Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الفتح: ] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، وليعذب المنافقين والمنافقات، بفتح الله لك يا محمد، ما فتح لك من نصرك على مشركي قريش، فيكبتوا لذلك ويحزنوا، ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن والتولي عنك في عاجل الدنيا، وصلي النار والخلود فيها في آجل الآخرة {والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73] يقول: وليعذب كذلك أيضا المشركين والمشركات {الظانين بالله} [الفتح: 6] أنه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع، يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء، يعني دائرة العذاب تدور عليهم به واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة {دائرة السوء} [التوبة: 98] بفتح السين وقرأ بعض قراء البصرة (دائرة السوء) بضم السين وكان الفراء يقول: الفتح أفشى في السين؛ قال: وقلما تقول العرب دائرة السوء بضم السين، والفتح في السين أعجب إلي من الضم، لأن العرب تقول: هو رجل سوء، بفتح السين؛ ولا تقول: هو رجل سوء وقوله: {وغضب الله عليهم} [الفتح: 6] يقول: ونالهم الله بغضب منه، ولعنهم: يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته {وأعد لهم جهنم} [الفتح: 6] يقول: وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة {وساءت مصيرا} [النساء: 97] يقول: وساءت جهنم منزلا يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات وقوله: {ولله جنود السموات والأرض} يقول جل ثناؤه: ولله جنود السماوات والأرض أنصارا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم، وسارعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا عزة، لا يغلبه غالب، ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع، لعظم سلطانه وقدرته، حكيم في تدبيره خلقه {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إنا أرسلناك} [البقرة: 119] يا محمد {شاهدا} [الأحزاب: 45] على أمتك بما أجابوك فيما دعوتهم إليه، مما أرسلتك به إليهم من الرسالة، {ومبشرا} [الأحزاب: 45] لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دعوتهم إليه من الدين القيم، ونذيرا لهم عذاب الله إن هم تولوا عما جئتهم به من عند ربك. ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه} [الفتح: 9] فقرأ جميع ذلك عامة قراء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء، بالتاء {لتؤمنوا} [الفتح: 9] ، {وتعزروه، وتوقروه، وتسبحوه} [الفتح: 9] بمعنى: لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء: (ليؤمنوا) .
(ويعزروه ويوقروه ويسبحوه) بمعنى: إنا أرسلناك شاهدا إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} [الأحزاب: 45] يقول: «شاهدا على أمته على أنه قد بلغهم ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا من النار» وقوله: {وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال 21P251 بعضهم: تجلوه، وتعظموه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وتعزروه} [الفتح: 9] يعني: «الإجلال» {وتوقروه} [الفتح: 9] يعني: «التعظيم» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] «كل هذا تعظيم وإجلال» وقال آخرون: معنى قوله: {وتعزروه} [الفتح: 9] وينصروه، ومعنى {وتوقروه} [الفتح: 9] ويفخموه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وتعزروه} [الفتح: 9] ينصروه {وتوقروه} [الفتح: 9] «أمر الله بتسويده وتفخيمه» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وتعزروه} [الفتح: 9] قال: " ينصروه، {وتوقروه} [الفتح: 9] : أي ليعظموه " حدثني أبو هريرة الضبعي، قال: ثنا حرمي، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن عكرمة، {وتعزروه} [الفتح: 9] قال: «يقاتلون معه بالسيف» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني هشيم، عن أبي بشر، عن عكرمة، مثله حدثني أحمد بن الوليد، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن سعيد، عن أبي بشر، عن عكرمة، بنحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عكرمة، مثله وقال آخرون: معنى ذلك: ويعظموه ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] قال: «الطاعة لله» وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا 21P253 الموضع فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم وقوله: {وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات والهاء في قوله: {وتسبحوه} [الفتح: 9] من ذكر الله وحده دون الرسول وقد ذكر أن ذلك في بعض القراءات: «ويسبحوا الله بكرة وأصيلا» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، « (ويسبحوه بكرة وأصيلا) في بعض القراءة» ويسبحوا الله بكرة وأصيلا " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في بعض الحروف «ويسبحوا الله بكرة وأصيلا» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " (ويسبحوه بكرة وأصيلا) يقول: «يسبحون الله رجع إلى نفسه» 21P253
[الفتح: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يبايعونك} [الفتح: 10] بالحديبية من أصحابك على أن لا يفروا عند لقاء العدو، ولا يولوهم الأدبار {إنما يبايعون الله} [الفتح: 10] يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إن الذين يبايعونك} [الفتح: 10] قال: «يوم الحديبية» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] «وهم الذين بايعوا يوم الحديبية» وفي قوله: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ والآخر: قوة الله 21P255 فوق قوتهم في نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته على العدو وقوله: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] يقول تعالى ذكره: فمن نكث بيعته إياك يا محمد، ونقضها فلم ينصرك على أعدائك، وخالف ما وعد ربه {فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] يقول: فإنما ينقض بيعته، لأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده الله الجنة بوفائه بالبيعة، فلم يضر بنكثه غير نفسه، ولم ينكث إلا عليها، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله تبارك وتعالى ناصره على أعدائه، نكث الناكث منهم، أو وفى ببيعته وقوله: {ومن أوفى بما عاهد عليه الله} [الفتح: 10] الآية، يقول تعالى ذكره: ومن أوفى بما عاهد الله عليه من الصبر عند لقاء العدو في سبيل الله ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه {فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] يقول: فسيعطيه الله ثوابا عظيما، وذلك أن يدخله الجنة جزاء له على وفائه بما عاهد عليه الله، ووثق لرسوله على الصبر معه عند البأس بالمؤكدة من الأيمان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] «وهي الجنة» 21P255
[الفتح: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا} [الفتح: 11] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول لك يا محمد الذين خلفهم الله في أهليهم عن صحبتك والخروج معك في سفرك الذي سافرت، ومسيرك الذي سرت إلى مكة معتمرا زائرا بيت الله الحرام إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلف عنك، شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وإصلاح معايشنا وأهلونا، فاستغفر لنا ربنا لتخلفنا عنك قال الله جل ثناؤه مكذبهم في قيلهم ذلك: يقول هؤلاء الأعراب المخلفون عنك بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وذلك مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم، يقول: يسألونه بغير توبة منهم ولا ندم على ما سلف منهم من معصية الله في تخلفهم عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسير معه {قل فمن يملك لكم من الله شيئا} [الفتح: 11] يقول تعالى ذكره لنبيه: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لتخلفهم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد الله هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعا بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد الله بكم من خير أو شر، والله لا يعازه أحد، ولا يغالبه غالب وقوله: {بل كان الله بما تعملون خبيرا} [الفتح: 11] يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يظن هؤلاء المنافقون من الأعراب أن الله لا يعلم ما هم عليها منطوون من النفاق، بل لم يزل الله بما يعملون من خير وشر خبيرا، لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، سرها وعلانيتها، وهو محصيها عليهم حتى يجازيهم بها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر العرب ومن حول مدينته من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه حذرا من قومه قريش أن يعرضوا له الحرب، أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم بالعمرة، وساق معه الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا خلافه فهم الذين عنى الله تبارك وتعالى بقوله: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا} [الفتح: 11] الآية وكالذي قلنا في ذلك قال أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه، منهم ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق بذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا} [الفتح: 11] قال: " أعراب المدينة: جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوه، فقتلوا أصحابه فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل " 21P258 واختلفت القراء في قراءة قوله: {إن أراد بكم ضرا} [الفتح: 11] فقرأته قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة {ضرا} [المائدة: 76] بفتح الضاد، بمعنى: الضر الذي هو خلاف النفع وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (ضرا) بضم الضاد، بمعنى البؤس والسقم وأعجب القراءتين إلي الفتح في الضاد في هذا الموضع بقوله: {أو أراد بكم نفعا } [الفتح: 11] فمعلوم أن خلاف النفع الضر، وإن كانت الأخرى صحيحا معناها 21P257
[الفتح: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] يقول تعالى ذكره لهؤلاء الأعراب المعتذرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من سفره إليهم بقولهم: {شغلتنا أموالنا وأهلونا} [الفتح: 11] ما تخلفتم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شخص عنكم، وقعدتم عن صحبته من أجل شغلكم بأموالكم وأهليكم، بل تخلفتم بعده في منازلكم، ظنا منكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه سيهلكون، فلا يرجعون إليكم أبدا باستئصال العدو إياهم وزين ذلك في قلوبكم، وحسن الشيطان ذلك في قلوبكم، وصححه عندكم حتى حسن عندكم التخلف عنه، فقعدتم عن صحبته {وظننتم ظن السوء} [الفتح: 12] يقول: وظننتم أن الله لن ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدو سيقهرونهم ويغلبونهم فيقتلونهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سيقول لك المخلفون من الأعراب} [الفتح: 11] إلى قوله: {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] قال: «ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم» وقوله: {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] يقول: وكنتم قوما هلكى لا يصلحون لشيء من الخبر. وقيل: إن البور في لغة أذرعات: الفاسد؛ فأما عند العرب فإنه لا شيء ومنه قول أبي الدرداء: «فأصبح ما جمعوا بورا أي ذاهبا قد صار باطلا لا شيء منه» ؛ ومنه قول حسان بن ثابت: لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد يهدي الإله سبيل المعشر البور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] قال: «فاسدين » وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] قال: «البور الذي ليس فيه من الخير شيء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] قال: «هالكين» 21P260 [الفتح: ] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما} يقول تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين من الأعراب ومن لم يؤمن أيها الأعراب بالله ورسوله منكم ومن غيركم، فيصدقه على ما أخبر به، ويقر بما جاء به من الحق من عند ربه، فإنا أعددنا لهم جميعا سعيرا من النار تستعر عليهم في جهنم إذا وردوها يوم القيامة؛ يقال من ذلك: سعرت النار: إذا أوقدتها، فأنا أسعرها سعرا؛ ويقال: سعرتها أيضا إذا حركتها وإنما قيل للمسعر مسعر، لأنه يحرك به النار، ومنه قولهم: إنه لمسعر حرب: يراد به موقدها ومهيجها وقوله: {ولله ملك السموات والأرض} يقول تعالى ذكره: ولله سلطان السماوات والأرض، فلا أحد يقدر أيها المنافقون على دفعه عما أراد بكم من تعذيب على نفاقكم إن أصررتم عليه أو منعه من عفوه عنكم إن عفا، إن أنتم تبتم من نفاقكم وكفركم، 21P261 وهذا من الله جل ثناؤه حث لهؤلاء الأعراب المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على التوبة والمراجعة إلى أمر الله في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: بادروا بالتوبة من تخلفكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله يغفر للتائبين {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] يقول: ولم يزل الله ذا عفو عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبهم ومعاصيهم من عباده، وذا رحمة بهم أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد توبتهم منها 21P260
[الفتح: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} [الفتح: 15] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرت معتمرا تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة {لتأخذوها} [الفتح: 15] وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر {ذرونا نتبعكم} [الفتح: 15] إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] يقول: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضا من غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 21P262 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " رجع، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، فوعده الله مغانم كثيرة، فعجلت له خيبر، فقال المخلفون {ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] وهي المغانم ليأخذوها، التي قال الله جل ثناؤه: {إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} [الفتح: 15] وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل، من أصحابه، عن مقسم، قال: " لما وعدهم الله أن يفتح عليهم خيبر، وكان الله قد وعدها من شهد الحديبية لم يعط أحدا غيرهم منها شيئا، فلما علم المنافقون أنها الغنيمة قالوا: {ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] يقول: ما وعدهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {سيقول المخلفون إذا انطلقتم} [الفتح: 15] الآية، «وهم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية» ذكر لنا أن المشركين لما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية عن المسجد الحرام والهدي، قال المقداد: يا نبي الله، إنا والله لا نقول كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؛ فلما سمع ذلك أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم تبايعوا على ما قال؛ فلما رأى ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا، ورجع من عامه ذلك وقال آخرون: بل عنى بقوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] إرادتهم الخروج مع نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقد قال الله تبارك وتعالى {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم} [الفتح: 15] الآية، «قال الله عز وجل حين رجع من غزوه» ، {فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] الآية " يريدون أن يبدلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه صلى الله عليه وسلم " وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله عز وجل {فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] إنما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، وعنى به الذين تخلفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضا، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنيا بقول الله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص معتمرا يريد البيت، فصده المشركون عن البيت، الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: {فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] فإذ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في ذلك: ما قاله مجاهد وقتادة على ما قد بينا واختلفت القراء في قراءة قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة {كلام الله} [البقرة: 75] على وجه المصدر، بإثبات الألف وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة (كلم الله) بغير ألف، بمعنى جمع كلمة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كنت إلى قراءته بالألف أميل وقوله: {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} [الفتح: 15] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المخلفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم لقتالهم {كذلكم قال الله من قبل} [الفتح: 15] يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مرجعنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا إلى خيبر، لأن غنيمتها لغيركم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كذلكم قال الله من قبل} [الفتح: 15] «أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب» وقوله: {فسيقولون بل تحسدوننا} [الفتح: 15] أن نصيب معكم مغنما إن نحن شهدنا معكم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فسيقولون بل تحسدوننا} [الفتح: 15] «أن نصيب معكم غنائم» وقوله: {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} [الفتح: 15] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب من أنكم إنما تمنعونهم من اتباعكم حسدا منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدو مغنما، بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين إلا قليلا يسيرا، ولو عقلوا ذلك ما قالوا لرسول الله والمؤمنين به، وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرمهم غنائم خيبر، إنما تمنعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسدوننا 21P265
[الفتح: ] القول في تأويل قوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد {للمخلفين من الأعراب} [الفتح: 16] عن 21P266 المسير معك، {ستدعون إلى} [الفتح: 16] قتال {قوم أولي بأس} [الفتح: 16] في القتال {شديد} [البقرة: 165] واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عز وجل عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يدعون إلى قتالهم، فقال بعضهم: هم أهل فارس ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، {أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] «أهل فارس» حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا داود بن الزبرقان، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: «فارس والروم» قال: أخبرنا داود، عن سعيد، عن الحسن، مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: «هم فارس والروم» حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 21P267 قوله: {أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] قال: «هم فارس» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: قال الحسن: «دعوا إلى فارس والروم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: «فارس والروم» وقال آخرون: هم هوازن بحنين ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، في قوله: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: هوازن " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير وعكرمة في هذه الآية {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] قال: «هوازن وثقيف» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] قال: «هي هوازن وغطفان يوم حنين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] «فدعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف 21P268 فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد» وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، {أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] قال: «بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، «أنهما كانا يزيدان فيه هوازن وبني حنيفة» وقال آخرون: لم تأت هذه الآية بعد ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة، {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] لم تأت هذه الآية وقال آخرون: هم الروم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، 21P269 قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعي، عن كعب، قال: {أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] قال: «الروم» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال، ونجدة في الحروب، ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعني بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عنى بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عنى بهم غيرهم، ولا قول فيه أصح من أن يقال كما قال الله جل ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد وقوله: {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] يقول تعالى ذكره للمخلفين من الأعراب تقاتلون هؤلاء الذين تدعون إلى قتالهم، أو يسلمون من غير حرب ولا قتال وقد ذكر أن ذلك في بعض القراءات «تقاتلونهم أو يسلموا» ، وعلى هذه القراءة وإن كانت على خلاف مصاحف أهل الأمصار، وخلافا لما عليه الحجة من القراء، وغير جائز عندي القراءة بها لذلك تأويل ذلك: تقاتلونهم أبدا إلا أن يسلموا، أو حتى يسلموا وقوله: {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} [الفتح: 16] يقول تعالى ذكره فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولي البأس الشديد، فتجيبوا إلى قتالهم والجهاد مع المؤمنين {يؤتكم الله أجرا حسنا} [الفتح: 16] يقول: يعطكم الله على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنة، وهي الأجر الحسن {وإن تتولوا كما توليتم من قبل} [الفتح: 16] يقول: وإن تعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته وتخالفوا أمره، فتتركوا قتال الأولي البأس الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم {كما توليتم من قبل} [الفتح: 16] يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، من قبل أن تدعوا إلى قتال أولي البأس الشديد {يعذبكم الله عذابا أليما} يعني: وجيعا، وذلك عذاب النار على عصيانكم إياه، وترككم جهادهم وقتالهم مع المؤمنين 21P270
[الفتح: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما} [الفتح: 17] يقول تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم أيها الناس ضيق، ولا على الأعرج ضيق، ولا على المريض ضيق أن يتخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين، وشهود الحرب معهم إذا هم لقوا عدوهم، للعلل التي بهم، والأسباب التي تمنعهم من شهودها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [الفتح: 17] قال: «هذا كله في الجهاد» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ثم عذر الله أهل العذر من الناس، فقال: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [الفتح: 17] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [الفتح: 17] قال: «في الجهاد في سبيل الله» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ليس على الأعمى حرج} [الفتح: 17] الآية، «يعني في القتال» وقوله: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [النساء: 13] يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك، وإلى القتال مع المؤمنين ابتغاء وجه الله إذا دعي إلى ذلك، يدخله الله يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار {ومن يتول} [المائدة: 56] يقول: ومن يعص الله ورسوله، فيتخلف عن قتال أهل الشرك بالله إذا دعي إليه، ولم يستجب لدعاء الله ورسوله يعذبه عذابا موجعا، وذلك عذاب جهنم يوم القيامة 21P271
[الفتح: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما} [الفتح: 19] يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين {إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] يعني بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم: ألفا وأربع مئة، وفي قول بعضهم: ألفا وخمس مائة، وفي قول بعضهم: ألفا وثلاث مئة ذكر الرواية بما وصفنا من سبب هذه البيعة: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدثني من لا أتهم، عن عكرمة، مولى ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليهم، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابته، فحمله بين يديه، ثم ردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن عثمان قد قتل، قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم» ، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكنه بايعنا على أن لا نفر، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، قد اختبأ إليها، يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا 21P274 موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة، قال: قال سلمة: " بينما نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس صلوات الله عليه، قال: فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت شجرة سمرة، قال: فبايعناه، وذلك قول الله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] " حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر ، قال: «كان أول من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: «كان جدي يقال له حزن، وكان ممن بايع تحت الشجرة، فأتيناها من قابل، فعميت علينا» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أنه بلغه أن الناس، بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ما استطعتم» والشجرة التي بويع تحتها بفج نحو مكة، وزعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت، فجعل بعضهم يقول هنا، وبعضهم يقول: ههنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا التكلف فذهبت الشجرة وكانت سمرة إما ذهب بها سيل، وإما شيء سوى ذلك.
ذكر عدد الذين بايعوا هذه البيعة: وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في عددهم، ونذكر الروايات عن قائلي المقالات التي ذكرناها إن شاء الله تعالى ذكر من قال: عددهم ألف وأربعمائة: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: " كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت، قال: فبايعناه كلنا إلا الجد بن قيس اختبأ تحت إبط ناقته " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني القاسم بن عبد الله بن 21P276 عمر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، «أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مئة، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعنا غير الجد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت إبط بعيره» قال جابر: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت» حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: ثنا هشام بن عبد الملك وسعيد بن شرحبيل المصري، قالا: ثنا ليث بن سعد المصري قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: «كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت، يعني النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قيل له: إن جابر بن عبد الله يقول: «إن أصحاب الشجرة كانوا ألفا وخمسمائة» . قال سعيد: نسي جابر هو قال لي كانوا ألفا وأربعمائة حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: «كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مئة» ذكر من قال: كان عدتهم ألفا وخمس مئة وخمسة وعشرين: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {لقد رضي الله عن المؤمنين، إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] قال: «كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمس مئة وخمسة وعشرين» حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فجعلت لهم مغانم خيبر كانوا يومئذ خمس عشرة مئة، وبايعوا على أن لا يفروا عنه» ذكر من قال: كانوا ألفا وثلاث مئة: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، يقول: «كانوا يوم الشجرة ألفا وثلاث مئة، وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين» وقوله: {فعلم ما في قلوبهم} [الفتح: 18] يقول تعالى ذكره: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك {فأنزل السكينة عليهم} [الفتح: 18] يقول: فأنزل 21P278 الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} [الفتح: 18] «أي الصبر والوقار» وقوله: {وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] يقول: وعوضهم في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها فتحا قريبا، وذلك فيما قيل: فتح خيبر ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، {وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] قال: «خيبر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] «وهي خيبر» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] قال: «بلغني أنها خيبر» وقوله: {ومغانم كثيرة يأخذونها} [الفتح: 19] يقول تعالى ذكره: وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، مع ما أكرمهم به من رضاه عنهم، وإنزاله السكينة عليهم، وإثابته إياهم فتحا قريبا، معه مغانم كثيرة يأخذونها من أموال يهود خيبر، فإن الله جعل ذلك خاصة لأهل بيعة الرضوان دون غيرهم وقوله: {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] يقول: وكان الله ذا عزة في انتقامه ممن انتقم من أعدائه، حكيما في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائه 21P279
[الفتح: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا} [الفتح: 21] يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان: {وعدكم الله} [الفتح: 20] أيها القوم {مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20] اختلف أهل التأويل في هذه المغانم التي ذكر الله أنه وعدها هؤلاء القوم أي المغانم هي، فقال بعضهم: هي كل مغنم غنمها الله المؤمنين به من أموال أهل الشرك من لدن أنزل هذه الآية على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20] قال: " المغانم الكثيرة التي 21P280 وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم " وعلى هذا التأويل يحتمل الكلام أن يكون مرادا بالمغانم الثانية المغانم الأولى، ويكون معناه عند ذلك، فأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وعدكم الله أيها القوم هذه المغانم التي تأخذونها، وأنتم إليها واصلون عدة، فجعل لكم الفتح القريب من فتح خيبر ويحتمل أن تكون الثانية غير الأولى، وتكون الأولى من غنائم خيبر، والغنائم الثانية التي وعدهموها من غنائم سائر أهل الشرك سواهم وقال آخرون: هذه المغانم التي وعد الله هؤلاء القوم هي مغانم خيبر ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20] قال: " يوم خيبر، قال: كان أبي يقول ذلك " وقوله: {فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] اختلف أهل التأويل في التي عجلت لهم، فقال جماعة: غنائم خيبر والمؤخرة سائر فتوح المسلمين بعد ذلك الوقت إلى قيام الساعة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] قال: «عجل لكم خيبر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] «وهي خيبر» وقال آخرون: بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] قال: «الصلح» وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها وأما قوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة} [الفتح: 20] فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر، كغنائم هوازن، وغطفان، وفارس، والروم وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر، لأن الله أخبر أنه عجل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها، إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، ولا شك أن التي عجلت لهم غير التي لم تعجل لهم وقوله: {وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان: 21P282 وكف الله أيدي المشركين عنكم ثم اختلف أهل التأويل في الذين كفت أيديهم عنهم من هم؟
فقال بعضهم: هم اليهود كف الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] «عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] قال: «كف أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة» وقال آخرون: بل عنى بذلك أيدي قريش إذ حبسهم الله عنهم، فلم يقدروا له على مكروه والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أن كف الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} [الفتح: 24] فعلم بذلك أن الكف الذي ذكره الله تعالى في قوله: {وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] غير الكف الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم 21P283 وأيديكم عنهم ببطن مكة} [الفتح: 24] وقوله: {ولتكون آية للمؤمنين} [الفتح: 20] يقول: وليكون كفه تعالى ذكره أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به فيعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم، ويتقوا الله في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته، منتهين إلى أمره ونهيه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {ولتكون آية للمؤمنين} [الفتح: 20] يقول: «وذلك آية للمؤمنين، كف أيدي الناس عن عيالهم» {ويهديكم صراطا مستقيما} [الفتح: 20] يقول: ويسددكم أيها المؤمنون طريقا واضحا لا اعوجاج فيه، فيبينه لكم، وهو أن تثقوا في أموركم كلها بربكم، فتتوكلوا عليه في جميعها، ليحوطكم حياطته إياكم في مسيركم إلى مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسكم وأهليكم وأموالكم، فقد رأيتم أثر فعل الله بكم، إذ وثقتم في مسيركم هذا وقوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح: 21] يقول تعالى ذكره ووعدكم أيها القوم ربكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا على فتحها، قد أحاط الله بها 21P284 لكم حتى يفتحها لكم واختلف أهل التأويل في هذه البلدة الأخرى، والقرية الأخرى التي وعدهم فتحها، التي أخبرهم أنه محيط بها، فقال بعضهم: هي أرض فارس والروم، وما يفتحه المسلمون من البلاد إلى قيام الساعة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس، يقول: {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] «فارس والروم» قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، أنه قال في هذه الآية: {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] قال: «فارس والروم» حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا شعبة بن الحجاج، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح: 21] قال: حدث عن الحسن، قال: «هي فارس والروم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 21P285 قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] «ما فتحوا حتى اليوم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] قال: «فارس والروم» وقال آخرون: بل هي خيبر ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] الآية، قال: «هي خيبر» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح: 21] يعني خيبر، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فقال: «لا تمثلوا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح: 21] قال: «خيبر» ، قال: «لم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله بها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] «يعني أهل خيبر» 21P286 وقال آخرون: بل هي مكة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح: 21] «كنا نحدث أنها مكة» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] قال: «بلغنا أنها مكة» وهذا القول الذي قاله قتادة أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها، ومعقول أنه لا يقال لقوم لم يقدروا على هذه المدينة، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذرت عليهم، فأما وهم لم يروموها فتتعذر عليهم فلا يقال: إنهم لم يقدروا عليها فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد قبل نزول هذه الآية عليه خيبر لحرب، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشا ولا سرية، علم أن المعني بقوله: {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح: 21] غيرها، وأنها هي التي قد عالجها ورامها، فتعذرت فكانت مكة وأهلها كذلك، وأخبر الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتحها عليهم، وكان الله على كل ما يشاء من الأشياء ذا قدرة، لا يتعذر عليه شيء شاءه 21P286
[الفتح: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة 21P287 الله تبديلا} [الفتح: 23] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أهل بيعة الرضوان: {ولو قاتلكم الذين كفروا} [الفتح: 22] بالله أيها المؤمنون بمكة {لولوا الأدبار} [الفتح: 22] يقول: لانهزموا عنكم، فولوكم أعجازهم، وكذلك يفعل المنهزم من قرنه في الحرب {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} [الفتح: 22] يقول: ثم لا يجد هؤلاء الكفار المنهزمون عنكم، المولوكم الأدبار، وليا يواليهم على حربكم، ولا نصيرا ينصرهم عليكم، لأن الله تعالى ذكره معكم، ولن يغلب حزب الله ناصره وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} [الفتح: 22] " يعني كفار قريش، قال الله: {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} [الفتح: 22] ينصرهم من الله " وقوله: {سنة الله التي قد خلت من قبل} [الفتح: 23] يقول تعالى ذكره: لو قاتلكم هؤلاء الكفار من قريش، لخذلهم الله حتى يهزمهم عنكم خذلانه أمثالهم من أهل الكفر به، الذين قاتلوا أولياءه من الأمم الذين مضوا قبلهم وأخرج قوله: {سنة الله} [الأحزاب: 38] نصبا من غير لفظه، وذلك أن في قوله: {لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} [الفتح: 22] معنى سننت فيهم الهزيمة والخذلان، فلذلك قيل: {سنة الله} [الأحزاب: 38] مصدرا من معنى الكلام لا من لفظه، وقد يجوز أن تكون تفسيرا لما قبلها من الكلام وقوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولن تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييرا، بل ذلك دائم، للإحسان جزاؤه من الإحسان، وللإساءة والكفر العقاب والنكال 21P288
[الفتح: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا} [الفتح: 24] يقول تعالى ذكره لرسوله صلى الله عليه وسلم: والذين بايعوا بيعة الرضوان {وهو الذي كف أيديهم عنكم} [الفتح: 24] يعني أن الله كف أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالحديبية يلتمسون غرتهم ليصيبوا منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم أسرى، فخلى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عليهم ولم يقتلهم فقال الله للمؤمنين: وهو الذي كف أيدي هؤلاء المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة، من بعد أن أظفركم عليهم وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار ذكر الرواية بذلك: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول، أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثني ثابت البناني، عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصل شجرة بالحديبية، وعلى ظهره غصن من أغصان الشجرة فرفعتها عن ظهره، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه وسهيل بن عمرو، وهو صاحب المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، فأمسك سهيل بيده، فقال: ما نعرف الرحمن، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم» ، فكتب، فقال: «هذا [ص : 289] ما صالح محمد رسول الله أهل مكة» ، فأمسك سهيل بيده، فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولا، اكتب في قضيتنا ما نعرف قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأنا رسول الله» ، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل خرجتم في أمان أحد» ، قال: فخلى عنهم، قال: فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن مغفل، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، فرفعته عن ظهره، ثم ذكر نحو حديث محمد بن علي، عن أبيه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن عكرمة، مولى ابن عباس، «أن قريشا، كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصيبوا من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل» قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: ففي ذلك قال: {وهو الذي 21P290 كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] الآية حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «أقبل معتمرا نبي الله، فأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك الإظفار ببطن مكة» حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن عائشة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، " أن ثمانين رجلا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم، فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] إلى آخر الآية " وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] الآية، قال: بطن مكة الحديبية يقال له رهم: اطلع الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: «هل لكم علي 21P291 عهد؟
هل لكم علي ذمة؟ » قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله في ذلك القرآن {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] إلى قوله: {بما تعملون بصيرا} [الأحزاب: 9] " وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن أبزى، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي، وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر: يا نبي الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع، قال: فبعث إلى المدينة فلم يدع بها كراعا ولا سلاحا إلا حمله؛ فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج علينا في خمس مئة، فقال لخالد بن الوليد: «يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل» ، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، يا رسول الله، ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] إلى قوله {عذابا أليما} [النساء: 18] . قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم وقوله: {وكان الله بما تعملون بصيرا} [الأحزاب: 9] يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم وأعمالهم بصيرا لا يخفى عليه منها شيء 21P292
[الفتح: ] القول في تأويل قوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون من قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدوكم أيها المؤمنون بالله عن دخول المسجد الحرام، وصدوا الهدي معكوفا: يقول: محبوسا عن أن يبلغ محله فموضع «أن» نصب لتعلقه إن شئت بمعكوف، وإن شئت بصدوا وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: وصدوا الهدي معكوفا كراهية أن يبلغ محله وعنى بقوله تعالى ذكره: {أن يبلغ محله} [الفتح: 25] أن يبلغ محل نحره، وذلك دخول الحرم، والموضع الذي إذا صار إليه حل نحره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أنهما حدثاه، قالا: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق الهدي معه سبعين بدنة وكان الناس سبع مئة 21P293 رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة» وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا} [الفتح: 25] " أي محبوسا {أن يبلغ محله} [الفتح: 25] وأقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة، ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية، صدهم المشركون، فصالحهم نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، ثم يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحروا الهدي، وحلقوا، وقصروا، حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة، فأقام بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فجروا عليه حين ردوه، فأقصه الله منهم فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه، فأنزل الله {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وأحمد بن منصور الرمادي، واللفظ لابن عمارة، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وحفص بن فلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصالحوه فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 21P294 فيهم سهيل بن عمرو، قال: «قد سهل الله لكم من أمركم، القوم ماتون إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي، وأظهروا التلبية، لعل ذلك يلين قلوبهم» ، فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا فسألوه الصلح؛ قال: فبينما الناس قد توادعوا وفي المسلمين ناس من المشركين، قال: فقيل به أبو سفيان؛ قال: وإذا الوادي يسيل بالرجال؛ قال: قال إياس، قال سلمة: فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فأتيت بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يسلب ولم يقتل وعفا؛ قال: فشددنا على من في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه؛ قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم؛ ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطبا، فولوا صلحهم، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا في صلحه؛ فكتب علي بينهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، صالحهم على أنه لا إهلال ولا امتلال، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حاجا أو معتمرا، أو يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله؛ ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله؛ وعلى أنه من جاء محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش فهو إليهم رد، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم فاشتد ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءهم منا فأبعده الله، 21P295 ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فعلم الله الإسلام من نفسه، جعل له مخرجا» فصالحوه على أنه يعتمر في عام قابل في هذا الشهر، لا يدخل علينا بخيل ولا سلاح، إلا ما يحمل المسافر في قرابه، يثوي فينا ثلاث ليال، وعلى أن هذا الهدي حيثما حبسناه محله لا يقدمه علينا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن نسوقه وأنتم تردون وجوهه» ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الهدي وسار الناس " حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى، قال: أخبرني أبو مرة، مولى أم هانئ، عن ابن عمر، قال: كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون، فردوا وجوهه؛ قال: فنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي حين حبسوه، وهي الحديبية، وحلق، وتأسى به أناس حين رأوه حلق، وتربص آخرون، فقالوا: لعلنا نطوف بالبيت، فقال رسول الله: «رحم الله المحلقين» ، قيل: والمقصرين، قال: «رحم الله المحلقين» ، قيل: والمقصرين، قال: «والمقصرين» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن ذر الهمداني، عن مجاهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم " اعتمر ثلاث عمر، كلها في ذي القعدة، يرجع في كلها إلى المدينة، منها العمرة التي صد فيها الهدي، فنحره في محله، عند الشجرة، وشارطوه أن يأتي في العام المقبل معتمرا، فيدخل مكة، فيطوف بالبيت ثلاثة أيام، ثم يخرج، ولا يحبسون عنه أحدا قدم معه، ولا يخرج من مكة بأحد كان فيها قبل قدومه من المسلمين؛ فلما كان من العام المقبل دخل مكة، فأقام بها ثلاثا يطوف بالبيت؛ فلما كان اليوم الثالث قريبا من الظهر، أرسلوا إليه: إن قومك قد 21P296 آذاهم مقامك، فنودي في الناس: لا تغرب الشمس وفيها أحد من المسلمين قدم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من قعيقعان، أتاه عينه الخزاعي، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين وإن لحوا تكن عنقا قطعها الله؟
أم ترون أنا نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه؟ » فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله: إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فروحوا إذا» . وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين» فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به 21P297 راحلته؛ فقال الناس: حل حل، فقال: «ما حل؟ » فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكنها حبسها حابس الفيل» ، ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ، ثم زجرت فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نأت لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا وإن هم 21P298 أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره» فقال بديل: سنبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا؛ قال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته؛ يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى؛ قال: أولست بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: فهل أنتم تتهموني؟ قالوا : لا؛ قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى؛ قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته؛ فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من مقالته لبديل؛ فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال أبو بكر: امصص بظر اللات واللات: طاغية ثقيف الذي كانوا يعبدون، أنحن نفر وندعه؟ 21P299 فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك؛ وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر؛ فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنصل السيف، وقال: أخر يدك عن لحيته، فرفع رأسه فقال: «من هذا؟
» قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: «أي غدر أولست أسعى في غدرتك» وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه» وإن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، فوالله إن تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا؛ والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفوا أصواتهم، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته؛ فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له» ، فبعثت له، واستقبله قوم يلبون؛ فلما رأى ذلك قال: 21P300 سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر» فجاء فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، قال أيوب: قال عكرمة: إنه لما جاء سهيل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم» . قال الزهري: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات نكتب بيننا وبينك كتابا؛ فدعا الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال: ما الرحمن؟ فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب باسمك اللهم» ثم قال: " اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله "، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، ولكن اكتب محمد بن عبد الله» ؛ قال الزهري: وذلك لقوله: «والله لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به» ؛ قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، وكيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك، إذا جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا 21P301 محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجره لي» ، فقال: ما أنا بمجيره لك، قال: «بلى فافعل» ، قال: ما أنا بفاعل؛ قال صاحبه مكرز وسهيل إلى جنبه: قد أجرناه لك؛ فقال أبو جندل: أي معاشر المسلمين، أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ كان قد عذب عذابا شديدا في الله. قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: «بلى» ، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري» ، قلت: ألست تحدثنا أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: «بلى» ، قال: «فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ » قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومتطوف به» ؛ قال: ثم أتيت أبا بكر، فقلت: أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق؛ قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومتطوف به قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا؛ فلما فرغ من قصته، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» ، قال: فوالله ما قام منا رجل حتى قال ذلك 21P302 ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة، حتى نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه؛ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما؛ ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله عز وجل عليه: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة: 10] حتى بلغ {بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك؛ قال: فنهاهم أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ؛ قال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسل في طلبه رجلان، فقالا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: والله إنه لجيد، لقد جربت به وجربت؛ فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأى هذا ذعرا» ، فقال: والله قتل صاحبي، وإني والله لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: قد والله أوفى الله ذمتك ورددتني إليهم، ثم أغاثني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد» فلما سمع عرف أنه سيرده إليهم؛ قال: فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير، فجعل لا 21P303 يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] حتى بلغ حمية الجاهلية وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه: قال الزهري: فحدثني القاسم بن محمد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: «بلى» ، قال أيضا: وخرج أبو بصير والذين أسلموا من الذين رد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا بالساحل على طريق عير قريش، فقتلوا من فيها من الكفار وتغنموها؛ فلما رأى ذلك كفار قريش، ركب نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إنها لا تغني مدتك شيئا، ونحن نقتل وتنهب أموالنا، وإنا نسألك أن تدخل هؤلاء في الذين أسلموا منا في صلحك وتمنعهم، وتحجز عنا قتالهم، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح: 24] " ثم 21P304 ساق الحديث إلى آخره، نحو حديث ابن عبد الأعلى حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق معه هديه سبعين بدنة، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله، لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموها إلى كراع الغميم؛ قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «يا ويح قريش لقد أهلكتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام داخرين» ثم ذكر نحو حديث معمر بزيادات فيه كثيرة، على حديث معمر تركت ذكرها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] قال: «كان الهدي بذي طوى، والحديبية خارجة من الحرم، نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غورت قريش عليه الماء» وقوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} يقول تعالى ذكره: ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون بالله أن تطئوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة، وقد حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} [الفتح: 25] حتى بلغ {بغير علم} [الفتح: 25] هذا حين رد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يدخلوا مكة، فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فكره الله أن يؤذوا أو يوطئوا بغير علم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم " واختلف أهل التأويل في المعرة التي عناها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها الإثم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} قال: «36 إثم بغير علم» وقال آخرون: عنى بها غرم الدية ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} [الفتح: 25] «فتخرجوا ديته، فأما إثم فلم يحسبه عليهم» والمعرة: هي المفعلة من العر، وهو الجرب وإنما المعنى: فتصيبكم من قبلهم معرة تعرون بها، يلزمكم من أجلها كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين وإنما اخترت هذا القول دون القول الذي قاله ابن إسحاق، لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] لم يوجب على قاتله خطأ ديته، فلذلك قلنا: عنى بالمعرة في هذا الموضع الكفارة، و {أن} [الفتح: 25] من قوله: {أن تطئوهم} في موضع رفع ردا على الرجال، لأن معنى الكلام: ولولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم لأذن الله لكم أيها المؤمنون في دخول مكة، ولكنه حال بينكم وبين ذلك {ليدخل الله في رحمته من يشاء} [الفتح: 25] يقول: ليدخل الله في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها، وحذف جواب لولا استغناء بدلالة الكلام عليه وقوله: {لو تزيلوا} [الفتح: 25] يقول: لو تميز الذين في مشركي مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم منهم، ففارقوهم وخرجوا من بين 21P307 أظهرهم {لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25] يقول: لقتلنا من بقي فيها بالسيف، أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لو تزيلوا} [الفتح: 25] الآية، «إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم} [الفتح: 25] " يعني أهل مكة كان فيهم مؤمنون مستضعفون: يقول الله لولا أولئك المستضعفون لو قد تزيلوا، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لو تزيلوا} [الفتح: 25] «لو تفرقوا، فتفرق المؤمن من الكافر، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما» 21P307
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?