Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V05/P078

فإن قال: الفرق بيني وبينه أن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] كلام منقطع عن قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] وقد انتهى الحكم في السفر إذا عدم فيه الكاتب بقوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] وإنما عنى بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى، فأمن بعضكم بعضا، فليؤد الذي اؤتمن أمانته، قيل له: وما البرهان على ذلك من أصل أو قياس وقد انقضى الحكم في الدين الذي فيه إلى الكاتب والكتاب سبيل بقوله: {ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] ؟ وأما الذين زعموا أن قوله: {فاكتبوه} [البقرة: 282] وقوله: {ولا يأب كاتب} [البقرة: 282] على وجه الندب والإرشاد، فإنهم يسألون البرهان على دعواهم في ذلك، ثم يعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه، ويسألون الفرق بين ما ادعوا في ذلك وأنكروه في غيره، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا بالآخر مثله. 05P081 ذكر من قال: العدل في قوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} [البقرة: 282] الحق 05P078

Bagian V05/P078–V05/P081

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] يعني بذلك: فليكتب الكاتب، وليملل الذي عليه الحق، وهو الغريم المدين، يقول: ليتول المدين إملال كتاب ما عليه من دين رب المال على الكاتب، وليتق الله ربه المملي الذي عليه الحق، فليحذر عقابه في بخس الذي له الحق من حقه شيئا، أن ينقصه منه ظلما، أو يذهب به منه تعديا، فيؤخذ به حيث لا يقدر على قضائه إلا من حسناته، أو أن يتحمل من سيئاته كما حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فليكتب وليملل الذي عليه الحق} [البقرة: 282] فكان هذا واجبا، {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] يقول: «لا يظلم منه شيئا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] قال: «لا ينقص من حق هذا الرجل شيئا إذا أملى» 05P081

Bagian V05/P081–V05/P083

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] يعني بقوله جل ثناؤه: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة: 282] فإن كان المدين الذي عليه المال سفيها، يعني جاهلا بالصواب في الذي عليه أن يمله على الكاتب كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها} [البقرة: 282] " أما السفيه: فالجاهل بالإملاء والأمور " وقال آخرون: بل السفيه في هذا الموضع الذي عناه الله: الطفل الصغير ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها} [البقرة: 282] " أما السفيه: فهو الصغير " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة: 282] قال: " هو الصبي الصغير، {فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] " وأولى التأويلين بالآية، تأويل من قال: السفيه في هذا الموضع: الجاهل بالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه، لما قد بينا قبل من أن معنى السفه في كلام العرب: الجهل. وقد يدخل في قوله: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها} [البقرة: 282] كل جاهل بصواب ما يمل من خطئه من صغير وكبير، وذكر وأنثى، غير أن الذي هو أولى بظاهر الآية أن يكون مرادا بها كل جاهل بموضع خطأ ما يمل وصوابه من بالغي الرجال الذين لا يولى عليهم، والنساء؛ لأنه أجل ذكره ابتدأ الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] والصبي ومن يولى عليه لا يجوز مداينته، وأن الله عز وجل قد استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدين مع السفيه الضعيف ومن لا يستطيع إملاله، ففي فصله جل ثناؤه الضعيف من السفيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب في الصفة التي وصف بها كل واحد منهم ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين بين الله صفاتهم غير الصنفين الآخرين. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوما أن الموصوف بالسفه منهم دون الضعف هو ذو القوة على الإملال، غير أنه وضع عنه فرض الإملال بجهله بموضع صواب ذلك من خطئه، وأن الموصوف بالضعف منهم هو العاجر عن إملاله وإن كان شديدا رشيدا إما لعي لسانه أو خرس به، وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو الممنوع من إملاله، إما بالحبس الذي لا يقدر معه على حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فيمل عليه، وإما لغيبته عن موضع الإملال فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب. فوضع الله عنهم فرض إملال ذلك للعلل التي وصفنا إذا كانت بهم، وعذرهم بترك الإملال من أجلها، وأمر عند سقوط فرض ذلك عليهم ولي الحق بإملاله فقال: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] يعني ولي الحق.

Bagian V05/P083–V05/P084

ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع هو الصغير، وأن الضعيف هو الكبير الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال يوجب أن يكون قوله: {أو لا يستطيع أن يمل هو} [البقرة: 282] هو العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل، وإما لغيبته عن موضع الكتاب، وإذا كان ذلك كذلك معناه بطل معنى قوله: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله وإن كان أخرس أو غائبا، ولا يجوز حكم أحد في ماله إلا بأمره، وفي صحة معنى ذلك ما يقضي على فساد قول من زعم أن السفيه في هذا الموضع هو الطفل الصغير أو الكبير الأحمق ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] يقول: «ولي الحق » حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] قال: يقول: «إن كان عجز عن ذلك أمل 05P085 صاحب الدين بالعدل» ذكر الرواية عمن قال: عنى بالضعيف في هذا الموضع: الأحمق، وبقوله: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] ولي السفيه والضعيف حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو} [البقرة: 282] قال: «أمر ولي السفيه أو الضعيف أن يمل بالعدل» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «أما الضعيف، فهو الأحمق» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «أما الضعيف فالأحمق» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة: 282] «لا يعرف فيثبت لهذا حقه ويجهل ذلك، فوليه بمنزلته حتى يضع لهذا حقه» وقد دللنا على أولى التأويلين بالصواب في ذلك، وأما قوله: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] فإنه يعني بالحق 05P085

Bagian V05/P084–V05/P086

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: واستشهدوا على حقوقكم شاهدين، يقال: فلان شهيدي على هذا المال وشاهدي عليه، وأما قوله: {من رجالكم} [البقرة: 282] فإنه يعني من أحراركم المسلمين دون عبيدكم، ودون أحراركم الكفار كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] قال: «الأحرار» حدثني يونس، قال: أخبرنا علي بن سعيد، عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن مجاهد، مثله 05P086 [البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يكونا رجلين، فليكن رجل وامرأتان على الشهادة، ورفع الرجل والمرأتان بالرد على الكون ، وإن شئت قلت: فإن لم يكونا رجلين فليشهد رجل وامرأتان على ذلك، وإن شئت فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان يشهدون عليه؛ وإن قلت: فإن لم يكونا رجلين فرجل 05P087 وامرأتان كان صوابا كل ذلك جائز، ولو كان فرجل وامرأتان نصبا كان جائزا على تأويل: فإن لم يكونا رجلين، فاستشهدوا رجلا وامرأتين، وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] «يقول في الدين» ، {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] «وذلك في الدين» {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] يقول: «عدول» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] «أمر الله عز وجل أن يشهدوا ذوي عدل من رجالهم» {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] 05P087

Bagian V05/P086–V05/P088

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] بفتح الألف من «أن» ونصب «تضل» و «تذكر» ، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير؛ لأن التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان «تضل» لأن المعنى ما وصفنا في قولهم. وقالوا: إنما نصبنا «تذكر» ، لأن الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله فصار جوابه مردودا عليه، كما تقول في الكلام: إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى، بمعنى أنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل أو إذا سأل، فالذي يعجبك هو الإعطاء دون المسألة، ولكن قوله: أن يسأل، لما تقدم اتصل بما قبله، وهو قوله: ليعجبني، فتح «أن» ونصب بها، ثم أتبع ذلك قوله: «يعطى» ، فنصبه بنصب قوله: «ليعجبني أن يسأل» ، نسقا عليه، وإن كان في معنى الجزاء. وقرأ ذلك آخرون كذلك، غير أنهم كانوا يقرءونه بتسكين الذال من «تذكر» وتخفيف كافها، وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويل قراءتهم إياه كذلك، وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه: فتصير إحداهما الأخرى ذكرا باجتماعهما، بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها جازت، كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين؛ لأن شهادة كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحد، فتصير شهادتهما حينئذ منزلة شهادة واحد من الذكور، فكأن كل واحدة منهما في قول متأولي ذلك بهذا المعنى صيرت صاحبتها معها ذكرا؛ وذهب إلى قول العرب: لقد أذكرت بفلان أمه، أي ولدته ذكرا، فهي تذكر به، وهي امرأة مذكرة إذا كانت تلد الذكور من الأولاد وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينة أنه كان يقوله حدثت بذلك، عن أبي عبيد القاسم بن سلام، أنه قال: حدثت عن سفيان بن عيينة، أنه قال: " ليس تأويل قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] من الذكر بعد النسيان إنما هو من الذكر، بمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر " وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى الذكر بعد النسيان وقرأ ذلك آخرون: (إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) بكسر «إن» من قوله: (إن تضل) ورفع «تذكر» وتشديده، كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان، إن نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى من تثبيت الذاكرة الناسية وتذكيرها ذلك، وانقطاع ذلك عما قبله.

Bagian V05/P088–V05/P091

ومعنى الكلام عند قارئ ذلك كذلك: واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، فإن إحداهما إن ضلت ذكرتها الأخرى؛ على استئناف الخبر عن فعلها إن نسيت إحداهما شهادتها من تذكير الأخرى منهما صاحبتها الناسية، وهذه قراءة كان الأعمش يقرؤها ومن أخذها عنه، وإنما نصب الأعمش {تضل} [البقرة: 282] لأنها في محل جزم بحرف الجزاء، وهو «إن» وتأويل الكلام على قراءته: إن تضلل، فلما أدغمت إحدى اللامين في الأخرى حركها إلى أخف الحركات ورفع «تذكر» بالفاء، لأنه جواب الجزاء ، والصواب من القراءة عندنا في ذلك قراءة من قرأه بفتح «أن» من قوله: {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] وبتشديد الكاف من قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ونصب الراء منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فليشهد رجل وامرأتان كي إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى، وأما نصب «فتذكر» فبالعطف على «تضل» ، وفتحت «أن» بحلولها محل «كي» ، وهي في موضع جزاء، والجواب بعده اكتفاء بفتحها، أعني بفتح «أن» من «كي» ونسق الثاني، أعني {فتذكر} [البقرة: 282] على {تضل} [البقرة: 282] ، ليعلم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فيه وهو ظاهر قد دل عليه وأدى عن معناه وعمله، أي عن «كي» ، وإنما اخترنا ذلك في القراءة لإجماع الحجة من قدماء القراء والمتأخرين على ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته في ذلك بما انفرد به عنهم، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها المسلمون مستفيضة بينهم إلى غيرها، وأما اختيارنا {فتذكر} [البقرة: 282] بتشديد الكاف، فإنه بمعنى تأدية الذكر من إحداهما على الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر، فالتشديد به أولى من التخفيف. وأما ما حكي عن ابن عيينة من التأويل الذي ذكرناه، فتأويل خطأ لا معنى له لوجوه شتى: أحدها: أنه خلاف لقول جميع أهل التأويل، والثاني: أنه معلوم بأن ضلال إحدى المرأتين في الشهادة التي شهدت عليها إنما هو خطوهاعنها بنسيانها إياها كضلال الرجل في دينه إذا تحير فيه فعدل عن الحق، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكرا معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها؟ فالضالة منهما في شهادتها حينئذ لا شك أنها إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستجرئها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل في قوتها في ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، كما يقال للشيء القوي في عمله: ذكر، وكما يقال للسيف الماضي في ضربه: سيف ذكر، ورجل ذكر، يراد به: ماض في عمله، قوي البطش، صحيح العزم، فإن كان ابن عيينة هذا أراد، فهو مذهب من مذاهب تأويل ذلك؟ إلا أنه إذا تأول ذلك كذلك، صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذي تأولناه فيه، وإن خالفت القراءة بذلك المعنى القراءة التي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بالذي اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله: فتذكر، ولا نعلم أحدا تأول ذلك كذلك، ويستحب قراءته كذلك بذلك المعنى، فالصواب في قوله إذ كان الأمر عاما على ما وصفنا ما اخترنا.

Bagian V05/P091

ذكر من تأول قوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] نحو تأويلنا الذي قلنا فيه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] «علم الله أن ستكون حقوق، فأخذ لبعضهم من بعض الثقة، فخذوا بثقة الله، فإنه أطوع لربكم، 05P093 وأدرك لأموالكم، ولعمري لئن كان تقيا لا يزيده الكتاب إلا خيرا، وإن كان فاجرا فبالحري أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودا» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] يقول: «أن تنسى إحداهما فتذكرها الأخرى» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] يقول: تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] يقول: «إن تنس إحداهما تذكرها الأخرى» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] قال: " كلاهما لغة وهما سواء، ونحن نقرأ: {فتذكر} [البقرة: 282] " 05P093

Bagian V05/P091–V05/P096

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] اختلف أهل التأويل في الحال التي نهى الله الشهداء عن إباء الإجابة إذا دعوا 05P094 بهذه الآية، فقال بعضهم: معناه: لا يأب الشهداء أن يجيبوا إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله تعالى: " {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه القوم، فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم " قال: وكان قتادة يتأول هذه الآية: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ليشهدوا لرجل على رجل حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: " كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا، فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله عز وجل: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «لا تأب أن تشهد إذا ما دعيت إلى شهادة» وقال آخرون بمثل معنى هؤلاء، إلا أنهم قالوا: يجب فرض ذلك على من دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره، فأما إذا وجد غيره فهو في الإجابة إلى 05P095 ذلك مخير إن شاء أجاب وإن شاء لم يجب ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، قال: {لا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره شهد» وقال آخرون: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا للشهادة على من أراد الداعي إشهاده عليه، والقيام بما عنده من الشهادة من الإجابة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عامر، عن الحسن: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: قال الحسن: «الإقامة والشهادة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: كان الحسن يقول: «جمعت أمرين لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة » حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] «يعني من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحل له أن 05P096 يأبى إذا ما دعي» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن يونس، عن الحسن: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «لإقامتها، ولا يبذأ بها إذا دعاه ليشهده، وإذا دعاه ليقيمها» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا للقيام بالشهادة التي عندهم للداعي من إجابته إلى القيام بها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا شهد» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] يقول: «إذا كانوا قد أشهدوا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا كانت عندك شهادة فدعيت» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ليث، عن مجاهد، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا كانت شهادة فأقمها، فإذا دعيت لتشهد، فإن شئت فاذهب، وإن شئت فلا تذهب» حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الملك بن الصباح، عن عمران بن حدير، قال: قلت لأبي مجلز: ناس يدعونني لأشهد بينهم، وأنا أكره أن أشهد بينهم؟

Bagian V05/P096–V05/P099

قال: «دع ما تكره، فإذا شهدت فأجب إذا دعيت» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال: «الشاهد بالخيار ما لم يشهد» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن عكرمة، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «لإقامة الشهادة» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي 05P098 عامر، عن عطاء، قال: «في إقامة الشهادة» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو عامر المزني، قال: سمعت عطاء، يقول: «ذلك في إقامة الشهادة» ، يعني قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو حرة، أخبرنا عن الحسن: أنه سأله سائل قال: أدعى إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها، قال: «فلا تجب إن شئت» حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، قال: سألت إبراهيم قلت: أدعى إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى، قال: «فلا تشهد إن شئت» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عامر، عن عطاء، قال: «للإقامة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا كانوا قد شهدوا» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «هو الذي عنده 05P099 الشهادة» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] يقول: «لا يأب الشاهد أن يتقدم فيشهد إذا كان فارغا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «هم الذين قد شهدوا» قال: " ولا يضر إنسانا أن يأبى أن يشهد إن شاء. قلت لعطاء: ما شأنه إذا دعي أن يكتب وجب عليه أن لا يأبى، وإذا دعي أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء؟ قال: «كذلك يجب على الكاتب أن يكتب، ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء؛ الشهداء كثير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا شهد فلا يأب إذا دعي أن يأتي يؤدي شهادة ويقيمها» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولا يأب الشهداء} [البقرة: 282] قال: «كان الحسن يتأولها إذا كانت عنده شهادة فدعي ليقيمها» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «إذا كتب الرجل شهادته، 05P100 أو أشهد لرجل فشهد، والكاتب الذي يكتب الكتاب؛ دعوا إلى مقطع الحق، فعليهم أن يجيبوا، وأن يشهدوا بما أشهدوا عليه» وقال آخرون: هو أمر من الله عز وجل الرجل والمرأة بالإجابة إذا دعي ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق ابتداء لا إقامة الشهادة، ولكنه أمر ندب لا فرض ذكر من قال ذلك: حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، في قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] قال: «أمرت أن تشهد، فإن شئت فاشهد، وإن شئت فلا تشهد» حدثني أبو العالية، قال: ثنا أبو قتيبة، عن محمد بن ثابت العصري، عن عطاء، بمثله وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي عليه ما عليه للذي هو له.

Bagian V05/P099–V05/P101

وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى في ذلك من سائر الأقوال غيره؛ لأن الله عز وجل قال: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم الشهداء، وغير جائز أن يلزمهم اسم الشهداء إلا وقد استشهدوا قبل ذلك، فشهدوا على ما ألزمهم شهادتهم عليه اسم الشهداء، فأما قبل أن يستشهدوا على شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء؛ لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له شاهد، بمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلح لأن يشهد وإن كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره، أو من قد قام بشهادته، فلزمه لذلك هذا الاسم؛ كان معلوما أن المعني بقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] من وصفنا صفته ممن قد استرعي شهادة أو شهد، فدعي إلى القيام بها؛ لأن الذي لم يستشهد ولم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستحق اسم شهيد ولا شاهد، لما قد وصفنا قبل مع أن في دخول الألف واللام في «الشهداء» دلالة واضحة على أن المسمى بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بالشهادة، وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهل الحقوق باستشهادهم بقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوما أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعد ما استشهدوا فشهدوا؛ ولو كان ذلك أمرا لمن أعرض من الناس فدعي إلى الشهادة يشهد عليها لقيل: ولا يأب شاهد إذا ما دعي، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الذي نقول به في الذي يدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة، فإن الفرض عليه إجابة داعيه إليها كما فرض على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه، ففرض عليه أن يكتب، كما فرض على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام، فحضره جاهل بالإيمان وبفرائض الله فسأله تعليمه وبيان ذلك له أن يعلمه ويبينه له، ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعي ابتداء ليشهد على ما أشهد عليه بهذه الآية، ولكن بأدلة سواها، وهي ما ذكرنا، وقد فرضنا على الرجل إحياء ما قدر على إحيائه من حق أخيه المسلم، والشهداء جمع شهيد 05P102

Bagian V05/P101–V05/P104

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تسأموا أيها الذين تداينون الناس إلى أجل أن تكتبوا صغير الحق، يعني قليله أو كبيره يعني أو كثيره {إلى أجله} [البقرة: 282] إلى أجل الحق، فإن الكتاب أحصى للأجل والمال حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] قال: «هو الدين» 05P103 ومعنى قوله: {ولا تسأموا} [البقرة: 282] لا تملوا، يقال منه: سئمت فأنا أسأم سآمة وسأمة، ومنه قول لبيد: [+البحر الكامل] ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد ؟ ومنه قول زهير: [+البحر الطويل] سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم يعني مللت. وقال بعض نحويي البصريين: تأويل قوله: {إلى أجله} [البقرة: 282] إلى أجل الشاهد، ومعناه: إلى الأجل الذي تجوز شهادته فيه، وقد بينا القول فيه 05P102 [البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم أقسط عند الله} [البقرة: 282] يعني جل ثناؤه بقوله: ذلكم اكتتاب كتاب الدين إلى أجله، ويعني بقوله {أقسط} [البقرة: 282] : أعدل عند الله، يقال منه: أقسط الحاكم فهو يقسط إقساطا وهو مقسط، إذا عدل في حكمه، وأصاب الحق فيه، فإذا جار قيل: قسط فهو يقسط قسوطا، ومنه قول الله عز وجل: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} [الجن: 15] يعني الجائرون 05P104 وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ذلكم أقسط عند الله} [البقرة: 282] يقول: «أعدل عند الله» 05P104 [البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقوم للشهادة} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: وأصوب للشهادة، وأصله من قول القائل: أقمته من عوجه، إذا سويته فاستوى. وإنما كان الكتاب أعدل عند الله وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه؛ لأنه يحوي الألفاظ التي أقر بها البائع والمشتري ورب الدين والمستدين على نفسه، فلا يقع بين الشهود اختلاف في ألفاظهم بشهادتهم لاجتماع شهادتهم على ما حواه الكتاب، وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك، كان فصل الحكم بينهم أبين لمن احتكم إليه من الحكام، مع غير ذلك من الأسباب، وهو أعدل عند الله؛ لأنه قد أمر به، واتباع أمر الله لا شك أنه عند الله أقسط وأعدل من تركه والانحراف عنه 05P104 [البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {وأدنى ألا ترتابوا} [البقرة: 282] يعني جل ثناؤه بقوله: {وأدنى} [البقرة: 282] وأقرب، من الدنو: وهو القرب، ويعني بقوله: {ألا ترتابوا} [البقرة: 282] من أن لا تشكوا في الشهادة كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ذلك أدنى أن لا ترتابوا} يقول: «أن لا تشكوا في الشهادة» 05P105 وهو تفتعل من الريبة، ومعنى الكلام: ولا تملوا أيها القوم أن تكتبوا الحق الذي لكم قبل من داينتموه من الناس إلى أجل صغيرا كان ذلك الحق، قليلا أو كثيرا، فإن كتابكم ذلك أعدل عند الله وأصوب لشهادة شهودكم عليه، وأقرب لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأجل إذا كان مكتوبا 05P104

Bagian V05/P104–V05/P105

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} [البقرة: 282] ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوق التي لهم عليهم، ما وجب لهم قبلهم من حق عن مبايعة بالنقود الحاضرة يدا بيد، فرخص لهم في ترك اكتتاب الكتب بذلك؛ لأن كل واحد منهم أعني من الباعة والمشترين، يقبض إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقدا ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة، فلا حاجة لهم في ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتابا بما وجب لهم قبلهم وقد تقابضوا الواجب لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكره: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} [البقرة: 282] لا أجل فيها ولا تأخير ولا نساء {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} [البقرة: 282] يقول: فلا حرج عليكم ألا تكتبوها، يعني التجارة الحاضرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} [البقرة: 282] يقول: «معكم بالبلد ترونها فتؤخذ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] إلى قوله: {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} [البقرة: 282] قال: «أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، وأمر ما كان يدا بيد أن يشهد عليه صغيرا كان أو كبيرا ورخص لهم أن لا يكتبوه» واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق وعامة القراء: (إلا أن تكون تجارة حاضرة) بالرفع، وانفرد بعض قراء الكوفيين فقرأه بالنصب، وذلك وإن كان جائزا في العربية، إذ كانت العرب تنصب النكرات والمنعوتات مع «كان» ، وتضمر معها في «كان» مجهولا، فتقول: إن كان طعاما طيبا فأتنا به، وترفعها فتقول: إن كان طعام 05P107 طيب فأتنا به، فتتبع النكرة خبرها بمثل إعرابها، فإن الذي اختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءة بغيره الرفع في التجارة الحاضرة لإجماع القراء على ذلك، وشذوذ من قرأ ذلك نصبا عنهم، ولا يعترض بالشاذ على الحجة، ومما جاء نصبا قول الشاعر: [+البحر المتقارب] أعيني هل تبكيان عفاقا إذا كان طعنا بينهم وعناقا وقول الآخر: [+البحر الطويل] ولله قومي أي قوم لحرة إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات لما وصفنا من اتباع أخبار النكرات أسماءها، وكان من حكمها أن يكون معها مرفوع ومنصوب، فإذا رفعوهما جميعهما تذكروا اتباع النكرة خبرها، وإذا نصبوهما تذكروا صحبة «كان» لمنصوب ومرفوع، ووجدوا النكرة يتبعها خبرها، وأضمروا في كان مجهولا لاحتمالها الضمير، 05P108 وقد ظن بعض الناس أن من قرأ ذلك: {إلا أن تكون تجارة حاضرة} [البقرة: 282] إنما قرأه على معنى: إلا أن يكون تجارة حاضرة، فزعم أنه كان يلزم قارئ ذلك أن يقرأ «يكون» بالياء، وأغفل موضع صواب قراءته من جهة الإعراب، وألزمه غير ما يلزمه، وذلك أن العرب إذا جعلوا مع كان نكرة مؤنثا بنعتها أو خبرها، أنثوا «كان» مرة، وذكروها أخرى، فقالوا: إن كانت جارية صغيرة فاشتروها، وإن كان جارية صغيرة فاشتروها، تذكر «كان» وإن نصبت النكرة المنعوتة أو رفعت أحيانا وتؤنث أحيانا. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: (إلا أن تكون تجارة حاضرة) مرفوعة فيه التجارة الحاضرة لأن يكون بمعنى التمام، ولا حاجة بها إلى الخبر، بمعنى: إلا أن توجد أو تقع أو تحدث، فألزم نفسه ما لم يكن لها لازما؛ لأنه إنما ألزم نفسه ذلك إذا لم يكن يجد لكان منصوبا، ووجد التجارة الحاضرة مرفوعة، وأغفل جواز قوله: {تديرونها بينكم} [البقرة: 282] أن يكون خبرا لكان، فيستغني بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.

Bagian V05/P105

والذي قال من حكينا قوله من البصريين غير خطأ في العربية، غير أن الذي قلنا بكلام العرب أشبه، وفي المعنى أصح، وهو أن يكون في قوله: {تديرونها بينكم} [البقرة: 282] وجهان: أحدهما أنه في موضع نصب على أنه حل محل خبر «كان» ، والتجارة الحاضرة اسمها والآخر: أنه في موضع رفع على إتباع التجارة 05P109 الحاضرة؛ لأن خبر النكرة يتبعها، فيكون تأويله: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم 05P106

Bagian V05/P105–V05/P110

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونسائه، فإن إرخاصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدا بيد ونقدا ليس بإرخاص مني لكم في ترك الإشهاد منكم على من بعتموه شيئا أو ابتعتم منه؛ لأن في ترككم الإشهاد على ذلك خوف المضرة على كل من الفريقين، أما على المشتري، فأن يجحد البائع المبيع، وله بينة على ملكه ما قد باع، ولا بينة للمشتري منه على الشراء منه فيكون القول حينئذ قول البائع مع يمينه ويقضى له به، فيذهب مال المشتري باطلا، وأما على البائع فأن يجحد المشتري الشراء، وقد زال ملك البائع عما باع، ووجب له قبل المبتاع ثمن ما باع، فيحلف على ذلك فيبطل حق البائع قبل المشتري من ثمن ما باعه، فأمر الله عز وجل الفريقين بالإشهاد، لئلا يضيع حق أحد الفريقين قبل الفريق الآخر. ثم اختلفوا في معنى قوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] أهو أمر من الله واجب بالإشهاد عند المبايعة، أم هو ندب؟ فقال بعضهم: هو ندب إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن، وشقيق، عن رجل، عن الشعبي، في قوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] قال: «إن شاء أشهد، 05P110 وإن شاء لم يشهد» ألم تسمع إلى قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا الربيع بن صبيح، قال: قلت للحسن: أرأيت قول الله عز وجل: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] ؟ قال: «إن أشهدت عليه فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد عليه فلا بأس» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن صبيح، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، قول الله عز وجل: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] أبيع الرجل وأنا أعلم أنه لا ينقد في شهرين ولا ثلاثة، أترى بأسا ألا أشهد عليه؟ قال: «إن أشهدت فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد فلا بأس» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن الشعبي: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] قال: «إن شاءوا أشهدوا، وإن شاءوا لم يشهدوا» وقال آخرون: الإشهاد على ذلك واجب ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا 05P111 تكتبوها} [البقرة: 282] «ولكن أشهدوا عليها إذا تبايعتم أمر الله ما كان يدا بيد، أن يشهدوا عليه صغيرا كان أو كبيرا» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: «ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويشهد عليه، وذلك في المقام» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن الإشهاد على كل مبيع ومشتري حق واجب وفرض لازم، لما قد بينا من أن كل أمر لله فرض، إلا ما قامت حجته من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد. وقد دللنا على وهي قول من قال ذلك منسوخ بقوله: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] فيما مضى فأغنى عن إعادته 05P111

Bagian V05/P110–V05/P114

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ذلك نهي من الله لكاتب الكتاب بين أهل الحقوق والشهيد أن يضار أهله، فيكتب هذا ما لم يملله المملي، ويشهد هذا بما لم يستشهده الشهيد ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن 05P112 طاوس، عن أبيه، في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] «ولا يضار كاتب فيكتب ما لم يمل عليه، ولا شهيد فيشهد بما لم يستشهد» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، قال: كان الحسن يقول: " {لا يضار كاتب} [البقرة: 282] فيزيد شيئا أو يحرف، {ولا شهيد} [البقرة: 282] ، قال: لا يكتم الشهادة، ولا يشهد إلا بحق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن قتادة، قال: " اتقى الله شاهد في شهادته لا ينقص منها حقا ولا يزيد فيها باطلا، اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا ولا يزيدن فيه باطلا حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قال: «لا يضار كاتب فيكتب ما لم يملل، ولا شهيد فيشهد بما لم يستشهد» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا 05P113 يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قال: " لا يضار كاتب فيكتب غير الذي أملي عليه، قال: والكتاب يومئذ قليل، ولا يدرون أي شيء يكتب، فيضار فيكتب غير الذي أملي عليه، فيبطل حقهم، قال: والشهيد: يضار فيحول شهادته، فيبطل حقهم " فأصل الكلمة على تأويل من ذكرنا من هؤلاء: ولا يضارر كاتب ولا شهيد، ثم أدغمت الراء في الراء؛ لأنهما من جنس وحركت إلى الفتح وموضعها جزم، لأن الفتح أخف الحركات. وقال آخرون ممن تأول هذه الكلمة هذا التأويل: معنى ذلك: ولا يضار كاتب ولا شهيد بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عندهما من العلم أو الشهادة ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: «أن يؤديا ما قبلهما» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قال: «لا يضار» أن يؤديا ما عندهما من العلم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: {لا يضار كاتب ولا 05P114 شهيد} [البقرة: 282] قال: " أن يدعوهما فيقولان: إن لنا حاجة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، ومجاهد: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قالا: «واجب على الكاتب أن يكتب» {ولا شهيد} [البقرة: 282] قالا: «إذا كان قد شهدا قبله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يضار المستكتب والمستشهد الكاتب والشهيد، وتأويل الكلمة على مذهبهم: ولا يضارر على وجه ما لم يسم فاعله ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: كان عمر يقرأ: (ولا يضارر كاتب ولا شهيد) حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، قال : كان ابن مسعود يقرأ: (ولا يضارر) " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، أنه كان يقرأ: (ولا يضارر كاتب ولا شهيد) وأنه كان يقول في تأويلها: «ينطلق الذي له الحق فيدعو 05P115 كاتبه وشاهده إلى أن يشهد، ولعله أن يكون في شغل أو حاجة ليؤثمه إن ترك ذلك حينئذ لشغله وحاجته» وقال مجاهد: «لا يقم عن شغله وحاجته، فيجد في نفسه أو يحرج» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] والضرار: " أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن تأتي إذا دعيت، فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره.

Bagian V05/P114

فنهاه الله عز وجل عن ذلك، وقال: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: " إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد، فيقول: خلوا سبيله " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن عكرمة، في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قال: " يكون به العلة، أو يكون مشغولا. يقول: فلا يضاره " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه كان يقول: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: " لا يأت الرجل فيقول: انطلق فاكتب لي واشهد لي، فيقول: إن لي حاجة فالتمس غيري، 05P116 فيقول: اتق الله فإنك قد أمرت أن تكتب لي، فهذه المضارة؛ ويقول: دعه والتمس غيره، والشاهد بتلك المنزلة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: " يدعو الرجل الكاتب أو الشهيد، فيقول الكاتب أو الشاهد: إن لنا حاجة، فيقول الذي يدعوهما: إن الله عز وجل أمركما أن تجيبا في الكتابة والشهادة، يقول الله عز وجل لا يضارهما " حدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك في قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] " هو الرجل يدعو الكاتب أو الشاهد وهما على حاجة مهمة، فيقولان: إنا على حاجة مهمة فاطلب غيرنا، فيقول: الله أمركما أن تجيبا، فأمره أن يطلب غيرهما ولا يضارهما، يعني لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة وهو يجد غيرهما " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: " ليس ينبغي أن تعترض رجلا له حاجة فتضاره فتقول له: اكتب لي، فلا تتركه حتى يكتب لك وتفوته حاجته، ولا شاهدا من شهودك وهو مشغول، فتقول: اذهب فاشهد لي تحبسه عن حاجته، وأنت تجد غيره " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] قال: " لما نزلت هذه الآية: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول: إنك قد أمرت أن تكتب لي، فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره، ويأتي الرجل فيقول: انطلق معي، فيقول: اذهب إلى غيري فإني مشغول أو لي حاجة، فيلزمه ويقول: قد أمرت أن تتبعني، فيضاره بذلك، وهو يجد غيره، فأنزل الله عز وجل {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يقول: " إن لي حاجة فدعني، فيقول: اكتب لي "، {ولا شهيد} [البقرة: 282] «كذلك» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يضار كاتب ولا شهيد، بمعنى: ولا يضارهما من استكتب هذا أو استشهد هذا بأن يأبى على هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن يجيب إلى الشهادة وهو غير فارغ، على ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل.

Bagian V05/P114

وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب من غيره؛ لأن الخطاب من الله عز وجل في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنما هو 05P118 خطاب لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون، فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب كقوله: {وليكتب بينكم كاتب} [البقرة: 282] وكقوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وما أشبه ذلك، فالواجب إذا كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] أشبه منه بأن يكون مردودا على الكاتب والشهيد، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيين عن الضرار لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوق بهما، لأنهما اثنان، وإنما غير مخاطبين بقوله: {ولا يضار} [البقرة: 282] بل النهي بقوله: {ولا يضار} [البقرة: 282] نهي للغائب غير المخاطب، فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرا لما في سياق الآية، أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلا عنه 05P117

Bagian V05/P114–V05/P120

[البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه من ذلك، فإنه فسوق بكم، يعني: إثم بكم ومعصية. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] يقول: «إن تفعلوا غير الذي 05P119 آمركم به، فإنه فسوق بكم» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] " الفسوق: المعصية " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] " الفسوق: العصيان " وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يضار كاتب فيكتب غير الذي أملى المملي، ويضار شهيد فيحول شهادته ويغيرها، فإنه فسوق بكم، يعني فإنه كذب ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] " الفسوق: الكذب، قال: هذا فسوق؛ لأنه كذب الكاتب فحول كتابه فكذب، وكذب الشاهد فحول شهادته، فأخبرهم الله أنه كذب " وقد دللنا فيما مضى على أن المعني بقوله: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] إنما معناه: لا يضارهما المستكتب والمستشهد، بما فيه الكفاية، فقوله: {وإن تفعلوا} [البقرة: 282] إنما هو إخبار من يضارهما بحكمه فيهما، وأن من يضارهما فقد 05P120 عصى ربه وأثم به، وركب ما لا يحل له، وخرج عن طاعة ربه في ذلك 05P119 [البقرة: 282] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يعني بقوله جل ثناؤه: {واتقوا الله} [البقرة: 189] وخافوا الله أيها المتداينون في الكتاب والشهود أن تضاروهم، وفي غير ذلك من حدود الله أن تضيعوه، ويعني بقوله: {ويعلمكم الله} [البقرة: 282] ويبين لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يعني من أعمالكم وغيرها، يحصيها عليكم ليجازيكم بها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {ويعلمكم الله} [البقرة: 282] قال: «هذا تعليم علمكموه فخذوا به» 05P120

Bagian V05/P120–V05/P122

[البقرة: 283] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم} [البقرة: 283] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته القراء في الأمصار جميعا {كاتبا} [البقرة: 283] ، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ، وقرأ جماعة من المتقدمين: «ولم تجدوا كتابا» بمعنى: ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين سبيل، إما بتعذر الدواة والصحيفة، وإما بتعذر الكاتب وإن وجدتم الدواة والصحيفة. والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا هي قراءة الأمصار : {ولم تجدوا كاتبا} [البقرة: 283] بمعنى: من يكتب؛ لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وإن كنتم أيها المتداينون في سفر بحيث لا تجدون كاتبا يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيل، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونا تقبضونها ممن تداينونه كذلك ليكون ثقة لكم بأموالكم ذكر من قال ما قلنا في ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة) «فمن كان على سفر فبايع بيعا إلى أجل فلم يجد كاتبا فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وجد كاتبا أن يرتهن» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا} [البقرة: 283] يقول: " كاتبا يكتب لكم، {فرهان 05P122 مقبوضة} [البقرة: 283] " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: «ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أن يكتب ويشهد عليه وذلك في المقام، فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا كاتبا، فرهان مقبوضة» ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التي حكيناها: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: «فإن لم تجدوا كتابا» يعني بالكتاب: الكاتب والصحيفة والدواة والقلم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبي، عن ابن عباس، أنه قرأ: «فإن لم تجدوا كتابا» ، قال: «ربما وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتبا» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقرؤها: «فإن لم تجدوا كتابا» ويقول: «ربما وجد الكاتب ولم توجد الصحيفة أو المداد، ونحو هذا من القول» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 05P123 مجاهد : «وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابا» يقول: " مدادا، يقرؤها كذلك، يقول: فإن لم تجدوا مدادا، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة، {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] قال: لا يكون الرهن إلا في السفر " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، قال: إن أبا العالية كان يقرؤها: «فإن لم تجدوا كتابا» قال أبو العالية: «توجد الدواة ولا توجد الصحيفة» واختلف القراء في قراءة قوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] بمعنى جماع رهن، كما الكباش جماع كبش، والبغال جماع بغل، والنعال جماع نعل، وقرأ ذلك جماعة آخرون: (فرهن مقبوضة) على معنى جمع رهان ورهن جمع الجمع، وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع رهن مثل سقف وسقف، وقرأه آخرون: (فرهن) مخففة الهاء، على معنى جماع رهن، كما تجمع السقف سقفا؛ قالوا: ولا نعلم اسما على فعل يجمع على فعل وفعل إلا الرهن والرهن والسقف والسقف.

Pertanyaan