Taberî — Câmiü'l-Beyân
[غافر: 44_45] القول في تأويل قوله تعالى: {فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب} [غافر: 44_45] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم، ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول، وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فستذكرون ما أقول لكم} [غافر: 44] " فقلت له: أوذلك في الآخرة؟ قال: نعم " وقوله: {وأفوض أمري إلى الله} [غافر: 44] يقول: وأسلم أمري إلى الله، وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنه الكافي من توكل عليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وأفوض 20P336 أمري إلى الله} [غافر: 44] قال: «أجعل أمري إلى الله» وقوله: {إن الله بصير بالعباد} [غافر: 44] يقول: إن الله عالم بأمور عباده، ومن المطيع منهم، والعاصي له، والمستحق جميل الثواب، والمستوجب سيئ العقاب وقوله: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} [غافر: 45] يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء، فنجاه منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سيئات ما مكروا} [غافر: 45] قال: " وكان قبطيا من قوم فرعون، فنجا مع موسى، قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبي الله؟ فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبي الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: لا والله ما كذبت، ولا كذبت، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق " وقوله: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} [غافر: 45] يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم؛ 20P337 وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} [غافر: 45] قال: «قوم فرعون» وعني بقوله: {سوء العذاب} [غافر: 45] ما ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم 20P337
[غافر: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] يقول تعالى ذكره مبينا عن سوء العذاب الذي حل بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله {النار يعرضون عليها} [غافر: 46] إنهم لما هلكوا وغرقهم الله، جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين {غدوا وعشيا} [غافر: 46] إلى أن تقوم الساعة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل، قال: «أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، وذلك عرضها» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوا وعشيا، حتى تقوم الساعة» حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي، قال: سمعت الأوزاعي وسأله، رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم، قال: " إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها، وصارت سوداء، فتنبت عليها من الليل رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو، ويعرضون على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبها في الدنيا؛ فإذا كان يوم القيامة، قال الله {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول: " ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بكرة وعشي، وذلك في القرآن في آل فرعون {يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر: 46] وكذلك قال لأهل الجنة {لهم رزقهم فيها بكرة 20P339 وعشيا} [مريم: 62] " وقيل: عنى بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوا وعشيا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر: 46] قال: " يعرضون عليها صباحا ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {غدوا وعشيا} [غافر: 46] قال: «ما كانت الدنيا» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وأن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به، فلا في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، وأصل الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر، كما تقول: أتيته ظلاما؛ جعله ظرفا وهو مصدر.
قال: ولو قلت: موعدك غدوة، أو موعدك 20P340 ظلام، فرفعته، كما تقول: موعدك يوم الجمعة، لم يحسن، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا؛ قال: والظرف كله ليس بمتمكن؛ وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح، كما قال جل ثناؤه: {غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] فرفع، وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان، شهران، قالوا: ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحيانا، وقالوا: إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين، فلما كان تأويله الإضافة نصب وقوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون} [غافر: 46] بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار وإذا قرئ ذلك كذلك، كان الآل نصبا بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: (ويوم تقوم الساعة ادخلوا) بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا أبتدئ بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الآل على قراءته نصبا بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] 20P341
[غافر: 47_48] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 47_48] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر: 18] {وإذ يتحاجون في النار} [غافر: 47] يقول: وإذ يتخاصمون في النار. وعني بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذارهم من مشركي قومه في النار، فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله {إنا كنا لكم تبعا} [إبراهيم: 21] تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله {فهل أنتم مغنون} [إبراهيم: 21] اليوم {عنا نصيبا من النار} [غافر: 47] يعنون حظا فتخففوه عنا، فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم أتينا، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء؛ والتبع يكون واحدا وجماعة في قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر قال: وإن شئت كان واحده تابع، فيكون مثل خائل وخول، وغائب وغيب والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده تابع وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه أتباع فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم؛ قال الذين استكبروا، وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون، لا خلاص لنا منها {إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 48] بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون؛ ورفع قوله {كل} [البقرة: 20] بقوله {فيها} [البقرة: 25] ولم ينصب على النعت وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف كل لم يجز الاتباع وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف، لأن أسماءها إذا حذفت اكتفي بها منها وقد بينا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته 20P342 [غافر: 49_50] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم 20P343 بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49_50] يقول تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوامها استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا {ادعوا ربكم} [الأعراف: 55] لنا {يخفف عنا يوما} [غافر: 49] واحدا، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا {من العذاب} [البقرة: 96] الذي نحن فيه وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام الدنيا، لأن الآخرة يوم لا ليل فيه، فيقال: خفف عنهم يوما واحدا وقوله: {قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} [غافر: 50] يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أولم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبينات من الحجج على توحيد الله، فتوحدوه وتؤمنوا به، وتتبرءوا مما دونه من الآلهة؟ قالوا: بلى، قد أتتنا رسلنا بذلك وقوله: {قالوا فادعوا} [غافر: 50] يقول جل ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به وقوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد: 14] يقول: قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال، لأنه دعاء لا ينفعهم، ولا يستجاب لهم، بل يقال لهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون } 20P343
[غافر: 51_52] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 51_52] يقول القائل: وما معنى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} [غافر: 51] وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من هم بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل: إن لقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} [غافر: 51] وجهين كلاهما صحيح معناه أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذبنا وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد صلى الله عليه وسلم بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكهم غرقا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين ، قال: ثنا أحمد بن الفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} [غافر: 51] «قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم» والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما بينا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه واختلفت القراء في قراءة قوله: {ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} [غافر: 51] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة {ويوم يقوم} [غافر: 51] بالياء وينفع أيضا بالياء، وقرأ ذلك بعض أهل مكة وبعض قراء البصرة: (تقوم) بالتاء، و «تنفع» بالتاء، والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وقد بينا فيما مضى أن العرب تذكر فعل الرجل وتؤنث إذا تقدم بما أغنى عن إعادته، وعني بقوله: {ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم، وأن الأمم كذبتهم والأشهاد: جمع شهيد، كما الأشراف: جمع شريف، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] «من ملائكة الله وأنبيائه، والمؤمنين به» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] «يوم القيامة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قول الله: {ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] «قال الملائكة» وقوله: {لا ينفع الظالمين معذرتهم} [غافر: 52] يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا بباطل، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقوله: {ولهم اللعنة} [غافر: 52] يقول: وللظالمين اللعنة، وهي البعد من رحمة الله {ولهم سوء الدار} [الرعد: 25] يقول: ولهم مع اللعنة من الله شر ما في الدار الآخرة، وهو العذاب الأليم 20P347
[غافر: 53_54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} [غافر: 53_54_55] يقول تعالى ذكره {ولقد آتينا موسى} [البقرة: 87] البيان للحق الذي بعثناه به كما آتينا ذلك محمدا فكذب به فرعون وقومه، كما كذبت قريش محمدا {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} [غافر: 53] يقول: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعلمناهموها، وأنزلنا إليهم {هدى} [البقرة: 2] يعني بيانا لأمر دينهم، وما ألزمناهم من فرائضها، {وذكري لأولي الألباب} يقول: وتذكيرا منا لأهل الحجا والعقول منهم بها وقوله: {فاصبر إن وعد الله حق} [الروم: 60] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لأمر ربك، وأنفذ لما أرسلك به من الرسالة، وبلغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة من صدقك وآمن بك، على من كذبك، وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن وعد الله حق لا خلف له وهو منجز له {واستغفر لذنبك} [غافر: 55] يقول: وسله غفران ذنوبك وعفوه لك عنه {وسبح بحمد ربك} [طه: 130] يقول: وصل بالشكر منك لربك {بالعشي} [آل عمران: 41] وذلك من زوال الشمس إلى الليل {والإبكار} [آل عمران: 41] وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى، والمعروف عند العرب القول الأول واختلف أهل العربية في وجه عطف الإبكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشي، والباء تحسن فيه، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك : وسبح بحمد ربك بالعشي وفي الإبكار وقال: قد يقال: بالدار زيد، يراد: في الدار زيد، وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك، لأن معنى الكلام: صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين، فإدخال الباء وفي واحد فيهما 20P348 [غافر: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر: 56] يقول تعالى ذكره: إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات {بغير سلطان أتاهم} [غافر: 35] يقول: بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها {إن في صدورهم إلا كبر} [غافر: 56] يقول: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك، وقبول الحق الذي أتيتهم به حسدا منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوة {ما هم ببالغيه} [غافر: 56] يقول: الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بمدركيه ولا نائليه، لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بالأمر الذي يدرك بالأماني؛ وقد قيل: إن معناه: إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن الله مذلهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إن في صدورهم إلا كبر} [غافر: 56] قال: «عظمة» وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} [غافر: 56] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ، قوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} [غافر: 56] «لم يأتهم بذاك سلطان» وقوله: {فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر: 56] يقول تعالى ذكره: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير 20P350 سلطان، ومن الكبر أن يعرض في قلبك منه شيء {إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] يقول: إن الله هو السميع لما يقول هؤلاء المجادلون في آيات الله وغيرهم من قول، البصير بما تعمله جوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك 20P349
[غافر: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] يقول تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس، وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله 20P350 [غافر: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون} [غافر: 58] وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه، فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته وقدرته على خلق ما شاء من شيء، ويؤمن به ويصدق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره، وذلك مثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله، فيتفكر فيها ويتعظ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه، وعظيم سلطانه وقدرته على خلق ما يشاء؛ يقول جل ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] يقول جل ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم، ولا المسيء، وهو الكافر بربه، العاصي له، المخالف أمره {قليلا ما تتذكرون} [غافر: 58] يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله، فتعتبرون وتتعظون؛ يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء، وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم، وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم. واختلفت القراء في قراءة قوله: {تتذكرون} [الأنعام: 80] فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة: (يتذكرون) بالياء على وجه الخبر، وقرأته عامة قراء الكوفة: {تتذكرون} [الأنعام: 80] بالتاء على وجه الخطاب، والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب 20P351 [غافر: 59_60] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 59_60] يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها الناس لا شك في مجيئها؛ يقول: فأيقنوا بمجيئها، وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم، ومجازون بأعمالكم، فتوبوا إلى ربكم {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17] يقول: ولكن أكثر قريش لا يصدقون بمجيئها وقوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون 20P352 من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك {أستجب لكم} [غافر: 60] يقول: أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] يقول: «وحدوني أغفر لكم» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور والأعمش عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة» {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] . . . الآية " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يسيع قال أبو موسى: هكذا قال غندر، عن سعيد، عن منصور، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدعاء هو العبادة» {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يسيع، عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي، عن الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جحادة، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عبادتي دعائي» ثم تلا هذه الآية: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] قال: «عن دعائي» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا عمارة، عن ثابت، قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: «لا بل هو العبادة كلها» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أخبرنا منصور، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ هذه الآية {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، قال: قيل لسفيان: ادع الله، قال: «إن ترك الذنوب هو الدعاء» وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة، وإفراد الألوهة لي {سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] بمعنى: صاغرين وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقد قيل: إن معنى قوله {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] إن الذين يستكبرون عن دعائي ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] قال: «عن دعائي» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {داخرين} [غافر: 60] قال: «صاغرين» 20P354
[غافر: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [غافر: 61] يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح الألوهة إلا له، ولا تنبغي العبادة لغيره، الذي صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكنا لتسكنوا فيه، فتهدءوا من التصرف والاضطراب للمعاش، والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم {والنهار مبصرا} [يونس: 67] يقول: وجعل النهار مبصرا من اضطرب فيه لمعاشه، وطلب حاجاته، نعمة منه بذلك عليكم {إن الله لذو فضل على الناس} [البقرة: 243] يقول: إن الله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] يقول: ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له، وإخلاص الألوهة والعبادة له، ولا يد تقدمت له عنده استوجب بها منه الشكر عليها 20P355 [غافر: 62_63] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} [غافر: 62_63] يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كل شيء {لا إله 20P356 إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، {فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] يقول: فأي وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟ وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} [غافر: 63] يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحق إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذبون فلا يؤمنون؛ يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال 20P356 [غافر: 64_65] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 64_65] يقول تعالى ذكره: {الله} [الفاتحة: 1] الذي له الألوهة خالصة أيها الناس {الذي جعل لكم الأرض} [البقرة: 22] التي أنتم على ظهرها سكان {قرارا} [النمل: 61] تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، {والسماء بناء} [البقرة: 22] بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم {وصوركم فأحسن صوركم} [غافر: 64] يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم {ورزقكم من الطيبات} [الأنفال : 26] يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب وقوله: {ذلكم الله ربكم} [الأنعام: 102] يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق {فتبارك الله رب العالمين} [غافر: 64] يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم {هو الحي} [البقرة: 255] يقول: هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] يقول: الشكر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضر ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعا وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين " فذلك قوله: {فادعوه 20P358 مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال: " إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله رب العالمين " ثم قال: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، " أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله " ثم قرأ هذه الآية: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: " إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين " ثم قرأ {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] 20P358
[غافر: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين} [غافر: 66] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك من قريش {إني نهيت} [الأنعام: 56] أيها القوم {أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56] من الآلهة 20P359 والأوثان {لما جاءني البينات من ربي} [غافر: 66] يقول: لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربي، وذلك آيات كتاب الله الذي أنزله {وأمرت أن أسلم لرب العالمين} [غافر: 66] يقول: وأمرني ربي أن أذل لرب كل شيء، ومالك كل خلق بالخضوع، وأخضع له بالطاعة دون غيره من الأشياء 20P358 [غافر: 67] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون} [غافر: 67] يقول تعالى ذكره آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم {من تراب ثم} [آل عمران: 59] خلقكم {من نطفة ثم من علقة} [الحج: 5] بعد أن كنتم نطفا {ثم يخرجكم طفلا } [غافر: 67] من بطون أمهاتكم صغارا، {ثم لتبلغوا أشدكم} [الحج: 5] فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخا {ومنكم من يتوفى من قبل} [غافر: 67] أن يبلغ الشيخوخة {ولتبلغوا أجلا مسمى} [غافر: 67] يقول: ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم، وأجلا محدودا لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله {ولعلكم تعقلون} [غافر: 67] يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكم بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك 20P359 [غافر: 68_69] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} [غافر: 68_69] 20P360 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: {هو الذي يحيي ويميت} [غافر: 68] يقول قل لهم: ومن صفته جل ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و {إذا قضى أمرا} [آل عمران: 47] يقول: وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها {فإنما يقول له كن} [البقرة: 117] يعني للذي يريد تكوينه كن، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة، ولا كلفة مؤنة وقوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} [غافر: 69] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته {أنى يصرفون} [غافر: 69] يقول: أي وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أنى يصرفون} [غافر: 69] «أنى يكذبون ويعدلون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أنى يصرفون} [غافر: 69] قال: «يصرفون عن الحق» واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها أهل القدر ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند،. عن محمد بن سيرين، قال: " إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى 20P361 يصرفون} [غافر: 69] إلى قوله: {لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين} [غافر: 74] حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: «إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب، وأهل اللين» فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال: «قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون الذين آمنوا» ، فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللين؟ قال: «قوم يتبعون الشهوات، ويضيعون الصلوات» قال أبو قبيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} [غافر: 69] قال: «هؤلاء المشركون» والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله: {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} [غافر: 70] 20P362
[غافر: 70_71_72_73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين} [غافر: 70_71_72_73_74] يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ والذين الثانية في موضع خفض ردا لها على الذين الأولى على وجه النعت {وبما أرسلنا به رسلنا} [غافر: 70] يقول: وكذبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب وقوله: {فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} [غافر: 71] وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جل ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم وقرأت قراء الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينت وذكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه «والسلاسل يسحبون» بنصب السلاسل في الحميم وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل العلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل يسحبون، جاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله مما رد إلى المعنى قول الشاعر: [+البحر الرجز] قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الأرقما فنصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: {في أعناقهم} [الرعد: 5] من ذكر الأغلال وقوله: {يسحبون} [غافر: 71] يقول: يسحب هؤلاء الذين كذبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حره، وبلغ غايته وقوله {ثم في النار يسجرون} [غافر: 72] يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يسجرون} [غافر: 72] قال: «يوقد بهم النار» حدثنا محمد،. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ثم في النار يسجرون} [غافر: 72] قال: «يحرقون في النار» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال.
قال ابن زيد، في قوله: {ثم في 20P365 النار يسجرون} [غافر: 72] قال: " يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها " وقوله: {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله} [غافر: 74] يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبده وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: {كذلك يضل الله الكافرين} [غافر: 74] يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء 20P365
[غافر: 75_76] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} [غافر: 75_76] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} [غافر: 75] هذا الذي فعلنا اليوم بكم أيها القوم من تعذيبناكم العذاب الذي أنتم فيه، بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بغير ما أذن لكم به من الباطل والمعاصي، وبمرحكم فيها، والمرح: هو الأشر والبطر 20P366 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} [غافر: 75] إلى {فبئس مثوى المتكبرين} [غافر: 76] قال: " الفرح والمرح: الفخر والخيلاء، والعمل في الأرض بالخطيئة، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون ": {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} [القصص: 76] «وذلك في الشرك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} [غافر: 75] قال: «تبطرون وتأشرون» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {تمرحون} [غافر: 75] قال: «تبطرون» وقوله: {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} [الزمر: 72] يقول تعالى ذكره لهم: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب منها جزء مقسوم منكم {فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 72] يقول: فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على الله أن يوحدوه، ويؤمنوا برسله اليوم جهنم 20P366 [غافر: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} [غافر: 77] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد على ما يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنزلناها عليك، وعلى تكذيبهم إياك، فإن الله منجز لك فيهم ما وعدك من الظفر عليهم، والعلو عليهم، وإحلال العقاب بهم، كسنتنا في موسى بن عمران ومن كذبه {فإما نرينك بعض الذي نعدهم} [غافر: 77] يقول جل ثناؤه: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب والنقمة أن يحل بهم {أو نتوفينك} [يونس: 46] قبل أن يحل ذلك بهم {فإلينا يرجعون} [غافر: 77] يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم، فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحق بتخليدناهم في النار، وإكرامناك بجوارنا في جنات النعيم 20P367
[غافر: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون} [غافر: 78] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ولقد أرسلنا} [الأنعام: 42] يا محمد {رسلا من قبلك} [الرعد: 38] إلى أممها {منهم من قصصنا عليك} [غافر: 78] يقول: من أولئك الذين أرسلنا إلى أممهم من قصصنا عليك نبأهم {ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78] نبأهم. 20P368 وذكر عن أنس أنهم ثمانية آلاف ذكر الرواية بذلك: حدثنا علي بن شعيب السمسار، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار، عن محمد بن المنكدر، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، عن عتبة بن عتيبة البصري العبدي، عن أبي سهل، عن وهب بن عبد الله بن كعب بن سور الأزدي، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعث الله أربعة آلاف نبي» حدثني أحمد بن الحسين الترمذي، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن ابن عبد الله بن يحيى، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في قوله: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78] قال: «بعث الله عبدا حبشيا نبيا، فهو الذي لم نقصص عليك» وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} [الرعد: 38] يقول تعالى ذكره: وما جعلنا لرسول ممن أرسلناه من قبلك الذين قصصناهم عليك، والذين لم نقصصهم عليك إلى أممها أن يأتي قومه بآية فاصلة بينه وبينهم، إلا بإذن الله له بذلك، فيأتيهم بها؛ يقول جل ثناؤه لنبيه: فلذلك لم يجعل لك أن تأتي قومك بما يسألونك من الآيات دون إذننا لك بذلك، كما لم نجعل لمن قبلك من رسلنا إلا أن نأذن له به {فإذا جاء أمر الله قضي بالحق} [غافر: 78] يعني بالعدل، وهو أن ينجي رسله والذين آمنوا معهم {وخسر هنالك المبطلون} [غافر: 78] يقول: وهلك هنالك الذين أبطلوا في قيلهم الكذب، وافترائهم على الله وادعائهم له شريكا 20P369
[غافر: 79_80_81] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} [غافر: 79_80_81] يقول تعالى ذكره: {الله} الذي لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش {الذي جعل لكم الأنعام} [غافر: 79] من الإبل والبقر والغنم والخيل، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم {لتركبوا منها} [غافر: 79] يعني: الخيل والحمير {ومنها تأكلون} [النحل: 5] يعني الإبل والبقر والغنم. وقال: {لتركبوا منها} [غافر: 79] ومعناه: لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف وقوله: {ولكم فيها منافع} [المؤمنون: 21] وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين وقوله: {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} [غافر: 80] يقول: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها، وذلك الإبل حاجة في صدوركم لم تكونوا بالغيها لولا هي، إلا بشق أنفسكم، كما قال جل ثناؤه: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} [النحل: 7] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} [غافر: 80] «يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد» حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} [غافر: 80] «لحاجتكم ما كانت» وقوله: {وعليها} [البقرة: 286] يعني: وعلى هذه الإبل، وما جانسها من الأنعام المركوبة {وعلى الفلك} [المؤمنون: 22] يعني: وعلى السفن {تحملون} [المؤمنون: 22] يقول نحملكم على هذه في البر، وعلى هذه في البحر {ويريكم آياته} [البقرة: 73] يقول: ويريكم حججه، {فأي آيات الله تنكرون} [غافر: 81] يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء 20P371 والأرض تنكرون صحتها، فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله، وتدعون من دونه إلها [غافر: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} [غافر: 82] يقول تعالى ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن رحلتهم في الشتاء والصيف فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا، وجحودهم آياتنا، كيف كان عقبى تكذيبهم {كانوا أكثر منهم} [غافر: 82] يقول: كان أولئك الذين من قبل هؤلاء المكذبيك من قريش أكثر عددا من هؤلاء وأشد بطشا، وأقوى قوة، وأبقى في الأرض آثارا، لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ويتخذون مصانع وكان مجاهد يقول في ذلك ما: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وآثارا في الأرض} [غافر: 21] «المشي بأرجلهم» {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} [الحجر: 84] يقول: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال، ولم يدفع عنهم ذلك شيئا، ولكنهم بادوا جميعا فهلكوا وقد قيل: إن معنى قوله: {فما أغنى عنهم} [الحجر: 84] فأي شيء أغنى عنهم؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون «ما» الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. يقول: فلهؤلاء المجادليك من قومك يا محمد في أولئك معتبر إن اعتبروا، ومتعظ إن اتعظوا، وإن بأسنا إذا حل 20P372 بالقوم المجرمين لم يدفعه دافع، ولم يمنعه مانع، وهو بهم إن لم ينيبوا إلى تصديقك واقع 20P371
[غافر: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [غافر: 83] يقول تعالى ذكره: فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذبة رسلها رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم بالبينات، يعني: بالواضحات من حجج الله عز وجل {فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] يقول: فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نبعث، ولن يعذبنا الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله {فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] قال: " قولهم: نحن أعلم منهم، لن نعذب، ولن نبعث " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي {فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] «بجهالتهم» وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية 20P373 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] «ما جاءتهم به رسلهم من الحق» 20P373 [غافر: 84] القول في تأويل قوله تعالى. {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} [غافر: 84] يقول تعالى ذكره: فلما رأت هذه الأمم المكذبة رسلها بأسنا، يعني عقاب الله الذي وعدتهم به رسلهم قد حل بهم كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فلما رأوا بأسنا} [غافر: 84] قال: «النقمات التي نزلت بهم» وقوله {قالوا آمنا بالله وحده} [غافر: 84] يقول: قالوا: أقررنا بتوحيد الله، وصدقنا أنه لا إله غيره {وكفرنا بما كنا به مشركين} [غافر: 84] يقول: وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه، ونتخذها آلهة، فبرئنا منها 20P373 [غافر: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 85] يقول تعالى ذكره: فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حل، لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق 20P374 مصدقا، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85] «لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك» وقوله: {سنة الله التي قد خلت في عباده} يقول: ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم، وقبول التوبة منهم، ومراجعتهم الإيمان بالله، وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه، قد نزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه، فلذلك لم يقبلهم ولم يقبل توبتهم في تلك الحال كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {سنة الله التي قد خلت في عباده} يقول: «كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك» وقوله: {وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 85] يقول: وهلك عند مجيء بأس الله، فغبنت صفقته ووضع في بيعه الآخرة بالدنيا، والمغفرة بالعذاب، والإيمان بالكفر، الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم، المتخذون من دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم [041] سورة فصلت مكية وآياتها أربع وخمسون بسم الله الرحمن الرحيم 20P375
[فصلت: 1_2_3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} [فصلت: 1_2_3_4] قال أبو جعفر: قد تقدم القول منا فيما مضى قبل في معنى «حم» والقول في هذا الموضع كالقول في ذلك وقوله: {تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 2] يقول تعالى ذكره: هذا القرآن تنزيل من عند الرحمن الرحيم نزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {كتاب فصلت آياته} [فصلت: 3] يقول: كتاب بينت آياته كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {فصلت آياته} [فصلت: 3] قال: «بينت آياته» وقوله: {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] يقول تعالى ذكره: فصلت آياته هكذا وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب القرآن، فقال بعض نحويي البصرة: قوله {كتاب فصلت} [فصلت: 3] الكتاب خبر لمبتدأ، أخبر أن التنزيل كتاب، ثم قال: {فصلت آياته قرآنا عربيا} [فصلت: 3] شغل الفعل بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب القرآن، وقال: {بشيرا ونذيرا} [البقرة: 119] على أنه صفة، وإن شئت جعلت نصبه على المدح كأنه حين ذكره أقبل في مدحته، فقال: ذكرنا قرآنا عربيا بشيرا ونذيرا، وذكرناه قرآنا عربيا، وكان فيما مضى من ذكره دليل على ما أضمر وقال بعض نحويي الكوفة: نصب قرآنا على الفعل: أي فصلت آياته كذلك قال: وقد يكون النصب فيه على القطع، لأن الكلام تام عند قوله «آياته» قال: ولو كان رفعا على أنه من نعت الكتاب كان صوابا، كما قال في موضع آخر: {كتاب أنزلناه إليك مبارك} [ص: 29] وقال: وكذلك قوله: {بشيرا ونذيرا} [البقرة: 119] فيه ما في {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] وقوله: {لقوم يعلمون} [البقرة: 230] يقول: فصلت آيات هذا الكتاب قرآنا عربيا لقوم يعلمون اللسان العربي بشيرا لهم يبشرهم إن هم آمنوا به، وعملوا بما أنزل فيه من حدود الله وفرائضه بالجنة، {ونذيرا} [البقرة: 119] يقول: ومنذرا من كذب به ولم يعمل بما فيه بأمر الله في عاجل الدنيا، وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة وقوله: {فأعرض أكثرهم} [فصلت: 4] يقول تعالى ذكره: فاستكبر عن الإصغاء له وتدبر ما فيه من حجج الله، وأعرض عنه أكثر هؤلاء القوم الذين أنزل هذا القرآن بشيرا لهم ونذيرا، وهم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فهم لا يصغون له فيسمعوه إعراضا عنه واستكبارا 20P376
[فصلت: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون} [فصلت: 5] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون المعرضون عن آيات الله من مشركي قريش إذ دعاهم محمد نبي الله إلى الإقرار بتوحيد الله وتصديق ما في هذا القرآن من أمر الله ونهيه، وسائر ما أنزل فيه {قلوبنا في أكنة } [فصلت: 5] يقول: في أغطية {مما تدعونا} [هود: 62] يا محمد {إليه} [البقرة: 28] من توحيد الله، وتصديقك فيما جئتنا به، لا نفقه ما تقول {وفي آذاننا وقر} [فصلت: 5] وهو الثقل، لا نسمع ما تدعونا إليه استثقالا لما يدعو إليه وكراهة له وقد مضى البيان قبل عن معاني هذه الأحرف بشواهده، وذكر ما قال أهل التأويل فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع وقد: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] قال: «عليها أغطية كالجعبة للنبل» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {وقالوا: قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] قال: «عليها أغطية» {وفي آذاننا وقر} [فصلت: 5] قال: «صمم» وقوله: {ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5] يقولون: ومن بيننا وبينك يا محمد 20P378 ساتر لا نجتمع من أجله نحن وأنت، فيرى بعضنا بعضا، وذلك الحجاب هو اختلافهم في الدين، لأن دينهم كان عبادة الأوثان، ودين محمد صلى الله عليه وسلم عبادة الله وحده لا شريك له، فذلك هو الحجاب الذي زعموا أنه بينهم وبين نبي الله، وذلك هو خلاف بعضهم بعضا في الدين وقوله: {فاعمل إننا عاملون} [فصلت: 5] يقول: قالوا له صلى الله عليه وسلم: فاعمل يا محمد بدينك وما تقول إنه الحق، إننا عاملون بديننا، وما تقول إنه الحق، ودع دعاءنا إلى ما تدعونا إليه من دينك، فإنا ندع دعاءك إلى ديننا وأدخلت «من» في قوله {ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5] والمعنى: وبيننا وبينك حجاب، توكيدا للكلام 20P378 [فصلت: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} [فصلت: 6_7] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المعرضين عن آيات الله من قومك: أيها القوم، ما أنا إلا بشر من بني آدم مثلكم في الجنس والصورة والهيئة لست بملك {يوحى إلي} [الأنعام: 50] يوحي الله إلي أن لا معبود لكم تصلح عبادته إلا معبود واحد {فاستقيموا إليه} [فصلت: 6] يقول: فاستقيموا إليه بالطاعة، ووجهوا إليه وجوهكم بالرغبة والعبادة دون الآلهة والأوثان {واستغفروه} [فصلت: 6] يقول: وسلوه العفو لكم عن ذنوبكم التي سلفت منكم بالتوبة من شرككم، يتب عليكم ويغفر لكم وقوله: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} [فصلت: 7] يقول تعالى ذكره: وصديد أهل النار، وما يسيل منهم للمدعين لله شريكا العابدين الأوثان دونه الذين لا يؤتون الزكاة اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم، ولا يوحدونه؛ وذلك قول يذكر عن ابن عباس ذكر الرواية بذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] قال: «هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله» حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] «الذين لا يقولون لا إله إلا الله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها وقد ذكرنا أيضا قائلي ذلك قبل وقد: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] قال: «لا يقرون بها ولا يؤمنون بها» وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك؛ وقد كان أهل الردة بعد نبي الله قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا؛ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه؛ والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] قال: «لو زكوا وهم مشركون لم ينفعهم» والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدون زكاة أموالهم؛ وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] دليلا على أن ذلك كذلك، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: {الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] معنى، لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي اتباع الله قوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] قوله {الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7] ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معني بها زكاة الأموال وقوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] يقول: وهم بقيام الساعة، وبعث الله خلقه أحياء من قبورهم، من بعد بلائهم وفنائهم منكرون 20P380
[فصلت: 8_9] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} [فصلت: 8_9] يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله به ورسوله، وانتهوا عما نهاهم عنه، وذلك هو الصالحات من الأعمال {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8] يقول: لمن فعل ذلك أجر غير منقوص عما وعدهم أن يأجرهم عليه وقد اختلف في تأويل ذلك أهل التأويل، وقد بيناه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقد: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8] " قال بعضهم: غير منقوص وقال بعضهم: غير ممنون عليهم " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أجر غير ممنون} [فصلت: 8] يقول: «غير منقوص» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، 20P382 قوله: {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8] قال: «محسوب» وقوله: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} [فصلت: 9] وذلك يوم الأحد ويوم الاثنين؛ وبذلك جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالته العلماء، وقد ذكرنا كثيرا من ذلك فيما مضى قبل، ونذكر بعض ما لم نذكره قبل إن شاء الله ذكر بعض ما لم نذكره فيما مضى من الأخبار بذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال هناد: قرأت سائر الحديث على أبي بكر أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض، قال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة، ثم قال: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وتجعلون له أندادا، ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين لمن سأل قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى 20P383 الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة " قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟
قال: «ثم استوى على العرش» ، قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح؛ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فنزل: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون} حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: " إن الله خلق يوما واحدا فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس؛ قال: فخلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، فذلك قول الناس: هو يوم ثقيل، وخلق مواضع الأنهار والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والهوام والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، ففرغ من خلق كل شيء يوم الجمعة " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {خلق الأرض في يومين} [فصلت: 9] «في الأحد والاثنين» وقد قيل غير ذلك؛ وذلك ما: حدثني القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي قالا: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ 20P384 رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» وقوله: {وتجعلون له أندادا} [فصلت: 9] يقول: وتجعلون لمن خلق ذلك كذلك أندادا، وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي الله، وقد بينا معنى الند بشواهده فيما مضى قبل وقوله: {ذلك رب العالمين} [فصلت: 9] يقول: الذي فعل هذا الفعل، وخلق الأرض في يومين، مالك جميع الجن والإنس، وسائر أجناس الخلق، وكل ما دونه مملوك له، فكيف يجوز أن يكون له ند؟ هل يكون المملوك العاجز الذي لا يقدر على شيء ندا لمالكه القادر عليه؟ 20P384
[فصلت: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 10_11] يقول تعالى ذكره: وجعل في الأرض التي خلق في يومين جبالا رواسي، وهي الثوابت في الأرض من فوقها، يعني: من فوق الأرض على ظهرها وقوله: {وبارك فيها} [فصلت: 10] يقول : وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها وقد ذكر عن السدي في ذلك ما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وبارك فيها} [فصلت: 10] قال: «أنبت شجرها» {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: وقدر فيها أقوات أهلها بمعنى أرزاقهم ومعايشهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «أرزاقها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «قدر فيها أرزاق العباد، ذلك الأقوات» حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] يقول: «أقواتها لأهلها» وقال آخرون: بل معناه: وقدر فيها ما يصلحها ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، عن قتادة، قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «صلاحها» 20P386 وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها جبالها وأنهارها وأشجارها ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] «خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها، وساكنها من الدواب كلها» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها» وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها أقواتها من المطر ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «من المطر» وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش بعضهم من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا أبو محصن، قال: ثنا حسين، 20P387 عن عكرمة، في قوله : {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «اليماني باليمن، والسابري بسابور» حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أبو محصن، عن حصين، قال: قال عكرمة: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] «اليمانية باليمن، والسابرية بسابور، وأشباه هذا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا، عن عكرمة، في قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها، اليماني باليمن، والسابري بسابور» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «البلد يكون فيه القوت أو الشيء لا يكون لغيره، ألا ترى أن السابري إنما يكون بسابور، وأن العصب إنما يكون باليمن، ونحو ذلك» حدثني إسماعيل بن سيف، قال: ثنا ابن عبد الواحد بن زياد، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «السابري بسابور، والطيالسة من 20P388 الري» حدثني إسماعيل، قال: ثنا أبو النضر صاحب البصري، قال: ثنا أبو عوانة، عن مطرف، عن الضحاك، في قوله: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: «السابري بسابور، والطيالسة من الري» في قوله {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] قال: السابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر من اليمن والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] أنه قدر فيها قوتا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرف في البلاد لما خص به بعضا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحلي، ولا قول في ذلك أصح مما قال جل ثناؤه: قدر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة وقال جل ثناؤه: {في أربعة أيام} [فصلت: 10] لما ذكرنا قبل من الخبر الذي روينا عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فرغ من خلق الأرض وجميع أسبابها ومنافعها من الأشجار والماء والمدائن والعمران والخراب في أربعة أيام، أولهن يوم الأحد، وآخرهن يوم الأربعاء حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «خلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء» 20P389 وقال بعض نحويي البصرة: قال خلق الأرض في يومين، ثم قال في أربعة أيام، لأنه يعني أن هذا مع الأول أربعة أيام، كما تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها أمس وقوله: {سواء للسائلين} [فصلت: 10] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله فيه الأرض، وجعل فيها الرواسي من فوقها والبركة، وقدر فيها الأقوات بأهلها، وجده كما أخبر الله أربعة أيام لا يزدن على ذلك ولا ينقصن منه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {سواء للسائلين} [فصلت: 10] «من سأل عن ذلك وجده، كما قال الله» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {سواء للسائلين} [فصلت: 10] قال: «من سأل فهو كما قال الله» حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {في أربعة أيام سواء للسائلين} [فصلت: 10] يقول: «من سأل فهكذا الأمر» وقال آخرون: بل معنى ذلك: سواء لمن سأل ربه شيئا مما به الحاجة إليه من الرزق، فإن الله قد قدر له من الأقوات في الأرض، على قدر مسألة كل سائل منهم لو سأله لما نفذ من علمه فيهم قبل أن يخلقهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله {سواء للسائلين} [فصلت: 10] قال: «قدر ذلك على قدر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون» واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي جعفر والحسن البصري: {سواء} [البقرة: 6] بالنصب وقرأه أبو جعفر القارئ: (سواء) بالرفع وقرأ الحسن: (سواء) بالجر والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار، وذلك قراءته بالنصب لإجماع الحجة من القراء عليه، ولصحة معناه.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?