Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والوجه الثالث : في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوما من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس ، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس ، وجلس في بعض الجوانب مختفيا عن الجبائي ، وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد ، والثاني كان في غاية الكفر والفسق ، والثالث كان صبيا لم يبلغ ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم . فقال الجبائي : أما الزاهد ، ففي درجات الجنة ، وأما الكافر ، ففي دركات النار ، وأما الصبي ، فمن أهل السلامة . قال قولي له : لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه . فقال الجبائي : لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل . وأنت فليس معك ذاك فقال أبو الحسن : قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول : يا رب العالمين ليس الذنب لي ، لأنك أمتني قبل البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين . فقال الجبائي : يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوحب النار ، فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب ، فقال أبو الحسن : قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار ، فقال : يا رب العالمين ، ويا أحكم الحاكمين ، ويا أرحم الراحمين ، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك ، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الراوي : فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي . فلما نظر رأى أبا الحسن ، فعلم أن هذه المسألة منه ، لا من العجوز ، ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال ، فقال : نحن لا نرضى في حق هؤلاء الأخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم ، بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ، ثم قال : وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها / وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون : التكليف محض التفضل والإحسان ، وهو غير واجب على الله تعالى . وقال البغداديون : إنه واجب / على الله تعالى . قال : فإن فرعنا على قول البصريين ، فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد ، وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلا عليك بمثله . وأما إن فرعنا على قول البغداديين . فالجواب أن يقال : إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحسانا في حقه ، ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك ، فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصري سعيا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري ، بل سعيا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد ، وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين : صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله ، إنما لزمت على قول المعتزلة . وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب ، وليس للعبد أن يقول لربه ، لم فعلت كذا ؟ أو ما فعلت كذا .
فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أهل السنة ، وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا ، ثم نقول :
أما الجواب الأول : وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل ، فيجوز أن يخص به بعضا دون بعض . فنقول : هذا الكلام مدفوع ، لأنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما ، فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى ، لأن الإيصال إلى هذا الثاني ، ليس فعلا شاقا على الله تعالى ، ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه ، وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد . ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه ، لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر إليه ، ولا وصول نفع إليه فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولا ، فليكن مقبولا ههنا ، وإن لم يكن مقبولا لم يكن مقبولا البتة في شيء من المواضع ، وتبطل كلية مذهبكم . فثبت أن هذا الجواب فاسد . وأما الجواب الثاني : فهو أيضا فاسد ، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة ، وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبدا في حق الكل وأنه باطل ، بل معناه : أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص ، فإن إنسانا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحا ، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه ، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف ، فوجب أن يترك تكليفه ، وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر ، وإن لم يجب ههنا لم يجب هنالك ، وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا قبيحا عند ذلك التكليف ، ولا يجب عليه تركه / إذا علم تعالى أن ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف ، فهذا محض التحكم . فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ، ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف ، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أصحابنا ، والله أعلم . ! 7 < { وهاذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } . > 7 < الأنعام : ( 126 ) وهذا صراط ربك . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وهاذا } إشارة إلى مذكور تقدم ذكره . وفيه قولان : الأول : وهو الأقوى عندي أنه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية المتقدمة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى ، فوجب كون الفعل من الله تعالى ، وذلك يوجب التوحيد المحض وهو كونه تعالى مبدئا لجميع الكائنات والممكنات ، وإنما سماه صراطا لأن العلم به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق ، وإنما وصفه بكونه مستقيما لأن قول المعتزلة غير مستقيم ، وذلك لأن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف ، فإن توقف على المرجح لزم أن يقال الفعل لا يصدر عن القادر إلا عند انضمام الداعي إليه ، وحينئذ يتم قولنا ويكون الكل بقضاء الله وقدره ويبطل قول المعتزلة ، وإما أن لا يتوقف رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر على مرجح وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات ، وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وإبطال القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر . فأما القول بأن هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون البعض كما يقوله هؤلاء المعتزلة فهو معوج غير مستقيم ، إنما المستقيم هو الحكم بثبوت الحاجة على الإطلاق ، وذلك يوجب عين مذهبنا . فهذا القول هو المختار عندي في تفسير هذه الآية .
القول الثاني : أن قوله : { وهاذا صراط ربك مستقيما } إشارة إلى كل ما سبق ذكره في كل القرآن قال ابن عباس : يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيما وقال ابن مسعود يعني القرآن . والقول الأول أولى . لأن عود الإشارة إلى أقرب المذكورات أولى . وإذا ثبت هذا فنقول : لما أمر الله تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة وجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئا وبالغ في الأمر بالتمسك به والرجوع إليه والتعويل عليه وجب أن يكون من المحكمات . فثبت أن الآية المتقدمة من المحكمات وأنه يجب إجراؤها / على ظاهرها ويحرم التصرف فيها بالتأويل . المسألة الثانية : قال الواحدي : انتصب مستقيما على الحال ، والعامل فيه معنى ( هذا ) وذلك لأن ( ذا ) يتضمن معنى الإشارة ، كقولك : هذا زيد قائما معناه أشير إليه في حال قيامه ، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل ، لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائما هذا زيد ، ويجوز ضاحكا جاء زيد . أما قوله : { قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } . فنقول : أما تفصيل الآيات فمعناه ذكرها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر ، والله تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة من هذه السورة متوالية متعاقبة ، بطرق كثيرة ووجوه مختلفة . وأما قوله : { لقوم يذكرون } فالذي أظنه والعلم عند الله أنه تعالى إنما جعل مقطع هذه الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح على الآخر إلا لمرجح ، فكأنه تعالى يقول للمعتزلي : أيها المعتزلي تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ، إلا لمرجح ، حتى تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء والقدر . ! 7 < { لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 127 ) لهم دار السلام . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين عظيم نعمه في الصراط المستقيم وبين أنه تعالى معد مهيىء لمن يكون من المذكورين بين الفائدة الشريفة التي تحصل من التمسك بذلك الصراط المستقيم ، فقال : { لهم دار السلام عند ربهم } وفي هذه الآية تشريفات . النوع الأول : قوله : { لهم دار السلام } وهذا يوجب الحصر ، فمعناه : لهم دار السلام لا لغيرهم ، وفي قوله : { دار السلام } قولان : القول الأول : أن السلام من أسماء الله تعالى ، فدار السلام هي الدار المضافة إلى الله تعالى ، كما قيل للكعبة بيت الله تعالى وللخليفة عبد الله . والقول الثاني : أن السلام صفة الدار ، ثم فيه وجهان : الأول : المعنى دار السلامة ، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها يقولون ضلال وضلالة ، وسفاه وسفاهة ، ولذاذ ولذاذة ، ورضاع ورضاعة . الثاني : أن السلام جمع السلامة ، وإنما سميت الجنة بهذا الاسم لأن / أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها . إذا عرفت هذين القولين : فالقائلون بالقول الأول قالوا به لأنه أولى ، لأن إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية في تشريفها وتعظيمها وإكبار قدرها ، فكان ذكر هذه الإضافة مبالغة في تعظيم الأمر والقائلون بالقول الثاني رجحوا قولهم من وجهين : الأول : أن وصف الدار بكونها دار السلامة أدخل في الترغيب من إضافة الدار إلى الله تعالى ، والثاني : أن وصف الله تعالى بأنه السلام في الأصل مجاز ، وإنما وصف بذلك لأنه تعالى ذو السلام ، فإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته كان أولى .
النوع الثاني : من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله : { عند ربهم } وفي تفسيره وجوه : الوجه الأول : المراد أنه معد عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة ، ونظيره قوله تعالى : { جزاؤهم عند ربهم } وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها ، وكونهم على ثقة من ذلك . الوجه الثاني : وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله : { عند ربهم } يشعر بأن ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى ، وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة ، فوجب كونه بالشرف والعلو والرتبة ، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه إلا الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) . الوجه الثالث : أنه قال في صفة الملائكة : { ومن عنده لا يستكبرون } وقال في صفة المؤمنين في الدنيا أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي وقال أيضا أنا عند ظن عبدي بي وقال في صفتهم يوم القيامة : { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) وقال في دارهم : { لهم دار السلام عند ربهم } وقال في ثوابهم : { جزاؤهم عند ربهم } ( البينة : 8 ) وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية بواسطة صفة العندية . النوع الثالث : من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله : { وهو وليهم } والولي معناه القريب ، فقوله : { عند ربهم } يدل على قربهم من الله تعالى ، وقوله : { وهو وليهم } يدل على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضا فقوله : { وهو وليهم } يفيد الحصر ، أي لا ولي لهم إلا هو ، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو / وأن النافع والضار ليس إلا هو ، وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو ، وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات إلا هو ، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا إليه ، وما كان توكلهم إلا عليه ، وما كان أنسهم إلا به ، / وما كان خضوعهم إلا له ، فلما صاروا بالكلية ، لا جرم قال تعالى : { وهو وليهم } وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ، ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات . ثم قال تعالى : { بما كانوا يعملون } وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل ، فإن العمل لا بد منه ، وتحقيق القول فيه : أن بين النفس والبدن تعلقا شديدا ، فكما أن الهيآت النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن ، مثل ما إذا تصور أمرا مغضبا ظهر الأثر عليه في البدن ، فيسخن البدن ويحمى ، فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس ، فإذا واظب الإنسان على أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس ، وذلك يدل على أن السالك لا بد له من العمل ، وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة . ! 7 < { ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذىأجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم } . > 7 ! < < الأنعام : ( 128 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم ، بين بعده حال من يكون بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار ، وليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : { ويوم يحشرهم } منصوب بمحذوف ، أي واذكر يوم نحشرهم ، أو يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن ، أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن ، كان ما لا يوصف لفظاعته . المسألة الثانية : الضمير في قوله : { ويوم يحشرهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : يعودإلى المعلوم ، لا إلى المذكور ، وهو الثقلان ، وجميع المكلفين الذين علم أن الله يبعثهم . والثاني : أنه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } ( الأنعام : 112 ) . / المسألة الثالثة : في الآية محذوف والتقدير : يوم نحشرهم جميعا فنقول : يا معشر الجن ، فيكون هذا القائل هو الله تعالى ، كما أنه الحاشر لجميعهم ، وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا تبكيتا وبيانا لجهة أنهم وإن تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم . وقال الزجاج : التقدير فيقال لهم يا معشر الجن ، لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار ، بدليل قوله تعالى في صفة الكفار : { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } ( البقرة : 174 ) . أما قوله تعالى : { قد استكثرتم من الإنس } فنقول : هذا لا بد فيه من التأويل . لأن الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس ، لأن القادر على الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول . أما قوله : { وقال أولياؤهم من الإنس } فالأقرب أن فيه حذفا ، فكما قال للجن تبكيتا ، فكذلك قال للإنس توبيخا . لأنه حصل من الجن الدعاء ، ومن الإنس القبول ، والمشاركة حاصلة بين الفريقين ، فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى ههنا جواب الإنس ، وهو قولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا ، والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم . ثم ههنا قولان : الأول : أن قولهم استمتع بعضنا ببعض ، المراد منه أنه استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن ، وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان : القول الأول : أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت آمنا في نفسه ، فهذا استمتاع الإنس بالجن ، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني ، كان ذلك تعظيما منهم للجن ، وذلك الجني يقول : قد سدت الجن والإنس ، لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه ، وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ( الجن : 6 ) .
والوجه الثاني : في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء / والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم ، فهذا استمتاع الجن بالإنس . وأما استمتاع الإنس بالجن ، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم ، وهذا القول اختيار الزجاج . قال : وهذا أولى من الوجه المتقدم ، والدليل عليه قوله تعالى : { قد استكثرتم من الإنس } ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي ، قليل . / والقول الثاني : أن قوله تعالى : { ربنا استمتع بعضنا ببعض } هو كلام الإنس خاصة ، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر . أما استمتاع بعض الإنس ببعض ، فهو أمر ظاهر . فوجب حمل الكلام عليه ، وأيضا قوله تعالى : { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } كلام الإنس الذين هم أولياء الجن ، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض . ثم قال تعالى حكاية عنهم : { وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا } فالمعنى : أن ذلك الاستمتاع كان حاصلا إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع ، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات ؟ فقال بعضهم : هو وقت الموت . وقال آخرون : هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم : المراد وقت المحاسبة في القيامة ، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله ، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ، وفيهم المقتول وغير المقتول . ثم قال تعالى : { قال النار مثواكم } المثوى : المقام والمقر والمصير ، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله : { خالدين فيها } . ثم قال تعالى : { إلا ما شاء الله } وفيه وجوه : الأول : أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة ، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار : الثاني : المراد ، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير . وروي أنهم يدخلون واديا فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم . الثالث : قال ابن عباس : استثنى الله تعالى قوما سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى هذا القول يجب أن تكون ( ما ) بمعنى ( من ) قال الزجاج : والقول الأول أولى . لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ، لأن قوله : { ويوم يحشرهم جميعا } هو يوم القيامة . ثم قال تعالى : { خالدين فيها } منذ يبعثون { إلا ما شاء الله } من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم . الرابع : قال أبو مسلم : هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود ، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم ، فكأنهم قالوا : وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا ، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى . كقوله تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ( الأنعام : 6 ) وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا ، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام / أن يقولوا : استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله .
واعلم أن هذا الوجه وإن كان محتملا إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه الآية . ولما أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف . ثم قال : { إن ربك حكيم عليم } أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة / وكأنه تعالى يقول : إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك . والله أعلم . المسألة الرابعة : قال أبو علي الفارسي : قوله : { النار مثواكم } المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله : { خالدين فيها } حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فقوله : { النار مثواكم } معناه : النار أهل أن تقيموا فيها خالدين . ! 7 < { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 129 ) وكذلك نولي بعض . . . . . > > المسألة الأولى : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه ، فقال : { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا } والدليل على أن الأمر كذلك . أن القدرة صالحة للطرفين أعني العداوة والصداقة ، فلولا حصول الداعية إلى الصداقة لما حصلت الصداقة ، وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعا للتسلسل . فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضا . وبهذا التقرير تصير هذه الآية دليلا لنا في مسألة الجبر والقدر . الفائدة الثانية : أنه تعالى لما بين في أهل الجنة أن لهم دار السلام ، بين أنه تعالى وليهم بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة ، فكذلك لما بين حال أهل النار ذكر أن مقرهم ومثواهم النار ، ثم بين أن أولياءهم من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وهذه مناسبة حسنة لطيفة . الفائدة الثالثة : كاف التشبيه في قوله : { وكذالك نولى } تقتضي شيئا تقدم ذكره ، والتقدير : كأنه قال كما أنزلت بالجن والإنس الذين تقدم ذكرهم العذاب الأليم الدائم الذي لا مخلص منه { كذالك نولى بعض الظالمين بعضا } . الفائدة الرابعة : { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا } لأن الجنسية علة الضم ، فالأرواح / الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث ، وكذا القول في الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية . والله أعلم . المسألة الثانية : الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين ، فالله تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم . وأيضا الآية تدل على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم ، لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم ، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى . قال علي رضي الله عنه : لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر ، فأنكروا قوله : أو جائر فقال : نعم يؤمن السبيل ، ويمكن من إقامة الصلوات ، وحج البيت . وروي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فقال له : ( إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) وعن مالك بن دينار : جاء في بعض كتب الله تعالى أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم . أما قوله { بما كانوا يكسبون } فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضا بسبب كون ذلك البعض مكتسبا للظلم ، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم .
! 7 < { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيواة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 130 ) يا معشر الجن . . . . . > > اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة ، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل ، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أهل اللغة : المعشر . كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل بينهم معاشرة / ومخالطة ، والجمع : المعاشر . وقوله : { رسل منكم } اختلفوا هل كان من الجن رسول أم لا ؟ فقال الضحاك : أرسل من الجن رسل كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ( فاطر : 24 ) ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) قال المفسرون : السبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس . إذا ثبت هذا المعنى ، فهذا السبب حاصل في الجن ، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن . والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه ما كان من الجن رسول البتة ، وإنما كان الرسل من الأنس . وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع ، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين } ( آل عمران : 33 ) وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة ، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط ، فأما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية ، فالكلام عليه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { يكسبون يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضا من أبعاض هذا المجموع ، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضا من أبعاض ذلك المجموع ، فكان هذا القدر كافيا في حمل اللفظ على ظاهره ، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن . الثاني : لا يبعد أن يقال : إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به ، كما قال تعالى : { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } ( الأحفاق : 29 ) فأولئك الجن كانوا رسل الرسل ، فكانوا رسلا لله تعالى ، والدليل عليه : أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه . فقال : { إذ أرسلنا إليهم اثنين } ( يس : 14 ) وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة ، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين ، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق ، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة ، فكان المقصود حاصلا . الوجه الثالث : في الجواب قال الواحدي : قوله تعالى : { رسل منكم } أراد من أحدكم وهو الأنس وهو كقوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب .
واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر . أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر / ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل . / أما قوله : { يقصون عليكم ءاياتى } فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل { وينذرونكم لقاء يومكم هاذا } أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فلذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا . فإن قالوا : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } . قلنا : يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرون ، وأخرى يجحدون ، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه . ثم قال تعالى : { وغرتهم الحيواة الدنيا } والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر ، فكأنه تعالى يقول : وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا . ثم قال تعالى : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم ، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر ، ومن الناس من حمل قوله : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر ، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية ، وكيفما كان ، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية . واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى : { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هاذا } على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع ، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة . ! 7 < { ذالك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 131 ) ذلك أن لم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر ذلك . وأما قوله : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } ففيه وجوه : أحدها : أنه تعليل ، والمعنى : / الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم ، وكلمة ( أن ) ههنا هي التي تنصب الأفعال ، وثانيها : يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير ، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم . وثالثها : أن يجعل قوله : { أن لم يكن ربك } بدلا من قوله : { ذالك } كقوله : { وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) .
وأما قوله : { بظلم } ففيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى ، وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه . والثاني : أن يكون المراد . وما كان ربك مهلك القرى ظلما عليهم ، وهو كقوله : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } ( هود : 117 ) في سورة هود . فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلا للكفار ، وعلى الثاني يكون عائدا إلى فعل الله تعالى ، والوجه الأول أليق بقولنا ، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالما ، وليس الأمر عندنا كذلك ، لأنه تعالى يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله . وأما المعتزلة : فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم . وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني . قال : إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالما لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا ، فوصف بكونه ظالما مجازا ، وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله : { بظلم وأهلها مصلحون } . وأما قوله : { وأهلها غافلون } فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به ، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم . واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع ، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول . والمعتزلة قالوا : إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع ، لأنه تعالى قال : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } فهذا الظلم إما أن يكون عائدا إلى العبد أو إلى الله تعالى ، فإن كان الأول ، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة ، وإنما يكون الفعل ظلما قبل البعثة ، لو كان قبيحا وذنبا قبل بعثة الرسل ، وذلك هو المطلوب ، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحا من الله تعالى ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه . ! 7 < { ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون } . > 7 ! / < < الأنعام : ( 132 ) ولكل درجات مما . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { تعملون } بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات ، وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاما كليا ، فقال : { ولكل درجات مما عملوا } وفي الآية قولان : القول الأول : أن قوله : { ولكل درجات مما عملوا } عام في المطيع والعاصي ، والتقدير : ولكل عامل عمل فله في عمله درجات ، فتارة يكون في درجة ناقصة ، وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة ، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام ، فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . والقول الثاني : أن قوله : { ولكل درجات مما عملوا } مختص بأهل الطاعة ، لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم . وقوله : { وما ربك بغافل عما تعملون } مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول .
المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر ، وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة ، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين ، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ، ولصار ذلك العلم جهلا ، ولصار ذلك الإشهاد كذبا وكل ذلك محال . فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه . ! 7 < { وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين إن ما توعدون لأت ومآ أنتم بمعجزين } . > 7 < الأنعام : ( 133 - 134 ) وربك الغني ذو . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة ، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب ، والمذنبين بالعذاب ، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين . فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنيا فإن رحمته عامة كاملة ، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار ، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال : { وربك الغنى ذو الرحمة } ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : الأول : إلى بيان كونه تعالى غنيا . فنقول : إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، لأنه لو كان محتاجا لكان مستكملا بذلك الفعل ، والمستكمل بغيره ناقص بذاته ، وهو على الله محال ، وأيضا فكل إيجاب أو سلب يفرض ، فإن كان ذاته كافية في تحققه ، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته . وإن لم تكن كافية ، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه ، فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال . فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق .
واعلم أن قوله : { وربك الغنى } يفيد الحصر ، معناه : أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك ، لأن واجب الوجود لذاته واحد ، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج ، فثبت أنه لا غني إلا هو . فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه : { وربك الغنى } وأما إثبات أنه { ذو الرحمة } فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات . إما بحسب الأحوال الجسمانية ، وإما بحسب الأحوال الروحانية . فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه . فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه ، وبإيجاده وتكوينه . ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيرا فالصحيح أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيرا فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن كان كثيرا ، إلا أن البصير أكثر منه . فثبت أنه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة ، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة . وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى . فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو { ذو الرحمة } . / واعلم أن قوله : { وربك الغنى ذو الرحمة } يفيد الحصر ، فإن معناه : أنه لا رحمة إلا منه ، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه ، والرحمة داخلة فيما سواه . فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق ، فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت أنه لا غني إلا هو . فثبت أنه لا رحيم إلا هو . فإن قال قائل : فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على عبده ، وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟ فالجواب : أن كلها عند التحقيق من الله . ويدل عليه وجوه : الأول : لولا أنه تعالى ألقى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة ، لما أقدم على الرحمة ، فلما كان موجد تلك الداعية هو الله ، كان الرحيم هو الله . ألا ترى أن الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه ، ثم ينقلب رؤوفا رحيما عطوفا فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس إلا بانقلاب تلك الدواعي . فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعا للتسلسل ، وبالقرآن وهو قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ( الأنعام : 110 ) فثبت أنه لا رحمة إلا من الله . والثاني : هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب والذهب ، ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء ، وإلا فكيف الانتفاع ؟ فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة . والثالث : أن كل من أعطى غيره شيئا فهو إنما يعطي لطلب عوض ، وهو إما الثناء في الدنيا ، أو الثواب في الآخرة ، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب ، وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلا ، فكان تعالى هو الرحيم الكريم . فثبت بهذه البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى : { وربك الغنى ذو الرحمة } بمعنى أنه لا غني ولا رحيم إلا هو . فإذا ثبت أنه غني عن الكل . ثبت أنه لا يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين . وإذا ثبت أنه ذو الرحمة ؛ ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب ، ولا الثواب على الطاعات ، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان ، كما قال في آية أخرى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فهذا البيان الإجمالي كاف في هذا الباب . وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام ، فمما لا يليق بهذا الموضع .
المسألة الثانية : أما المعتزلة فقالوا : هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده . أما المطلوب الأول فقال : تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح . أما المقدمة الأولى ، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة . أولها : أن في الحوادث / ما يكون قبيحا ، نحو : الظلم ، والسفه ، والكذب ، والغيبة : وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها . وثانيها : كونه تعالى عالما بالمعلومات ، وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية : { وما ربك بغافل عما يعملون } وثالثها : كونه تعالى غنيا عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله : { وربك الغنى } وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها ، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلا لها ، لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحا ، وإما لاحتياجه ، فإذا كان عالما بالكل امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح . وإذا كان غنيا عن الكل امتنع كونه محتاجا إلى فعل القبائح ، وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها ، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدا ، فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي ، وجب أن يكون عادلا فيها ، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلا في الكل . فإن قال قائل : هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى ، فما الفائدة في التكليف ؟ فالجواب : أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في ( كتب الكلام ) فقوله : { وربك الغنى } إشارة إلى المقام الأول وقوله : { ذو الرحمة } إشارة إلى المقام الثاني . فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم . واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري ، يقول : نظر أهل السنة على تعظيم الله في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ، ونظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي ، فإذا تأملت علمت أن أحدا لم يصف الله إلا بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه ، ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ، ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله : { وربك الغنى ذو الرحمة } .
ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء } والمعنى أنه تعالى لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وإن كان ذا الرحمة إلا أن لرحمته معدنا مخصوصا وموضعا معينا فبين تعالى أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق ، وقادر على أن يخلق قوما آخرين ويضع رحمته فيهم وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم والمقصود التنبيه على أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء . أما قوله : { إن يشأ يذهبكم } فالأقرب أن المراد به الإهلاك ويحتمل الإماتة أيضا ويحتمل أن لا يبلغهم مبلغ التكليف / وأما قوله : { ويستخلف من بعدكم } يعني من بعد إذهابكم . لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت . وأما قوله : { ما يشاء } فالمراد منه خلق ثالث ورابع ، واختلفوا فقال بعضهم : خلقا آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع ، وقال أبو مسلم : بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقا ثالثا مخالفا للجن والإنس قال القاضي : وهذا الوجه أقرب لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة ، فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب ، فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل بهم سواهم . ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال : { كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير ، فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة ، وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة ، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها . وقرأ القراء كلهم { ذرية } بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال . قال الكسائي : هما لغتان . ثم قال تعالى : { إنما توعدون لأت } قال الحسن : أي من مجيء الساعة ، لأنهم كانوا ينكرون القيامة ، وأقول فيه احتمال آخر : وهو أن الوعد مخصوص بالأخبار عن الثواب ، وأما الوعيد فهو مخصوص بالأخبار عن العقاب فقوله : { إنما توعدون لأت } يعني كل ما تعلق بالوعد بالثواب فهو آت لا محالة ، فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه آخر الآية ، وهو أنه قال : { وما أنتم بمعجزين } يعني لا تخرجون عن قدرتنا وحكمنا ، فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ، ما زاد على قوله : { وما أنتم بمعجزين } وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب . ! 7 < { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . > 7 < الأنعام : ( 135 ) قل يا قوم . . . . . > > / اعلم أنه لما بين بقوله : { إنما توعدون لأت } أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار ، فقال { قل ياأهل قوم اعملوا على مكانتكم } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ أبو بكر عن عاصم { مكاناتكم } بالألف ، على الجمع في كل القرآن ، والباقون { على مكانتكم } قال الواحدي : والوجه الإفراد ، لأنه مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضا في بعض الأحوال ، إلا أن الغالب هو الأول .
البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : المكانة تكون مصدرا ، يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال : مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله : { اعملوا على مكانتكم } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل أيضا أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه { إنى عامل } أي أنا عامل على مكانتي ، التي عليها ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فأني ثابت على الإسلام ، وعلى مضارتكم { فسوف تعلمون } أيناله العاقبة المحمودة ، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله : { اعملوا ما شئتم } وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد . البحث الثالث : من في قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين : الأول : أنه نصب لوقوع العلم عليه . الثاني : أن يكون رفعا على معنى : تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله تعالى : { لنعلم أي الحزبين } ( الكهف : 12 ) . البحث الرابع : قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل . قلنا : العاقبة ، تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال : له الكثرة ولهم الظفر ، وفي ضده يقال : عليكم الكثرة والظفر . البحث الخامس : قرأ حمزة والكسائي { من يكون } بالياء وفي القصص أيضا والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي : العاقبة مصدر كالعافية ، وتأنيثه غير حقيقي ، فمن أنث ، فكقوله : { فأخذتهم الصيحة } ( المؤمنون : 41 ) ومن ذكر فكقوله : { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ( هود : 67 ) وقال : { قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( يونس : 57 ) وفي آية أخرى : { فمن جاءه موعظة من ربه } ( البقرة : 275 ) . ثم قال تعالى : { إنه لا يفلح الظالمون } والغرض منه بيان أن قوله : { اعملوا على مكانتكم } تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب ، ومعناه : أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم البتة . ! 7 < { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والا نعام نصيبا فقالوا هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 136 ) وجعلوا لله مما . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث ، والقيامة ذكر عقيبه أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم ، كالتمر والقمح ، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر ، نصيبا ، فقالوا : { هاذا لله بزعمهم } يريد بكذبهم . فإن قيل : أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم : هذا لله ؟ قلنا : إفرازهم النصيبين نصيبا لله ؛ ونصيبا للشيطان هو الكذب . قال الزجاج : وتقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد ، وهو قوله : { هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركائنا } وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونها عليها .
ثم قال تعالى : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } وفي تفسيره وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما كان للصنم أنفقوه عليه ، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين ، ولا يأكلون منه البتة . ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم ، وقالوا : إنه فقير . الثاني : قال الحسن والسدي : كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل . الثالث : قال مجاهد : المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه ، وإن كان على ضد ذلك تركوه . الرابع : قال قتادة : إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم . الخامس : قال مقاتل : إن زكا ونما نصيب / الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها ، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله : { فما كان لشركائهم } يعني من نماء الحرث والأنعام { فلا يصل إلى الله } يعني المساكين وإنما قال : { إلى الله } لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم ، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل { فقال ساء ما يحكمون } وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوها كثيرة : الأول : أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى ، وهو سفه . الثاني : أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضا سفه . الثالث : أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضا سفها . الرابع : أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر ، الخامس : أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضا على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثا ، فثبت بهذا الوجوه أنه { ساء ما يحكمون } والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب / وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد البتة . ! 7 < { وكذالك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شآء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . > 7 < الأنعام : ( 137 ) وكذلك زين لكثير . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة ، ومذاهبهم الباطلة ، وقوله : { وكذالك } عطف على قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام } أي كما فعلوا ذلك ، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد ، والمعنى : أن جعلهم لله نصيبا ، وللشركاء نصيبا ، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم ، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في الجهالة والضلالة ، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضا في الركاكة والخساسة .
المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر أو من التزويج ، / وهو المراد من هذه الآية . واختلفوا في المراد بالشركاء ، فقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، وسميت الشياطين شركاء ، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وأضيفت الشركاء إليهم ، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى : { أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } وقال الكلبي : كان لآلهتهم سدنة وخدام ، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وعلى هذا القول : الشركاء هم السدنة ، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر وحده { زين } بضم الزاء وكسر الياء ، وبضم اللام من { قتل } و { أولادهم } بنصب الدال { شركائهم } بالخفض والباقون { زين } بفتح الزاي والياء { قتل } بفتح اللام { أولادهم } بالجر { شركاؤهم } بالرفع . أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير : زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ، إلا أنه فصل بين المضاف ، والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد ، وهو مكروه في الشعر كما في قوله : فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده وإذا كان مستكرها في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة . قالوا : والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف { شركائهم } مكتوبا بالياء ، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء ، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . وأما القراءة المشهورة : فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل ، ونظيره قوله : { لا ينفع نفسا إيمانها } ( الأنعام : 158 ) وقوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : 124 ) والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم ، والذي هم بشأنه أعنى وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم ، فلهذا السبب حصل هذا التقدير . ثم قال تعالى : { ليردوهم } والإرداء في اللغة الإهلاك ، وفي القرآن { إن كدت لتردين } ( الصافات : 56 ) قال ابن عباس : ليردوهم في النار ، واللام ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) { وليلبسوا عليهم دينهم } ( الأنعام : 137 ) أي ليخلطوا ، لأنهم كانوا على دين إسماعيل ، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة ، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق . ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك ما فعلوه } قال أصحابنا : إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى . قالت المعتزلة : إنه محمول على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق ذكره مرارا { فذرهم وما يفترون } ( الأنعام : 112 ) وهذا على قانون قوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } وقوله : { وما يفترون } يدل على أنهم كانوا يقولون : إن الله أمرهم بقتل أولادهم ، فكانوا كاذبين في ذلك القول . ! 7 < { وقالوا هاذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 138 ) وقالوا هذه أنعام . . . . .
> > اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة ، وهي أنهم قسموا أنعامهم أقساما : فأولها : إن قالوا : { هاذه أنعام وحرث حجر } فقوله : { حجر } فعل بمعنى مفعول ، كالذبح والطحن ، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ، وأصل الحجر المنع ، وسمى العقل حجرا لمنعه عن القبائح ، وفلان في حجر القاضي : أي في منعه ، وقرأ الحسن وقتادة { حجر } بضم الحاء وعن ابن عباس { حرج } وهو من الضيق ، وكانوا إذا عينوا شيئا من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا : { لا يطعمها إلا من نشاء } يعنون خدم الأوثان ، والرجال دون النساء . والقسم الثاني : من أنعامهم الذي قالوا فيه : { وأنعام حرمت ظهورها } وهي البحائر والسوائب والحوامي ، وقد مر تفسيره في سورة المائدة . والقسم الثالث : { أنعام لا يذكرون اسم الله عليها } في الذبح ، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام ، وقيل لا يحجوم عليها ولا يلبون على ظهورها . ثم قال : { افتراء عليه } فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد ، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء . ثم قال تعالى : { سيجزيهم بما كانوا يفترون } والمقصود منه الوعيد . ! 7 < { وقالوا ما فى بطون هاذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } . > 7 < الأنعام : ( 139 ) وقالوا ما في . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة . كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حيا فهو خالص لذكور لا تأكل منها الأناث ، وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث . سيجزيهم وصفهم ، والمراد منه الوعيد { إنه حكيم عليم } ليكون الزجر واقعا على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق . المسألة الثانية : ذكر ابن الأنباري في تأنيث { خالصة } ثلاثة أقوال : قولين للفراء وقولا للكسائي : أحدها : أن الهاء ليست للتأنيث . وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا : راوية ، وعلامة ، ونسابة ، والداهية ، والطاغية . كذلك يقول ؛ هو خالصة لي ، وخالص لي . هذا قول الكسائي . والقول الثاني : أن { ما } في قوله : { ما فى بطون هاذه الانعام } عبارة عن الأجنة ، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى ، وتذكيره على اللفظ ، كما في هذه الآية ، فإنه أنث خبره الذي هو { خالصة } لمعناه ، وذكر في قوله : { ومحرم } على اللفظ . والثالث : أن يكون مصدرا والتقدير : ذو خالصة كقولهم : عطاؤك عافية ، والمطر رحمة ، والرخص نعمة .
المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { وأن تكن } بالتاء و { ميتة } بالنصب وقرأ ابن كثير { يكن } بالياء { ميتة } بالرفع ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { تكن } بالتاء { ميتة } بالنصب ، والباقون { يكن } بالياء { ميتة } بالنصب . أما قراءة ابن عامر ، فوجهها أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثا في اللفظ وأما قراءة ابن كثير فوجهها أن قوله : { ميتة } اسم { يكن } وخبره مضمر . والتقدير : وإن يكن لهم ميتة أو وإن يكن هناك ميتة . وذكر لأن الميتة في معنى الميت . قال أبو علي : لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي ، ولا يحتاج الكون إلى خبر ، لأنه بمعنى حدث ووقع . وأما قراءة عاصم { تكن } بالتاء { ميتة } بالنصب فالتقدير وإن تكن المذكور ميته فأنث / الفعل لهذا السبب وأما قراءة الباقين { وإن يكن } بالياء { ميتة } بالنصب . فتأويلها ، وإن يكن المذكور ميتة ذكروا الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله : { ما فى بطون هاذه الانعام } وهو مذكر ، وانتصب قوله { ميتة } لما كان الفعل مسندا إلى الضمير . ! 7 < { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 140 ) قد خسر الذين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله . ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم ، وهو الخسران والسفاهة ، وعدم العلم ، وتحريم ما رزقهم الله ، والافتراء على الله ، والضلال وعدم الاهتداء ، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم . أما الأول : وهو الخسران ، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد ، فإذا سعى في إبطاله ، فقد خسر خسرانا عظيما لا سيما ويستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم في الدنيا ، والعقاب العظيم في الآخرة . أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه . وأما العقاب في الآخرة ، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع الذنوب ، فكان موجبا لأعظم أنواع العقاب . والنوع الثاني : السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة ، وذلك لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر ، والفقر وإن كان ضررا إلا أن القتل أعظم منه ضررا ، وأيضا فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذرا من ضرر قليل موهوم ، لا شك أنه سفاهة . والنوع الثالث : قوله : { بغير علم } فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح . / والنوع الرابع : تحريم ما أحل الله لهم ، وهو أيضا من أعظم أنواع الحماقة ، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات ، ويستوجب بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العذاب والعقاب . والنوع الخامس : الافتراء على الله ، ومعلوم أن الجراءة على الله ، والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر . والنوع السادس : الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?