Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V02/P016

الثلاثون : الكريم { وأنه إنه لقرءان فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 77 ) واعلم أنه تعالى سمي سبعة أشياء بالكريم { ما غرك بربك الكريم } ( الانفطار : 60 ) إذ لا جواد إجود منه ، والقرآن بالكريم ، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم والعلوم ما يستفاد منه ، وسمي موسى كريما { وجاءهم رسول كريم } ( الدخان : 17 ) وسمي ثواب الأعمال كريما { فبشره بمغفرة وأجر كريم } ( يس : 11 ) وسمي عرشه كريما { الله لا إلاه إلا هو رب العرش الكريم } ( النمل : 26 ) لأنه منزل الرحمة ، وسمي جبريل كريما { إنه لقول رسول كريم } ( التكوير : 19 ) ومعناه أنه عزيز ، وسمي كتاب سليمان كريما { إنى ألقى إلى كتاب كريم } ( النمل : 29 ) فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة ، فإذا تمسكوا به نالوا ثوابا كريما . ومن أسمائه ( العظيم ) : الحادي والثلاثون : العظيم : { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان العظيم } ( الحجر : 87 ) اعلم أنه تعالى سمى نفسه عظيما فقال : { وهو العلى العظيم } ( البقرة : 255 ) وعرشه عظيما { وهو رب العرش العظيم } ( التوبة : 129 ) وكتابه عظيما { ولقد ءاتيناك } ( الحجر : 87 ) ويوم القيامة عظيما { ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 5 ، 6 ) والزلزلة عظيمة { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : 1 ) وخلق الرسول عظيما { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) والعلم عظيما { وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وكيد النساء عظيما { إن كيدكن عظيم } ( يوسف : 28 ) وسحر سحرة / فرعون عظيما { وجاءو بسحر عظيم } ( الأعراف : 116 ) وسمي نفس الثواب عظيما { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( الفتح : 29 ) وسمي عقاب المنافقين عظيما { ولهم عذاب عظيم } ( البقرة : 7 ) . ومنها المبارك : الثاني والثلاثون : المبارك : { وهاذا ذكر مبارك } ( الأنبياء : 50 ) وسمى الله تعالى به أشياء ، فسمي الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركا { فى البقعة المباركة من الشجرة } ( القصص : 30 ) وسمى شجرة الزيتون مباركة { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } ( التوبة : 35 ) لكثرة منافعها ، وسمي عيسى مباركا { وجعلنى مباركا } ( مريم : 31 ) وسمي المطر مباركا { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ( ق: 9 ) لما فيه من المنافع ، وسمي ليلة القدر مباركة { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } ( الدخان : 3 ) فالقرآن ذكر مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة . اتصال ( آلم ) بقوله ( ذلك الكتاب ) : المسألة الرابعة : في بيان اتصال قوله : { الم } بقوله : { ذالك الكتاب } قال صاحب الكشاف : إن جعلت { الم } اسما للسورة ففي التأليف وجوه :

Bagian V02/P016–V02/P018

الأول : أن يكون { الم } مبتدأ و { ذالك } مبتدأ ثانيا و { الكتاب } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول / ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص ، وإنه الذي يستأهل أن يكون كتابا كما تقول : هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال ، وأن يكون الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود ، وأن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف أي هذه { الم ويكون ذالك الكتاب } خبرا ثانيا أو بدلا على أن الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك ، وأن تكون هذه { الم } جملة و { ذالك الكتاب } جملة أخرى وإن جعلت { الم } بمنزلة الصوت كان { ذالك } مبتدأ وخبره { الكتاب } أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف ، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبد الله { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه } ( السجدة : 2 ) وتأليف هذا ظاهر . تفسير قوله تعالى : { لا ريب فيه } : قوله تعالى : { لا ريب فيه } فيه مسألتان : المسألة الأولى : الريب قريب من الشك ، . وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء ، ومنها قوله عليه السلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) فإن قيل : قد يستعمل الريب في قولهم : ( ريب الدهر ) و ( ريب الزمان ) أي حوادثه قال الله تعالى : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) ويستعمل أيضا في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر : فقضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا قلنا : هذان قد يرجعان إلى معنى الشك ، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل ، فهو كالمشكوك / فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى : { لا ريب فيه } المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ، ولا في كونه معجزا . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } ( البقرة : 23 ) وها هنا سؤالات : السؤال الأول : طعن بعض الملحدة فيه فقال : إن عني أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عني أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني : لم قال ههنا : { لا ريب فيه } وفي موضع آخر { لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) ؟ الجواب : لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا ها هنا ، كما قصد في قوله : { لا فيها غول } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث : من أين يدل قوله : { لا ريب فيه } على نفي الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء { لا ريب فيه } بالرفع . واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية ، والدليل عليه أن قوله : { لا ريب } نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان قولنا : ( لا إله إلا الله ) نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما قولنا : ( لا ريب فيه ) بالرفع فهو نقيض لقولنا : ( ريب فيه ) وهو يفيد ثبوت فرد واحد / فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض .

Bagian V02/P018–V02/P019

الوقف على ( فيه ) : المسألة الثانية : الوقف على { فيه } هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على { لا ريب } ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا ، ونظيره قوله : { قالوا لا ضير } وقول العرب : لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ والتقدير : { لا ريب فيه } { فيه هدى } . واعلم أن القراءة الأولى أولى ؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم . حقيقة الهدى : قوله تعالى : { هدى للمتقين } فيه مسائل : المسألة الأولى : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب الكشاف : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم . والذي يدل / على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال ، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } أثبت الهدى مع عدم الاهتداء ، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة : أولها : وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال تعالى : { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) وقال : { لعلى هدى } أو { فى ضلال مبين } ( الأعراف : 60 ) وثانيها : يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي ، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها : أن اهتدى مطاوع هدى يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني : أن المنتفع بالهدى سمي مهديا ، وغير منتفع به لا يسمى مهديا ؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث : أن الائتمار مطاوع الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرا حصول الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيا إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم . معنى المتقي :

Bagian V02/P019

المسألة الثانية : المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقي ، والوقاية فرط الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ذكر المتقي ههنا في معرض المدح ، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقيا في أمور الدنيا ، بل بأن يكون متقيا فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات محترزا عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال : ( لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي الخشية ، قال في أول النساء : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم } ( النساء : 1 ) ومثله في أول الحج ، وفي الشعراء { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } ( هود : 106 ) يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قال هود وصالح ، ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله واتقوه } ( نوح : 3 ) يعني اخشوه ، وكذا قوله : { اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ( البقرة : 197 ) { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعا : والإخلاص خامسا : أما الإيمان فقوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) أي التوحيد { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ( الحجرات : 3 ) وفي الشعراء { قوم فرعون ألا يتقون } ( الشعراء : 11 ) أي أو يؤمنون وأما التوبة فقوله : { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا } ( الأعراف : 96 ) أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله في النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } ( النحل : 2 ) وفيه أيضا : { أفغير الله تتقون } ( النحل : 52 ) وفي المؤمنين { وأنا ربكم فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) وأما ترك المعصية فقوله : { وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله } ( البقرة : 189 ) أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج : { فإنها من تقوى القلوب } ( الحج : 32 ) أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله : { وإياى فاتقون } ( البقرة : 41 ) واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : 128 ) وقال : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) وعن ابن عباس قال عليه السلام : ( من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده ) وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الإصرار عل المعصية ، وترك الاغترار وبالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله .

Bagian V02/P019–V02/P020

وقال إبراهيم بن أدهم : التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا . ولا الملائكة في أفعالك عيبا ولا ملك العرش في سرك عيبا وقال الواقدي : التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفا ، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى : { هدى للمتقين } كفاه ، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس } ( البقرة : 185 ) ثم قال ههنا في القرآن : إنه هدي للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان .

Bagian V02/P020

المسألة الثالثة : في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضا فالمتقي مهتدى ، والمهتدي لا يهتدي ثانيا والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب : القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضا دلالة للكافرين . إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقال : { إنما تنذر من اتبع الذكر } ( يس : 11 ) وقد كان عليه السلام منذرا لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . السؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير ؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى / في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج . لا تحتج عليهم بالقرآن ، فإنه حصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه ؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟ . الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وفي معرفة النبوة ، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب ، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الإطلاق ؟ . الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء ، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع ، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم ، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم . السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالا كثيرة متعارضة ، وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه فضلا عن أن يكون مبينا لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحدا منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحدا على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال .

Bagian V02/P020–V02/P021

المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : محل { هدى للمتقين } الرفع ؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع { لا ريب فيه } { لذلك } ، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبرا عنه ، ويجوز أن ينصب على الحال ، والعامل فيه الإشارة ، أو الظرف ، والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحا ، وأن يقال : إن قوله : { الضالين الم } جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، و { ذالك الكتاب } جملة ثانية ، و { لا ريب فيه } ثالثة و { هدى للمتقين } رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، والثانية متحدة بالأولى وهلم جرا إلى الثالثة ، والرابعة . بيانه : أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدي به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال / فكان تقرير الجهة التحدي / ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا . < < البقرة : ( 3 ) الذين يؤمنون بالغيب . . . . . > > اعلم أن فيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : { الذين يؤمنون } أما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة ، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون ، أو هم الذين ، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه { أولائك على هدى } فإذا كان موصولا كان الوقف على المتقين حسنا غير تام ، وإذا كان منقطعا كان وقفا تاما . المسألة الثانية : قال بعضهم : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين ، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا للسيآت ، أما الفعل فأما أن يكون فعل القلب وهو قوله : { الذين يؤمنون } وأما أن يكون فعل الجوارح ، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة أما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة ، أو مالية ، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمي الرسول عليه السلام : ( الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام ) وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيرا لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي ، فالترك هو التقوى ، والفعل إما فعل القلب ، وهو الإيمان ، أو فعل الجوارح ، وهو الصلاة والزكاة ، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة ، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، واللروح يجب تطهيره أولا عن النقوش الفاسدة ، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه ، وكذا القول في الأخلاق ، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي ، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي .

Bagian V02/P021–V02/P022

المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : الإيمان إفعال من الأمن ، ثم يقال آمنه إذا صدقه ، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة ، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى ( أقر وأعترف ) وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت أن أجد صحابة أي ماوثقت ، فحقيقته صرت ذا أمن ، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في { يؤمنون بالغيب } أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق . وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع . / الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان ، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية ، وأهل الحديث ، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلا عقليا أو نقليا من الكتاب والسنة ، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو كبيرا . فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر ، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق ، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله ، ويكون المراد التصديق ، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام ، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله ، فالإيمان المعدي بالباء يجري على طريقة أهل اللغة / أما إذا ذكر مطلقا غير معدي فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي الذي هو التصديق إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات ، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد . وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر ، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد ، وهو قول النظام ، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها . وأما أهل الحديث فذكروا وجهين : الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة . وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر ، ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار ، ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار ، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله ، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب . الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان ، ومن ترك شيئا من الفرائض فقد انتقصإيمانه ، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه ، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل .

Bagian V02/P022–V02/P023

الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معا ، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء ، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين . أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة ، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم سواء كان اعتقادا تقليديا أو كان علما صادرا عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم ، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال . وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم / أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف . وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالما بالعلم أو عالما لذاته وبكونه مرئيا أو غيره لا يكون داخلا في مسمى الإيمان . القول الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا ، وهو قول بشر بن عتاب المريسي ، وأبي الحسن الأشعري ، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس . القول الثالث : قول طائفة من الصوفية : الإيمان إقرار باللسان ، وإخلاص بالقلب . الفرقة الثالثة : الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط ، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين : أحدهما : أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب ، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان . أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان . وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم . وثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي . الفرقة الرابعة : الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان : الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ، لكن شرط كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب / فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا ، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان ، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولا لغيلان . الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وهو قول الكرامية ، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع ، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول : أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا بالحدوث ، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا ، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص ، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمرا واحدا يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات ، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول ، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم ، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به ، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم ، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني ، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهين أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الإعتقاد فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة .

Bagian V02/P023–V02/P024

/ القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه : الأول : أنه كان في أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلما بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيا . الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين فلو صار منقولا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع . الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدي بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدي كذلك . الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال : { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ( البقرة : 41 ) وقوله : { وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) { كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) { ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) الخامس : أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلا في الإيمان لكان ذلك تكرارا . السادس : أنه تعالى كثيرا ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي ، قال : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 78 ) من ثلاثة أوجه : أحدهما : أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله : { ذلك بأن الذين كفروا } فدل على أنه مؤمن . وثانيها : قوله : { فمن عفى له من أخيه شىء } ( البقرة : 178 ) وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان ، لقوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) وثالثها : قوله : { ذالك تخفيف من ربكم ورحمة } ( البقرة : 178 ) وهذا لا يليق إلا بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى : { والذين ءاووا ونصروا أولئك } ( الأنفال : 72 ) هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النحل : 28 ) وقوله : { مالكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } ( الأنفال : 72 ) ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضا عليه قوله تعالى : { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) وقال : { تشكرون يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وقوله تعالى : { تعملون يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } ( التحريم : 8 ) والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله : { وتوبوا إلى الله جميعا ءاية المؤمنون } ( النور : 31 ) لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنبا وليس كذلك قولنا : هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة . القيد الثاني : أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني ، والدليل عليه قوله تعالى : { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين } ( البقرة : 8 ) نفي كونهم مؤمنين ، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي .

Bagian V02/P024–V02/P025

القيد الثالث : أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمنا . / القيد الرابع : ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عز وجل ؛ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالما لذاته أو بالعلم ، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطا معتبرا في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا . فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان ، فإن قال قائل : ها هنا صورتان : الصورة الأولى : من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة . فههنا أن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان ، وهو خرق للإجماع ، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام : ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) وهذا قلب طافح بالإيمان ، فكيف لا يكون مؤمنا ؟ الصورة الثانية : من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع ، وإن قلتم ليس بؤمن فهو باطل ؛ لقوله عليه السلام : ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق . والجواب : أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين ، وحكم بكونهما مؤمنين ، وإن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان . المسألة الرابعة : قيل : { الغيب } مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كالصوم بمعنى الصائم ، والزور بمعنى الزائر ، ثم في قوله تعالى : { يؤمنون بالغيب } قولان : الأول : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله : { بالغيب } صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقا لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل . فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سببا لاستحقاق الثناء العظيم . واحتج أبو مسلم على قوله بأمور : الأول : أن قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالأخرة هم يوقنون } ( البقرة : 4 ) إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وأنه غير جائز : الثاني : لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن / الإنسان يعلم الغيب ، وهو خلاف قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث : لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله : { الذين يؤمنون بالغيب } لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور .

Bagian V02/P025–V02/P026

والجواب عن الأول : أن قوله : { يؤمنون بالغيب } يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله : { وملئكته وجبريل ورسله وميكال } ( البقرة : 98 ) وعن الثاني : أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا ، فكان ذلك التخصيص لازما على الوجهين جميعا . فإن قيل أفتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول : نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال العلماء : الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة . وعن الثالث : لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد . ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم . المسألة الخامسة : قال بعض الشيعة : المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله تعالى به في القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم } ( النو : 55 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ) واعلم أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل . المسألة السادسة : ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوها : أحدها : أن إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها وآدابها ، من أقام العود إذا قومه . وثانيها : أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى : { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وقال : { الذين هم على صلاتهم دائمون } ( المعارج : 34 ) من قامت السوق إذا نفقت ، وأقامتها نفاقها ؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي نتوجه إليه الرغبات ، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه وثالثها : أنها عبارة عن التجرد لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم : قام / بالأمر ، وقامت الحرب على ساقها ، وفي ضده : قعد عن الأمر ، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط . ورابعها : إقامتها عبارة عن أدائها ، وإنما عبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت وبالركوع وبالسجود ، وقالوا : سبح إذا صلى ، لوجود التسبيح فيها ، قال تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين } ( الصافات : 143 ) وإعلم أن الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه من الثناء العظيم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها وشرائطها ؛ ولذلك فإن القيم بأرزاق الجند إنما يوصف بكونه قيما إذا أعطي الحقوق من دون بخس ونقص ؛ ولهذا يوصف الله تعالى بأنه قائم وقيوم ؛ لأنه يجب دوام وجوده ؛ ولأنه يديم إدرار الرزق على عباده . المسألة السابعة : ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوها . أحدها : أنها الدعاء قال الشاعر : فوقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتشم

Bagian V02/P026–V02/P027

وثانيها : قال الخارزنجي . اشتقاقها من الصلى ، وهي النار ، من قولهم : صليت العصا إذا قومتها بالصلى ، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل باطنه وظاهره مثل من يحاول تقويم الخشبة بعرضها على النار . وثالثها : أن الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى : { تصلى نارا حامية } ( لغشية : 4 ) { سيصلى نارا ذات لهب } ( المسد : 3 ) وسمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصليا . ورابعها : قال صاحب الكشاف : الصلاة فعلة من ( صلى ) كالزكاة من ( زكى ) وكتبتها بالواو على لفظ المفخم ، وحقيقة صلى حرك الصلوين ، لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده ، وقيل الداعي مصلى تشبيها له في تخشعه بالراكع والساجد ، وأقول ها هنا بحثان : الأول : إن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب الكشاف يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة ، وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دورانا على ألسنة المسلمين ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهارا فيما بين أهل النقل ، ولو جوزنا أن يقال : مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره ، ثم أنه خفي ولدارس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر الألفاظ جائزا ، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا ، لاحتمال أنها كانت في زمان الرسول موضوعة لمعان أخر ، وكان مراد الله تعالى منها تلك المعاني ، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا واندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة ، فلما كان ذلك باطلا بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل . الثاني : الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضا مفتتحة بالتحريم / مختتمة بالتحليل ، وهذا الاسم يقع على الفرض والنفل . لكن المراد بهذه الآية الفرض خاصة ؛ لأنه الذي يقف الصلاح عليه ؛ لأنه عليه السلام لما بين للإعرابي صفة الصلاة المفروضة قال والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلح إن صدق ) .

Bagian V02/P027–V02/P028

/ المسألة الثامنة : الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) أي حظكم من هذا الأمر ، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم : الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل ، وهو باطل ، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال : { وأنفقوا مما رزقناكم } ( الرعد : 22 ) فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه . وقال آخرون : الرزق هو ما يملك وهو أيضا باطل ، لأن الإنسان قد يقول : اللهم ارزقني ولدا صالحا أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا الزوجة ، ويقول : اللهم ارزقني عقلا أعيش به وليس العقل بمملوك ، وأيضا البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك . وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه ، فقال أبو الحسين البصري : الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به ، فإذا قلنا : قد رزقنا الله تعالى الأموال ، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها ، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص ، وإذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص ، وإنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به ، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به ، واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا : الحرام لا يكون رزقا . وقال أصحابنا : الحرام قد يكون رزقا ، فحجة الأصحاب من وجهين : الأول : أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه ، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا ونصيبا ، فوجب أن يكون رزقا له الثاني : أنه تعالى قال : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة ، فوجب أن يقال : أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا . أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى : أما الكتاب فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى ، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام ، وذلك باطل بالاتفاق . وثانيها : لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه ، لقوله تعالى : { وأنفقوا مما رزقناكم } ( البقرة : 254 ) وأجمع المسلون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده ، فدل على أن الحرم لا يكون رزقا . وثالثها : قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم } ( يونس : 59 ) فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله ، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا ، وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر بإسناده عن صفوان بن أمية قال .

Bagian V02/P028

كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأئذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام : ( لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله رزقا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا ) وأما المعنى فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به / من منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال أنه رزقه إياه ، ألا ترى أنه لا يقال . أن / السلطن قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه ، وإنما يقال : إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه ، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله ، لكنه كما يقال : يا خالق المحدثات والعرش والكرسي ، ولا يقال : يا خالق الكلاب والخنازير ، وقال : { عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) فخص اسم العباد بالمتقين ، وإن كان الكفار أيضا من العباد ، وكذلك ها هنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقا أيضا ، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا ، لأن قوله عليه السلام : ( فاخترت ما حرم االله عليك من رزقه ) صريح في أن الرزق قد يكون حراما وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا ؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله أعلم .

Bagian V02/P028–V02/P029

المسألة التاسعة : أصل الإنفاق إخراج المال من اليد ، ومنه نفق المبيع نفاقا إذا كثر المشترون له ، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها ، ونافقاء الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى : { أن تبتغى نفقا فى الارض } ( الأنعام : 35 ) . المسألة العاشرة : في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } فوائد : أحدها : أدخل من التبعيضية صيانة لهم ، وكفى عن : الإسراف والتبذير المنهي عنه . وثانيها : قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم ، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به . وثالثها : يدخل في الإنفاق المذكور في الآية ، الإنفاق الواجب ، والإنفاق المندوب ، والإنفاق الواجب أقسام : أحدها : الزكاة وهي قوله في آية الكنز : { ولا ينفقونها في سبيل الله } ( التوبة : 34 ) . وثانيها : الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته . وثالثها : الإنفاق في الجهاد . وأما الإنفاق المندوب فهو أيضا إنفاق لقوله : { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت } وأراد به الصدقة لقوله بعده : { فأصدق وأكن من الصالحين } ( المنافقون : 10 ) فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح . ! 7 < { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالأخرة هم يوقنون } . > 7 < البقرة : ( 4 ) والذين يؤمنون بما . . . . . > > اعلم أن قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، سواء كان قبل ذلك مؤمنا بموسى وعيسى عليهما السلام ، أو ما كان مؤمنا بهما ، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض ، لأن العام يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية ، وقد شرف الله تعالى المسلمين بقوله : { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 2 ، 3 ) فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول : كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى : { من كان عدوا الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) ثم تخصيص / عبد الله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين ، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام ، ثم نقول . أما قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } ففيه مسائل : المسألة الأولى : لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق ، فإذا قلنا فلان آمن بكذا ، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى ، فالمراد بالإيمان ها هنا التصديق بالأتفاق لكن لا بد معه من المعرفة لأن الإيمان ها هنا خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذبا فهو إلى الذم أقرب .

Bagian V02/P029–V02/P030

المسألة الثانية : المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلا ، ومنزلا ، ومنزولا به ، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به ، وهذا كما يقال : نزلت رسالة الأمير من القصر ، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤيدي في سفل . وقوله الأمير لا يفارق ذاته ، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه ، ويقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر . فإن قيل كيف سمع جبريل كلام الله تعالى ، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم ؟ قلنا يحتمل أن يخلق الله تعالى له سمعا لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم ، ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه ، ويجوز أن يخلق الله أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم . المسألة الثالثة : قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } هذا الإيمان واجب ، لأنه قال في آخره : { وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحا ، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علما وعملا إلا إذا علمه على سبيل التفصيل ، لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به ، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية ، فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة ، وأما قوله : { وما أنزل من قبلك } فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد / والإيمان به واجب على الجملة ، لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل ، بل إن عرفنا شيئا من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل ، وأما قوله : { وبالأخرة هم يوقنون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الآخرة صفة الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة . المسألة الثانية : اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه ، فلذلك لا يقول القائل : تيقنت وجود نفسي ، وتيقنت أن السماء فرقي لما أن العلم به غير مستدرك ، ويقال ذلك في العلم / الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضروريا أو استدلاليا ، فيقول القائل : تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالاضطرار ، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب ؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء . المسألة الثالثة : أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة ، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط ، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة ، والكافرين النار . روى عنه عليه السلام أنه قال : ( يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه ، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة ، وعجبا ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا يعني النوم واليقظة وعجبا ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور ، وعجبا من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ) . ! 7 < { أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } . > 7 ! < <

Bagian V02/P030–V02/P031

البقرة : ( 5 ) أولئك على هدى . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة : أحدها : أن ينوي الابتداء { بالذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) وذلك لأنه لما قيل : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول : ما السبب في اختصاص المتقين بذلك ؟ فوقع قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } إلى قوله : { وأولائك هم المفلحون } جوابا عن هذا السؤال ، كأنه قيل : الذي يكون مشتغلا بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لا بد وأن يكون على هدى من ربه . وثانيها : أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعا { للمتقين } ثم يقع الابتداء من قوله : { أولائك على هدى من ربهم } كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى ؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا . وثالثها : أن يجعل الموصول الأول صفة { المتقين } ويرفع الثاني على الابتداء و { أولائك } خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى . المسألة الثانية : معنى الاستعلاء في قوله : { على هدى } بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره ( فلان على الحق ، أو على الباطل ) وقد صرحوا به في قولهم : ( جعل الغواية مركبا ، وامتطى الجهل ) وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل ، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك ويحرسه / عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى ومدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولا ، مدحهم بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانيا ، وذلك واجب على المكلف ، لأنه إذا كان متشددا في الدين خائفا وجلا فلا بد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله ، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحا بأنه على هدى وبصيرة ، وإنما نكر { هدى } ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا . قال عون بن عبد الله : الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلا بصير ، ولا يعمل به إلا يسير . ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ، ولا يهتدى بها إلا العلماء . المسألة الثالثة : في تكرير { أولائك } تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا ، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين . فإن قيل : فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله : { أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } ( الأعراف : 179 ) قلنا : قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهمامتفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل . المسألة الرابعة : { هم } فصل وله فائدتان : إحداهما : الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان ، أما لو قلت : الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان .

Bagian V02/P031–V02/P032

المسألة الخامسة : معنى التعريف في { المفلحون } الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو ؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته ، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم ، كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام ؟ إن زيدا هو هو . المسألة السادسة : المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه ، والمفلح بالجيم مثله ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح ، ولهذا سمي الزراع فلاحا ، ومشقوق الشفة السفلى أفلح ، وفي المثل ( الحديد بالحديد يفلح ) وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علما وعملا بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام ، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات . المسألة السابعة : هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه ، والمرجئة من وجه آخر . أما الوعيدية فمن وجهين : الأول : أن قوله : { وأولائك هم المفلحون } يقتضي الحصر ، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحا ، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة / والزكاة . الثاني : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة ، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح ، فوجب أن لا يحصل الفلاح . أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكروة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحا وإن زنى وسرق وشرب الخمر ، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة ، إذ لا قائل بالفرق . والجواب : أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان ، ثم الجواب عن قول الوعيدية : أن قوله : { وأولائك هم المفلحون } يدل على أنهم الكاملون في الفلاح ، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح ، ونحن نقول بموجب ، فإنه كيف يكون كاملا في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب ، بل يجوز له أن يكون خائفا منه ، وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب ، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى . والجواب عن قول المرجئة : أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن إتقاء المعاصي ، وإتقاء ترك الواجبات والله أعلم . ! 7 < { إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . > 7 ! < < البقرة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى ، أما قوله : { ءان } ففيه مسائل :

Bagian V02/P032–V02/P033

المسألة الأولى : اعلم أن { ءان } حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة ، وفيه مقدمات : المقدمة الأولى : في بيان المشابهة ، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني ، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناء على الدوران المقدمة الثالثة : في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر ؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فأما أن ترفع المبتدأ والخبر معا ، أو تنصبهما معا ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس ، والأول باطل ؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول { ءان } عليهما مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة ، ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني : أيضا باطل ؛ لأن هذا أيضا مخالف لعمل الفعل ، / لأن الفعل لا ينصب شيئا مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : أيضا باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولا بالرفع ثم في المفعول بالنصب ، فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض . المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعا به قبل ذلك . حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . وحجة الكوفيين من وجهين : الأول : أن معنى الخبرية باق في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة ، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف ، فهذه مقدمات ثلاثة : إحداها : قولنا : الخبرية باقية ، وذلك ظاهر ، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسندا إلى المبتدأ ، وبعد دخول حرف ( إن ) عليه فذاك الإسناد باق . وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا مقتضية للرفع : وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول ( إن ) مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءا من المقتضى . لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة ، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع ، لأن المقتضى بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل . وثالثها : قولنا : الخبرية أولى بالاقتضاء ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كونه خبرا وصف حقيقي قائم بذاته ، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما . الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسندا إلى الغير / أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي ، فإنه ليس فيه إسناد ، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل ، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعا ، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى ، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف ، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلا للحاصل ، وهو محال . الوجه الثاني : أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل ، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة . والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم ، فوجب أن لا يعملها في الخبر .

Pertanyaan