حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: علم حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير " {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] " قال: علم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال الحسن: قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: صحف لغلامين فيها علم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: صحف علم حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: ثنا هنادة ابنة مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد، يقول في قول الله عز وجل: {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال سطران ونصف، لم يتم الثالث: «عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح» وقد قال: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، كان نساجا حدثني يعقوب، قال: ثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، قال: ثنا سلمة بن 15P364 محمد، عن نعيم العنبري، وكان من جلساء الحسن، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن يؤمن كيف يحزن وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها، كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله، محمد رسول الله " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما كان الكنز إلا علما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، في قوله {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: صحف من علم حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن عمر، مولى غفرة، قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: عجب ممن عرف الموت ثم ضحك، عجب ممن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب ممن أيقن بالموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن 15P365 محمدا عبده ورسوله وقال آخرون: بل كان مالا مكنوزا ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: كنز مال حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة، مثله حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: أخبرني أبو حصين، عن عكرمة، مثله، قال شعبة: ولم نسمعه منه حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، {وكان تحته كنز لهما} [الكهف: 82] قال: مال لهما قال قتادة: أحل الكنز لمن كان قبلنا، وحرم علينا، فإن الله يحل من أمره ما يشاء، ويحرم، وهي السنن والفرائض، ويحل لأمة، ويحرم على أخرى، لكن الله لا يقبل من أحد مضى إلا الإخلاص والتوحيد له 15P366 وأولى التأويلين في ذلك بالصواب: القول الذي قاله عكرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك، لعلل قد بيناها في غير موضع وقوله: {وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} [الكهف: 82] يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدتهما ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين.

Bagian V15/P365–V15/P367

وكان ابن عباس يقول في ذلك ما: حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في قوله {وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 82] قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سفيان، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمثله وقوله: {وما فعلته عن أمري} [الكهف: 82] يقول : وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به، 15P367 كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما فعلته عن أمري،} [الكهف: 82] كان عبدا مأمورا، فمضى لأمر الله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وما فعلته عن أمري} [الكهف: 82] ما رأيت أجمع ما فعلته عن نفسي وقوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82] يقول: هذا الذي ذكرت لك من الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها مني، تأويل. يقول: ما تئول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها، وإنكارك لها صبرا. وهذه القصص التي أخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدم إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزءوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى، إذ لم يكن عالما بعواقبها، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة، ينبئ عن صحة ذلك قوله: {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} [الكهف: 58] ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلم نبيه أن تركه جل جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين، بغير نظر منه لهم، وإن كان ذلك فيما يحسب من لا علم له بما الله مدبر فيهم، نظرا منه لهم، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم 15P368

Bagian V15/P367–V15/P370

[الكهف: 83_84_85] القول في تأويل قوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا} [الكهف: 83_84_85] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه؟ وما كانت قصته؟ فقل لهم: سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول: سأقص عليكم منه خبرا. وقد قيل: إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنين كانوا قوما من أهل الكتاب. فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل. وأما الخبر بأن الذين سألوه كانوا قوما من أهل الكتاب فحدثنا به أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حباب، عن ابن لهيعة، قال: ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين، من نجيب، قال: أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدث، قالا: فأتياه فقالا: جئنا لتحدثنا، فقال: كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل 15P369 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه، فأخبرته، فقال: «ما لي وما لهم، ما لي علم إلا ما علمني الله» ثم قال: «اسكب لي ماء» فتوضأ ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال: «أدخلهم علي، ومن رأيت من أصحابي» فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال: «إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا، وإن شئتم أخبرتكم» ، قالوا: بلى أخبرنا، قال: " جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء، فقال له ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السد، وهو جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم " 15P370 واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لذي القرنين: ذو القرنين، فقال بعضهم: قيل له ذلك من أجل أنه ضرب على قرنه فهلك، ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبيد المكتب، عن أبي الطفيل، قال: سأل ابن الكواء عليا عن ذي القرنين، فقال: هو عبد أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه فقتلوه، ثم بعثه الله، فضربوه على قرنه فمات حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي رضوان الله عليه عن ذي القرنين، فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا وسألوه عن ذي القرنين أنبيا كان؟ قال: كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه، فضربوه ضربتين في رأسه، فسمي ذا القرنين. وفيكم اليوم مثله وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به محمد بن سهل البخاري، قال: ثنا 15P371 إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين ملكا، فقيل له: فلم سمي ذا القرنين؟

Bagian V15/P370–V15/P372

قال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال آخرون: إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، قال: إنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس وقوله: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] يقول: إنا وطأنا له في الأرض {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] يقول وآتيناه من كل شيء: يعني ما يتسبب إليه وهو العلم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] يقول علما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] أي علما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] قال: من كل شيء علما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] قال: علم كل شيء حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] علما حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] يقول: علما وقوله: {فأتبع سببا} [الكهف: 85] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: (فاتبع) بوصل الألف، وتشديد التاء، بمعنى: سلك وسار، من قول القائل: اتبعت أثر فلان: إذا قفوته، وسرت وراءه. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {فأتبع} [الكهف: 85] بهمز، وتخفيف التاء، بمعنى لحق. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ: «فاتبع» بوصل الألف، 15P373 وتشديد التاء، لأن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن مسير ذي القرنين في الأرض التي مكن له فيها، لا عن لحاقه السبب، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس، «فاتبع سببا» يعني بالسبب: المنزل حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {سببا} [الكهف: 84] قال: منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد «فاتبع سببا» قال: طريقا في الأرض حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، «فاتبع سببا» : 15P374 اتبع منازل الأرض ومعالمها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله «فاتبع سببا» قال: هذه الآن سبب الطرق كما قال فرعون {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} قال: طرق السماوات حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: «فاتبع سببا» قال: منازل الأرض حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: «فاتبع سببا» قال: المنازل 15P374

Bagian V15/P372–V15/P377

[الكهف: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} [الكهف: 86] يقول تعالى ذكره: {حتى إذا بلغ} [الكهف: 86] ذو القرنين {مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة: {في عين حمئة} [الكهف: 86] بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته 15P375 جماعة من قراء المدينة، وعامة قراء الكوفة: (في عين حامية) يعني أنها تغرب في عين ماء حارة. واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القراء في قراءته ذكر من قال ذلك: {تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] : حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، {وجدها تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] قال: في طين أسود حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ {في عين حمئة} [الكهف: 86] قال: ذات حمأة حدثنا الحسين بن الجنيد، قال: ثنا سعيد بن مسلمة، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: قرأ معاوية هذه الآية، فقال: «عين حامية» فقال ابن عباس: إنها عين حمئة. قال: فجعلا كعبا بينهما، قال: فأرسلا إلى كعب الأحبار فسألاه فقال كعب: أما الشمس فإنها تغيب في ثأط فكانت على ما قال ابن عباس والثأط: الطين حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني نافع بن أبي نعيم، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول {في عين حمئة} [الكهف: 86] ثم فسرها: ذات حمأة قال نافع: وسئل عنها كعب، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وجدها تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] قال: هي الحمأة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {في عين حمئة} [الكهف: 86] قال: ثأط حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله عز ذكره {تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] قال: ثأطة، قال: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قرأت {في عين حمئة} [الكهف: 86] وقرأ عمرو بن العاص (في عين حامية) فأرسلنا إلى كعب، فقال: إنها تغرب في حمأة طينة سوداء حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {تغرب في عين حمئة} [الكهف: 86] والحمئة: الحمأة السوداء حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف {في عين حمئة} [الكهف: 86] ويقول: حمأة سوداء تغرب فيها الشمس وقال آخرون: بل هي تغيب في عين حارة ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، «وجدها تغرب في عين حامية» يقول: في عين حارة حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، يقول: «في عين حامية» قال: حارة حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: «في عين حامية» قال: حارة، وكذلك قرأها الحسن والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان 15P378 مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارئ في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين.

Bagian V15/P377–V15/P378

وقد روي بكلا صيغتيها اللتين قلت إنهما من صفتيها أخبار حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام، قال: ثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت، فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض» حدثني الفضل بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه: {حمئة} [الكهف: 86] وقوله: {ووجد عندها قوما} [الكهف: 86] ذكر أن أولئك القوم يقال لهم: ناسك وقوله: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب} [الكهف: 86] يقول: إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم {وإما أن تتخذ فيهم حسنا} [الكهف: 86] يقول : وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد 15P379

Bagian V15/P378–V15/P380

[الكهف: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا} [الكهف: 87] يقول جل ثناؤه {قال أما من ظلم فسوف نعذبه} [الكهف: 87] يقول: أما من كفر فسوف نقتله كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أما من ظلم فسوف نعذبه} [الكهف: 87] قال: هو القتل وقوله: {ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا} [الكهف: 87] يقول: ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله، فيعذبه عذابا عظيما، وهو النكر، وذلك عذاب جهنم 15P379 [الكهف: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا} [الكهف: 88] يقول: وأما من صدق الله منهم ووحده، وعمل بطاعته، فله عند الله الحسنى، وهي الجنة {جزاء} [البقرة: 85] يعني ثوابا على إيمانه، وطاعته ربه. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: «فله جزاء الحسنى» برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى. وإذا قرئ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويل: أحدهما: أن يجعل الحسنى مرادا بها إيمانه وأعماله الصالحة، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك: وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة. والوجه الثاني: أن يكون معنيا بالحسنى: الجنة، وأضيف الجزاء إليها، كما قيل {ولدار الآخرة خير} [يوسف: 109] والدار: هي الآخرة، وكما قال: {وذلك دين القيمة} [البينة: 5] والدين هو القيم. وقرأ آخرون: «فله جزاء الحسنى» بمعنى: فله الجنة جزاء فيكون الجزاء منصوبا على المصدر، بمعنى: يجازيهم جزاء الجنة. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأه: {فله جزاء الحسنى} [الكهف: 88] بنصب الجزاء وتنوينه على المعنى الذي وصفت، من أن لهم الجنة جزاء، فيكون الجزاء نصبا على التفسير وقوله: {وسنقول له من أمرنا يسرا} [الكهف: 88] يقول: وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه مما يقر به إلى الله ويلين له من القول. وكان مجاهد يقول نحوا مما قلنا في ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، ح، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {من أمرنا يسرا} [الكهف: 88] قال: معروفا 15P381 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله 15P380

Bagian V15/P380–V15/P384

[الكهف: 89_90_91] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا} [الكهف: 89_90_91] يقول تعالى ذكره: ثم سار وسلك ذو القرنين طرقا ومنازل، كما: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم أتبع سببا} [الكهف: 89] يعني منزلا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ثم أتبع سببا} [الكهف: 89] منازل الأرض ومعالمها {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] يقول تعالى ذكره: ووجد ذو القرنين الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، وذلك أن أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحتمل بناء، فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه، أو يسربون في الأسراب. كما: حدثني إبراهيم بن المستمر، قال: ثنا سليمان بن داود، وأبو داود، قال: 15P382 ثنا سهل بن أبي الصلت السراج، عن الحسن، {تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] قال: كانت أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تغوروا في الماء، فإذا غربت خرجوا يتراعون، كما ترعى البهائم قال: ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] ذكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه البناء، وإنما يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، قال: كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابا لهم حتى 15P383 تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، وجاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] قال: بلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليهم بناء، فكانوا يدخلون في أسراب لهم إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم، ثم يخرجون إلى معايشهم وقال آخرون: هم الزنج ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} [الكهف: 90] قال: يقال: هم الزنج وأما قوله: {كذلك} [البقرة: 73] فإن معناه: ثم اتبع سببا كذلك، حتى إذا بلغ مطلع الشمس، وكذلك: من صلة أتبع. وإنما معنى الكلام: ثم أتبع سببا، حتى بلغ مطلع الشمس، كما أتبع سببا حتى بلغ مغربها وقوله: {وقد أحطنا بما لديه خبرا} [الكهف: 91] يقول: وقد أحطنا بما عند مطلع الشمس علما، لا يخفى علينا مما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم، ولا من غيرهم شيء. وبالذي قلنا في معنى الخبر، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {خبرا} [الكهف: 68] قال: علما حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد، في قوله {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا} [الكهف: 91] قال: علما 15P384

Bagian V15/P384–V15/P387

[الكهف: 92_93_94] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قول ا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 92_93_94] يقول تعالى ذكره: ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلا. {حتى إذا بلغ بين السدين} [الكهف: 93] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين : (حتى إذا بلغ بين السدين) بضم السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قراء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضم السين في يس، ويقول: السد بالفتح: هو الحاجز بينك وبين الشيء، والسد بالضم: ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله: (حتى إذا بلغ بين السدين) فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. وروي عن عكرمة في ذلك ما: حدثنا به، أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السد وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء، وعكرمة بين السد والسد، لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما. وما يبين ذلك أن جميع أهل التأويل الذي روي لنا عنهم في ذلك قول، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه، ولو كانا مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك. وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه. والسد والسد جميعا: الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذكر جبلان سد ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع ماد غوائلهم وعيثهم عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، «حتى إذا بلغ بين السدين» قال: الجبلين 15P387 الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال: الجبلان: أرمينية وأذربيجان حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، «حتى إذا بلغ بين السدين» وهما جبلان حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: «بين السدين» يعني بين جبلين حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: «بين السدين» قال: هما جبلان وقوله {وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا} [الكهف: 93] يقول عز ذكره: وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله {يفقهون} [النساء: 78] فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة {يفقهون قولا} [الكهف: 93] بفتح القاف والياء، من فقه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة (يفقهون قولا) بضم الياء وكسر القاف: من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها: إذا فهمته ذلك.

Bagian V15/P387–V15/P390

والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى، وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولا لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك، وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل: إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا وقوله: {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] اختلفت القراء في قراءة قوله {إن يأجوج ومأجوج} [الكهف: 94] فقرأت القراء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم: (إن ياجوج وماجوج) بغير همز على فاعول من يججت ومججت، وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غير عاصم بن أبي النجود والأعرج، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام، وكأنهما جعلا يأجوج: يفعول من أججت، ومأجوج: مفعول. والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا (إن ياجوج وماجوج) بألف بغير همز لإجماع الحجة من القراء عليه، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب، ومنه قول رؤبة بن العجاج. [+البحر الرجز] لو أن ياجوج وماجوج معا وعاد عادوا واستجاشوا تبعا وهم أمتان من وراء السد وقوله: {مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] اختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين، فقال بعضهم: كانوا يأكلون الناس ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا إبراهيم بن أيوب الخوزاني، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز، يقول في قوله {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] قال: كانوا يأكلون الناس وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون. ذكر من قال ذلك، وذكر صفة اتباع ذي القرنين الأسباب التي ذكرها الله في هذه الآية، وذكر سبب بنائه للردم: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب، ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين، أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبا بن مردبة 15P390 اليوناني، من ولد يونن بن يافث بن نوح حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، وكان، خالد رجلا قد أدرك الناس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب» قال خالد: وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسموا بأسماء الملائكة؟ فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فالحق ما قال، والباطل ما خالفه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأول، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عز وجل له: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج فأما الأمتان اللتان بينهما طول 15P391 الأرض: فأمة عند مغرب الشمس، يقال لها: ناسك. وأما الأخرى: فعند مطلعها يقال لها: منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض، فأمة في قطر الأرض الأيمن، يقال لها: هاويل. وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر، فأمة يقال لها: تاويل، فلما قال الله له ذلك، قال له ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها، بأي قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكايدهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟

Bagian V15/P390

وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أعي قولهم؟ وبأي بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم، وبأي طاقة أخصمهم، وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أستألفهم، فإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرب الرحيم الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها، بل أنت ترأفها وترحمها. قال الله عز وجل: إني سأطوقك ما حملتك، أشرح لك صدرك، فيسع كل شيء وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك 15P392 سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك، فتنفذ كل شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشد لك ظهرك، فلا يهدك شيء، وأشد لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة، فأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك من بين يديك، فتسطو فوق كل شيء، وأشد لك وطأتك، فتهد كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يرومك شيء. ولما قيل له ذلك، انطلق يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة، وقلوبا متفرقة، فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطتهم من كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته، فمنهم من آمن له، ومنهم من صد، فعمد إلى الذين تولوا عنه، فأدخل عليهم الظلمة. فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيتهم من فوقهم، ومن تحتهم ومن كل جانب منهم، فماجوا فيها وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم 15P393 وتحرسهم من حولهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملا أتقنه. فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل كذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيها كعمله في ناسك.

Bagian V15/P390

فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا، كفعله في الأمتين اللتين قبلها، ثم كر مقبلا في ناحية الأرض اليسرى، وهو يريد تاويل وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كله، فلما بلغها عمل فيها، وجند منها كفعله فيما قبلها، فلما فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي وسط الأرض من الجن وسائر الناس، ويأجوج 15P394 ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ما يلي منقطع الترك نحو المشرق، قالت له أمة من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله، وكثير منهم مشابه للإنس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها من الحيات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما نرى من نمائهم وزيادتهم، فلا شك أنهم سيملئون الأرض، ويجلون أهلها عنها ويظهرون عليها فيفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين {فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما} [الكهف: 95] أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، مبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب في موضع الأظفار من أيدينا، وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل 15P395 قوة تسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم الفحل المسن، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم، وما يتقون به الحر والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان: إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها، تسعانه إذا لبسهما، يلتحف إحداهما، ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما، ويشتى في الأخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره، وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وهم يرزقون التنين أيام الربيع، ويستمطرونه إذا تحينوه كما نستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامهم كله إلى مثله من العام القابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا وأخصبوا وعاشوا وسمنوا، ورئي أثره عليهم، فدرت عليهم الإناث، وشبقت منهم الرجال الذكور، 15P396 وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجفرت الذكور، وحالت الإناث، وتبين أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الكلاب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم.

Bagian V15/P390

فلما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك ما يلي مشرق الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله، حفر له أساسا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلما فرغ منه وأحكمه، انطلق عامدا إلى جماعة الإنس والجن، فبينا هو يسير، دفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متألفة، وسيرتهم حسنة، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس بينهم أغنياء، ولا ملوك، ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يختلفون، ولا يتنازعون، ولا يستبون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يحردون، ولا تصيبهم الآفات 15P397 التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين، ولا فقير، ولا فظ، ولا غليظ، فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم، عجب منه وقال: أخبروني أيها القوم خبركم، فإني قد أحصيت الأرض كلها برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد مثلكم، فأخبروني خبركم، قالوا: نعم، فسلنا عما تريد، قال: أخبروني، ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدا فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا، قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا متهم، وليس منا إلا أمين مؤتمن، قال: فما لكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نتظالم، قال: فما بالكم ليس فيكم حكام؟ قالوا: لا نختصم، قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر، قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكابر، قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا، قال: فما بالكم لا تستبون ولا تقتتلون؟ قالوا: من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم، وسسنا أنفسنا بالأحلام، قال: فما بالكم كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة مستوية؟ قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضا، قال: فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحت صدورنا، فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا، قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل أنا نقتسم بالسوية، قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع، قال: فما جعلكم أطول الناس أعمارا؟ قالوا: من 15P398 قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل، قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار، قال: فما بالكم لا تحردون؟ قالوا: من قبل أنا وطأنا أنفسنا للبلاء منذ كنا، وأحببناه وحرصنا عليه، فعرينا منه، قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بالأنواء والنجوم، قال: حدثوني أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟

Bagian V15/P390–V15/P401

قالوا: نعم وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويستغفرون لمن سبهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويوفون بعهودهم، ويصدقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله لهم بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء، وكان حقا على الله أن يحفظهم في تركتهم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم: " إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فتحفرونه غدا، فيعيده الله وهو 15P399 كهيئته يوم تركوه، حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فتقتلهم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري، عن محمود بن لبيد، أخي بني عبد الأشهل، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله عز وجل {وهم من كل حدب ينسلون} [الأنبياء: 96] فيغشون الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم ، فيشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يابسا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر، 15P400 فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة، حتى لم يبق من الناس أحد إلا انحاز إلى حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء، قال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة. فبينا هم على ذلك، بعث الله عليهم دودا في أعناقهم كالنغف، فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى، لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل العدو، قال: فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه، قد وطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين، ألا أبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم أحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابت قط " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] قال: كان أبو سعيد الخدري يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل» قال: وكان عبد الله بن مسعود يعجب من كثرتهم ويقول: لا يموت من يأجوج ومأجوج أحد حتى يولد له ألف رجل من صلبه حدثني بحر بن نصر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية، عن أبي الزاهرية، وشريح بن عبيد: أن يأجوج، ومأجوج، ثلاثة أصناف: صنف طولهم كطول الأرز، وصنف طوله وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى فتغطي سائر جسده فالخبر الذي ذكرناه عن وهب بن منبه في قصة يأجوج ومأجوج، يدل على أن الذين قالوا لذي القرنين {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] إنما أعلموه خوفهم ما يحدث منهم من الإفساد في الأرض ، لا أنهم شكوا منهم فسادا كان منهم فيهم أو في غيرهم، والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيكون منهم الإفساد في الأرض، ولا دلالة فيها أنهم قد كان منهم قبل إحداث ذي القرنين السد الذي أحدثه بينهم وبين من دونهم من الناس في الناس غيرهم إفساد.

Bagian V15/P401–V15/P402

فإذا كان ذلك كذلك بالذي بينا، فالصحيح من تأويل قوله {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} [الكهف: 94] إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض وقوله {فهل نجعل لك خرجا} [الكهف: 94] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {فهل نجعل لك خرجا} [الكهف: 94] كأنهم نحوا به نحو المصدر من خرج الرأس، وذلك جعله. وقرأته عامة قراء الكوفيين : (فهل نجعل لك خراجا) بالألف، وكأنهم نحوا به نحو الاسم، وعنوا به أجرة على بنائك لنا سدا بيننا وبين هؤلاء القوم. وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه: (فهل نجعل لك خراجا) بالألف، لأن القوم فيما ذكر عنهم، إنما عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السد، وقد بين ذلك بقوله: {فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما} [الكهف: 95] ولم يعرضوا عليه جزية رءوسهم. والخراج عند العرب: هو الغلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، «فهل نجعل لك خراجا» قال: أجرا {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: «فهل نجعل لك خراجا» قال: أجرا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، 15P403 قوله: «فهل نجعل لك خراجا» قال: أجرا وقوله: {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94] يقول: قالوا له: هل نجعل لك خراجا حتى أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج حاجزا يحجز بيننا وبينهم، ويمنعهم من الخروج إلينا . وهو السد. 15P402

Pertanyaan