Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 272] القول في تأويل قوله تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272] يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له ، فلا تمنعهم الصدقة كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين، فنزلت: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} [البقرة: 272] «فتصدق عليهم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال: " كانوا يتقون أن يرضخوا، لقراباتهم من المشركين حتى نزلت: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] " حدثنا محمد بن بشار، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنزلت: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] «فرخص لهم» حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت: {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] " الآية حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وذكر لنا أن رجالا، من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا؟ فأنزل الله في ذلك القرآن: {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] قال: " كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج فلا يتصدق عليه يقول: ليس من أهل ديني، فأنزل الله عز وجل: {ليس عليك هداهم} [البقرة : 272] " الآية حدثني محمد، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن 05P021 السدي، قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} [البقرة: 272] أما {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] «فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: «كانوا يتصدقون» كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272] قال: «هو مردود عليك، فما لك ولهذا تؤذيه وتمن عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك» 05P022
[البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة: 273] أما قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، واللام التي في الفقراء مردودة على موضع اللام في فلأنفسكم، كأنه قال: {وما تنفقوا من خير} [البقرة: 272] يعني به: وما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فلما اعترض في الكلام بقوله: {فلأنفسكم} [البقرة: 272] ، فأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه تركت إعادتها في قوله : {للفقراء} [البقرة: 273] ، إذ كان الكلام مفهوما معناه كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} [البقرة: 272] " أما {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] «فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها» ، فقال: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] " وقيل: إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] «مهاجري قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالصدقة عليهم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] الآية، قال: «هم فقراء المهاجرين بالمدينة» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] قال: «فقراء المهاجرين» 05P023 [البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] يعني تعالى ذكره بذلك: الذين جعلهم جهادهم عدوهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التصرف فلا يستطيعون تصرفا، وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الإحصار تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوه، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه فيها عن التصرف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] قال: «حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] قال: " كانت الأرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله إذا خرج خرج في كفر، وقيل: كانت الأرض كلها حربا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدو، فقال الله عز وجل: {للفقراء الذين أحصروا في 05P025 سبيل الله} [البقرة: 273] الآية؛ كانوا هاهنا في سبيل الله " وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرف ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273] «حصرهم المشركون في المدينة» ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدي لكان الكلام: للفقراء الذين حصروا في سبيل الله ولكنه {أحصروا} [البقرة: 273] ، فدل ذلك على أن خوفهم من العدو الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حبسوا وهم في سبيل الله أنفسهم، لا أن العدو هم كانوا الحابسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدو: حصره العدو، وإذا كان الرجل المحبس من خوف العدو قيل: أحصره خوف العدو 05P025
[البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} [البقرة: 273] يعني بذلك جل ثناؤه: لا يستطيعون تقلبا في الأرض، وسفرا في البلاد، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات رهبة العدو، وخوفا على أنفسهم منهم كما: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} [البقرة: 273] «حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدو، فلا يستطيعون تجارة» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} [البقرة: 273] «يعني التجارة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} [البقرة: 273] «كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فضل الله» 05P026 [البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273] يعني بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة وتركهم التعرض لما في أيدي الناس صبرا منهم على البأساء والضراء كما: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء} [البقرة: 273] يقول: «يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف» 05P027 ويعني بقوله: {من التعفف} [البقرة: 273] من ترك مسألة الناس، وهو التفعل من العفة عن الشيء، والعفة عن الشيء تركه، كما قال رؤبة: فعف عن أسرارها بعد العسق يعني برئ وتجنب 05P026 [البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] يعني بذلك جل ثناؤه: تعرفهم يا محمد بسيماهم، يعني بعلامتهم وآثارهم من قول الله عز وجل: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح: 29] هذه لغة قريش، ومن العرب من يقول: «بسيمائهم» فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسد، فإنهم يقولون: «بسيميائهم» ؛ ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر وقد اختلف أهل التأويل في السيما التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفت صفتهم وأنهم يعرفون بها، فقال بعضهم: هو التخشع والتواضع ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، 05P028 عن مجاهد، في قوله: {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] قال: «التخشع» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، قال: كان مجاهد يقول: «هو التخشع» وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] «بسيما الفقر عليهم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة " وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم، وقالوا: الجوع خفي ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] قال: «السيما رثاثة ثيابهم، والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها تخفى على الناس» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان، فيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة. وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضر، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر بالمعاينة دون الوصف، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظر آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثياب الرثة، فيتزيا بزي أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختل ذو فاقة، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته 05P029
[البقرة: 273] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] يقال: قد ألحف السائل 05P030 في مسألته إذا ألح فهو يلحف فيها إلحافا. فإن قال قائل: أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف؟ قيل: غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة إلحافا أو غير إلحاف، وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف، ولم يكن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم وفي الخبر الذي: حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فانطلقت إليه معنقا، فكان أول ما واجهني به: «من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا لم ندخر عنه شيئا نجده» ، قال: فرجعت إلى نفسي، فقلت: ألا استعف فيعفني الله، فرجعت فما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله الدلالة الواضحة على أن التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد وأن من كان موصوفا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافا أو غير إلحاف 05P031 فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] وهم لا يسألون الناس إلحافا أو غير إلحاف؟ قيل له: وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف وعرف عباده أنهم ليسوا أهل مسألة بحال بقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273] وأنهم إنما يعرفون بالسيما، زاد عباده إبانة لأمرهم، وحسن ثناء عليهم بنفي الشره والضراعة التي تكون في الملحين من السؤال عنهم، وقال: كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل: فلما رأيت مثل فلان، ولعله لم يره مثله أحدا ولا نظيرا وبنحو الذي قلنا في معنى الإلحاف قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] قال: «لا يلحفون في المسألة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] قال: «هو الذي يلح في المسألة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله يحب الحليم 05P032 الغني المتعفف، ويبغض الغني الفاحش البذي السائل الملحف» قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله عز وجل كره لكم ثلاثا، قيل وقال، وإضاعة المال وكثرة السؤال فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته، حتى يلقى جيفة على فراشه، لا يجعل الله له من نهاره ولا ليلته نصيبا، وإذا شئت رأيته ذا مال في شهوته ولذاته وملاعبه، ويعدله عن حق الله، فذلك إضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطا ذراعيه، يسأل الناس في كفيه، فإذا أعطي أفرط في مدحهم، وإن منع أفرط في ذمهم» 05P031
[البقرة: 274] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال: حدثني شيخ، من غافق: أن أبا الدرداء، كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين 05P036 البراذين والهجن، فيقول: أهل هذه يعني الخيل من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] " وقال آخرون: عنى بذلك قوما أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين ينفقون أموالهم} [البقرة: 261] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] «هؤلاء أهل الجنة» ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «المكثرون هم الأسفلون» . قالوا: يا نبي الله إلا من؟ قال: «المكثرون هم الأسفلون» ، قالوا: يا نبي الله إلا من؟ قال: «المكثرون هم الأسفلون» ، قالوا: يا نبي الله إلا من؟ حتى خشوا أن تكون قد مضت فليس لها رد، حتى قال: «إلا من قال بالمال هكذا وهكذا» عن يمينه وعن شماله، «وهكذا» بين يديه «وهكذا» خلفه، «وقليل ما هم، هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد» وقد قيل: إن هذه الآيات من قوله: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} [البقرة: 271] إلى قوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] كان مما يعمل به قبل 05P037 نزول ما في سورة براءة من تفصيل الزكوات، فلما نزلت براءة قصروا عليها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} [البقرة: 271] إلى قوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] «فكان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها» 05P037
[البقرة: 275] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] يعني بذلك جل ثناؤه: الذين يربون، والإرباء: الزيادة على الشيء، يقال منه: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه يربي إرباء والزيادة هي الربا، وربا الشيء: إذا زاد على ما كان عليه فعظم فهو يربو ربوا، وإنما قيل للرابية لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها من قولهم ربا يربو ومن ذلك قيل: فلان في ربا قومه يراد أنه في رفعة وشرف منهم، فأصل الربا الإنافة والزيادة، ثم يقال: أربى فلان: أي أناف صيره زائدا، وإنما قيل للمربي مرب لتضعيفه المال الذي كان له على غريمه حالا، أو لزيادته عليه فيه، لسبب الأجل الذي يؤخره إليه، فيزيده إلى أجله الذي كان له قبل حل دينه عليه، ولذلك قال جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال في الربا الذي نهى الله عنه: " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة «أن ربا الجاهلية، يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه» فقال جل ثناؤه للذين يربون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخبطه 05P039 فيصرعه من المس، يعني من الجنون، وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] يوم القيامة في أكل الربا في الدنيا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «ذلك حين يبعث من قبره» حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب "، وقرأ: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «ذلك حين يبعث من قبره» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] الآية، قال: «يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونا يخنق» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون} [البقرة: 275] الآية، «وتلك علامة أهل الربا يوم القيامة، بعثوا وبهم خبل من الشيطان» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «هو التخبل الذي يتخبله الشيطان من الجنون» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «يبعثون يوم القيامة وبهم خبل من الشيطان» وهي في بعض القراءة «لا يقومون يوم القيامة» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «من مات وهو يأكل الربا بعث يوم القيامة متخبطا كالذي يتخبطه الشيطان من المس» حدثني موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] «يعني من الجنون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] قال: «هذا مثلهم يوم القيامة لا يقومون يوم القيامة مع الناس، إلا كما يقوم الذي يخنق مع الناس يوم القيامة كأنه خنق كأنه مجنون» ومعنى قوله: {يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] يتخبله من مسه إياه، يقال منه: قد مس الرجل وألق فهو ممسوس ومألوق، كل ذلك إذا ألم به اللمم فجن، ومنه قول الله عز وجل: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} [الأعراف: 201] ، ومنه قول الأعشى: [+البحر الطويل] وتصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن أولق فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الربا في تجارته ولم يأكله أيستحق هذا الوعيد من الله؟
قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكل إلا أن الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت كانت طعمتهم ومأكلهم من الربا، فذكرهم بصفتهم معظما بذلك عليهم أمر الربا، ومقبحا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] الآية ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك وأن التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا وأن سواء العمل به وأكله وأخذه وإعطاؤه، كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه إذا علموا به» 05P042
[البقرة: 275] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} [البقرة: 275] يعني بذلك جل ثناؤه: ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس من الجنون، فقال تعالى ذكره هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قبح حالهم ووحشة قيامهم من قبورهم وسوء ما حل بهم من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون إنما البيع الذي أحله الله لعباده مثل الربا، وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الربا من أهل الجاهلية، كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحل، فإذا قيل لهما ذلك، قالا: سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل المال فكذبهم الله في قيلهم، فقال: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] 05P043 [البقرة: 275] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] يعني جل ثناؤه: وأحل الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع، وحرم الربا يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دينه عليه، يقول عز وجل: وليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل سواء، وذلك أني حرمت إحدى الزيادتين، وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل؛ وأحللت الأخرى منهما، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها فيستفضل فضلها، فقال الله عز وجل ليست الزيادة من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا؛ لأني أحللت البيع، وحرمت الربا، والأمر أمري والخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف في أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي. ثم قال جل ثناؤه: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} [البقرة: 275] يعني بالموعظة التذكير والتخويف الذي ذكرهم وخوفهم به في آي القرآن، وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب، يقول جل ثناؤه: فمن جاءه ذلك فانتهى عن أكل الربا، وارتدع عن العمل به، وانزجر عنه {فله ما سلف} [البقرة: 275] يعني ما أكل وأخذ فمضى قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك {وأمره إلى الله} [البقرة: 275] يعني وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن أكله إلى الله في عصمته وتوفيقه إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه عنه، وإن شاء خذله عن ذلك {ومن عاد} [البقرة: 275] يقول ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم من قوله {إنما البيع مثل الربا} [البقرة: 275] {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] يعني ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار يعني نار جهنم فيها خالدون وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال؛ ثنا 05P045 أسباط، عن السدي: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} [البقرة: 275] «أما الموعظة فالقرآن، وأما ما سلف فله ما أكل من الربا» 05P044
[البقرة: 276] القول في تأويل قوله تعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم} [البقرة: 276] يعني عز وجل بقوله: {يمحق الله الربا} [البقرة: 276] ينقص الله الربا فيذهبه كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {يمحق الله الربا} [البقرة: 276] قال: «ينقص» وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الربا وإن كثر فإلى قل» وأما قوله: {ويربي الصدقات} [البقرة: 276] فإنه جل ثناؤه يعني أنه يضاعف أجرها لربها، وينميها له وقد بينا معنى الربا قبل والإرباء وما أصله، بما فيه الكفاية من إعادته. فإن قال لنا قائل: وكيف إرباء الله الصدقات؟ قيل: إضعافه الأجر لربها، كما قال جل ثناؤه: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} 05P046 وكما قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] وكما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا عباد بن منصور، عن القاسم، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] و {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] حدثني سليمان بن عمر بن خالد الأقطع، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، ولا أراه إلا قد رفعه، قال: «إن الله عز وجل يقبل الصدقة، ولا يقبل إلا الطيب» حدثني محمد بن عمر بن علي المقدمي، قال: ثنا ريحان بن سعيد، قال: ثنا عباد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] حدثني محمد بن عبد الملك، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه، ويأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله» ، أو قال: «في كف الله عز وجل حتى تكون مثل أحد؛ فتصدقوا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، عن صاحب له، عن القاسم بن محمد، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يقبل الصدقة بيمينه، ولا يقبل منها إلا ما كان طيبا، والله يربي لأحدكم لقمته كما يربي أحدكم مهره وفصيله ، حتى يوافي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد» 05P048 وأما قوله: {والله لا يحب كل كفار أثيم} [البقرة: 276] فإنه يعني به: والله لا يحب كل مصر على كفر بربه، مقيم عليه، مستحل أكل الربا وإطعامه، أثيم متماد في الإثم فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك، ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنزيله وآي كتابه 05P047
[البقرة: 277] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 277] وهذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا، يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم من تحريم الربا وأكله وغير ذلك من سائر شرائع دينه، وعملوا الصالحات التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي ندبهم إليها وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها، وأدوها بسننها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الربا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم، لهم أجرهم، يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصدقتهم عند ربهم يوم حاجتهم إليه في معادهم، ولا خوف عليهم يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم من أكل ما كانوا أكلوا من الربا بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده، ولا هم يحزنون على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما تركوا من ذلك في الدنيا ابتغاء رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وعدوا على تركه 05P049 [البقرة: 278] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين آمنوا صدقوا بالله وبرسوله، اتقوا الله، يقول: خافوا الله على أنفسكم فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، وذروا يعني ودعوا ما بقي من الربا، يقول: اتركوا طلب ما بقي لكم من فضل على رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تربوا عليها إن كنتم مؤمنين، يقول: إن كنتم محققين إيمانكم قولا، وتصديقكم بألسنتكم بأفعالكم، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضه منهم، وبقي بعض، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا} [البقرة: 278] ما بقي من الربا إلى: {ولا تظلمون} [البقرة: 279] قال: " نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية، سلفا في الربا إلى أناس من 05P050 ثقيف من بني عمرو، وهم بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله: {ذروا ما بقي} [البقرة: 278] من فضل كان في الجاهلية {من الربا} [البقرة: 278] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] قال: " كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح، استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] إلى: {ولا تظلمون} [البقرة: 279] ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال: «إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب» قال ابن جريج، عن عكرمة قوله: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} [البقرة: 278] قال: كانوا يأخذون الربا على بني المغيرة يزعمون أنهم مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بنو عمرو بن عمير، فهم الذين كان لهم الربا على بني المغيرة، فأسلم عبد ياليل وحبيب وربيعة وهلال ومسعود حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] قال: «كان ربا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رءوس أموالهم» 05P051
[البقرة: 279] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279] يعني جل ثناؤه بقوله: {فإن لم تفعلوا} [البقرة: 24] فإن لم تذروا ما بقي من الربا. واختلف القراء في قراءة قوله: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] فقرأته عامة قراء أهل المدينة: {فأذنوا} [البقرة: 279] بقصر الألف من «فأذنوا» وفتح ذالها، بمعنى وكونوا على علم وإذن، وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفيين: (فآذنوا) بمد الألف من قوله: «فأذنوا» وكسر ذالها، بمعنى: فآذنوا غيركم، أعلموهم وأخبروهم بأنكم على حربهم. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: {فأذنوا} [البقرة: 279] بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه، وكونوا على إذن من الله عز وجل لكم بذلك، وإنما اخترنا ذلك؛ لأن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يقر على المقام عليه، وأن يقتل المرتد عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، أذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يأذنوه، فإذا كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركا مقيما على شركه الذي لا يقر عليه، أو يكون كان مسلما فارتد وأذن بحرب، فأي الأمرين كان، فإنما نبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عزم على ذلك؛ لأن الأمر إن كان إليه فأقام على أكل الربا مستحلا له، ولم يؤذن المسلمون بالحرب، لم يلزمهم حربه، وليس ذلك حكمه في واحدة من الحالين، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها. وعلى هذا التأويل تأوله أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} [البقرة: 278] إلى قوله: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] «فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه» حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب " 05P053 حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] «أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] «أوعد لآكل الربا بالقتل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس قوله: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] «فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله» وهذه الأخبار كلها تنبئ عن أن قوله: {فأذنوا بحرب من الله} [البقرة: 279] إيذان من الله عز وجل لهم بالحرب والقتل، لا أمر لهم بإيذان غيرهم 05P053
[البقرة: 279] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} [البقرة: 279] 05P054 يعني جل ثناؤه بذلك: إن تبتم فتركتم أكل الربا، وأنبتم إلى الله عز وجل، فلكم رءوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} «المال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «وضع الله الربا، وجعل لهم رءوس أموالهم» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} قال: «ما كان لهم من دين، فجعل لهم أن يأخذوا رءوس أموالهم، ولا يزدادوا عليه شيئا» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} «الذي أسلفتم وسقط الربا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن نبي 05P055 الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم الفتح: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «إن كل ربا موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس» 05P055 [البقرة: 279] القول في تأويل قوله: {لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279] يعني بقوله: {لا تظلمون} [البقرة: 272] بأخذكم رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحها التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم، فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذه، أو لم يكن لكم قبل {ولا تظلمون} [البقرة: 279] يقول : ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه؛ لأن ما زاد على رءوس أموالكم، لم يكن حقا لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون} «فتربون» ، {ولا تظلمون} [البقرة: 279] «فتنقصون» وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} قال: «لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلا لا يحل لكم» 05P056
[البقرة: 280] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 280] يعني جل ثناؤه بذلك: وإن كان ممن تقبضون منه من غرمائكم رءوس أموالكم ذو عسرة، يعني معسرا برءوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء، فأنظروهم إلى ميسرتهم، وقوله: {ذو عسرة} [البقرة: 280] مرفوع بكان، فالخبر متروك، وهو ما ذكرنا، وإنما صلح ترك خبرها من أجل أن النكرات تضمر لها العرب أخبارها، ولو وجهت كان في هذا الموضع إلى أنها بمعنى الفعل المكتفي بنفسه التام، لكان وجها صحيحا، ولم يكن بها حاجة حينئذ إلى خبر، فيكون تأويل الكلام عند ذلك: وإن وجد ذو عسرة من غرمائكم برءوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: «وإن كان ذا عسرة» بمعنى: وإن كان الغريم ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة، وذلك وإن كان في العربية جائزا فغير جائزة القراءة به عندنا لخلافه خطوط مصاحف المسلمين. وأما قوله: {فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] فإنه يعني: فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام} [البقرة: 196] وقد ذكرنا وجه رفع ما كان من نظائرها فيما مضى قبل، فأغنى عن تكريره، والميسرة : المفعلة من اليسر، مثل المرحمة والمشأمة. ومعنى الكلام: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، فعليكم أن تنظروه حتى يوسر بما ليس لكم، فيصير من أهل اليسر به وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «نزلت في الربا» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين، أن رجلا، خاصم رجلا إلى شريح قال: فقضى عليه، وأمر بحبسه، قال: 05P058 فقال رجل عند شريح: إنه معسر، والله يقول في كتابه: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: فقال شريح: " إنما ذلك في الربا، وإن الله قال في كتابه: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «ذلك في الربا» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن الحسن: أن الربيع بن خثيم، كان له على رجل حق، فكان يأتيه ويقوم على بابه ويقول: «أي فلان إن كنت موسرا فأد، وإن كنت معسرا فإلى ميسرة» حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: جاء رجل إلى شريح، فكلمه، فجعل يقول: إنه معسر، إنه معسر، قال: فظننت أنه يكلمه في محبوس، فقال شريح: " إن الربا كان في هذا الحي من الأنصار، فأنزل الله عز وجل: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] وقال الله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تؤدوا 05P059 الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] فما كان الله عز وجل يأمرنا بأمر ثم يعذبنا عليه، أدوا الأمانات إلى أهلها " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، في قوله : {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «فنظرة إلى ميسرة برأس ماله» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] «إنما أمر في الربا أن ينظر المعسر، وليست النظرة في الأمانة، ولكن يؤدي الأمانة إلى أهلها» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإن كان ذو عسرة فنظرة} [البقرة: 280] «برأس المال» ، {إلى ميسرة} [البقرة: 280] يقول: «إلى غنى» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] «هذا في شأن الربا» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] «هذا في شأن الربا، وكان أهل الجاهلية بها يتبايعون، فلما أسلم من أسلم 05P060 منهم، أمروا أن يأخذوا رءوس أموالهم» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] «يعني المطلوب» حدثني ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «الموت» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن محمد بن علي، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «هذا في الربا» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، في الرجل يتزوج إلى الميسرة، قال: «إلى الموت أو إلى فرقة» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: {فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «ذلك في الربا» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد: { 05P061 فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «يؤخره ولا يزد عليه، وكان إذا حل دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه زاد عليه وأخره» وحدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال: «يؤخره ولا يزد عليه» وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أي وجهة كان ذلك الحق من دين حلال أو ربا ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: " من كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم؛ قال: وكذلك كل دين على مسلم، فلا يحل لمسلم له دين على أخيه يعلم منه عسرة أن يسجنه ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه، وإنما جعل النظرة في الحلال فمن أجل ذلك كانت الديون على ذلك " حدثني علي بن حرب، قال: ثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] قال ": نزلت في الدين " والصواب من القول في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] أنه معني به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم عليهم ديون قد أربوا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رءوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، وإنظار من كان منهم معسرا برءوس أموالهم إلى ميسرتهم، فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قبل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء إليه إن كان موسرا، وإن كان معسرا كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه، غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه، وهو بقضائه معسر في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين في مال غريمه وعلى غريمه قضاؤه منه لا في رقبته، فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه؛ فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين رب المال، وذلك ما لا يقوله أحد ويكون في رقبته، فإن يكن كذلك فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين رب الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبين إذ كان ذلك كذلك أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته؛ لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل لم يكن إلى حبسه بحقه وهو معدوم سبيل؛ لأنه غير مانعه حقا له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بظلمه إياه بالحبس 05P063
[البقرة: 280] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 280] يعني جل وعز بذلك: وأن تتصدقوا برءوس أموالكم على هذا المعسر خير لكم أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته لتقبضوا رءوس أموالكم منه إذا أيسر، {إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأن تصدقوا برءوس أموالكم على الغني والفقير منهم خير لكم ذكر من قال ذلك: حدثني بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} «والمال الذي لهم على ظهور الرجال 05P064 جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية؛ فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا» {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] «يقول وإن تصدقوا بأصل المال، خير لكم» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة: {وأن تصدقوا} [البقرة: 280] «أي برأس المال فهو خير لكم» وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] قال: «من رءوس أموالكم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم بمثله حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] قال: «أن تصدقوا برءوس أموالكم» وقال آخرون: معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسر خير لكم؛ نحو ما قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي 05P065 : {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] قال: «وأن تصدقوا برءوس أموالكم على الفقير فهو خير لكم، فتصدق به العباس» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] يقول: «وإن تصدقت عليه برأس مالك فهو خير لك» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] «يعني على المعسر، فأما الموسر فلا، ولكن يؤخذ منه رأس المال، والمعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: «وأن تصدقوا برءوس أموالكم خير لكم من نظرة إلى ميسرة، فاختار الله عز وجل الصدقة على النظارة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] قال: " من النظرة {إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] «والنظرة واجبة، 05P066 وخير الله عز وجل الصدقة على النظرة، والصدقة لكل معسر؛ فأما الموسر فلا» وأولى التأويلين بالصواب، تأويل من قال معناه: وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم؛ لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين، وإلحاقه بالذي يليه أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه.
وقد قيل: إن هذه الآيات في أحكام الربا هن آخر آيات نزلت من القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب، قال: «كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة» حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، أن عمر، رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: «فإنه والله ما أدري، لعلنا نأمركم بأمر لا يصلح لكم، وما أدري لعلنا ننهاكم عن أمر يصلح لكم؛ وإنه كان من آخر آيات القرآن تنزيلا آيات الربا، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم» حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: «آخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، وإنا لنأمر بالشيء لا ندري لعل به بأسا، وننهى عن الشيء لعله ليس به بأس» 05P067
[البقرة: 281] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] وقيل: هذه الآية أيضا آخر آية نزلت من القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] الآية «فهي آخر آية من الكتاب أنزلت» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا مالك بن مغول، عن عطية، قال: " آخر آية نزلت: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي، قال: " آخر آية نزلت {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، وحجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " آخر آية نزلت من القرآن: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] " قال ابن جريج: يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال، وبدا يوم السبت، ومات يوم الاثنين حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: ثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه «أن أحدث القرآن، بالعرش آية الدين» يعني بذلك جل ثناؤه: واحذروا أيها الناس يوما ترجعون فيه إلى الله فتلقونه فيه أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفضيحات تفضحكم، فتهتك أستاركم، أو بموبقات توبقكم، فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قبل لكم به، وإنه يوم مجازاة الأعمال لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفى فيه كل نفس أجرها على ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح، لا يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضرت، فتوفى جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون، وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها وبالحسنة عشر أمثالها، كلا بل عدل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغ أيها المحسن، فاتقى امرؤ ربه فأخذ منه حذره وراقبه أن يهجم عليه يومه، وهو من الأوزار ظهره ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه عز وجل حذر فأعذر، ووعظ فأبلغ 05P069
[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذا تداينتم} [البقرة: 282] يعني إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به، أو تعاطيتم، أو أخذتم به {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يقول: إلى وقت معلوم وقتموه بينكم، وقد يدخل في ذلك القرض والسلم في كل ما جاز، السلم شرى أجل بيعه يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه، ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة، كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه، وكان ابن عباس يقول: نزلت هذه الآية في السلم خاصة ذكر الرواية عنه بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، قال: قال ابن عباس في: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] قال: «السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم» حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال: ثنا يحيى بن الصامت، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي حيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282] قال: «نزلت في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن أبي 05P071 حيان، عن رجل، عن ابن عباس، قال: " نزلت هذه الآية: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن أبي حيان التيمي، عن رجل، عن ابن عباس قال: " نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] في السلف في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، عن أبي حيان، عن ابن عباس، قال: " أشهد أن السلف المضمون، إلى أجل مسمى أن الله عز وجل قد أحله، وأذن فيه، ويتلو هذه الآية: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] " فإن قال قائل: وما وجه قوله: {بدين} [البقرة: 282] وقد دل بقوله: {إذا تداينتم} [البقرة: 282] عليه؟ وهل تكون مداينة بغير دين فاحتيج إلى أن يقال بدين؟ قيل: إن العرب لما كان مقولا عندها تداينا بمعنى تجازينا وبمعنى تعاطينا الأخذ والإعطاء بدين، أبان الله بقوله {بدين} [البقرة: 282] المعنى الذي قصد تعريفه من قوله {تداينتم} [البقرة: 282] حكمه، وأعلمهم أنه 05P072 حكم الدين دون حكم المجازاة وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 30] ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضع 05P071
[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {فاكتبوه} [البقرة: 282] يعني جل ثناؤه بقوله: {فاكتبوه} [البقرة: 282] فاكتبوا الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى من بيع كان ذلك أو قرض. واختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه، هل هو واجب أو هو ندب؟ فقال بعضهم: هو حق واجب، وفرض لازم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] قال: «من باع إلى أجل مسمى أمر أن يكتب صغيرا كان أو كبيرا إلى أجل مسمى» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] قال: «فمن ادان دينا فليكتب، ومن باع فليشهد» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] فكان هذا واجبا " وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله، وزاد فيه: قال: ثم قامت الرخصة والسعة، قال: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: 283] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي، كان رجلا صحب كعبا فقال ذات يوم لأصحابه: «هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ » قالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: «رجل باع شيئا فلم يكتب ولم يشهد، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه، فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه» وقال آخرون: كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا، فنسخه قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: " لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب، ولا تشهد؛ لقوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] " قال ابن عيينة: قال ابن شبرمة عن 05P074 الشعبي: إلى هذا انتهى حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] حتى بلغ هذا المكان: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] قال: «رخص في ذلك، فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن الشعبي، قال: «إن ائتمنه فلا يشهد عليه ولا يكتب» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: " فكانوا يرون أن هذه، الآية: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] نسخت ما قبلها من الكتابة والشهود رخصة ورحمة من الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال غير عطاء: " نسخت الكتاب والشهادة: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " نسخ ذلك قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] " قال: «فلولا هذا الحرف لم يبح لأحد أن يدان بدين إلا بكتاب وشهداء، أو برهن، فلما جاءت هذه 05P075 نسخت هذا كله، صار إلى الأمانة» حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، قال: سألت الحسن قلت: كل من باع بيعا ينبغي له أن يشهد؟
قال: " ألم تر أن الله عز وجل يقول: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] حتى بلغ هذا المكان: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] قال: «رخص في ذلك، فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، في قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] قال: «إن أشهدت فحزم، وإن لم تشهد ففي حل وسعة» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت للشعبي: أرأيت الرجل يستدين من الرجل الشيء، أحتم عليه أن يشهد؟ قال: فقرأ إلى قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] «قد نسخ ما كان قبله» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن مروان العقيلي، قال: ثنا عبد الملك 05P076 بن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: أنه قرأ: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] قال: فقرأ إلى: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] قال: «هذه نسخت ما قبلها» 05P075
[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: {وليكتب} [البقرة: 282] كتاب الدين إلى أجل مسمى بين الدائن والمدين {كاتب بالعدل} [البقرة: 282] يعني بالحق والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما، بما لا يحيف ذا الحق حقه، ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} [البقرة: 282] قال: «اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا» وأما قوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] فإنه يعني: ولا يأبين كاتب استكتب ذلك أن يكتب بينهم كتاب الدين، كما علمه الله كتابته فخصه بعلم ذلك، وحرمه كثيرا من خلقه وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا 05P077 استكتب ذلك نظير اختلافهم في وجوب الكتاب على الذي له الحق ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {ولا يأب كاتب} [البقرة: 282] قال: «واجب على الكاتب أن يكتب» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب} [البقرة : 282] أواجب أن لا يأبى أن يكتب؟ قال: «نعم» قال ابن جريج: وقال مجاهد: واجب على الكاتب أن يكتب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] بمثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، وعطاء، قوله: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] قالا: «إذا لم يجدوا كاتبا فدعيت فلا تأب أن تكتب لهم» ذكر من قال: هي منسوخة. قد ذكرنا جماعة ممن قال: كل ما في هذه الآية من الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن 05P078 منسوخ بالآية التي في آخرها، وأذكر قول من تركنا ذكره هنالك ببعض المعاني: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ولا يأب كاتب} [البقرة: 282] قال: " كانت عزيمة فنسختها: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] «فكان هذا واجبا على الكتاب» وقال آخرون: هو على الوجوب، ولكنه واجب على الكاتب في حال فراغه ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] يقول: «لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فارغا» والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب، ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك 05P079 ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] لأن ذلك إنما أذن الله تعالى ذكره به، حيث لا سبيل إلى الكتاب، أو إلى الكاتب فأما والكتاب والكاتب موجودان، فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره به في قوله: {فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة على السبيل التي قد بيناها، فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، ولو وجب أن يكون قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] ناسخا قوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] لوجب أن يكون قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] ناسخا الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه، وفي السفر الذي فرضه الله عز وجل بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] وأن يكون قوله في كفارة الظهار: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] ناسخا قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] فيسأل القائل إن قول الله عز وجل: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] ناسخ قوله 05P080 : {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم وما ذكرنا قوله، فزعم أن كل ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله نظير قوله في أن الأمر باكتتاب كتب الديون والحقوق منسوخ بقوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } [البقرة: 283] ؟
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?