Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 233] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} [البقرة: 233] يعني تعالى ذكره بقوله: {فإن أرادا} [البقرة: 233] إن أراد والد المولود، ووالدته فصالا، يعني فصال ولدهما من اللبن ويعني بالفصال: الفطام، وهو مصدر من قول القائل: فاصلت فلانا أفاصله مفاصلة وفصالا: إذا فارقه من خلطة كانت بينهما، فكذلك فصال الفطيم، إنما هو منعه اللبن وقطعه شربه، وفراقه ثدي أمه إلا الاغتذاء 04P236 بالأقوات التي يغتذي بها البالغ من الرجال، وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {فإن أرادا فصالا} [البقرة: 233] يقول إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {فإن أرادا فصالا} [البقرة: 233] فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " {فإن أرادا فصالا عن تراض، منهما} [البقرة: 233] قال: الفطام " وأما قوله: {عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] فإنه يعني بذلك: عن تراض من والدي المولود وتشاور منهما، ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أسقط الله الجناح عنهما إن فطماه عن تراض منهما، وتشاور، وأي الأوقات الذي عناه الله تعالى ذكره بقوله: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] فقال بعضهم: عنى بذلك: فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فإن أرادا فصالا عن تراض، منهما وتشاور} [البقرة: 233] يقول: إذا أرادا أن يفطماه قبل الحولين فتراضيا بذلك، فليفطماه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: «إذا أرادت الوالدة أن تفصل، ولدها قبل الحولين، فكان ذلك عن تراض منهما وتشاور، فلا بأس به» حدثنا سفيان ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {فإن أرادا فصالا عن تراض، منهما وتشاور} [البقرة: 233] قال: التشاور فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: " التشاور: ما دون الحولين، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور دون الحولين، فلا جناح عليهما، فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين " حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان عن ليث، عن مجاهد، 04P238 قال: " التشاور: ما دون الحولين، ليس لها حتى يجتمعا " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني الليث، قال: أخبرنا عقيل، عن ابن شهاب: " {فإن أرادا فصالا} [البقرة: 233] يفصلان ولدهما {عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] دون الحولين الكاملين، {فلا جناح عليهما} [البقرة: 229] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد، جميعا، عن سفيان، قال: " التشاور ما دون الحولين إذا اصطلحا دون ذلك، وذلك قوله: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] فإن قالت المرأة: أنا أفطمه قبل الحولين، وقال الأب لا، فليس لها أن تفطمه قبل الحولين وإن لم ترض الأم فليس له ذلك حتى يجتمعا فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه، وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين، وذلك قوله: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} [البقرة: 233] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {فإن أرادا فصالا عن تراض، منهما وتشاور} [البقرة: 233] قال: قبل السنتين {فلا جناح عليهما} [البقرة: 229] " وقال آخرون: معنى ذلك: فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما في أي وقت أرادا ذلك، قبل الحولين أرادا ذلك أم بعد الحولين ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} [البقرة: 233] أن يفطماه قبل الحولين وبعده " وأما قوله: {عن تراض منهما وتشاور} [البقرة: 233] فإنه يعني: عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فإن أرادا فصالا عن تراض، منهما وتشاور} [البقرة: 233] قال: غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما {فلا جناح عليهما} [البقرة: 229] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وأولى التأويلين بالصواب، تأويل من قال: فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، لأن تمام الحولين غاية لتمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه؛ وإنما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته، فإن ظن ذو غفلة أن للتشاور بعد انقضاء الحولين معنى صحيحا، إذ كان من الصبيان من تكون به علة يحتاج من أجلها إلى تركه، والاغتذاء بلبن أمه، فإن ذلك 04P240 إذا كان كذلك، فإنما هو علاج كالعلاج بشرب بعض الأدوية لا رضاع، فأما الرضاع الذي يكون في الفصال منه قبل انقضاء آخره تراض وتشاور من والدي الطفل الذي أسقط الله تعالى ذكره لفطمهما إياه الجناح عنهما قبل انقضاء آخر مدته، فإنما الحد الذي حده الله تعالى ذكره بقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] على ما قد أتينا على البيان عنه فيما مضى قبل، وأما الجناح: فالحرج كما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {فلا جناح عليهما} [البقرة: 229] فلا حرج عليهما.
[البقرة: 233] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر، أو من خيفة ضيعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم أو غير ذلك من الأسباب، فلا حرج عليكم في استرضاعهن إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف " وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 04P241 نجيح، عن مجاهد: " {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} [البقرة: 233] خيفة الضيعة على الصبي فلا جناح عليكم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا أبو بشر ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} [البقرة: 233] إن قالت المرأة: لا طاقة لي به فقد ذهب لبني، فتسترضع له أخرى " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " ليس للمرأة أن تترك، ولدها بعد أن يصطلحا على أن ترضع، ويسلمان ويجبران على ذلك، قال: فإن تعاسروا عند طلاق، أو موت في الرضاع فإنه يعرض على الصبي المراضع، فإن قبل مرضعا صار ذلك وأرضعته، وإن لم يقبل مرضعا فعلى أمه أن ترضعه بالأجر إن كان له مال أو لعصبته، فإن لم يكن له مال ولا لعصبته أكرهت على رضاعه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد، جميعا، عن سفيان: " {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} [البقرة: 233] إذا أبت الأم أن ترضعه 04P242 فلا جناح على الأب أن يسترضع له غيرها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] قال: إذا رضيت الوالدة أن تسترضع ولدها ورضي الأب أن يسترضع ولده، فليس عليهما جناح، واختلفوا في قوله: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] " فقال بعضهم: معناه: إذا سلمتم لأمهاتهم ما فارقتموهن عليه من الأجرة على رضاعهن بحساب ما استحقته إلى انقطاع لبنها، أو الحال التي عذر أبو الصبي بطلب مرضع لولده غير أمه واسترضاعه له ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] قال: حساب ما أرضع به الصبي " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] حساب ما يرضع به الصبي " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {إذا سلمتم 04P243 ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] إن قالت يعني الأم: لا طاقة لي به فقد ذهب لبني، فلترضع له أخرى، وليسلم لها أجرها بقدر ما أرضعت " حدثني المثنى، قال: ثني سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت، يعني لعطاء: " {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} [البقرة: 233] قال: أمه وغيرها {فلا جناح عليكم إذا سلمتم} [البقرة: 233] قال: إذا سلمت لها أجرها {ما آتيتم} [البقرة: 233] قال: ما أعطيتم " وقال آخرون: معنى ذلك: إذا سلمتم للاسترضاع عن مشورة منكم ومن أمهات أولادكم الذين تسترضعون لهم، وتراض منكم ومنهن باسترضاعهم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: «لا جناح عليهما أن يسترضعا، أولادهما، يعني أبوي 04P244 المولود إذا سلما ولم يتضارا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع من الأجرة بالمعروف ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد، جميعا، عن سفيان، في قوله: " {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة : 233] قال: إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرون أجرها بالمعروف يعني إلى من استرضع للمولود إذا أبت الأم رضاعه " وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال تأويله: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن، ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤورة إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف، يعني بذلك المعنى الذي أوجبه الله لهن عليكم، وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه في حال الاسترضاع ووقت عقد الإجارة، وهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه على بعضه مجاهد، والسدي، ومن قال بقولهم في ذلك، وإنما قضينا لهذا التأويل أنه أولى بتأويل الآية من غيره، لأن الله تعالى ذكره ذكر قبل قوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} [البقرة: 233] أمر فصالهم، وبين الحكم في فطامهم قبل تمام الحولين الكاملين، فقال: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما} [البقرة: 233] في الحولين الكاملين، فلا جناح عليهما، فالذي هو أولى بحكم الآية، إذ كان قد بين فيها وجه الفصال قبل الحولين أن يكون الذي يتلو ذلك حكم ترك الفصال وإتمام الرضاع إلى غاية نهايته، وأن يكون إذ كان قد بين حكم الأم إذا هي اختارت الرضاع بما يرضع به غيرها من الأجرة، أن يكون الذي يتلو ذلك من الحكم بيان حكمها وحكم الولد إذا هي امتنعت من رضاعه كما كان ذلك كذلك في غير هذا الموضع من كتاب الله تعالى، وذلك في قوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] فأتبع ذكر بيان رضا الوالدات برضاع أولادهن، ذكر بيان امتناعهن من رضاعهن، فكذلك ذلك في قوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} [البقرة: 233] وإنما اخترنا في قوله: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] ما اخترنا من التأويل؛ لأن الله تعالى ذكره فرض على أبي المولود تسليم حق والدته إليها مما آتاها من الأجرة على رضاعها له بعد بينونتها منه، كما فرض عليه ذلك لمن استأجره لذلك ممن ليس من مولده بسبيل، وأمره بإيتاء كل واحدة منهما حقها بالمعروف على رضاع ولده فلم يكن قوله: «إذا سلمتم» بأن يكون معنيا به إذا سلمتم إلى أمهات أولادكم الذين يرضعون حقوقهن بأولى منه بأن يكون معنيا به إذا سلمتم ذلك إلى المراضع سواهن، ولا الغرائب من المولود بأولى أن يكن معنيات بذلك من الأمهات، إذ كان الله تعالى ذكره قد أوجب على أبي المولود لكل من استأجره لرضاع ولده من تسليم أجرتها إليها مثل الذي أوجب عليه من ذلك للأخرى، فلم يكن لنا أن نحيل ظاهر تنزيل إلى باطن ولا نقل عام إلى خاص إلا بحجة يجب التسليم لها؛ فصح بذلك ما قلنا وأما معنى قوله: {بالمعروف} [البقرة: 233] فإن معناه: بالإجمال والإحسان وترك البخس، والظلم فيما وجب للمراضع 04P246
[البقرة: 233] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير} [البقرة: 233] يعني تعالى ذكره بقوله: {واتقوا الله} [البقرة: 189] وخافوا الله فيما فرض لبعضكم على بعض من الحقوق، وفيما ألزم نساءكم لرجالكم ورجالكم لنسائكم، وفيما أوجب عليكم لأولادكم؛ فاحذروه أن تخالفوه فتعتدوا في ذلك وفي غيره من فرائضه، وحقوقه - حدوده، فتستوجبوا بذلك عقوبته، واعلموا أن الله بما تعملون من الأعمال أيها الناس سرها وعلانيتها، وخفيها وظاهرها، وخيرها وشرها، بصير يراه ويعلمه، فلا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه منه شيء، فهو يحصي ذلك كله عليكم حتى يجازيكم بخير ذلك وشره، ومعنى بصير ذو إبصار، وهو في معنى مبصر 04P246
[البقرة: 234] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير} [البقرة: 234] يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس، فيموتون ويذرون أزواجا يتربص أزواجهن بأنفسهن، فإن قال قائل: فأين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل: متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام: بعض جبتك متخرقة، في ترك الخبر عما أبتدئ به الكلام إلى الخبر عن بعض أسبابه، وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص لما كان إنما ألزمهن التبرص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من أبتدئ بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] لعلي إن مالت بي الريح ميلة على ابن أبي ذبان أن يتندما فقال «لعلي» ، ثم قال «أن يتندما» لأن معنى الكلام: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه فرجع بالخبر إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] ألم تعلموا أن ابن قيس وقتله بغير دم دار المذلة حلت فألغى «ابن قيس» وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذل وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر الذين يتوفون متروك، وأن معنى الكلام: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم؛ وزعم أنه لم يذكر موتهم كما يحذف بعض الكلام، وأن «يتربصن» رفع إذ وقع موقع ينبغي، وينبغي رفع، وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع يتربصن بوقوعه موقع ينبغي فيما مضى، فأغنى عن إعادته. وقال آخرون منهم: إنما لم يذكر «الذين» بشيء، لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء: من يلقك منا تصب خيرا، الذي يلقاك منا تصيب خيرا قال: ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء، وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا. وأما قوله: {يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] فإنه يعني به: يحتبسن بأنفسهن معتدات عن الأزواج، والطيب، والزينة، والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرا إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن، فإذا وضعن حملهن انقضت عددهن حينئذ وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن 04P249 عباس: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا، فعدتها أن تضع ما في بطنها " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، في قول الله: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] قال ابن شهاب: جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها، فإن كانت حاملا فيحلها من عدتها أن تضع حملها، وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشر فما استأخر، لا يحلها إلا أن تضع حملها " وإنما قلنا: عنى بالتربص ما وصفنا لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وأبو أسامة، عن شعبة، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حميد بن نافع، قال: سمعت زينب ابنة أم سلمة، تحدث قال أبو كريب، قال أبو أسامة، عن أم سلمة، " أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل، فقال: «لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها، فتمكث في بيتها 04P250 حولا إذا توفي عنها زوجها، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة أفلا أربعة أشهر وعشرا» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت نافعا، عن صفية ابنة أبي عبيد، أنها سمعت حفصة ابنة عمر، زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا» قال يحيى: «والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس، ولا زعفران، ولا تكتحل، ولا تزين» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى، عن نافع، عن صفية ابنة أبي عبيد، عن حفصة ابنة عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني حميد بن نافع، أن زينب ابنة أم سلمة، أخبرته عن أم سلمة أو أم حبيبة، 04P251 زوج النبي صلى الله عليه وسلم: «أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها، وأنها قد خافت على عينها.
فزعم حميد عن زينب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع: أنه سمع زينب ابنة أم سلمة، تحدث، عن أم حبيبة أو أم سلمة " أنها ذكرت أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها وهي تريد أن تكحل عينها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة بعد الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» قال ابن بشار: قال يزيد، قال يحيى: " فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شر بيتها، فقعدت فيه حولا، فإذا مرت بها سنة ألقت بعرة وراءها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا شعبة، عن يحيى، عن حميد بن نافع، بهذا الإسناد، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، ويحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم 04P252 سلمة: " أن امرأة، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها، أفتكتحل؟ فقال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي الآن أربعة أشهر وعشر» قال: " قلت: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ قال: كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهن لبست أطمار ثيابها، وجلست في أخس بيوتها، فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار، وقالت: قد حللت " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها أم سلمة، وأم حبيبة، زوجي النبي صلى الله عليه وسلم: " أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خفت على عينها، وهي تريد الكحل، قال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» قال حميد: فقلت لزينب: «وما رأس الحول» ؟ قالت زينب: «كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها عمدت إلى أشر بيت لها فجلست فيه، حتى إذا مرت بها سنة خرجت، ثم رمت ببعرة وراءها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها حتى تنقضي 04P253 عدتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا معصفرا، ولا تكتحل بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليا، وتلبس البياض، ولا تلبس السواد» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، " في المتوفى عنها زوجها: لا تكتحل، ولا تطيب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تجلبب به " حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن جريج، عن عطاء قال: بلغني عن ابن عباس، قال: «تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزين وتطيب» حدثنا نصر بن علي ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تمس طيبا، ولا تكتحل، ولا تمتشط وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد» 04P254 وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب، والزينة، والمبيت عن المنزل فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: «أنه كان يرخص في التزين، والتصنع، ولا يرى الإحداد شيئا» حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] لم يقل تعتد في بيتها، تعتد حيث شاءت " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيل، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال ابن عباس: إنما قال الله: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ولم يقل تعتد في بيتها، فلتعتد حيث شاءت " واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح وجعلوا حكم الآية على الخصوص وبما حدثني به، محمد بن إبراهيم السلمي، قال: حدثنا أبو عاصم، وحدثني محمد بن معمر البحراني، قال: حدثنا أبو عامر، قالا جميعا: حدثنا محمد بن 04P254 طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، قالت: «لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم» تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم، وابن الصلت، عن محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا إحداد على المتوفى عنها زوجها، وأن القول في تأويل قوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره، وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وترك النقلة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها، فإنهم اعتلوا بظاهر التنزيل وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، فلم يأمرها بالتربص بشيء 04P255 مسمى في التنزيل بعينه، بل عم بذلك معاني التربص، قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء، إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة، والنقلة مما هو داخل في عموم الآية كما التربص عن الأزواج داخل فيها قالوا: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب.
أما في النقلة فإن أبا كريب حدثنا قال: ثنا يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته الفريعة ابنة مالك، أخت أبي سعيد الخدري، قالت: " قتل زوجي وأنا في دار، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النقلة، فأذن لي ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه، فقال: «يا فريعة حتى يبلغ الكتاب أجله» قالوا: فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفى عنها زوجها ما خالفه، قالوا: وأما ما روي عن ابن عباس فإنه لا معنى له بخروجه عن ظاهر التنزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم 04P257 قالوا: وأما الخبر الذي روي عن أسماء ابنة عميس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا، ثم أن تصنع ما بدا لها، فإنه غير دال على أن لا إحداد على المرأة، بل إنما دل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا، ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يحوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبا؛ لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب ، وذلك كالذي أذن صلى الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب، وبرود اليمن، فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإن لها لبسه؛ لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة؟ وإذ كان التنزيل كذلك أفبالليالي تعتد المتوفى عنها العشر أم بالأيام؟ قيل: بل تعتد بالأيام بلياليها. فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك فكيف قيل وعشرا ولم يقل وعشرة، والعشر بغير الهاء من عدد الليالي دون الأيام؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، فهل تجيز عندي عشر وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟ قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام، وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء؛ وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت فيه الليالي، حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون: صمنا عشرا من شهر رمضان، لتغليبهم الليالي على الأيام؛ وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام، فإذا أظهروا مع العدد مفسره أسقطوا من عدد المؤنث الهاء " وأثبتوها في 04P258 عدد المذكر، كما قال تعالى ذكره: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] فأسقط الهاء من سبع، وأثبتها في الثمانية وأما بنو آدم، فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال، والنساء ثم أبهمت عددها أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث، وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم، واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم، وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم، وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى، كما قيل للذكر والأنثى شاة، وقيل للذكور والإناث من البقر بقر، وليس كذلك في بني آدم، فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟ قيل: قد قيل في ذلك فيما حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع ، عن أبي العالية، في قوله: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو عاصم، عن سعيد، عن قتادة، قال: سألت سعيد بن المسيب: " ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح " 04P258
[البقرة: 234] القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] يعني تعالى ذكره بقوله: فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن، وذلك بعد انقضاء عددهن، ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء أولياء المرأة فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن من تطيب، وتزين، ونقلة من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه بالمعروف؛ يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن، وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة، وقيل إن معنى قوله {بالمعروف} [البقرة: 178] إنما هو النكاح الحلال ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] قال: الحلال الطيب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، 04P260 عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] قال: المعروف: النكاح الحلال الطيب " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله: " {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] قال: هو النكاح الحلال الطيب " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «هو النكاح» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: " {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] قال: في نكاح من هوينه إذا كان معروفا " 04P260 [البقرة: 234] القول في تأويل قوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} [البقرة: 234] يعني تعالى ذكره بذلك: والله بما تعملون أيها الأولياء في أمر من أنتم وليه من نسائكم من عضلهن، وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم {خبير} [البقرة: 234] يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء 04P260
[البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم} [البقرة: 235] يعني تعالى ذكره بذلك: ولا جناح عليكم أيها الرجال فيما عرضتم به من خطبة النساء للنساء المعتدات، من وفاة أزواجهن في عددهن، ولم تصرحوا بعقد نكاح. والتعريض الذي أبيح في ذلك، هو ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: " {لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: إني أريد أن أتزوج " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «التعريض ما لم ينصب للخطبة» قال مجاهد: " قال 04P262 رجل لامرأة في جنازة زوجها لا تسبقيني بنفسك، قالت: قد سبقت " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام ، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: " {فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: التعريض: أن يقول للمرأة في عدتها: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] يقول: يعرض لها في عدتها، يقول لها: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام فلا حرج " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة 04P263 النساء} [البقرة: 235] قال: هو أن يقول لها في عدتها: إني أريد التزويج، ووددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة في هذه الآية قال: " يذكرها إلى وليها يقول: لا تسبقيني بها " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: يقول: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، " أنه كره أن يقول: لا تسبقيني بنفسك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قل: هو قول الرجل للمرأة: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة 04P264 النساء} [البقرة: 235] قال: يعرض للمرأة في عدتها فيقول: والله إنك لجميلة، وإن النساء لمن حاجتي، وإنك إلى خير إن شاء الله " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: " هو قول الرجل: إني أريد أن أتزوج، وإني إن تزوجت أحسنت إلى امرأتي، هذا التعريض " حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: يقول: لأعطينك، لأحسنن إليك، لأفعلن بك كذا وكذا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، في قوله: " {فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: قول الرجل للمرأة في عدتها يعرض بالخطبة: والله إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، ونحو هذا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، أنه، سمع القاسم بن محمد، 04P265 يقول: " {فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] هو قول الرجل للمرأة: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " كيف يقول الخاطب؟
قال: يعرض تعريضا ولا يبوح بشيء، يقول: إن لي حاجة وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة، ولا يبوح بشيء. قال عطاء: وتقول هي: قد أسمع ما تقول. ولا تعده شيئا، ولا تقول: لعل ذاك " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، قال: ثني عبد الرحمن بن القاسم: أنه، سمع القاسم، يقول: " في المرأة يتوفى عنها زوجها، والرجل يريد خطبتها، ويريد كلامها ما الذي يجمل به من القول؟ قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، وإني بك لمعجب، وأشباه هذا من القول " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، 04P266 قال:، كان إبراهيم، لا يرى بأسا أن يهدي لها في العدة إذا كانت من شأنه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: يقول: إنك لنافقة، وإنك لمعجبة، وإنك لجميلة، وإن قضى الله شيئا كان " حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: كان إبراهيم النخعي يقول: إنك لمعجبة، وإني فيك لراغب " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: وأخبرني - يعني - شبيب بن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: لا يأخذ ميثاقها ألا تنكح غيره " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: كان أبي، يقول: كل شيء كان دون أن يعزم عقدة النكاح، فهو كما قال الله تعالى ذكره: {ولا جناح عليكم 04P267 فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد، جميعا، عن سفيان، قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] والتعريض فيما سمعنا: أن يقول الرجل وهي في عدتها: إنك لجميلة، إنك إلى خير، إنك لنافقة، إنك لتعجبيني، ونحو هذا، فهذا التعريض " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن خالته سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة، قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي، وأنا في، عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة أنا من، علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام. فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك فقال: أو قد فعلت؟
إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، «قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: لا جناح على من عرض لهن بالخطبة قبل أن يحللن إذا كنوا في أنفسهن من ذلك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان يقول: في قول الله تعالى ذكره: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدة من وفاة زوجها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله سائق إليك خيرا ورزقا، ونحو هذا من الكلام " واختلف أهل العربية في معنى الخطبة. فقال بعضهم: الخطبة: الذكر، والخطبة: التشهد. وكأن قائل هذا القول تأول الكلام: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهم؛ وقد زعم صاحب هذا القول أنه قال: «لا تواعدوهن سرا» لأنه لما قال: «لا جناح عليكم» ، كأنه قال: اذكروهن، ولكن لا تواعدوهن سرا. وقال آخرون منهم: الخطبة أخطب خطبة وخطبا، قال: وقول الله تعالى ذكره: {قال فما خطبك يا سامري} [طه: 95] يقال: إنه من هذا. قال: وأما الخطبة، فهو المخطوب من قولهم. خطب على المنبر واختطب. قال أبو جعفر: والخطبة عندي هي «الفعلة» من قول القائل: خطبت فلانة، 04P269 كالجلسة من قوله: جلس، أو القعدة من قوله: قعد. ومعنى قولهم: خطب فلان فلانة سألها خطبة إليها في نفسها، وذلك حاجته من قولهم: ما خطبك؟ بمعنى: ما حاجتك وما أمرك؟ . وأما التعريض فهو ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع الفهم ما يفهم بصريحه 04P268
[البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] يعني تعالى ذكره بقوله: {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] أو أخفيتم في أنفسكم، فأسررتموه من خطبتهن، وعزم نكاحهن وهن في عددهن، فلا جناح عليكم أيضا في ذلك إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. يقال منه: أكن فلان هذا الأمر في نفسه، فهو يكنه إكنانا، وكنه: إذا ستره، يكنه كنا وكنونا، وجلس في الكن. ولم يسمع: كننته في نفسي، وإنما يقال: كننته في البيت أو في الأرض: إذا خبأته فيه، ومنه قوله تعالى ذكره: {كأنهن بيض مكنون} [الصافات: 49] أي مخبوء، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] ثلاث من ثلاث قداميات من اللائي تكن من الصقيع وتكن بالتاء هو أجود ويكن، ويقال: أكنته ثيابه من البرد، وأكنه البيت من الريح وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] قال: الإكنان: ذكر خطبتها في نفسه لا يبديه لها، هذا كله حل معروف " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] قال: أن يدخل فيسلم، ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع القاسم بن محمد، يقول، فذكر نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] قال: جعلت في نفسك نكاحها، وأضمرت ذلك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي ، قال: ثنا زيد، جميعا، عن 04P271 سفيان: " {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] أن يسر في نفسه أن يتزوجها " حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: " {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] قال: أسررتم " قال أبو جعفر: وفي إباحة الله تعالى ذكره ما أباح من التعريض بنكاح المعتدة لها في حال عدتها وحظره التصريح، ما أبان عن افتراق حكم التعريض في كل معاني الكلام وحكم التصريح منه. وإذا كان ذلك كذلك تبين أن التعريض بالقذف غير التصريح به، وأن الحد بالتعريض بالقذف لو كان واجبا وجوبه بالتصريح به لوجب من الجناح بالتعريض بالخطبة في العدة نظير الذي يجب بعزم عقدة النكاح فيها، وفي تفريق الله تعالى ذكره بين حكميها في ذلك الدلالة الواضحة على افتراق أحكام ذلك في القذف 04P271 [البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {علم الله أنكم ستذكرونهن} [البقرة: 235] يعني تعالى ذكره بذلك: علم الله أنكم ستذكرون المعتدات في عددهن بالخطبة في أنفسكم وبألسنتكم كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن: " {علم الله أنكم ستذكرونهن} [البقرة: 235] قال: الخطبة " حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: " {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] قال: ذكرك إياها في نفسك. قال: فهو قول الله: {علم الله أنكم ستذكرونهن} [البقرة: 235] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، في قوله: " {علم الله أنكم ستذكرونهن} [البقرة: 235] قال: هي الخطبة " 04P272
[البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] اختلف أهل التأويل في معنى السر الذي نهى الله تعالى عباده عن مواعدة المعتدات به، فقال بعضهم: هو الزنا ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا همام، عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، قوله: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز. 04P273 حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي مجلز: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " قيل لسفيان التيمي: ذكره؟ قال: نعم حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن رجل، عن الحسن، في المواعدة مثل قوله أبي مجلز حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: «الزنا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا أشعث، وعمران، عن الحسن، مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، ويحيى، قالا: ثنا سفيان، عن السدي، قال: سمعت إبراهيم، يقول: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله 04P274 : " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الزنا " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: الفاحشة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، وحدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: السر: الزنا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: فذلك السر: الزنية، كان الرجل يدخل من أجل الزنية وهو يعرض بالنكاح، فنهى الله عن ذلك، إلا من قال معروفا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، وجويبر، عن الضحاك وسليمان التيمي، عن أبي مجلز، أنهم قالوا: «الزنا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {ولكن 04P275 لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] للفحش، والخضع من القول " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: هو الفاحشة " وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تأخذوا ميثاقهن، وعهودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] يقول: لا تقل لها إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: لا يقاضها على كذا وكذا أن لا تتزوج غيره " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، ومجاهد، 04P276 وعكرمة، قالوا: «لا يأخذ ميثاقها في عدتها أن لا تتزوج غيره» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: ذكر لي، عن الشعبي، أنه قال في هذه الآية: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن الشعبي: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: لا يأخذ ميثاقها في أن لا تتزوج غيره " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، قال: سمعته يقول في قوله: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك، ولا يوجب العقدة حتى تنقضي العدة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: لا يأخذ عليها ميثاقا أن لا تتزوج غيره " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] يقول: أمسكي علي نفسك، فأنا أتزوج، ويأخذ عليها عهدا أن لا تنكحي غيري " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: هذا في الرجل يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح 04P277 غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة، والقول بالمعروف، ونهى عن الفاحشة، والخضع من القول " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد، جميعا، عن سفيان: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: إن تواعدها سرا على كذا وكذا على أن لا تنكحي غيري " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: موعدة السر: أن يأخذ عليها عهدا، وميثاقا أن تحبس نفسها عليه، ولا تنكح غيره " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يقول لها الرجل: لا تسبقيني بنفسك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن " مجاهد، في قول الله: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك، فإني ناكحك.
هذا لا يحل " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: المواعدة أن يقول: لا تفوتيني بنفسك " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] أن يقول: لا تفوتيني بنفسك " وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تنكحوهن في عدتهن سرا ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] يقول: لا تنكحوهن سرا، ثم تمسكها حتى إذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] قال: كان أبي، يقول: لا تواعدوهن سرا، ثم تمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، تأويل من قال: السر في هذا الموضع: الزنا؛ وذلك أن العرب تسمي الجماع، وغشيان الرجل المرأة سرا، لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه، فيسمى لخفائه سرا. من ذلك قول رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] فعف عن أسرارها بعد العسق ولم يضعها بين فرك وعشق يعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك. ومنه قول الحطيئة: [+البحر الوافر] ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع وكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه سر، ويقال: هو في سر قومه، يعني في خيارهم وشرفهم. فلما كان السر إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف، فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو السر الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعدين المتواعدين، والسر الذي بمعنى الغشيان، والجماع. فلما لم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به صح أن الآخر هو المعني به. فإن قال قائل: فما الدلالة على أن مواعدة القول سرا غير معني به على ما قال من قال: إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق المرأة أن لا تنكح غيره، أو على ما قال من قال: قول الرجل لها: لا تسبقيني بنفسك؟ قيل: لأن السر إذا كان بالمعنى الذي تأوله قائلو ذلك، فلن يخلو ذلك السر من أن يكون هو مواعدة الرجل المرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره، أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تجيبه إليه بعد انقضاء عدتها وبعد عقده له دون الناس غيره. فإن كان السر الذي نهى الله الرجل أن يواعد المعتدات هو أخذ العهد عليهن أن لا ينكحن غيره، فقد بطل أن يكون السر معناه ما أخفي من الأمور في النفوس، أو نطق به فلم يطلع عليه، وصارت العلانية من الأمر سرا، وذلك خلاف المعقول في لغة من نزل القرآن بلسانه، إلا أن يقول قائل هذه المقالة: إنما نهى الله الرجال عن مواعدتهن ذلك سرا بينهم وبينهن، لا أن نفس الكلام بذلك، وإن كان قد أعلن سر. فيقال له: إن قال ذلك فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والخطبة صريحا علانية، إذ كان المنهي عنه من المواعدة إنما هو ما كان منها سرا. فإن قال: إن ذلك كذلك خرج من قول جميع الأمة؛ على أن ذلك ليس من قيل أحد ممن تأول الآية أن السر ها هنا بمعنى المعاهدة أن لا تنكح غير المعاهد. وإن قال: ذلك غير جائز.
قيل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلى المرأة بالمواعدة، لأن معنى ذلك لو كان كذلك لم يحرم عليه مواعدتها مجاهرة وعلانية، وفي كون ذلك عليه محرما سرا وعلانية ما أبان أن معنى السر في هذا الموضع غير معنى إسرار الرجل إلى المرأة بالمعاهدة، أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها؛ أو يكون إذا بطل هذا الوجه، معنى ذلك: الخطبة، والنكاح الذي وعدت المرأة الرجل أن لا تعدوه إلى غيره، فذلك إذا كان، فإنما يكون بولي، وشهود علانية غير سر، وكيف يحوز أن يسمى سرا وهو علانية لا يجوز إسراره؟ وفي بطول هذه الأوجه أن تكون تأويلا لقوله {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] بما عليه دللنا من الأدلة وضوح صحة تأويل ذلك أنه بمعنى الغشيان، والجماع. وإذا كان ذلك صحيحا، فتأويل الآية: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما عرضتم به للمعتدات من وفاة أزواجهن من خطبة النساء، وذلك حاجتكم إليهن، فلم تصرحوا لهن بالنكاح والحاجة إليهن إذا أكننتم في أنفسكم، فأسررتم حاجتكم إليهن وخطبتكن إياهن في أنفسكم ما دمن في عددهن، علم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن في عددهن. فأباح لكم التعريض بذلك لهن، وأسقط الحرج عما أضمرته نفوسكم حلما منه، ولكن حرم: عليكم أن تواعدوهن جماعا في عددهن، بأن يقول أحدكم لإحداهن في عدتها. قد تزوجتك في نفسي، وإنما أنتظر إنقضاء عدتك، فيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الجماع، والمباضعة، فحرم الله تعالى ذكره ذلك 04P281
[البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى. {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] قال أبو جعفر: ثم قالا تعالى ذكره. {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] فاستثنى القول المعروف مما نهي عنه، من مواعدة الرجل المرأة السر، وهو من غير 04P282 جنسه؛ ولكنه من الاستثناء الذي قد ذكرت قبل أنه يأتي بمعنى خلاف الذي قبله في الصفة خاصة، وتكون «إلا» فيه بمعنى «لكن» فقوله: {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] منه: ومعناه: ولكن قولوا قولا معروفا. فأباح الله تعالى ذكره أن يقول لها المعروف من القول في عدتها، وذلك هو ما أذن له بقوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] كما حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير: " {إلا أن تقولوا، قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني لأرجو أن نجتمع " حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {إلا أن تقولوا، قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: هو قوله: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك " حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {إلا أن تقولوا، قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: يعني التعريض " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235] قال: يعني التعريض " حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {ولا 04P283 جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] إلى {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها، فيقول: والله إنكم لأكفاء كرام، وإنكم لرعة، وإنك لتعجبيني، وإن يقدر شيء يكن. فهذا القول المعروف " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، وحدثني علي، قال: حدثنا زيد، قالا جميعا: قال سفيان: " {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني أرجو إن شاء الله أن نجتمع " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: يقول: إن لك عندي كذا، ولك عندي كذا، وأنا معطيك كذا وكذا. قال: هذا كله وما كان قبل أن يعقد عقدة النكاح، فهذا كله نسخه قوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " {إلا أن تقولوا، قولا معروفا} [البقرة: 235] قال: المرأة تطلق، أو يموت عنها زوجها، فيأتيها الرجل فيقول: احبسي علي نفسك، فإن لي بك رغبة، فتقول: وأنا مثل ذلك. فتتوق نفسه لها، فذلك القول المعروف " 04P283
[البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب 04P284 أجله} [البقرة: 235] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} [البقرة: 235] ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة، فتوجبوها بينكم وبينهن، وتعقدوها قبل انقضاء العدة {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] يعني: يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] فجعل بلوغ الأجل للكتاب والمعنى: للمتناكحين أن لا ينكح الرجل المرأة المعتدة فيعزم عقدة النكاح عليها حتى تنقضي عدتها، فيبلغ الأجل الذي أجله الله في كتابه لانقضائها كما: حدثنا محمد بن بشار، وعمرو بن علي، قالا: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: حتى تنقضي العدة " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر " حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: حتى تنقضي العدة " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: تنقضي العدة " حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: " {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: حتى تنقضي العدة " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها " حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، في قوله: " {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: مخافة أن تتزوج المرأة قبل انقضاء العدة " حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] حتى تنقضي العدة " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، وحدثني علي، قال. حدثنا زيد، جميعا، عن سفيان، قوله: " {حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قال: حتى تنقضي العدة " 04P285 [البقرة: 235] القول في تأويل قوله تعالى: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم} [البقرة: 235] يعني تعالى ذكره بذلك: واعلموا أيها الناس أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن، ونكاحهن، وغير ذلك من أموركم {فاحذروه} [البقرة: 235] يقول: فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئا مما نهاكم عنه من عزم عقدة نكاحهن، أو مواعدتهن السر في عددهن، وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال ما هن معتدات، وفي غير ذلك. {واعلموا أن الله غفور} [البقرة: 235] يعني أنه ذو ستر لذنوب عباده وتغطية عليها فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات وذكرهم إياهن في حال عددهن، وفي غير ذلك من خطاياهم. وقوله {حليم} [البقرة: 225] يعني أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم 04P286
[البقرة: 236] القول في تأويل قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] يعني تعالى ذكره بقوله {لا جناح عليكم} [البقرة: 236] لا حرج عليكم إن طلقتم النساء، يقول: لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم ما لم تمسوهن، يعني بذلك: ما لم تجامعوهن. والمماسة في هذا الموضوع كناية عن اسم الجماع كما حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قالا جميعا: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: " المس: الجماع، ولكن الله يكني ما يشاء 04P287 بما شاء " حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: " المس: النكاح «وقد اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والبصرة» {ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] " بفتح التاء من تمسوهن، بغير ألف من قولك: مسسته أمسه مسا ومسيسا ومسيسى مقصور مشدد غير مجرى. وكأنهم اختاروا قراءة ذلك إلحاقا منهم له بالقراءة المجتمع عليها في قوله: {ولم يمسسني بشر} [آل عمران: 47] وقرأ ذلك آخرون: (ما لم تماسوهن) بضم التاء والألف بعد الميم إلحاقا منهم ذلك بالقراءة المجمع عليها في قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] وجعلوا ذلك بمعنى فعل كل واحد من الرجل والمرأة بصاحبه من قولك: ماسست الشيء مماسة ومساسا. والذي نرى في ذلك أنهما قراءتان صحيحتا المعنى متفقتا التأويل، وإن كان في إحداهما زيادة معنى غير موجبة اختلافا في الحكم والمفهوم. وذلك أنه لا يجهل ذو فهم إذا قيل له: مسست زوجتي أن الممسوسة قد لاقى من بدنها بدن الماس ما لاقاه مثله من بدن الماس، فكل واحد منهما وإن أفرد الخبر عنه بأنه الذي مس صاحبه معقول، كذلك الخبر نفسه أن صاحبه المسوس قد ماسه، فلا وجه للحكم لإحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما، وكثرة القراءة بكل واحدة منهما بأنها أولى بالصواب من الأخرى، بل الواجب أن يكون القارئ بأيتهما قرأ مصيب الحق في قراءته. وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين إما مسمى لها الصداق، أو غير مسمى لها ذلك، فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره أن المعنية بقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] إنما هي المسمى لها؛ لأن المعنية بذلك لو كانت غير المفروض لها الصداق لما كان لقوله: {أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] معنى معقول، إذ كان لا معنى لقول قائل: لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه أو ما لم تفرضوا لهن فريضة. فإذ كان لا معنى لذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق قبل أن تماسوهن، وغير المفروض لهن قبل الفرض 04P288 [البقرة: 236] القول في تأويل قوله تعالى: {أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] يعني تعالى ذكره بقوله {أو تفرضوا لهن} [البقرة: 236] أو توجبوا لهن، وبقوله: {فريضة} [البقرة: 236] صداقا واجبا كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] قال: الفريضة: الصداق " وأصل الفرض: الواجب، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] كانت فريضة ما أتيت كما كان الزناء فريضة الرجم يعني كما كان الرجم الواجب من حد الزنا، لذلك قيل: فرض السلطان لفلان ألفين، يعني بذلك أوجب له ذلك ورزقه من الديوان 04P289
[البقرة: 236] القول في تأويل قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] يعني تعالى ذكره بقوله: {ومتعوهن} [البقرة: 236] وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم ومنازلكم من الغنى، والإقتار ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ ما أمر الله به الرجال من ذلك، فقال بعضهم: أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودونه الكسوة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن 04P290 عكرمة، عن ابن عباس، قال: «متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قوله: " {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] قلت له: ما أوسط متعة المطلقة؟ قال: خمارها، ودرعها، وجلبابها، وملحفتها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا ثم يطلقها من قبل أن ينكحها، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره، ويسره، فإن كان موسرا متعها بخادم أو شبه ذلك، وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، في قوله: " {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] قال: قلت للشعبي: ما 04P291 وسط ذلك؟ قال: كسوتها في بيتها، ودرعها، وخمارها، وملحفتها، وجلبابها. قال الشعبي: فكان شريح يمتع بخمسمائة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر: أن شريحا، كان يمتع بخمسمائة " قلت لعامر: " ما وسط ذلك؟ قال: ثيابها في بيتها درع، وخمار، وملحفة، وجلباب " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر الشعبي، أنه قال: «وسط من المتعة ثياب المرأة في بيتها درع، وخمار، وملحفة، وجلباب» حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي: أن شريحا متع بخمسمائة " وقال الشعبي: «وسط من المتعة درع، وخمار، وجلباب، وملحفة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: " {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] قال: هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فلها متاع بالمعروف، ولا صداق لها. قال: أدنى ذلك ثلاثة أثواب درع، وخمار، وجلباب، وإزار " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] حتى بلغ: {حقا على المحسنين} [البقرة: 236] فهذا في الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فلها متاع بالمعروف، ولا فريضة لها. وكان يقال: إذا كان واجدا فلا بد من مئزر، وجلباب، ودرع، وخمار " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن صالح بن صالح، قال: سئل عامر: " بكم يمتع الرجل امرأته؟ قال: على قدر ماله " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن أمه، قالت: " كأني أنظر إلى جارية سوداء حممها عبد الرحمن أم أبي سلمة حين طلقها قيل لشعبة: ما حممها؟ قال.
متعها " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه بنحوه، عن عبد الرحمن بن عوف حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال : «كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة، أو الكسوة» قال: " ومتع الحسن بن علي؛ أحسبه قال: بعشرة آلاف " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعد بن إبراهيم: أن عبد الرحمن بن عوف، «طلق امرأته، فمتعها بالخادم» حدثت عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، أنه كان يقول: " في متعة المطلقة: أعلاه الخادم، وأدناه الكسوة، والنفقة، ويرى أن ذلك على ما قال الله تعالى ذكره: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] " وقال آخرون: مبلغ ذلك إذا اختلف الزوج والمرأة فيه قدر نصف صداق مثل تلك المرأة المنكوحة بغير صداق مسمى في عقده، وذلك قول أبي حنيفة، وأصحابه. والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس، ومن قال بقوله من أن الواجب من ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عسره، ويسره، كما قال الله تعالى ذكره: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] لا على قدر المرأة. ولو كان ذلك واجبا للمرأة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه لم يكن لقيله تعالى ذكره: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] معنى مفهوم، ولكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن. وفي إعلام الله تعالى ذكره عباده أن ذلك على قدر الرجل في عسره، ويسره، لا على قدره، وقدر نصف صداق مثلها ما يبين عن صحة ما قلنا وفساد ما خالفه. وذلك أن المرأة قد يكون صداق مثلها المال العظيم، والرجل في حال طلاقه إياها 04P294 مقتر لا يملك شيئا، فإن قضي عليه بقدر نصف صداق مثلها ألزم ما يعجز عنه بعض من قد وسع عليه، فكيف المقدور عليه؟ وإذا فعل ذلك به، كان الحاكم بذلك عليه قد تعدى حكم قول الله تعالى ذكره: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] ولكن ذلك على قدر عسر الرجل، ويسره، لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها، إن كان الزوج موسعا، وإن كان مقترا فأطاق أدنى ما يكون كسوة لها، وذلك ثلاث أثواب ونحو ذلك، قضي عليه بذلك، وإن كان عاجزا عن ذلك فعلى قدر طاقته، وذلك على قدر اجتهاد الإمام العادل عند الخصومة إليه فيه. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله. {ومتعوهن} [البقرة: 236] هل هو على الوجوب، أو على الندب؟ فقال بعضهم: هو على الوجوب يقضى بالمتعة في مال المطلق، كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره، وقالوا: ذلك واجب عليه لكل مطلقة كائنة من كانت من نسائه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن، وأبو العالية، يقولان: «لكل مطلقة متاع، دخل بها أو لم يدخل بها، وإن كان قد فرض لها» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، أن الحسن، كان 04P295 يقول: «لكل مطلقة متاع، وللتي طلقها قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: " {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] قال: كل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول. «لكل مطلقة متاع» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال.
كان أبو العالية، يقول: «لكل مطلقة متعة» وكان الحسن، يقول: «لكل مطلقة متعة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، قال: سئل الحسن، " عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، هل لها متاع؟ قال الحسن: نعم والله. فقيل للسائل، وهو أبو بكر الهذلي: أو ما تقرأ هذه الآية: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] قال: نعم والله " 04P296 وقال آخرون: المتعة للمطلقة على زوجها المطلقها واجبة، ولكنها واجبة لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها الصداق. فأما المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل الدخول بها، فإنها لا متعة لها، وإنما لها نصف الصداق المسمى ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر، كان يقول: «لكل مطلقة متعة، إلا التي طلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، فلها نصف الصداق ولا متعة لها» حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بنحوه حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، " في الذي يطلق امرأته وقد فرض لها، أنه قال في المتاع: قد كان لها المتاع في الآية التي في الأحزاب، فلما نزلت الآية التي في البقرة، جعل لها النصف من صداقها إذا سمى، ولا متاع لها، وإذا لم يسم فلها المتاع " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد نحوه حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب يقول: " إذا لم يدخل بها جعل لها في سورة الأحزاب المتاع، ثم أنزلت الآية التي في سورة البقرة: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد 04P297 فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها إذا كان لم يدخل بها وكان قد سمى لها صداقا، فجعل لها النصف، ولا متاع لها " حدثنا ابن المثنى، وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: " نسخت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} [الأحزاب: 49] الآية التي في البقرة " حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهد، قال: «لكل مطلقة متعة، إلا التي فارقها وقد فرض لها من قبل أن يدخل بها » حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " في التي يفارقها زوجها قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، قال: ليس لها متعة " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن نافع، قال: «إذا تزوج الرجل المرأة وقد فرض لها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فلها نصف الصداق، ولا متاع لها، وإذا لم يفرض لها فإنما لها المتاع» حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: سئل ابن أبى نجيح وأنا أسمع، " عن الرجل يتزوج ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، وقد فرض لها، هل لها متاع؟
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?