Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V14/P023–V14/P024

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام ، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا ، وهو قوله : { وكم من قرية أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين : أحدهما : السؤال ؛ وهو قوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم } ( الأعراف : 6 ) والثاني : بوزن الأعمال ، وهو قوله : { والوزن يومئذ الحق } ( الأعراف : 8 ) رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت نعم الله عليهم ، وكثرة النعم توجب الطاعة ، فقال : { ولقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش } فقوله : { مكناكم فى الارض } أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ومكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش ، والمراد من المعايش : وجوه المنافع وهي على قسمين ، منها ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثماء وغيرها ، ومنها ما يحصل بالاكتساب وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه ، فيكون الكل إنعاما من الله تعالى ، وكثرة الانعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد ، ثم بين تعالى أنه مع هذا الإفضال والانعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي ، فقال : { قليلا ما تشكرون } وهذا يدل على أنهم قد يشكرون والأمر كذلك ، وذلك لأن الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل ، ونعم الله على الإنسان كثيرة ، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون كثير الشكر ، وبعضهم يكون قليل الشكر . المسألة الثانية : روى خارجة عن نافع أنه همز { معائش } قال الزجاج : جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز { معائش } خطأ ، وذكروا أنه إنما يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف ، فأما { فيها معايش } فمن العيش ، والياء أصلية ، وقراءة نافع لا أعرف لها وجها ، إلا أن لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا صحيفة ، فجعل قوله : { معائش } شبيها لقولنا صحائف فكما أدخلوا الهمزة في قولنا : صحائف فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيه ، إلا أن الفرق ما ذكرناه أن الياء في معيشة أصلية وفي صحيفة زائدة . ! 7 < { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 11 ) ولقد خلقناكم ثم . . . . . > > وفي الآية مسائل :

Bagian V14/P024–V14/P025

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولا ثم بالترغيب ثانيا على ما بيناه ، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق ، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله : { يظلمون ولقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش } ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجودا للملائكة ، والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات ، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) فمنع تعالى من المعصية بقوله : { كيف تكفرون بالله } وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق ، وهو أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعا من المنافع ، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجودا للملائكة ، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه : المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن في سبعة مواضع : أولها : في سورة البقرة ، وثانيها : في هذه السورة ، وثالثها : في سورة الحجر ، ورابعها : في سورة بني إسرائيل ، وخامسها : في سورة الكهف ، وسادسها : في سورة طه ، وسابعها : في سورة ص . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية سؤال ، وهو أن قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } يفيد أن المخاطب بهذا الخطاب نحن . ثم قال بعده : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } وكلمة { ثم } تفيد التراخي ، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال : الأول : أن قوله : { ولقد خلقناكم } أي / خلقنا أباكم آدم وصورناكم ، أي صورنا آدم { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ( الأعراف : 11 ) وهو قول الحسن ويوسف النخوي وهو المختار ، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره ، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر ، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيرة قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } ( البقرة : 63 ) أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ، ويقال : قتلت بنو أسد فلانا ، وإنما قتله أحدهم . قال عليه السلام : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل ، وإنما قتله أحدهم ، وقال تعالى مخاطبا لليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم : { وإذا وإذ أنجيناكم من ءال } ( الأعراف : 141 ) { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم ، فكذا ههنا . الثاني : أن يكون المراد من قوله : { خلقناكم } آدم { ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ) أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره ، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم / وهذا قول مجاهد . فذكر أنه تعالى خلق آدم أولا ، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم .

Bagian V14/P025–V14/P026

الوجه الثالث : خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر ، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر . والوجه الرابع : أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير ، كما قررناه في هذا الكتاب ، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين فقوله : { خلقناكم } إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم . وقوله : { صورناكم } إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبز أنه تعالى قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فخلق الله عبارة عن حكمه ومشيئته ، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ، ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه . المسألة الثالثة : ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد منها مجرد التعظيم لانفس السجدة . وثانيها : أن المراد هو السجدة ، إلا أن المسجود له هو الله تعالى ، فآدم كان كالقبلة . وثالثها : أن المسجود له هو آدم ، وأيضا ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السموات والعرش أو المراد ملائكة الأرض ، ففيه خلاف ، وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة . / المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى استثنى إبليس من الملائكة ، فوجب كونه منهم وقد استقصينا أيضا هذه المسألة في سورة البقرة ، وكان الحسن يقول : إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور ، والملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعصون ، وليس كذلك إبليس ، فقد عصى واستكبر ، والملائكة ليسوا من الجن ، وإبليس من الجن ، والملائكة رسل الله ، وإبليس ليس كذلك ، وإبليس أول خليقة الجن وأبوهم ، كما أن آدم صلى الله عليه وسلم أول خليقة الإنس وأبوهم . قال الحسن : ولما كان إبليس مأمورا مع الملائكة استثناه الله تعالى ، وكان اسم إبليس شيئا آخر ، فلما عصى الله تعالى سماه بذلك وكان مؤمنا عابدا في السماء حتى عصى ربه فأهبط إلى الأرض . ! 7 < { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } . > 7 ! قوله سبحانه وتعالى : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } . < < الأعراف : ( 12 - 13 ) قال ما منعك . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود . فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس ، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة ، إلا أن الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك . وأما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة . المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى ، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود ، وليس الأمر كذلك . فإن المقصود طلب ما منعه من السجود ، ولهذا الإشكال حصل في الآية قولان :

Bagian V14/P026–V14/P027

القول الأول : وهو المشهور أن كلمة { لا } صلة زائدة ، والتقدير : ما منعك أن تسجد ؟ ا وله نظائر في القرآن كقوله : { لا أقسم بيوم القيامة } ( القيامة : 1 ) معناه : أقسم . وقوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( الحديد : 29 ) أي يرجعون . وقوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } أي ليعلم أهل الكتاب . وهذا قول الكسائي ، والفراء ، والزجاج ، والأكثرين . والقول الثاني : أن كلمة { لا } ههنا مفيدة وليست لغوا وهذا هو الصحيح ، لأن الحكم / بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب ، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان : الأول : أن يكون التقدير : أي شيء منعك عن ترك السجود ؟ ا ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه : أنه ما منعك عن ترك السجود ؟ ا كقول القائل لمن ضربه ظلما : ما الذي منعك من ضربي ، أدينك ، أم عقلك ، أم حياؤك ؟ ا والمعنى : أنه لم يوجد أحد هذه الأمور ، وما امتنعت من ضربي . الثاني : قال القاضي : ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد ؟ ا لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها . المسألة الثالثة : احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب ، فقالوا : إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجبا للذم . فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب ، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب . فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك ؟ قلنا : قوله تعالى : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله : { إذ أمرتك } مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله : { إذ أمرتك } هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمرا مخصوصا في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث أنه أمر موجبا للذم ، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب . المسألة الرابعة : احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال ، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لمااستوجب هذا الذم بترك السجود في الحال .

Bagian V14/P027–V14/P028

المسألة الخامسة : اعلم أن قوله تعالى : { ما منعك ألا تسجد } طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود ، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي ، وهو أنه قال : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ومعناه : أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم ، لأني خير منه ، ومن كان خيرا من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدونا ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله : { أنا خير منه } بأن قال : { خلقتني من نار وخلقته من طين } والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل ، فوجب كون إبليس خيرا من آدم . أما بيان أن النار أفضل من الطين ، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف / حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها ، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات ، وأيضا فالنار قوية التأثير والفعل ، والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال . والفعل أشرف من الانفعال ، وأيضا فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة ، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت . والحياة أشرف من الموت ، وأيضا فنضج الثمار متعلق بالحرارة ، وأيضا فسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلا في هذين الوقتين ، وأما وقت الشيخوخة ، فهو وقت البرد واليبس المناسب للأرضية ، لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الإنسان ، فأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر ، لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع . وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحا في العقول ، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس . فنقول : هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة . أولها : أن النار أفضل من التراب ، فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة . وأما المقدمة الثانية : وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل ، فهذا هو محل النزاع والبحث ، لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة . ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ، والنور من الظلمة والظلمة من النور ، وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر . وأيضا التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل ، فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه ، وأيضا فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة . ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر .

Bagian V14/P028–V14/P029

المسألة السادسة : احتج من قال : أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد والتوبيخ العظيم ، ولما حصل ذلك دل على أن تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز ، وبيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة : { اسجدوا لادم } ( البقرة : 34 ) خطاب عام يتناول جميع الملائكة . ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس . وهو أنه مخلوق من النار والنار أشرف من الطين ، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف ، فيلزم كون إبليس أشرف من آدم عليه السلام ، ومن كان أشرف من غيره ، فإنه لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون الأدنى . والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر ، ولا معنى للقياس إلا ذلك ، فثبت أن إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئا إلا أنه خصص عموم قوله تعالى / للملائكة : { اسجدوا لادم } بهذا القياس ، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل : وحيث استحق الذم الشديد عليه ، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وأيضا ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر ، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى : { اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } فوصف تعالى إبليس بكونه متكبرا بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص ، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله / ولما دلت هذه الآية على أن تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله ، ودلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد والإخراج من زمرة الأولياء والإدخال في زمرة الملعونين ، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز . وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في ( البسيط ) ، عن ابن عباس أنه قال : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس ، فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس . هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس . فإن قيل : القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل . أما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل ؟ وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقا من النار بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض ، لكان قبح أمر من كان مخلوقا من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض أولى وأقوى ، لأن النور أشرف من النار ، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر أحد من الملائكة بالسجود لآدم ، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه باطل . وأما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام ، لم قلتم : إنه باطل ؟ فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحدا ذكر هذا السؤال ويمكن أن يجاب عنه ، فيقال : إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن يلجأ إلى خدمة الأدنى الأدون ، أما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح ، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه ، أما الملائكة فقد رضوا بذلك ، فلا بأس به ، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق ، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود ، فهذا قياس مناسب ، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه بالكلية ولا إبطاله . فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا ، لما استوجب الذم العظيم ، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز . والله أعلم .

Bagian V14/P029–V14/P030

/ المسألة السابعة : قوله تعالى : { ما منعك أن لا تسجدوا } لا شك أن قائل هذا القول هو الله لأن قوله : { إذ أمرتك } لا يليق إلا بالله سبحانه . وأما قوله : { خلقتني من نار } فلا شك أن قائل هذا القول هو إبليس . ! 7 < { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } . > 7 ! وأما قوله : { قال فاهبط منها } فلا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ، ومثل هذه المناظرة بين الله سبحانه وبين إبليس مذكور في سورة { ص } على سبيل الاستقصاء . إذا ثبت هذا فنقول : إنه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام مكالمة مع الله مثل ما اتفق لإبليس ، وقد عظم الله تشريف موسى بأن كلمه حيث قال : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } ( الأعراف : 143 ) وقال : { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) فإن كانت هذه المكالمة تفيد الشرف العظيم فكيف حصلت على أعظم الوجوه لإبليس ؟ وإن لم توجب الشرف العظيم ، فكيف ذكره الله تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام ؟ والجواب : أن بعض العلماء قال : إنه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدي إليه من الملائكة ما منعك من السجود ؟ ولم يسلم أنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة . قالوا : لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله تعالى إلا بواسطة ، ومنهم من قال : إنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة ، ولكن على وجه الإهانة بدليل أنه تعالى قال له : { فاخرج إنك من الصاغرين } وتكلم مع موسى ومع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الإكرام . ألا ترى أنه تعالى قال لموسى : { وأنا اخترتك } ( طه : 13 ) وقال له { واصطنعتك لنفسى } ( طه : 41 ) وهذا نهاية الإكرام . المسألة الثامنة : قوله تعالى : { فاهبط منها } قال ابن عباس : يريد من الجنة ، وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم . وقال بعض المعتزلة : أنه إنما أمر بالهبوط من السماء ، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة البقرة : { فما يكون لك أن تتكبر فيها } أي في السماء . قال ابن عباس : يريد أن أهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج إنك من الصاغرين ، والصغار الذلة . قال الزجاج : إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار تنبيها على صحة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم : ( من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ) وقال بعضهم : لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار . والله أعلم . ! 7 < { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبمآ أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } . > 7 < الأعراف : ( 14 - 17 ) قال أنظرني إلى . . . . . > > في الآية مسائل :

Bagian V14/P030–V14/P031

المسألة الأولى : قوله تعالى : { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون } يدل على أنه طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين . ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك . بل قال إنك من المنظرين ثم ههنا قولان : الأول : أنه تعالى أنظره إلى النفخة الأولى لأنه تعالى قال في آية أخرى : { إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ( الحجر : 37 ، 38 ) والمراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحياء كلهم ، وقال آخرون : لم يوقت الله له أجلا بل قال : { إنك من المنظرين } وقوله في الأخرى : { إلى يوم الوقت المعلوم } المراد منه . الوقت المعلوم في علم الله تعالى . قالوا : والدليل على صحة هذا القول أن إبليس كان مكلفا والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله إلى الوقت الفلاني لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب قبلت توبته فإذا علم أن وقت موته هو الوقت الفلاني أقدم على المعصية بقلب فارغ ، فإذا قرب وقت أجله تاب عن تلك المعاصي . فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى الإغراء بالقبيح ، وذلك غير جائز على الله تعالى . وأجاب الأولون : بأن تعريف الله عز وجل كونه من المنظرين إلى يوم القيامة لا يقتضي إغراءه بالقبيح لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك ، فلم يكن ذلك الإعلام موجبا إغراءه بالقبيح ، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون على الطهارة والعصمة ، ولم يكن ذلك موجبا إغراءهم بالقبيح لأجل أنه تعالى علم منهم سواء عرفهم تلك الحالة أو لم يعرفهم هذه الحالة أنهم يموتون على الطهارة والعصمة . فلما كان / لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا ههنا ، والله أعلم . المسألة الثانية : قول إبليس : { فيما أغويتنى } يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالى ، وقوله في آية أخرى : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه . فالأول : يدل على كونه على مذهب الجبر . والثاني : يدل على كونه على مذهب القدر ، وهذا يدل على أنه كان متحيرا في هذه المسألة ، أو يقال : أنه كان يعتقد أن الإغوار لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغويا لغيره من الغاوين ، ثم زعم أن المغوي له هو الله تعالى قطعا للتسلسل ، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة ، أما أصحابنا فقالوا : الإغواء إيقاع الغي في القلب ، والغي هو الإعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من الله تعالى . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان : أحدهما : أن يفسروا الغي بما ذكرناه . والثاني : أن يذكروا في تفسيره وجها آخر . أما الوجه الأول : فلهم فيه أعذار . الأول : أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى ، إلا أن قوله ليس بحجة . الثاني : قالوا : إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى ، وقد يقول القائل : لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده . الثالث : { قال رب بمآ أغويتنى لاقعدن لهم } والمعنى : إنك بما لعنتني بسبب آدم فإنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم . الرابع : { رب بمآ أغويتنى } أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم .

Bagian V14/P031–V14/P032

الوجه الثاني : في تفسير الإغواء الإهلاك ومنه قوله تعالى : { فسوق يلقون غيا } ( مريم : 59 ) أي هلاكا وويلا ، ومنه أيضا قولهم : غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ، ويشارف الهلاك والعطب ، وفسروا قوله : { إن كان الله يريد أن يغويكم } ( هود : 34 ) إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم . الحق ، فهذه جملة الوجوه المذكورة . واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال ، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة ، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى ، وذلك لأن الغاوي لا بد له من مغو ، كما أن المتحرك لا بد له من محرك ، والساكن لا بد له من مسكن ، والمهتدي لا بد له من هاد . فلما كان إبليس غاويا فلا بد له من مغوي ، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقا آخر أو الله تعالى ، والأول : باطل . لأن العاقل لا يختار الغواية مع / العلم بكونها غواية . والثاني : باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور . والثالث : هو المقصود . والله أعلم . المسألة الثالثة : الباء في قوله : { فبما أغويتنى } فيه وجوه : الأول : إنه باء القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي ، بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة ، بأن أزين لهم الباطل ، وما يكسبهم المآثم ، ولما كانت { الباء } باء القسم كانت { اللام } جواب القسم { منكم وما } بتأويل المصدر و { أغويتنى } صلتها . والثاني : أن قوله : { فبما أغويتنى } أي فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم ، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضا أسعى في إغوائهم . الثالث : قال بعضهم : { ما } في قوله : { فيما أغويتنى } للاستفهام . كأنه قيل : بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال : { لاقعدن لهم } وفيه إشكال ، وهو أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على ( ما ) الاستفهامية قليل . المسألة الرابعة : قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } لا خلاف بين النحويين أن ( على ) محذوف والتقدير : لأقعدن لهم على صراطك المستقيم . قال الزجاج : مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن . وإلقاء كلمة ( على ) جائز ، لأن الصراط ظرف في المعنى : فاحتمل ما يحتمله لليوم والليلة ، في قولك آتيك غدا وفي غد . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } فيه أبحاث . البحث الأول : المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواطبة لا يفتر عنها ، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها . والبحث الثاني : إن هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج الصحيح ، لأنه قال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } وصراط الله المستقيم هو دينه الحق . البحث الثالث : الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال ، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال : { رب بمآ أغويتنى } وأيضا كان عالما بالدين الحق ، ولولا ذلك لما قال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } .

Bagian V14/P032

وإذا ثبت هذا فكيف يمكن : أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالا وغواية وبكونه مضادا للدين الحق ومنافيا للصراط المستقيم . فإن المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقا ، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده . / واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية ، فقد علم أن ضده هو الحق ، فكان إنكاره إنكارا بمحض اللسان ، فكان ذلك كفر عناد ، ومنهم من قال لا . بل كفره كفر جهل وقوله : { فبما أغويتنى } وقوله : { لاقعدن لهم الصراط المستقيم } يريد به في زعم الخصم ، وفي اعتقاده . والله أعلم . المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى ، ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم ، وكان تعالى عالما بأن أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } ( سبأ : 20 ) فثبت بهذا أن إنظار إبليس ، وإمهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير ، فلو كان تعالى مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يمهله ، وإن يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلا ، ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق ، وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال ، ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق ، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . قالت المعتزلة : اختلف شيوخنا في هذه المسألة . فقال الجبائي : إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضا ، والدليل عليه قوله تعالى : { ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 162 163 ) ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة . وقال أبو هاشم يجوز أن يضل به قوم ، ويكون خلقه جاريا مجرى خلق زيادة الشهوة ، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق ، ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب ، فكذا ههنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق ، ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه .

Bagian V14/P032–V14/P033

والجواب : أما قول أبي علي فضعيف ، وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه ، ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات ، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير ، وهذا التزيين والدليل عليه العرف ، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه ، فإنه لا يكون حاله في / الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين . والعلم به ضروري ، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضا لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلا للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيا في إلقائه في المفسدة ، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة ، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة ، فكيف يمكنه أن يحتج به ؟ والذي يقرره غاية التقرير : أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد / ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة ، إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات ، فلو كان إله العالم مراعيا لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة ، فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلا . والله أعلم بالصواب . أما قوله تعالى : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في ذكر هذه الجهات الأربع قولان : القول الأول : أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين . والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها : أحدها : { ثم لآتينهم من بين أيديهم } يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة { ومن خلفهم } ألقى إليهم أن الدنيا قديمة أزلية . وثانيها : { ثم لآتينهم من بين أيديهم } والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة { ومن خلفهم } يعني أقوى رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم ، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله : { بين أيديهم } الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها ، فهي بين أيديهم ، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها . وثالثها : وهو قول الحاكم والسدي { من بين أيديهم } يعني الدنيا { ومن خلفهم } الآخرة ، وإنما فسرنا { بين أيديهم } بالدنيا ، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها ، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك . ورابعها : { من بين أيديهم } في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين { ومن خلفهم } في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل .

Bagian V14/P033–V14/P034

وأما قوله : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ففيه وجوه : أحدها : { عن أيمانهم } في الكفر والبدعة { وعن شمائلهم } في أنواع المعاصي . وثانيها : { عن أيمانهم } في الصرف عن الحق { وعن شمائلهم } في الترغيب في الباطل . وثالثها : { عن أيمانهم } يعني أفترهم عن الحسنات { وعن شمائلهم } أقوى دواعيهم في السيئات . قال ابن الأنباري : وقول من قال ، الإيمان كناية عن الحسنات / والشمائل عن السيئات . قول حسن ، لأن العرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين . وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال : هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة ، وإذا خبثت منزلته قال : أنت عندي بالشمال ، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع . أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى . أولها : وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعا ، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية ، فإحداها : القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها . وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها ، وإليه الإشارة بقوله : { من بين أيديهم } . والقوة الثانية : القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ ، وإليها الإشارة بقوله : { ومن خلفهم } . والقوة الثالثة : الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن . والقوة الرابعة : الغضب ، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب ، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع / لم تقدر على إلقاء الوسوسة ، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع ، وهو وجه حقيقي شريف . وثانيها : أن قوله : { لآتينهم من بين أيديهم } المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه . أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة . وأما الأفعال : مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح { ومن خلفهم } المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله : { من بين أيديهم } لشبهات التشبيه ، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد ، وإنما جعلنا قوله : { ومن خلفهم } كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين التعطيل ، فلما جعلنا قوله : { من بين أيديهم } كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله : { ومن خلفهم } كناية عن التعطيل . وأما قوله : { وعن أيمانهم } فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات { وعن شمائلهم } الترغيب في فعل المنهيات . وثالثها : نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال : ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي . أما من بين يدي فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم . فاقرأ { وإنى لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا } ( طه : 82 ) وأما من خلفي : فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر ، فاقرأ { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وأما من قبل يميني : فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ { والعاقبة للمتقين } ( والقصص : 83 ) وأما من قبل شمالي : فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } ( سبأ : 54 ) .

Bagian V14/P034–V14/P035

/ والقول الثاني : في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة ، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البتة . وتقدير الآية : ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام ) فقال له : تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال له : تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل ، ويقسم مالك ، وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل ، وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب . فإن قيل : فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم . قلنا : أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية ، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن . وأما في الظاهر : فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر ، فقالوا : يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع ، فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان : الفوق والتحت ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع ، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة . والله أعلم . المسألة الثانية : أنه قال : { من بين أيديهم ومن خلفهم } فذكر هاتين الجهتين بكلمة { من } . ثم قال : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فذكر هاتين الجهتين بكلمة { عن } ولا بد في هذا الفرق من فائدة . فنقول : إذا قال القائل جلس عن يمينه ، معناه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به . قال تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } ( ق: 17 ) فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان / ولم يحضر في القدام والخلف ملكان ، والشيطان يتباعد عن الملك ، فلهذا المعنى خص اليمين والشمال بكلمة { عن } لأجل أنها تفيد البعد والمباينة ، وأيضا فقد ذكرنا أن المراد من قوله : { من بين أيديهم ومن خلفهم } الخيال ، والوهم ، والضرر الناشىء منهما هو حصول العقائد الباطلة ، وذلك هو حصول الكفر ، وقوله : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } الشهوة ، والغضب ، والضرر الناشىء منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية ، وذلك هو المعصية ، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم ، لأن عقابه دائم . أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع ، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة { عن } تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول . والله أعلم بمراده . / المسألة الثالثة : قال القاضي : هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ما يقال : إنه يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه ، لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المبالغة أحق .

Bagian V14/P035–V14/P036

ثم قال تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } وفيه سؤال : وهو أن هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ ، فقال له على سبيل القطع واليقين . وقال آخرون : إنه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات ، وعلم أنها أشياء يرغب فيها غلب على ظنه أنهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر والأغلب ويؤكد هذا القول بقوله تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا } ( سبأ : 20 ) والعجب أن إبليس قال للحق سبحانه وتعالى : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } فقال الحق ما يطابق ذلك { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وفيه وجه آخر . وهو أنه حصل للنفس تسع عشرة قوة ، وكلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية . والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة ، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة ، واثنان الشهوة والغضب ، وسبعة هي القوى الكامنة ، وهي الجاذبة ، والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ، والنامية ، والمولدة فمجموعها تسعة عشر وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية ، وأما العقل فهو قوة واحدة ، وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة . لا سيما وتلك القوى التسعة عشر تكون في أول الخلقة قوية ويكون العقل ضعيفا جدا وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلما كان الأمر كذلك ، لزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق ومحبته فلهذا السبب قال : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } والله أعلم . ! 7 < { قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين } . > 7 < الأعراف : ( 18 ) قال اخرج منها . . . . . > > اعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره ، خاطبه الله تعالى بما يدل على الزجر والإهانة فقال : { أخرج منها } من الجنة أو من السماء { مذؤوما } قال الليث : ذأمت الرجل فهو مذؤم أي محقور والذام الاحتقار ، وقال الفراء : ذأمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذاما . وقال ابن / الأنباري المذؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤما مذموما بأبلغ الذم قال أمية : وقال لإبليس رب العباد أن اخرج دحيرا لعينا ذؤما وقوله : { مذموما مدحورا } الدحر في اللغة الطرد والتبعيد ، يقال دحره دحرا ودحورا إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى : { ويقذفون من كل جانب دحورا } ( الصافات : 8 ، 9 ) وقال أمية : وبإذنه سجدوا لآدم كلهم إلا لعينا خاطئا مدحورا

Bagian V14/P036–V14/P037

وقوله : { لمن تبعك منهم } اللام فيه لام القسم ، وجوابه قوله : { لاملان } قال صاحب ( الكشاف ) روى عصمة عن عاصم : { لمن تبعك } بكسر اللام بمعنى { لمن تبعك منهم } هذا الوعيد وهو قوله : { لاملان جهنم منكم أجمعين } وقيل : إن لأملأن في محل الابتداء { ولمن تبعك } خبره قال أبو بكر الأنباري الكناية في قوله : { لمن تبعك منهم } عائد على ولد آدم لأنه حين قال : { ولقد خلقناكم } ( الأعراف : 11 ) كان مخاطبا لولد آدم فرجعت الكناية إليهم . قال القاضي : دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم تملأ منهما ثم أن الكافر تبعه ، فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار ، وجوابه أن المذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه ، وليس في الآية أن كل من تبعه فإنه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال ، ونقول هذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس . والله أعلم . ! 7 < { وياأادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هاذه الشجرة فتكونا من الظالمين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 19 ) ويا آدم اسكن . . . . . > > اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل : أحدها : أن قوله : { اسكن } أمر تعبد أو أمر إباحة وإطلاق من حيث إنه لا مشقة فيه . فلا يتعلق به التكليف . وثانيها : أن زوج آدم هو حواء ، ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق حواء ، وثالثها : أن تلك الجنة كانت جنة الخلد ، أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض . ورابعها : أن قوله : { فكلا } أمر إباحة لا أمر تكليف . وخامسها : أن قوله : { ولا تقربا } نهي تنزيه أو نهي تحريم . وسادسها : أن قوله : { هاذه الشجرة } المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع . وسابعها : أن تلك الشجرة أي شجرة كانت . وثامنها : أن ذلك الذنب / كان صغيرا أو كبيرا . وتاسعها : أنه ما المراد من قوله : { فتكونا من الظالمين } وهل يلزم من كونه ظالما بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) ، وعاشرها : أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام أو بعدها ، فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها ، والذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد ، وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وكلا منها رغدا } ( البقرة : 35 ) بالواو ، وقال ههنا : { فكلا } بالفاء فما السبب فيه ، وجوابه من وجهين : الأول : أن الواو تفيد الجمع المطلق ، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب ، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ، ولا منافاة بين النوع والجنس ، ففي سورة البقرة ذكر الجنس وفي سورة الأعراف ذكر النوع . ! 7 < { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطان لكما عدو مبين } . > 7 < الأعراف : ( 20 - 22 ) فوسوس لهما الشيطان . . . . . > >

Bagian V14/P037–V14/P038

يقال : وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره ، وبه سمي صوت الحلي وسواسا وهو فعل غيرمتعد كقولنا : ولولوت المرأة ، وقولنا : وعوع الذئب ، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ، ولكن موسوس له وموسوس إليه ، وهو الذي يلقي إليه الوسوسة ، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها . / والجواب : قال الحسن : كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض ، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة ، وقال آخرون : إن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة ، وكان إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها ، فيقرب . فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك . السؤال الثاني : أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله . والجواب : لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام . السؤال الثالث : لم قال : { فوسوس لهما الشيطان } . والجواب : معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم . أما قوله تعالى : { ليبدي لهما } في هذا اللام قولان : أحدهما : أنه لام العاقبة كما في قوله : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما ، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتها ، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط . الثاني : لا يبعد أيضا أن يقال : إنه لام الغرض ثم فيه وجهان : أحدهما : أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه ، والمعنى : أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه . والثاني : لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته ، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة ، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض ، وقوله : { ما } فيه مباحث : البحث الأول : ما وري مأخوذ من المواراة يقال : واريته أي سترته . قال تعالى : يواري سوأة أخيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه : ( اذهب فواره ) . البحث الثاني : السوأة فرج الرجل والمرأة ، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان . قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوبا يستر عورتهما ، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما } .

Bagian V14/P038–V14/P039

البحث الثالث : دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وإنه لم يزل مستهجنا / في الطباع مستقبحا في العقول وقوله : { وقال ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء ، ويمكن أيضا أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما ، والأمران مرويات إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة : إلا أن تكون ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وإنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكا عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله . والجواب : من وجوه : الأول : أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض . أما ملائكة السموات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبتة لآدم ، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسدا مختلا . وثانيها : نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال : إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء ، وأقول : هذا الجواب ضعيف ، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله : { إلا أن تكونا ملكين } ( الأعراف : 20 ) وبين قوله : { أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) . والوجه الثاني : قال الواحدي : كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول : ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين ، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك ، ويدل على هذا قوله : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } ( طه : 20 ) وأقول هذا الجواب أيضا ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة : فهل يقول ابن عباس إن تلك القراءة المشهورة باطلة . أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ، لأن تلك القراءة قراءة متواترة ، فكيف يمكن الطعن فيها ، وأما الثاني : فعلى هذا التقدير الإشكال باق . لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال . والوجه الثاني : أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة ، وأن يأكل منها رغدا كيف شاء وأراد ، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة . والجواب من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك / ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء ، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال . والثاني : إن بتقدير ( أن ) تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهرا نورانيا ، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي ، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال .

Bagian V14/P039–V14/P040

السؤال الثالث : نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله : إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وفي قوله : وقاسمهما قال عمر وقلت للحسن : فهل صدقاه في ذلك . فقال الحسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه السؤال : إنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير : أن يصدقا إبليس في ذلك القول . والجواب : ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة / وأنه كفر . ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر ؟ وبيانه من وجهني : الأول : أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام ، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه . الوجه الثاني : هب أن الخلود مفسر بالدوام ، إلا أنا نسلم أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته ، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام أنه يميت الخلق ، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء ، فلهذا السبب رغب فيه ، وعلى هذا التقدير : فالتكفير غير لازم . السؤال الرابع : ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما ، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعا ؟ وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال ؟ أو ينكرون هذا الظن أيضا . والجواب : أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا وظنا ، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة ، لا أنهما صدقاه علما أو ظنا كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه ، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال . السؤال الخامس : قوله : { إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما . والجواب : قال بعضهم : الترغيب كان في مجموع الأمرين ، لأن أدخل في الترغيب . وقيل : بل هو على ظاهره على طريقة التخيير . / ثم قال تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } أي وأقسم لهما إني لكما لمن الناصحين . فإن قيل : المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك . تقول : قاسمت فلانا أي حالفته ، وتقاسما تحالفا ومنه قوله تعالى : { تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله } ( النمل : 49 ) . قلنا : فيه وجوه : الأول : التقدير أنه قال : أقسم لكما إني لكما لمن الناصحين . وقالا له : أتقسم بالله إنك لمن الناصحين ؟ فجعل ذلك مقاسمة بينهم . والثاني : أقسم لهما بالنصيحة ، وأقسما له بقبولها . الثالث : أنه أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة ، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم . إذا عرفت هذا فنقول : قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله ، وقوله : { إني لكما لمن الناصحين } أي قال إبليس : إني خلقت قبلكما ، وأنا أعلم أحوالا كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما . ثم قال تعالى : { فدلاهما بغرور } وذكر أبو منصور الأزهري لهذه الكلمة أصلين : أحدهما : أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء ، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه . فيقال : دلاه إذا أطعمه . الثاني : { فدلاهما بغرور } أي أجرأهما إبليس على أكل الشجرة بغرور ، والأصل فيه دللهما من الدل ، والدالة وهي الجرأة .

Bagian V14/P040–V14/P041

إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : { فدلاهما بغرور } أي غرهما باليمين ، وكان آدم يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا . وعن ابن عمر رضي الله عنه : أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه ، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق . فقيل له : إنهم يخدعونك ، فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له . ثم قال تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت } وذلك يدل على أنهما تناولا اليسير قصدا إلى معرفة طعمه ، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها ، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل ، لأن الذائق قد يكون ذائقا من دون أكل . ثم قال تعالى : { بدت لهما } أي ظهرت عوراتهما ، وزال النور عنهما { سوءتهما وطفقا يخصفان } قال الزجاج : معنى طفق : أخذ في الفعل { يخصفان } أي يجعلان ورقة على ورقة . ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف ، وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة { وناداهما ربهما } قال عطاء : بلغني أن الله ناداهما أفرارا مني يا آدم . قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحدا يقسم باسمك كاذبا ، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي ، أما نفخت فيك من روحي ، أما أسجدت لك ملائكتي ، أما أسكنتك في جنتي في جواريا / ثم قال : { وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } قال ابن عباس : بين العداوة حيث أبى السجود وقال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) . ! 7 < { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 23 ) قالا ربنا ظلمنا . . . . . > > اعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، وقد ذكرنا هناك أن هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام ، إلا أنا نقول : هذا الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . ! 7 < { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الا رض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } . > 7 < الأعراف : ( 24 - 25 ) قال اهبطوا بعضكم . . . . . > > اعلم أن هذا الذي تقدم ذكره هو آدم ، وحواء ، وإبليس ، وإذا كان كذلك فقوله : { اهبطوا } يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة { بعضكم لبعض عدو } يعني العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول ألبتة . وقوله : { فيها تحيون } الكناية عائدة إلى الأرض في قوله : { ولكم فى الارض } والمراد في الأرض تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون إلى البعث والقيامة . قرأ حمزة والكسائي { تخرجون } بفتح التاء وضم الراء ، وكذلك في الروم والزخرف والجاثية ، وقرأ ابن عامر ههنا ، وفي الزخرف بفتح التاء ، وفي الروم والجاثية بضم التاء ، والباقون جميع ذلك بضم التاء . ! 7 < { يابنىآدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذالك خير ذالك من آيات الله لعلهم يذكرون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 26 ) يا بني آدم . . . . . > > في نظم الآية وجهان :

Bagian V14/P041–V14/P042

/ الوجه الأول : أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض ، وجعل الأرض لهما مستقرا بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا ، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا . الوجه الثاني : أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها ، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم ، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر . فإن قيل : ما معنى إنزال اللباس ؟ قلنا : إنه تعالى أنزل المطر ، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس ، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس ، وتحقيق القول أن الأشياء التي تحدث في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها من السماء . ومنه قوله تعالى : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) وقوله : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ( الحديد : 25 ) وأما قوله : { وريشا } ففيه بحثان : البحث الأول : الريش لباس الزينة ، استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته ، أي أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يواري سوآتكم ، ولباسا يزينكم ، لأن الزينة غرض صحيح كما قال : { لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) وقال : { ولكم فيها جمال } ( النحل : 6 ) . البحث الثاني : روي عن عاصم رواية غير مشهورة { ورياشا } وهو مروي أيضا عن عثمان رضي الله عنه ، والباقون { سوءتكم وريشا } واختلفوا في الفرق بين الريش والرياش فقيل : رياش جمع ريش ، وكذياب وذيب ، وقداح وقدح ، وشعاب وشعب ، وقيل : هما واحد ، كلباس ولبس وجلال وجل ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش ، وقال ابن السكيت : الرياش مختص بالثياب والأثاث ، والريش قد يطلق على سائر الأموال وقوله تعالى : { ولباس التقوى } فيه بحثان : البحث الأول : قرأ نافع وابن عامر والكسائي { ولباس } بالنصب عطفا على قوله : { لباسا } والعامل فيه أنزلنا وعلى هذا التقدير فقوله : { ذالك } مبتدأ وقوله : { خير } خبره والباقون بالرفع وعلى هذا التقدير فقوله : { ولباس التقوى } مبتدأ وقوله : { ذالك } صفة أو بدل أو عطف بيان وقوله خير خبر لقوله : { ولباس التقوى } ومعنى قولنا صفة أن قوله : { ذالك } أشير به إلى اللباس كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير . البحث الثاني : اختلفوا في تفسير قوله : { ولباس التقوى } والضابط فيه أن منهم من حمله على / نفس الملبوس ومنهم من حمله على غيره . أما القول الأول : ففيه وجوه : أحدها : أن المراد أن اللباس الذي أنزله الله تعالى ليواري سوآتكم هو لباس التقوى وعلى هذا التقدير فلباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده الله لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن جماعة من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في التكرير مجرى قول القائل : قد عرفتك الصدق في أبواب البر ، والصدق خير لك من غيره . فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى . وثانيها : أن المراد من لباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقي به في الحروب . وثالثها : المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلوات .

Pertanyaan