Taberî — Câmiü'l-Beyân
[محمد: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد: 17_18] يقول تعالى ذكره: وأما الذين وفقهم الله لاتباع الحق، وشرح صدورهم للإيمان به وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد، فإن ما تلوته عليهم، وسمعوه منك {زادهم هدى} [محمد: 17] يقول: زادهم الله بذلك إيمانا إلى إيمانهم، وبيانا لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم وقد ذكر أن الذي تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، فقال أهل النفاق منهم لأهل الإيمان، ماذا قال آنفا، وزاد الله أهل الهدى منهم هدى، كان بعض ما أنزل الله من القرآن ينسخ بعض ما قد كان الحكم مضى به قبل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] قال: «لما أنزل الله القرآن آمنوا به، فكان هدى، فلما تبين الناسخ والمنسوخ زادهم هدى» وقوله: {وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] يقول تعالى ذكره: وأعطى الله هؤلاء المهتدين تقواهم، وذلك استعماله إياهم تقواهم إياه وقوله: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] يقول تعالى ذكره: فهل ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله من أهل الكفر والنفاق إلا الساعة التي وعد الله خلقه بعثهم فيها من قبورهم أحياء، أن تجيئهم فجأة لا يشعرون بمجيئها والمعنى: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة و {أن} [البقرة: 25] من قوله: إلا أن، في موضع نصب بالرد على الساعة، وعلى فتح الألف من {أن تأتيهم} [الأنعام: 158] ونصب {تأتيهم} [الأنعام: 4] بها قراءة أهل الكوفة وقد: حدثت عن الفراء، قال: حدثني أبو جعفر الرؤاسي، قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء: " ما هذه الفاء التي في قوله: {فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] " قال: جواب الجزاء، قال: قلت: «إنها إن تأتيهم» ، قال: فقال: معاذ الله، إنما هي «إن تأتهم» قال الفراء: فظننت أنه أخذها عن أهل مكة، لأنه قرأ، قال الفراء: وهي أيضا في بعض مصاحف الكوفيين بسنة واحدة «تأتهم» ولم يقرأ بها أحد منهم وتأويل الكلام على قراءة من قرأ ذلك بكسر ألف «إن» وجزم «تأتهم» فهل ينظرون إلا الساعة؟
فيجعل الخبر عن انتظار هؤلاء الكفار الساعة متناهيا عند قوله: {إلا الساعة} [محمد: 18] ، ثم يبتدأ الكلام فيقال: إن تأتهم الساعة بغتة فقد جاء أشراطها، فتكون الفاء من قوله: {فقد جاء} [محمد: 18] بجواب الجزاء وقوله: {فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] يقول: فقد جاء هؤلاء الكافرين بالله الساعة 21P207 وأدلتها ومقدماتها، وواحد الأشراط: شرط، كما قال جرير: ترى شرط المعزى مهور نسائهم وفي شرط المعزى لهن مهور ويروى: «ترى قزم المعزى» ، يقال منه: أشرط فلان نفسه: إذا علمها بعلامة، كما قال أوس بن حجر: فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال : ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] يعني: «أشراط الساعة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} [محمد: 18] «قد دنت الساعة ودنا من الله فراغ العباد» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] قال: " أشراطها: آياتها " وقوله: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد: 18] يقول تعالى ذكره: فمن أي وجه لهؤلاء المكذبين بآيات الله ذكرى ما قد ضيعوا وفرطوا فيه من طاعة الله إذا جاءتهم الساعة، يقول: ليس ذلك بوقت ينفعهم التذكر والندم، لأنه وقت مجازاة لا 21P208 وقت استعتاب ولا استعمال وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد: 18] يقول: «إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد: 18] قال: «أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} [محمد: 18] قال: «الساعة، لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم» والذكرى في موضع رفع بقوله: {فأنى لهم} [محمد: 18] لأن تأويل الكلام: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة 21P208
[محمد: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم} [محمد: 19] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاعلم يا محمد أنه لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهة، ويجوز لك وللخلق عبادته، إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه {واستغفر لذنبك} [غافر: 55] وسل ربك 21P209 غفران سالف ذنوبك وحادثها، وذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} [محمد: 19] يقول : فإن الله يعلم متصرفكم فيما تتصرفون فيه في يقظتكم من الأعمال، ومثواكم إذا ثويتم في مضاجعكم للنوم ليلا، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على جميع ذلك وقد: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا إبراهيم بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال رجل من القوم: أستغفر لك يا رسول الله؟ قال: " نعم ولك، ثم قرأ {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] " 21P209
[محمد: 20_21] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} [محمد: 20_21] يقول تعالى ذكره: ويقول الذين صدقوا الله ورسوله: هلا نزلت سورة من الله تأمرنا بجهاد أعداء الله من الكفار {فإذا أنزلت سورة محكمة} [محمد: 20] يعني: أنها 21P210 محكمة بالبيان والفرائض وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله «فإذا أنزلت سورة محدثة» وقوله: {وذكر فيها القتال} [محمد: 20] يقول: وذكر فيها الأمر بقتال المشركين وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال} [محمد: 20] قال: «كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وذكر فيها القتال} [محمد: 20] قال: «كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة» وقوله: {رأيت الذين في قلوبهم مرض} [محمد: 20] يقول: رأيت الذين في قلوبهم شك في دين الله وضعف {ينظرون إليك} [الأعراف: 198] يا محمد، {نظر المغشي عليه من الموت} [محمد: 20] ، خوفا أن تغزيهم وتأمرهم بالجهاد مع المسلمين، فهم خوفا من ذلك وتجبنا عن لقاء العدو ينظرون إليك نظر المغشي عليه الذي قد صرع وإنما عنى بقوله: {من الموت} [الأحزاب: 16] من خوف الموت، وكان هذا فعل أهل النفاق كالذي: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} [محمد: 20] قال: «هؤلاء المنافقون طبع 21P211 الله على قلوبهم، فلا يفقهون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم» وقوله: {فأولى لهم} [محمد: 20] يقول تعالى ذكره: فأولى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض. وقوله: {فأولى لهم} [محمد: 20] وعيد توعد الله به هؤلاء المنافقين كما: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فأولى لهم} [محمد: 20] قال: " هذه وعيد، فأولى لهم، ثم انقطع الكلام فقال: {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {فأولى لهم} [محمد: 20] قال: «وعيد كما تسمعون» وقوله: {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل هؤلاء المنافقين من قبل أن تنزل سورة محكمة، ويذكر فيها القتال، وأنهم إذا قيل لهم: إن الله مفترض عليكم الجهاد، قالوا: سمع وطاعة، فقال الله عز وجل لهم {إذا أنزلت سورة} [التوبة: 86] وفرض القتال فيها عليهم، فشق ذلك عليهم، وكرهوه {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] قبل وجوب الفرض عليكم، فإذا عزم الأمر كرهتموه وشق عليكم وقوله: {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] مرفوع بمضمر، وهو قولكم قبل نزول فرض القتال {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] وروي عن ابن عباس، بإسناد غير مرتضى أنه قال: قال الله تعالى: {فأولى 21P212 لهم} [محمد: 20] ثم قال " للذين آمنوا منهم {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] " فعلى هذا القول تمام الوعيد فأولى، ثم يستأنف بعد، فيقال لهم {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] فتكون الطاعة مرفوعة بقوله: {لهم} [محمد: 20] وكان مجاهد يقول في ذلك كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {طاعة وقول معروف} [محمد: 21] قال: «أمر الله بذلك المنافقين» وقوله: {فإذا عزم الأمر } [محمد: 21] يقول: فإذا وجب القتال وجاء أمر الله بفرض ذلك كرهتموه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فإذا عزم الأمر} [محمد: 21] قال: «إذا جد الأمر، هكذا» قال محمد بن عمرو في حديثه، عن أبي عاصم، وقال الحارث في حديثه، عن الحسن يقول: «جد الأمر» وقوله: {فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} [محمد: 21] يقول تعالى ذكره: فلو صدقوا الله ما وعدوه قبل نزول السورة بالقتال بقولهم: إذ قيل لهم: إن الله سيأمركم 21P213 بالقتال طاعة، فوفوا له بذلك، لكان خيرا لهم في عاجل دنياهم، وآجل معادهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فإذا عزم الأمر} [محمد: 21] يقول: «طواعية الله ورسوله، وقول معروف عند حقائق الأمور خير لهم» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة يقول: «طاعة الله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم» 21P213
[محمد: 22_23] القول في تأويل قوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} [محمد: 22_23] يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نزلت سورة محكمة، وذكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر المغشي عليه {فهل عسيتم} [محمد: 22] أيها القوم، يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنزيل الله جل ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وعما جاءكم به {أن تفسدوا في الأرض} [محمد: 22] يقول: أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء {وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألف به بين قلوبكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {فهل عسيتم إن توليتم} [محمد: 22] الآية يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، 21P214 ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] قال: «فعلوا» حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، وسليمان بن بلال، قالا: ثنا معاوية بن أبي المزرد المديني، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله الخلق، فلما فرغ منهم تعلقت الرحم بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: «أفما ترضين أن أقطع من قطعك، وأصل من وصلك؟» قالت: نعم قال: «فذلك لك» . قال سليمان في حديثه: قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] وقد تأوله بعضهم: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية، وأجمعت القراء غير نافع على فتح السين من {عسيتم} [محمد: 22] ، وكان نافع يكسرها (عسيتم) 21P215 والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القراء عليها، وأنه لم يسمع في الكلام: عسي أخوك يقوم، بكسر السين وفتح الياء؛ ولو كان صوابا كسرها إذا اتصل بها مكنى، جاءت بالكسر مع غير المكنى، وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر، الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنى، وإن التي تلي عسيتم مكسورة، وهي حرف جزاء، و «أن» التي مع تفسدوا في موضع نصب بعسيتم وقوله: {أولئك الذين لعنهم الله} [النساء: 52] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يفعلون هذا، يعني الذين يفسدون ويقطعون الأرحام الذين لعنهم الله، فأبعدهم من رحمته {فأصمهم} [محمد: 23] يقول: فسلبهم فهم ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في تنزيله {وأعمى أبصارهم} [محمد: 23] يقول: وسلبهم عقولهم، فلا يتبينون حجج الله، ولا يتذكرون ما يرون من عبره وأدلته 21P215
[محمد: 24_25] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم} [محمد: 24_25] يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون {أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر 21P216 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] «إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال: " ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: {أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا ثور بن يزيد، قال: ثنا خالد بن معدان، قال: " ما من الناس أحد إلا وله أربع أعين، عينان في وجهه لمعيشته، وعينان في قلبه، وما من أحد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره، عاطف عنقه على عنقه، فاغر فاه إلى ثمرة قلبه، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه ما وعد الله من الغيب، فعمل به، وهما غيب، فعمل بالغيب، وإذا أراد الله بعبد شرا تركه، ثم قرأ {أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو، عن ثور، عن خالد بن معدان بنحوه، إلا أنه قال: ترك القلب على ما فيه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به " وقوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] يقول الله عز وجل إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحق وقصد السبيل، فعرفوا واضح الحجة، ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] «هم أعداء الله أهل الكتاب، يعرفون بعث محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم، ثم يكفرون به» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] «إنهم يجدونه مكتوبا عندهم» وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} [محمد: 25] إلى قوله {فأحبط أعمالهم} [محمد: 28] «هم أهل النفاق» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} [محمد: 25] إلى {إسرارهم} [محمد: 26] «هم أهل النفاق» وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا أشبه منها بصفة أهل الكتاب، وذلك أن الله عز وجل أخبر أن ردتهم كانت بقيلهم {للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} [محمد: 26] ولو كانت من صفة أهل الكتاب لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدوا من أجل قيلهم ما قالوا وقوله: {الشيطان سول لهم} [محمد: 25] يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم، من بعد ما تبين لهم الهدى وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {الشيطان 21P219 سول لهم وأملى لهم} [محمد: 25] يقول: «زين لهم» حدثنا قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سول لهم} [محمد: 25] يقول: «زين لهم» وقوله: {وأملى لهم} [محمد: 25] يقول: ومد الله لهم في آجالهم ملاوة من الدهر، ومعنى الكلام: الشيطان سول لهم، والله أملى لهم.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة {وأملى لهم} [محمد: 25] بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة (وأملي لهم) على وجه ما لم يسم فاعله وقرأ مجاهد فيما ذكر عنه (وأملي) بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جل ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم وأولى هذه القراءات بالصواب التي عليها عامة قراء الحجاز والكوفة من فتح الألف في ذلك، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار، وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه 21P219
[محمد: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} [محمد: 26] 21P220 يقول تعالى ذكره: أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم، والشيطان سول لهم، فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم {قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} [محمد: 26] من الأمر بقتال أهل الشرك به من المنافقين: {سنطيعكم في بعض الأمر} [محمد: 26] الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} [محمد: 26] «فهؤلاء المنافقون» {والله يعلم إسرارهم} [محمد: 26] يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق، على خلاف أمر الله وأمر رسوله، إذ يتسارون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول، ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة (أسرارهم) بفتح الألف من أسرارهم على وجه جماع سر وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {إسرارهم} [محمد: 26] بكسر الألف على أنه مصدر من أسررت إسرارا والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 21P220 [محمد: 27_28] القول في تأويل قوله تعالى: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه 21P221 فأحبط أعمالهم} [محمد: 27_28] يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين، فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة، وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول: فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار: الأعجاز، وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى قبل وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} [محمد: 28] يقول تعالى ذكره: تفعل الملائكة هذا الذي وصفت بهؤلاء المنافقين من أجل أنهم اتبعوا ما أسخط الله، فأغضبه عليهم من طاعة الشيطان {وكرهوا رضوانه} [محمد: 28] يقول: وكرهوا ما يرضيه عنهم من قتال الكفار به، بعد ما افترضه عليهم وقوله: {فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] يقول: فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه، لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته، فبطلت، ولم تنفع عاملها 21P221 [محمد: 29_30] القول في تأويل قوله تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم} [محمد: 29_30] يقول تعالى ذكره: أحسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك في دينهم، وضعف في يقينهم، فهم حيارى في معرفة الحق أن لن يخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين، فيبديه لهم ويظهره، حتى يعرفوا نفاقهم، وحيرتهم في دينهم {ولو نشاء لأريناكهم} [محمد: 30] يقول تعالى ذكره: ولو نشاء 21P222 يا محمد لعرفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل: سأريك ما أصنع، بمعنى سأعلمك وقوله: {فلعرفتهم بسيماهم} [محمد: 30] يقول: فلتعرفنهم بعلامات النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم، وظاهر أفعالهم، ثم إن الله تعالى ذكره عرفه إياهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} [محمد: 29] إلى آخر الآية، قال: " هم أهل النفاق، وقد عرفه إياهم في براءة، فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] وقال: {قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} [محمد: 29] الآية، " هم أهل النفاق {فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] فعرفه الله إياهم في سورة براءة، فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84] وقال {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أم 21P223 حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} [محمد: 29] قال: " هؤلاء المنافقون، قال: والذي أسروا من النفاق هو الكفر " قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} [محمد: 30] قال: " هؤلاء المنافقون، قال: وقد أراه الله إياهم، وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد، قال: فأبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله؛ فلما أبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله حقنت دماؤهم، ونكحوا ونوكحوا بها " وقوله: {ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] يقول: ولتعرفن هؤلاء المنافقين في معنى قولهم نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {في لحن القول} [محمد: 30] قال قولهم: {والله يعلم أعمالكم} [محمد: 30] «لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته، والمخالف ذلك، وهو مجازي جميعكم عليها» 21P223
[محمد: 31_32] القول في تأويل قوله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم} [محمد: 31_32] يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولنبلونكم} [البقرة: 155] أيها المؤمنون بالقتل، وجهاد أعداء الله {حتى نعلم المجاهدين منكم} [محمد: 31] يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم، وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه 21P224 وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم، فنعرف الصادق منكم من الكاذب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} [محمد: 31] ، وقوله: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [البقرة: 155] ونحو هذا قال: " أخبر الله سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال: {وبشر الصابرين} [البقرة: 155] ثم أخبرهم أنه، هكذا فعل بأنبيائه، وصفوته لتطيب أنفسهم، فقال: {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة: 214] فالبأساء: الفقر، والضراء: السقم، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} [محمد: 31] قال: " نختبركم، البلوى: الاختبار ". وقرأ {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 2] قال: لا يختبرون {ولقد فتنا الذين من قبلهم} [العنكبوت: 3] الآية، واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار بالنون: نبلو 21P225 و {نعلم} [محمد: 31] ، ونبلو على وجه الخبر من الله جل جلاله عن نفسه، سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء والنون هي القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء عليها، وإن كان للأخرى وجه صحيح وقوله: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} [النساء: 167] يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله {وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 32] يقول: وخالفوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فحاربوه وآذوه من بعد ما علموا أنه نبي مبعوث، ورسول مرسل، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته، وأنه لله رسول وقوله: {لن يضروا الله شيئا} [آل عمران: 176] لأن الله بالغ أمره، وناصر رسوله، ومظهره على من عاداه وخالفه {وسيحبط أعمالهم} [محمد: 32] يقول: وسيذهب أعمالهم التي عملوها في الدنيا فلا ينفعهم بها في الدنيا ولا الآخرة، ويبطلها إلا مما يضرهم 21P225
[محمد: 33_34] القول في تأويل قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} [محمد: 33_34] يقول تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] بالله ورسوله {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] في أمرهما ونهيهما {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] يقول: ولا تبطلوا بمعصيتكم إياهما، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] الآية، «من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيئ فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها» وقوله: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار} [محمد: 34] يقول تعالى ذكره: إن الذين أنكروا توحيد الله وصدوا من أراد الإيمان بالله وبرسوله عن ذلك، ففتنوهم عنه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك، ثم ماتوا وهم كفار: يقول: ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرهم {فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] يقول: فلن يعفو الله عما صنع من ذلك، ولكنه يعاقبه عليه، ويفضحه به على رءوس الأشهاد 21P226
[محمد: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] يقول تعالى ذكره: فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبنوا عن قتالهم كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فلا تهنوا} [محمد: 35] قال: «لا تضعفوا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فلا تهنوا} [محمد: 35] «لا تضعف أنت» وقوله: {وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} [محمد: 35] يقول: لا تضعفوا عنهم وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم {والله معكم} [محمد: 35] يقول: والله معكم بالنصر لكم عليهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] فقال بعضهم: معناه: وأنتم أولى بالله منهم وقال بعضهم مثل الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك، وقال معنى قوله: {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] أنتم أولى بالله منهم حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدث، عن قتادة، في قوله: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] قال: «أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] قال: «لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها، ودعتها إلى الموادعة، وأنتم أولى بالله منهم والله معكم» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] قال: «لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت إلى صاحبتها 21P228 » {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] قال: يقول: «وأنتم أولى بالله منهم» ذكر من قال معنى قوله: {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] : أنتم الغالبون الأعز منهم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وأنتم الأعلون} [آل عمران : 139] قال: «الغالبون مثل يوم أحد، تكون عليهم الدائرة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} [محمد: 35] قال: «هذا منسوخ» ، قال: «نسخه القتال والجهاد» يقول: لا تضعف أنت وتدعوهم أنت إلى السلم وأنت الأعلى، قال: وهذا حين كانت العهود والهدنة فيما بينه وبين المشركين قبل أن يكون القتال، يقول: لا تهن فتضعف، فيرى أنك تدعو إلى السلم وأنت فوقه، وأعز منه {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] أنتم أعز منهم، ثم جاء القتال بعد فنسخ هذا أجمع، فأمره بجهادهم والغلظة عليهم وقد قيل: عنى بقوله: {وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139] وأنتم الغالبون آخر الأمر، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وقهروكم في بعض الحروب وقوله: {فلا تهنوا} [محمد: 35] جزم بالنهي، وفي قوله {وتدعوا} [محمد: 35] وجهان: أحدهما الجزم على العطف على تهنوا، فيكون معنى الكلام: فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، والآخر النصب على الصرف 21P229 وقوله: {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] يقول: ولن يظلمكم أجور أعمالكم فينقصكم ثوابها، من قولهم: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا، فأخذت له مالا غصبا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله يقول: {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] يقول: «لن يظلمكم أجور أعمالكم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] قال: «لن ينقصكم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] : «أي لن يظلمكم أعمالكم» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولن 21P230 يتركم أعمالكم} [محمد: 35] قال: «لن يظلمكم أعمالكم، ذلك يتركم» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] قال: «لن يظلمكم أعمالكم» 21P230
[محمد: 36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم} [محمد: 36_37] يقول تعالى ذكره حاضا عباده المؤمنين على جهاد أعدائه، والنفقة في سبيله، وبذل مهجتهم في قتال أهل الكفر به: قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله، وطلب رضاه فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو، يضمحل فيذهب ويندرس فيمر، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} [محمد: 36] يقول: وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها، فلعب ولهو، فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وهو الذي يبقى لكم منها، ولا يبطل بطول اللهو واللعب، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم وحاجتكم إلى أعمالكم {ولا يسألكم أموالكم} [محمد: 36] يقول: ولا يسألكم ربكم أموالكم، ولكنه يكلفكم توحيده، وخلع ما سواه من الأنداد، وإفراد الألوهة والطاعة له {إن يسألكموها} [محمد: 37] : يقول جل ثناؤه: إن يسألكم ربكم أموالكم {فيحفكم} [محمد: 37] يقول: فيجهدكم بالمسألة، ويلح عليكم بطلبها منكم فيلحف، {تبخلوا} [محمد: 37] : يقول: تبخلوا بها وتمنعوها إياه، ضنا منكم بها، ولكنه علم ذلك منكم، ومن ضيق أنفسكم فلم يسألكموها وقوله: {ويخرج أضغانكم} [محمد: 37] يقول: ويخرج جل ثناؤه لو سألكم أموالكم بمسألته ذلك منكم أضغانكم قال: قد علم الله أن في مسألته المال خروج الأضغان حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فيحفكم تبخلوا} [محمد: 37] قال: " الإحفاء: أن تأخذ كل شيء بيديك " 21P231
[محمد: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: {ها أنتم} أيها الناس {هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} [محمد: 38] يقول: تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونصرة دينه {فمنكم من يبخل} [محمد: 38] بالنفقة فيه، وأدخلت «ها» في موضعين، لأن العرب إذا أرادت التقريب جعلت المكني بين «ها» وبين «ذا» ، فقالت: ها أنت ذا قائما، لأن التقريب جواب الكلام، فربما أعادت «ها» مع «ذا» ، وربما اجتزأت بالأولى، وقد حذفت الثانية، ولا يقدمون أنتم قبل «ها» ، لأن ها جواب فلا تقرب بها بعد الكلمة وقال بعض نحويي البصرة: جعل التنبيه في موضعين للتوكيد وقوله: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} [محمد: 38] يقول تعالى ذكره: ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله، فإنما يبخل عن بخل نفسه، لأن نفسه لو كانت جوادا لم تبخل بالنفقة في سبيل الله، ولكن كانت تجود بها {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] يقول تعالى ذكره: ولا حاجة لله أيها الناس إلى أموالكم ولا نفقاتكم، لأنه الغني عن خلقه والخلق الفقراء إليه، وأنتم من خلقه، فأنتم الفقراء إليه، وإنما حضكم على النفقة في سبيله، ليكسبكم بذلك الجزيل من ثوابه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء} قال: «ليس بالله تعالى ذكره إليكم حاجة وأنتم أحوج إليه» وقوله تعالى ذكره: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] يقول تعالى ذكره: وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فترتدوا راجعين عنه {يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] يقول: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلا منكم يصدقون به، ويعملون بشرائعه {ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] يقول: ثم لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله، ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يؤمرون به 21P233 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] يقول: «إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قوما غيركم، قادر والله ربنا على ذلك، على أن يهلكهم، ويأتي من بعدهم من هو خير منهم» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] قال: «إن تولوا عن طاعة الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] وذكر أنه عنى بقوله: {يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] : العجم من عجم فارس ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بزيع البغدادي أبو سعيد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استبدلوا بنا، قال: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، فقال: «من هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو أن الدين تعلق بالثريا لنالته رجال من أهل فارس» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟
فضرب على فخذ سلمان قال: «هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: ثنا عبد الله بن الوليد العدني، قال: ثنا مسلم بن خالد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: نزلت هذه الآية وسلمان الفارسي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحك ركبته ركبته {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] قالوا: يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب فخذ سلمان ثم قال: «هذا وقومه» وقال مجاهد في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {يستبدل قوما غيركم} [محمد: 38] «من شاء» وقال آخرون: هم أهل اليمن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عوف الطائي، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثنا راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وشريح بن عبيد، في قوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] قال: «أهل اليمن»
[048] سورة الفتح مدنية وآياتها تسع وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم 21P236
[الفتح: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا} [الفتح: 2] يعني بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكما لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر، لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربك، ما تقدم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته. وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله عز وجل {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 1] على صحته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه تواب على من فعل ذلك، ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره : {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] إنما هو خبر من الله جل ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له، على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها وبعد ففي صحة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم حتى ترم قدماه، فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ » ، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله تبارك وتعالى، إنما وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم غفران ذنوبه المتقدمة فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه التي أنعمها عليه وكذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة» ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على الوجه الذي ذكرنا، لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبي الله صلى الله عليه وسلم ربه جل جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه عز وجل غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى، لأنه من المحال أن يقال: اللهم اغفر لي ذنبا لم أعمله وقد تأول ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1] وأما الفتح الذي وعد الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم هذه العدة على شكره إياه عليه، فإنه فيما ذكر الهدنة التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش بالحديبية وذكر أن هذه السورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة التي جرت بينه وبين قومه وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال: «قضينا لك قضاء مبينا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] " والفتح: القضاء " ذكر الرواية عمن قال: هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ذكرت حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال: «الحديبية» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 21P239 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال: «نحره بالحديبية وحلقه» حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أبو بحر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «افعلوا كما كنتم تفعلون، فكذلك من نام أو نسي» قال: وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه اشتد عليه؛ فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر ، قال: سمعت أبي يحدث، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين 21P240 نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله عز وجل: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطا مستقيما} [الفتح: 2] أو كما شاء الله، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال: «لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعا» ، فقرأ {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] إلى قوله: {عزيزا} [النساء: 56] فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} [الفتح: 5] إلى قوله: {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} [الفتح: 5] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أنس، قال: أنزلت هذه الآية، فذكر نحوه 21P241 حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بنحوه، غير أنه قال في حديثه: فقال رجل من القوم: هنيئا لك مريئا يا رسول الله، وقال أيضا: فبين الله ماذا يفعل بنبيه عليه الصلاة والسلام، وماذا يفعل بهم حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض» ، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا يا نبي الله، قد بين الله تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟
فنزلت عليه: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] إلى قوله: {فوزا عظيما} [النساء: 73] حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، قال: " لما نزلت هذه الآية {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما} [الفتح: 2] قالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم} [الفتح: 5] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس في هذه الآية {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] قال: «الحديبية» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: «ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: تكلم سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى» ، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني أبدا» ، قال: فرجع وهو متغيظ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال : بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، لن يضيعه الله أبدا، قال: فنزلت سورة الفتح، 21P243 فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: «نعم» حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: «ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: " تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة مئة، والحديبية: بئر " حدثني موسى بن سهل الرملي، ثنا محمد بن عيسى، قال: ثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، قال: سمعت أبي يحدث، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن، قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا 21P244 لك فتحا مبينا ليغفر لك الله} [الفتح: 2] فقال رجل: أو فتح هو يا رسول الله؟
قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح» ، قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، وكان الجيش ألفا وخمس مائة، فيهم ثلاث مئة فارس، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: " نزلت {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وبظهور الروم على فارس " وقوله تعالى: {ويتم نعمته عليك} [يوسف: 6] بإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة {ويهديك صراطا مستقيما} [الفتح: 2] 21P245 يقول: ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج فيه يستقيم بك إلى رضا ربك {وينصرك الله نصرا عزيزا} [الفتح: 3] يقول: وينصرك على سائر أعدائك، ومن ناوأك نصرا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، للبأس الذي يؤيدك الله به، وبالظفر الذي يمدك به 21P244
[الفتح: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما} [الفتح: 4] يعني جل ذكره بقوله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} [الفتح: 4] الله أنزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله إلى الإيمان، والحق الذي بعثك الله به يا محمد وقد مضى ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى السكينة قبل، والصحيح من القول في ذلك بالشواهد المغنية، عن إعادتها في هذا الموضع {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] يقول: ليزدادوا بتصديقهم بما جدد الله من الفرائض التي ألزمهموها، التي لم تكن لهم لازمة {إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] يقول: ليزدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمة قبل ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 21P246 في قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} [الفتح: 4] قال: " السكينة: الرحمة " {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] قال: «إن الله جل ثناؤه بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم» ، فقال {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] قال ابن عباس: «فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السماوات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله» وقوله: {ولله جنود السموات والأرض} يقول تعالى ذكره: ولله جنود السماوات والأرض، أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه {وكان الله عليما حكيما} [النساء: 17] يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا علم بما هو كائن قبل كونه، وما خلقه عاملوه، حكيما في تدبيره 21P246 [الفتح: ] القول في تأويل قوله تعالى: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} يقول تعالى ذكره: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لتشكر ربك، وتحمده على ذلك، فيغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وليحمد ربهم المؤمنون بالله، ويشكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الذي فتحه، وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين، بإظهاره إياهم عليهم، فيدخلهم بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها إلى غير نهاية وليكفر عنهم سيئ أعمالهم بالحسنات التي يعملونها شكرا منهم لربهم على ما قضى لهم، وأنعم عليهم به {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} [الفتح: 5] يقول تعالى ذكره: وكان ما وعدهم الله به من هذه العدة، وذلك إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وتكفيره سيئاتهم بحسنات أعمالهم التي يعملونها عند الله لهم {فوزا عظيما} [النساء: 73] يقول: ظفرا منهم بما كانوا تأملوه ويسعون له، ونجاة مما كانوا يحذرونه من عذاب الله عظيما وقد تقدم ذكر الرواية أن هذه الآية نزلت لما قال المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تلا عليهم قول الله عز وجل {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] هذا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ تبيينا من الله لهم ما هو فاعل بهم حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] إلى قوله: {ويكفر عنهم سيئاتهم} [الفتح: 5] «فأعلم الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام» وقوله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} [الفتح: 5] على اللام من قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} [الفتح: 2] بتأويل تكرير الكلام {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله} [الفتح: 2] إنا فتحنا لك ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، ولذلك لم تدخل الواو التي تدخل في الكلام للعطف، فلم يقل: وليدخل المؤمنين 21P247
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?