Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثالثة : كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه يحتمل وجوها : أحدها : أنا قد دللنا في هذا الكتاب العالي الدرجة أن الأجسام متماثلة ومتى كان كذلك ، كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخير الشديد والتأثير القاهر والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي ، لا بد وأن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات وهذه الأحوال ، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص ، عن قدرة المدبر الحكيم ، الرحيم العليم . وثانيها : أن يقال / إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب ، سيرا خاصا بطيئا من المغرب إلى المشرق وسيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك الأعظم ، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها ، قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر والقسر ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر العرش بقوله : { ثم استوى على العرش } رتب عليه حكمين : أحدهما : قوله : { وهو الذى مد } تنبيها على أن حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش . والثاني : قوله : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } تنبيها على أن الفلك الأعظم الذي هو العرش يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب وأنه تعالى أودع في جرم العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب وتحريكها على خلاف مقتضى طبائعها ، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها والعلم عند الله . وثانيها : أن أجسام العالم على ثلاثة أقسام ، منها ما هي متحركة إلى الوسط وهي الثقال . ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الخفاف ، ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية ، فإنها مستديرة حول الوسط فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ولا إليه ، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره ، حيث خص كل واحد من هذه الأجسام بخاصة معينة وصفة معينة وقوة مخصوصة فلهذا السبب قال : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } ورابعها : أن الثوابت تتحرك في كل ستة وثلاثين ألف سنة دورة واحدة ، فهذه الحركة تكون في غاية البطء . ثم ههنا دقيقة أخرى وهي أن كل كوكب من الكواكب الثابتة ، كان أقرب إلى المنطقة كانت حركته أسرع ، وكل ما كان أقرب إلى القطب كانت حركته أبطأ ، فالكواكب التي تكون في غاية القرب من القطب . مثل كوكب الجدي وهو الذي تقول العوام إنه هو القطب ، يدور في دائرة في غاية الصغر ، وهو إنما يتمم تلك الدائرة الصغيرة جدا في مدة ستة وثلاثين ألف سنة . فإذا تأملت علمت أن تلك الحركة بلغت في البطء إلى حيث لا توجد حركة في العالم تشاركها في البطء ، فذلك الكوكب اختص بأبطأ حركات هذا العالم وجرم الفلك الأعظم اختص بأسرع حركات العالم ، وفيما بين هاتين الدرجتين درجات لا نهاية لها في البطء والسرعة ، وكل واحد من الكواكب والدوائر والحوامل والممثلات يختص بنوع من تلك الحركات ، وأيضا فلكل واحد من تلك الكواكب مدارات مخصوصة / فأسرعها هو المنطقة وكل ما كان أقرب إليه فهو أسرع حركة مما هو أبعد منه ، ثم إنه سبحانه رتب مجموع هذه الحركات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها سببا لحصول المصالح في هذا العالم . كما قال في أول سورة / البقرة : { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات } ( البقرة : 29 ) أي سواهن على وفق مصالح هذا العالم ، وهو بكل شيء عليم ، أي هو عالم بجميع المعلومات .
فيعلم أنه كيف ينبغي ترتيبها وتسويتها حتى تحصل مصالح هذا العالم ، فهذا أيضا نوع عجيب في تسخير الله تعالى هذه الأفلاك والكواكب ، فتكون داخلة تحت قوله : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم ، وذلك على خلاف المعتادا فيقال لهذا المسكين : إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته ، وتقريره من وجوه : الأول : أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض ، وتعاقب الليل والنهار ، وكيفية أحوال الضياء والظلام ، وأحوال الشمس والقمر والنجوم ، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى ، فلو لم يكن البحث عنها ، والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها . والثاني : أنه تعالى قال : { أولم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج } ( ق: 6 ) فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها . والثالث : أنه تعالى قال : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } ( غافر : 57 ) فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس ، ثم أنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) فما كان أعلى شأنا وأعظم برهانا منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب . والرابع : أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) ولو كان ذلك ممنوعا منه لما فعل . والخامس : أن من صنف كتابا شريفا مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق ، فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان : منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين ، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين ، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى . وأيضا فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل .
إذا ثبت هذا فنقول : من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث ، / فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريا مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر / فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات . فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل الله العون والعصمة . المسألة الرابعة : الأمر المذكور في قوله : { مسخرات بأمره } قد فسرناه بما سبق ذكره ، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه : أحدها : المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر الكلام ، ونظيره في قوله تعالى : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وقوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الثاني الذي هو الكلام ، وقال : إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة . المسألة الخامسة : أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ذكر النجوم والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلهما سببا لعمارة هذا العالم ، والاستقصاء في تقريره لا يليق بهذا الموضع ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، والشمس تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في الترطيب ، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة . ثم إنه تعالى خص كل كوكب بخاصة عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى ، وجعله معينا لهما في تلك التأثيرات والمباحث المستقصاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان ، والقمر كالنائب ، وسائر الكواكب كالخدم ، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه بذكر الشمس وثنى القمر ثم أتبعه بذكر سائر النجوم . أما قوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله سبحانه والدليل عليه أن كل من أوجد شيئا وأثر في حدوث شيء . فقد قدر على تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت فكان خالقا ، ثم الآية دلت على أنه لا خالق إلا الله لأنه قال : { ألا له الخلق والامر } وهذا يفيد الحصر بمعنى أنه لا خالق إلا الله ، وذلك يدل على أن كل أمر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي ، فخالق / ذلك الأمر في الحقيقة هو الله سبحانه لا غير . وإذا ثبت هذا الأصل تفرعت عليه مسائل : إحداها : أنه لا إله إلا الله إذ لو حصل إلهان لكان الإله الثاني خالقا ومدبرا ، وذلك يناقض مدلول هذه الآية في تخصص الخلق بهذا الواحد . وثانيها : أنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم ، وإلا لحصل خالق سوى الله ، وذلك ضد مدلول هذه الآية . وثالثها : أن القول بإثبات الطبائع ، وإثبات العقول والنفوس على ما يقوله الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل ، وإلا لحصل خالق غير الله . ورابعها : خالق أعمال العباد هو الله ، وإلا لحصل خالق غير الله . وخامسها : القول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل . وإلا لحصل مؤثر غير الله ، ومقدر غير الله ، وخالق غير الله ، وإنه باطل . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن كلام الله قديم . قالوا : إنه تعالى ميز بين الخلق وبين الأمر ، ولو كان الأمر مخلوقا لما صح هذا التمييز . أجاب الجبائي : عنه بأنه لا يلزم من أفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلا في الخلق فإنه تعالى قال : { تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين } ( الحجر : 1 ) وآيات الكتاب داخلة في القرآن وقال : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) مع أن الإحسان داخل في العدل وقال : { من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وهما داخلان تحت الملائكة . وقال الكعبي : إن مدار هذه الحجة على أن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فإن صح هذا الكلام بطل مذهبكم لأنه تعالى قال : { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى } ( الأعراف : 158 ) فعطف الكلمات على الله فوجب أن تكون الكلمات غير الله وكل ما كان غير الله فهو محدث مخلوق ، فوجب كون كلمات الله محدثة مخلوقة . وقال القاضي : أطبق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام التنزيل ، بل المراد به نفاذ إرادة الله تعالى لأن الغرض بالآية تعظيم قدرته ، وقال آخرون : لا يبعد أن يقال : الأمر وإن كان داخلا تحت الخلق إلا أن الأمر بخصوص كونه أمرا يدل على نوع آخر من الكمال والجلال فقوله : { له الخلق والامر } معناه : له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى ، ثم بعد الإيجاد والتكوين فله الأمر والتكليف في المرتبة الثانية ، ألا ترى أنه لو قال له الخلق وله التكليف وله الثواب والعقاب ، كان ذلك حسنا مفيدا مع أن الثواب والعقاب داخلان تحت الخلق فكذا ههنا . وقال آخرون : معنى قوله : { ألا له الخلق والامر } هو أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق فكذا قوله : { والامر } يجب أن يكون معناه : أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر ، وإذا كان حصول الأمر متعلقا بمشيئته لزم أن يكون ذلك الأمر مخلوقا كما أنه لما كان حصول المخلوق متعلقا بمشيئته كان مخلوقا ، أما لو كان أمر الله قديما لم يكن / ذلك الأمر بحسب مشيئته ، بل كان من لوازم ذاته . فحينئذ لا يصدق عليه أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر ، وذلك ينفي ظاهر الآية .
والجواب : أنه لو كان الأمر داخلا تحت الخلق كان إفراد الأمر بالذكر تكريرا محضا ، والأصل عدمه . أقصى ما في الباب أنا تحملنا ذلك في صور لأجل الضرورة ، إلا أن الأصل عدم التكرير . والله أعلم . المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئا إلا الله سبحانه . وإذا ثبت هذا فنقول : فعل الطاعة لا يوجب الثواب ، وفعل المعصية لا يوجب العقاب ، وأيصال الألم لا يوجب العوض وبالجملة فلا يجب على الله لأحد من العبيد شيء ألبتة ، إذ لو كان فعل الطاعة يوجب الثواب لتوجه على الله من العبد مطالبة ملزمة وإلزام جازم ، وذلك ينافي قوله : { ألا له الخلق والامر } . المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه ، وأن الحسن لا يجوز أن يحسن لوجه عائد إليه لأن قوله : { ألا له الخلق والامر } يفيد أنه تعالى له أن يأمر بما شاء كيف شاء ، ولو كان القبيح يقبح لوجه عائد إليه لما صح من الله أن يأمر إلا بما حصل منه ذلك الوجه ، ولا أن ينهي إلا عما فيه وجه القبح فلم يكن متمكنا من الأمر والنهي كما شاء وأراد مع أن الآية تقتضي هذا المعنى . المسألة الخامسة : دلت هذه الآية على أنه سبحانه قادر على خلق عوالم سوى هذا العالم كيف شاء وأراد وتقريره : إنه قال : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض والشمس والقمر والنجوم } والخلق إذا أطلق أريد به الجسم المقدر أو ما يظهر تقديره في الجسم المقدر . ثم بين في آية أخرى أنه أوحي في كل سماء أمرها وبين في هذه الآية أنه تعالى خصص كل واحد من الشمس والقمر والنجوم بأمره ، وذلك يدل على أن ما حدث بتأثير قدرة الله تعالى فتميز الأمر والخلق ، ثم قال بعد هذا التفصيل والبيان { ألا له الخلق والامر } يعني له القدرة على الخلق وعلى الأمر على الإطلاق / فوجب أن يكون قادرا على إيجاد هذه الأشياء وعلى تكوينها كيف شاء وأراد ، فلو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم في أقل من لحظة ولمحة لقدر عليه لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات ولهذا قال المعري في قصيدة طويلة له : يأيها الناس كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر / ثم قال في أثناء هذه القصيدة : هنا على الله ماضينا وغابرنا فما لنا في نواحي غيره خطر
المسألة السادسة : قال قوم : { الخلق } صفة من صفات الله وهو غير المخلوق ، واحتجوا عليه بالآية والمعقول . أما الآية فقوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } قالوا : وعند أهل السنة { الامر } لله لا بمعنى كونه مخلوقا له ، بل بمعنى كونه صفة له فكذلك يجب أن يكون { الخلق } لله لا بمعنى كونه مخلوقا له بل بمعنى كونه صفة له ، وهذا يدل على أن الخلق صفة قائمة بذات الله تعالى . وأما المعقول فهو أنا إذا قلنا : لم حدث هذا الشيء ولم وجد بعد أن لم يكن ؟ فنقول : في جوابه لأنه تعالى خلقه وأوجده فحينئذ يكون هذا التعليل صحيحا ، فلو كان كونه تعالى خالقا له نفس حصول ذلك المخلوق لكان قوله أنه إنما حدث لأنه تعالى خلقه وأوجده جاريا مجرى قوله : أنه إنما حدث لنفسه ولذاته لا لشيء آخر ، وذلك محال باطل ، لأن صدق هذا المعنى ينفي كونه مخلوقا من قبل الله تعالى . فثبت أن كونه تعالى خالقا للمخلوق مغايرا لذات ذلك المخلوق ، وذلك يدل على أن الخلق غير المخلوق وجوابه : لو كان الخلق غير المخلوق لكان أن كان قديما لزم من قدمه قدم المخلوق ، وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل وهو محال . المسألة السابعة : ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله ، فكذلك لا أمر إلا لله ، وهذا يتأكد بقوله تعالى : { إن الحكم إلا لله } ( الأنعام : 57 ) وقوله : { فالحكم لله العلى الكبير } ( غافر : 12 ) وقوله : { لله الامر من قبل ومن بعد } ( الروم : 4 ) إلا أنه مشكل بالآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) . والجواب : أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن أمر الله قد حصل ، فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره . والله أعلم . المسألة الثامنة : قوله : { ألا له الخلق والامر } يدل على أن لله أمرا ونهيا على عباده ، وأن له تكليفا على عباده ، والخلاف مع نفاة التكليف . واحتجوا عليه بوجوه : أولها : أن المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع . فكان الأمر به أمرا بتحصيل الحاصل وأنه محال ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان الأمر به أمرا بما يمتنع وقوعه وهو محال ، وثانيها : أنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله ، كان واجب الوقوع ، فلا فائدة في الأمر ، وإن لم يخلق الداعي إليه كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الأمر به . وثالثها : أن أمر الكافر والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض ، لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع ، امتنع أن يصدر عنه الإيمان والطاعة ، إلا إذا / صار علم الله جهلا ، والعبد لا قدرة له على تجهيل الله ، وإذا تعذر اللازم تعذر الملزوم . فوجب أن يقال : لا قدرة للكافر والفاسق على الإيمان والطاعة أصلا ، وإذا كان كذلك لم يحصل من الأمر به إلا مجرد استحقاق العقاب / فيكون هذا الأمر والتكليف إضرارا محضا من غير فائدة ألبتة ، وهو لا يليق بالرحيم الحكيم ، ورابعها : أن الأمر والتكليف إن لم يكن لفائدة فهو عبث ، وإن كان لفائدة عائدة إلى المعبود فهو محتاج وليس باله ، وإن كان لفائدة عائدة إلى العابد . فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل النفع ، ودفع الضرر ، والله تعالى قادر على تحصيلها بالتمام والكمال من غير واسطة التكليف ، فكان توسيط التكليف إضرارا محضا من غير فائدة ، وأنه لا يجوز .
واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنه يحسن منه أن يأمر عباده ، وأن يكلفهم بما شاء . واحتج عليه بقوله : { ألا له الخلق والامر } يعني لما كان الخلق منه ثبت أنه هو الخالق لكل العبيد ، وإذا كان خالقا لهم كان مالكا لهم ، وإذا كان مالكا لهم حسن منه أن يأمرهم وينهاهم ، لأن ذلك تصرف من المالك في ملك نفسه ، وذلك مستحسن ، فقوله سبحانه : { ألا له الخلق والامر } يجري مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء كيف شاء . المسألة التاسعة : دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقا لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحا ، ولا كما يقولونه أيضا من حيث العوض والثواب ، لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولا ، ثم ذكر الأمر بعده ، وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقا لهم موجدا لهم ، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف ، هذا القدر سقط اعتبار الحسن ، والقبح ، والثواب ، والعقاب في اعتبار حسن الأمر والتكليف . المسألة العاشرة : دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر ، وكان من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل ، إلا أنها إنما خطرت بالبال في هذا الوقت ، والدليل عليه قوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } فدل ذلك على أن له الأمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهي ، والخبر ، والاستخبار ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . المسألة الحادية عشرة : أنه تعالى بين كونه تعالى خالقا للسموات ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم . ثم قال : { ألا له الخلق والامر } أي لا خالق إلا هو . ولقائل أن يقول : لا يلزم من كونه تعالى خالقا لهذه الأشياء أن يقال : لا خالق على الإطلاق إلا هو ، فلم رتب على إثبات كونه خالق لتلك الأشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق ؟ / فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقا لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقا لكل الممكنات ، وتقريره : أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه ، والإمكان واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين . والثاني باطل ، لأن كل ما كان موجودا في الخارج ، فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ما لا يكون متعينا في نفسه لم يكن موجودا في الخارج . وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد ومعين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجا إلى ذلك المعين . فثبت أن الذي يكون مأثرا في وجود شيء واحد ، هو المؤثر في وجود كل الممكنات . أما قوله تعالى : { تبارك الله رب العالمين } فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقا للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، والنجوم وبين كون الكل مسخرا في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له الحكم والأمر والنهي والتكليف ، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، فقال : { تبارك الله رب العالمين } وقد تقدم تفسير { تبارك } فلا نعيده . واعلم أنه تعالى بدأ في أول الآية : رب السموات والأرضين / وسائر الأشياء المذكورة ، ثم ختم الآية بقوله : { تبارك الله رب العالمين } والعالم كل موجود سوى الله تعالى ، فبين كونه ربا وإلها وموجودا ومحدثا لكل ما سواه ، ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن ومتفضل ، وهذا آخر الكلام في شرح هذه الآية .
! 7 < { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا فى الا رض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين } . > 7 < الأعراف : ( 55 - 56 ) ادعوا ربكم تضرعا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة ، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية ، والعلوم الحقيقية ، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع ، فإن الدعاء مخ العبادة ، فقال : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : قوله : { ادعوا ربكم } فيه قولان : قال بعضهم : { اعبدوا } وقال آخرون : هو الدعاء ، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من الله تعالى ، وهذه صفة العبادة ، لأنه يفعل تقربا ، وطلبا للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله : { وادعوه خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ) والمعطوف ينبغي أن يكون مغايرا للمعطوف عليه . والقول الثاني هو الأظهر ، لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الدعاء ، فمنهم من أنكره . واحتج على صحة قوله بأشياء : الأول : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم الله تعالى ، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضا في طلبه . الثاني : أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب ، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل ، وإن كان قد أراد في الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب ، وإن قلنا أنه ما أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه ، ثم إنه عند ذلك الدعاء ، صار مريدا له لزم وقوع التغير في ذات الله وفي صفاته ، وهو محال . لأن على هذا التقدير : يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله تعالى ، فيكون العبد متصرفا في صفة الله بالتبديل والتغيير ، وهو محال . والثالث : أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه ، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلا وأن اقتضت الحكمة منعه ، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه . والرابع : أن الدعاء غير الأمر ، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة ، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر الله سوء أدب ، وإنه لا يجوز . الخامس : الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب ، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان منتبها له ، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله على الإقدام على الإحسان والفضل ، وذلك جهل . السادس : إن الإقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك تصرف نفسه ، ولما طلب من الله شيئا على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من المنكرات . السابع : كثيرا ما يظن العبد بشيء كونه نافعا وخيرا ، ثم أنه عند دخوله في الوجود يصير سببا للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة ، وإذا كان كذلك كان طلب الشيء المعين من الله غير جائز ، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير ، وذلك حاصل من الله تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه . فلم يبق في الدعاء فائدة . الثامن : أن الدعاء عبارة عن / توجه القلب إلى طلب شيء من الله تعالى ، وتوجه القلب إلى طلب ذلك الشيء المعين يمنع القلب من الاستغراق في معرفة الله تعالى ، وفي محبته / وفي عبوديته ، وهذه مقامات عالية شريفة ، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموما . التاسع : روي أنه عليه الصلاة والسلام . قال حاكيا عن الله سبحانه : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء . العاشر : إن علم الحق محيط بحاجة العبد ، والعبد إذا علم أن مولاه عالم باحتياجه ، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك أدخل في الأدب ، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة ، ويطلب ما يدفع تلك الحاجة ، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد ، وجب اعتبار مثله في حق الله سبحانه ، ولذلك يقال أن الخليل عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار . قال جبريل عليه السلام ادع ربك . فقال الخليل عليه السلام : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فهذه الوجوه هي المذكورة في هذا الباب .
واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع العبادات ، فإنه يقال أن كان هذا الإنسان سعيدا في علم الله فلا حاجة إلى الطاعات والعبادات ، وإن كان شقيا في علمه فلا فائدة في تلك العبادات ، وأيضا يقال وجب أن لا يقدم الإنسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه أن كان هذا الإنسان شبعان في علم الله تعالى فلا حاجة إلى أكل الخبز ، وإن كان جائعا فلا فائدة في أكل الخبز ، وكما أن هذا الكلام باطل ههنا ، فكذا فيما ذكروه ، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية ، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه أن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجا إلى ذلك المطلوب وكونه عاجزا عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه ، ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة ، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفا بالحاجة وبالعجز وعرف كون الإله سبحانه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية ، فإذا كان الدعاء مستجمعا لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات . وقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه لأن التضرع لا يحصل إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد العبد نقصان نفسه وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع ، فثبت أن المقصود من الدعاء ما ذكرناه ، فثبت أن لفظ القرآن دليل عليه والذي يقوي ما ذكرناه ما روي أنه عليه السلام قال : ( ما من شيء أكرم على الله من الدعاء والدعاء هو العبادة ) ثم قرأ : { إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) والله أعلم . المسألة الثانية : في تقرير شرائط الدعاء . اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهدا لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهدا لكون مولاه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص ، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص ، وهو المراد من قوله تعالى : { وخفية } والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب الرياء ، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه : { تضرعا وخفية } مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء / وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه ، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط ، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك . المسألة الثالثة : ( التضرع ) التذلل والتخشع ، وهو إظهار ذل النفس من قولهم : ضرع فلان لفلان ، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال ( والخفية ) ضد العلانية . يقال : أخفيت الشيء إذا سترته ، ويقال : { خفية } أيضا بالكسر ، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه { خفية } بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام ، والباقون بالضم ، وهما لغتان : واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء ، ويدل على وجوه : الأول : هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونا باللإخفاء ، وظاهر الأمر للوجوب ، فإن لم يحصل الوجوب ، فلا أقل من كونه ندبا .
ثم قال تعالى بعده : { وخفية إنه لا يحب المعتدين } والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين ، وهما التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب ، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يثيبه ألبتة ، ولا يحسن إليه ، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة ، فظهر أن قوله تعالى : { إنه لا يحب المعتدين } كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء . الحجة الثانية : أنه تعالى أثنى على زكريا فقال : { إذ نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطه به إليه . / الحجة الثالثة : ما روى أبو موسى الأشعري ، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام : ( ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وإنه لمعكم ) . الحجة الرابعة : قوله عليه السلام : ( دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية ) وعنه عليه السلام : ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) وعن الحسن أنه كان يقول : إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره ، يفقه الكثير وما يشعر به الناس ، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همسا ، لأن الله تعالى قال : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وذكر الله عبده زكريا فقال : { إذ نادى ربه نداء خفيا } . الحجة الخامسة : المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة ، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة ألبتة . فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصونا عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها ، وهي : أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها ؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صونا لها عن الرياء وقال أخرون : الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات . وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال : إن كان خائفا على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صونا لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء . المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله ، إخفاء التأمين أفضل . وقال الشافعي رحمه الله ، إعلانه أفضل ، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله ، قال : في قوله : ( آمين ) وجهان : أحدهما : أنه دعاء . والثاني : أنه من أسماء الله ، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وإن كان اسما من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } ( الأعراف : 205 ) فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول : أما قوله تعالى : { إنه لا يحب المعتدين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى ، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة . واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء ، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق ، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال : / فالقول الأول : أنها عبارة عن أيصال الله الثواب والخير والرحمة إلى العبد .
والقول الثاني : أنها عبارة عن كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب والخير إلى العبد . وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي : أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الإرادة أم لا ؟ قال الكعبي وأبو الحسين : إنه تعالى غير موصوف بالإرادة ألبتة ، فكونه تعالى مريدا لأفعال نفسه أنه موجد لها وفاعل لها ، وكونه تعالى مريدا لأفعال غيره كونه آمرا بها ولا يجوز كونه تعالى موصوفا بصفة الإرادة . وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد أثبتوا كونه تعالى موصوفا بصفة المريدية . إذا عرفت هذا فمن نفي الإرادة في حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة لله تعالى فسر محبة الله بإرادته لإيصال الثواب إليه . والقول الثالث : أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب إليه ، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه الإرادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها . أقصى ما في الباب أن يقال : إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال ، إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال محبة الله تعالى صفة أخرى ، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد ؟ أقصى ما في الباب ، أنا لا نعرف أن تلك المحبة ما هي وكيف هي ؟ ا إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء . ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئيا ، ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان ، بل هي رؤية بلا كيف ، فلم لا يقولون ههنا أيضا أن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل هي محبة بلا كيف ؟ فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع . بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها ، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة . المسألة الثانية : قوله : { إنه لا يحب المعتدين } أي المجاوزين ما أمروا به . قال الكلبي وابن جريج : من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء . المسألة الثالثة : اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه ، فقد اعتدى وتعدى . فيدخل تحت قوله : { إنه لا يحب المعتدين } وقد بينا أن من لا يحبه الله فإنه يعذبه ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه ، فإنه يكون معاقبا ، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد / الفساق ، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ { المعتدين } لفظ عام دخله الألف واللام ، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . الثاني : أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه / وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد . والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد . ثم قال تعالى : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } معناه ولا تفسدوا شيئا في الأرض ، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء ، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف ، وإفساد العقول بسبب شرب المكسرات ، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة : النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول . فقوله : { ولا تفسدوا } منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود ، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة ، وأما قوله : { بعد إصلاحها } فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال : لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض ، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح ، وذلك مستكره في بداهة العقول . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق . إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا خاصا دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص . واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل ، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه الآية أنها تدل / على أن الأصل في المضار والآلام ، الحرمة . وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية ، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية ، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل ، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة ، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها ، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات ، وأيضا هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين الخصمين ، فإنه انعقد وصح وثبت ، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفسادا بعد الإصلاح ، والنص دل على أنه لا يجوز . إذا ثبت هذا فنقول : أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله : { أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وبعموم قوله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ، 3 ) وتحت قوله : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 المعارج : 32 ) وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود . إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح ، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على العام / وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات . وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها . ثم قال تعالى : { وادعوه خوفا وطمعا } وفيه سؤالات :
السؤال الأول : قال في أول الآية : { أدعو ربكم } ثم قال : { ولا تفسدوا } ثم قال : { وادعوه } وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل . والجواب : أن الذين قالوا في تفسير قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفا من هذا الإشكال . فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وإن قلنا المراد من قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } هو الدعاء كان الجواب أن قوله : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء ، ثم بين في قوله { وادعوه خوفا وطمعا } أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين ، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته . السؤال الثاني : أن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع / في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية ، فكونه إلها لنا وكوننا عبيدا له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا ، وهذا قول أهل السنة . ومنهم من قال : التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة . إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه . ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من أتى بها خوفا من العقاب ، أو طمعا في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني : فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { وادعوه خوفا وطمعا } يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول . والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل ؟ السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن تحصل في قلبه هذا الخوف والطمع ؟ والجواب : أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيا بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف ، وأيضا لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة ، فوجب كونه طامعا في قبولها فلا جرم . قلنا : بأن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله : { خوفا وطمعا } أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله : { يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } ( المؤمنون : 60 ) . ثم قال تعالى : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة / إيصال الخير والنعمة ، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال / وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير { بسم الله الرحمان الرحيم } ( الفاتحة : 1 النمل : 30 ) . المسألة الثانية : قال بعض أصحابنا : ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة . واحتجوا بهذه الآية ، وبيانه : أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين ، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبا من المحسنين ، أن لا يكون رحمة ، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين ، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين ، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين ، والعفو عن العذاب رحمة ، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة ، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين ، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين ، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب ، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار . الجواب : أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة ، فقد أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة ، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة والإقرار ، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح ، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر ، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب عليه . فثبت أنه محسن ، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار ، فوجب كون هذا القدر إحسانا ، فيكون فاعله محسنا . إذا ثبت هذا فنقول : كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين ، ودلت هذه الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله ، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم . فإن قالوا : المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان . فنقول : هذا باطل ، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسنا أن يكون آتيا بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم . فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا إليه . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال : إن رحمة الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث ؟ وذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أن الرحمة تأنيثها / ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة . الثاني : قال الزجاج : إنما قال : { قريب } لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } بمعنى إنعام الله قريب وثواب الله قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر . الثالث : قال النضر بن شميل : الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله : { فمن جاءه موعظة } ( البقرة : 275 ) فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ ، فلذلك ذكره قال الشاعر : إن السماحة والمروءة ضمنا قبرا بمرو على الطريق الواضح
قيل : أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم . والرابع : أن يكون التأويل إن رحمة الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا : حائض ولابن تامر أي ذات حيض ولبن وتمر . قال الواحدي : أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال : تقول العرب : هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قريب مني ، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضا قريبة وبعيدة تنبيها على معنى قربت وبعدت بنفسها . المسألة الخامسة : تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا من الآخرة ، وبعدا من الدنيا ، فإن الدنيا كالماضي ، والآخرة كالمستقبل ، والأنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي ، وقربا من المستقبل . ولذلك قال الشاعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة ، وأن الآخرة تزداد قربا في كل ساعة ، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت ، لا جرم ذكر الله تعالى : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } بناء على هذا التأويل . ! 7 < { وهو الذى يرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات كذالك نخرج الموتى لعلكم تذكرون والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } . > 7 < الأعراف : ( 57 - 58 ) وهو الذي يرسل . . . . . > > /اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية . وكمال العلم ، والقدرة من العالم العلوي ، وهو السموات والشمس والقمر والنجوم ، أتبعه بذكر الدلائل من بعض أحوال العالم السفلي . واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة : الآثار العلوية ، والمعادن ، والنبات ، والحيوان ، ومن جملة الآثار العلوية الرياح ، والسحاب ، والأمطار ويترتب على نزول الأمطار أحوال النبات ، وذلك هو المذكور في هذه الآية . الوجه الثاني : في تقرير النظم أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم ، أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة هاتين الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { الريح } على لفظ الواحد والباقون { الرياح } على لفظ الجمع ، فمن قرأ { الرياح } بالجمع حسن وصفها بقوله : { بشرا } فإنه وصف الجمع بالجمع ، ومن قرأ { الريح } واحدة قرأ { بشرا } جمعا لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير وكقوله : { إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : 2 ) ثم قال : { إلا الذين ءامنوا } ( العصر : 3 التين : 6 ) فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع وأما قوله : { نشرا } ( المرسلات : 3 ) ففيه قراآت : إحداها : قراءة الأكثرين { نشرا } بضم النون والشين ، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول ، والنشور بمعنى المنشر كالركوب بمعنى المركوب ، فكان المعنى رياح منشرة أي مفرقة من كل جانب والنشر التفريق ، ومنه نشر الثوب ، ونشر الخشبة بالمنشار . وقال الفراء : النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب واحدها نشور وأصله من النشر ، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرىء القيس ونشر العطر . والقراءة الثانية : قرأ ابن عامر { نشرا } بضم النون وإسكان الشين ، فخف العين كما يقال كتب ورسل .
والقراءة الثالثة : قرأ حمزة { نشرا } بفتح النون وإسكان الشين والنشر مصدر نشرت الثوب / ضد طويته ويراد بالمصدر ههنا المفعول . والرياح كأنها كانت مطوية ، فأرسلها الله تعالى منشورة بعد انطوائها ، فقوله : { نشرا } مصدر هو حال من الرياح والتقدير : أرسل الرياح منشرات ، ويجوز أيضا أن يكون النشر هنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر . قال الأعشى : يا عجبا للميت الناشر فإذا حملته على ذلك وهو الوجه . كان المصدر مرادا به الفاعل كما تقول : أتاني ركضا أي راكضا ، ويجوز أيضا أن يقال : أن أرسل ونشر متقاربان ، فكأنه قيل : وهو الذي ينشر الرياح نشرا . والقراءة الرابعة : حكى صاحب ( الكشاف ) عن مسروق { نشرا } بمعنى منشورات . فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم : ضم نشره . والقراءة الخامسة : قراءة عاصم { بشرا } بالباء المنقطة بالمنطقة الواحدة من تحت جمع بشيرا على بشر من قوله تعالى : { يرسل الرياح مبشرات } أي تبشر بالمطر والرحمة / وروى صاحب ( الكشاف ) { بشرا } بضم الشين وتخفيفه و { بشرا } بفتح الباء وسكون الشين مصدر من بشره بمعنى بشره أي باشرات وبشرى . المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { وهو الذى يرسل الرياح } معطوف على قوله : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } ( الأعراف : 54 ) ثم نقول : حد الريح أنه هواء متحرك . فنقول : كون هذا الهواء متحركا ليس لذاته ولا للوازم ذاته ، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلا بد وأن يكون لتحريك الفاعل المختار وهو الله جل جلاله . قالت الفلاسفة : ههنا سبب آخر وهو أنه يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنه تسخينا قويا شديدا فبسبب تلك السخونة الشديدة ترتفع وتتصاعد ، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر الفلك متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء فيمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها ، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة وتتفرق في الجوانب ، وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح ، ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر ، وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح أقوى وأشد . هذا حاصل ما ذكروه ، وهو باطل ، ويدل على بطلانه وجوه : الأول : أن صعود الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها ، ولا شك أن ذلك التسخن عرض لأن الأرض باردة يابسة بالطبع ، فإذا كانت تلك الأجزاء الأرضية متصعدة جدا كانت سريعة الانفعال ، فإذا تصاعدت ، ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرد جدا ، وإذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك ، فبطل ما ذكروه . / الوجه الثاني : هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت ، وجب أن تنزل على الاستقامة ، لأن الأرض جسم ثقيل ، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك ، فإنها تتحرك يمنة ويسرة . الوجه الثالث : وهو أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة قاهرة ، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ، ثم عاد ذلك الغبار ، ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها ، وترى هذه الرياح تقلع الأشجاء وتهدم الجبال وتموج البحار .
والوجه الرابع : أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، لكانت الرياح كلما كانت أشد ، وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر ، لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر ، مع أن الحس يشهد أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل . ما قالوه ، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة الرياح . قال المنجمون : إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها ، وذلك أيضا بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة ، وإن كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم ، وليس كذلك ، وأيضا قد بينا أن الأجسام متماثلة باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص ، لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار . فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو الله سبحانه وتعالى . وثبت بالدليل العقلي صحة قوله وهو : { الذى يرسل الرياح } . المسألة الثالثة : قوله : { بشرا بين يدى رحمته } ( النمل : 63 ) فيه فائدتان : إحداهما : أن قوله : { نشرا } أي منشرة متفرقة ، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة ، وجزء آخر يذهب يسرة ، وكذا القول في سائر الأجزاء ، فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول : لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ من تلك الريح نسبة واحدة / فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار . والفائدة الثانية : في الآية أن قوله : { بين يدى رحمته } أي بين يدي المطر الذي هو رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز يقال : إن الفتن تحدث بين يدي الساعة ، يريدون قبيلها ، والسبب في حسن هذا المجاز ، أن يدي الإنسان متقدماته / فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة . فلما كانت الرياح تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ . فإن قيل : فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح . فنقول : ليس في الآية إن هذا التقدم حاصل في كل الأحوال ، فلم يتوجه السؤال ، وأيضا فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها .
ثم قال تعالى : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } يقال : أقل فلان الشيء إذا حمله قال صاحب ( الكشاف ) : واشتقاق الإقلال من القلة ، لأن من يرفع شيئا فإنه يرى ما يرفعه قليلا ، وقوله : { سحابا ثقالا } أي بالماء جمع سحابة ، والمعنى حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيها من الماء والمعنى أن السحاب الكثيف المستطير للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا ، فلأجل الحركات الشديدة التي في تلك الرياح تحصل فوائد : إحداها : أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى البعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر . وثانيها : أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء المائية النزول ، فلا جرم يبقى متعلقا في الهواء . وثالثها : أن بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر وهو الموضع الذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها . ورابعها : أن حركات الرياح تارة تكون جامعة لأجزاء السحاب موجبة لانضمام بعضها إلى البعض حتى ينعقد السحاب الغليظ ، وتارة تكون مفرقة لأجزاء السحاب مبطلة لها . وخامسها : أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع والأشجار مكملة لما فيها من النشو والنماء وهي الرياح اللواقح ، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف . وسادسها : أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان ، وتارة تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح الباردة المهلكة جدا . وسابعها : أن هذه الرياح تارة تكون شرقية ، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية . وهذا ضبط ذكره بعض الناس وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم ولا ضبط لها ، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها . وثامنها : أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الأرض فإن من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل غليان شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر ، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر ، وتارة ينزل الريح من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني أيضا عجيب ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما : الرياح ثمان : أربع منها : عذاب ، وهو القاصف ، والعاصف ، والصرصر ، والعقيم ، وأربعة منها رحمة : الناشرات ، والمبشرات ، والمرسلات ، والذاريات ، / وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ) والجنوب من ريح الجنة ، وعن كعب : لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض ، وعن السدي : أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك ، ورحمته هو المطر . إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الرياح في الصفات المذكورة / مع أن طبيعة الهواء واحدة ، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة ، يدل على أن هذه الأحوال . لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى . ثم قال تعالى : { سقناه لبلد ميت } والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة . فإن قيل : السحاب إن كان مذكرا يجب أن يقول : حتى إذا أقلت سحابا ثقيلا ، وإن كان مؤنثا يجب أن يقول سقناه فكيف التوفيق ؟ ا
والجواب : أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة . فكان ورود الكناية عنه على سبيل التذكير جائزا ، نظرا إلى اللفظ ، وعلى سبيل التأنيث أيضا جائزا ، نظرا إلى كونه جمعا ، أما ( اللام ) في قوله : { سقناه لبلد } ففيه قولان : قال بعضهم هذه ( اللام ) بمعنى إلى يقال هديته للدين وإلى الدين . وقال آخرون : هذه ( اللام ) بمعنى من أجل ، والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه حيا يسقيه . وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ، خال أو مسكون فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة . قال الأعشى : وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل ثم قال تعالى : { فأنزلنا به الماء } اختلفوا في أن الضمير في قوله : { به } إلى ماذا يعود ؟ قال الزجاج وابن الأنباري : جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء ، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء ، لأن السحاب آلة لإنزال الماء . ثم قال : { فأخرجنا به من كل الثمرات } الكناية عائدة إلى الماء ، لأن إخراج الثمرات كان بالماء . قال الزجاج : وجائز أن يكون التقدير فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات ، لأن البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد ، وعلى القول الأول ، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء . وقال أكثر المتكلمين : إن الثمار غير متولدة من الماء ، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ، وقال جمهور الحكماء : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية ، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج / الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة . والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول ، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة . ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فإن قشره بارد يابس ، ولحمه وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الأجسام الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب ، يدل على أنها إنما حدثت بأحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة . ثم قال تعالى : { كذالك نخرج الموتى } وفيه قولان : الأول : أن المراد هو أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار ، فكذلك يحيي الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة . وروي أنه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطرا كالمني أربعين يوما ، وإنهم ينبتون عند ذلك ويصيرون أحياء . قال مجاهد : إذا أراد الله أن يبعثهم أمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر ، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها . والقول الثاني : أن التشبيه إنما وقع بأصل الأحياء بعد أن كان ميتا ، والمعنى : أنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه ، فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر ، فكذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا أمواتا ، لأن من يقدر على إحداث الجسم ، وخلق الرطوبة والطعم فيه ، فهو أيضا يكون قادرا على إحداث الحياة في بدن الميت ، والمقصود منه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق . واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا أنه لا يمكن بعث الأجساد إلا بأن يمطر على تلك الأجساد البالية مطرا على صفة المني / فقد أبعد ، ولأن الذي يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المني منيا ابتداء ، فلم لا يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء ؟ وأيضا فهب أن ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات غير مختلطة ، فبعضها يكون بالمشرق ، وبعضها يكون بالمغرب ، فمن أين ينفع إنزال ذلك المطر في توليد تلك الأجساد ؟
فإن قالوا : إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الأجزاء المتفرقة فلم لم يقولوا إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ذلك المطر ؟ وإن اعتقدوا أنه تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء ، إلا أنه تعالى إنما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على خلق الأشخاص في الدنيا ابتداء ، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا جائز . ثم قال تعالى : { لعلكم تذكرون } والمعنى : أنكم لما شاهدتم أن هذه الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار ، ثم صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة ، ثم إنه تعالى أحياها مرة أخرى ، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب كونه أيضا قادرا على إحياء الأجساد بعد موتها ، فقوله : { لعلكم تذكرون } المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى . / ثم قال تعالى : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : القول الأول : وهو المشهور أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض الخيرة والأرض السبخة ، وشبه نزول القرآن بنزول المطر ، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة التي نزل عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار ، وأما الأرض السبخة فهي وإن نزل المطر عليها لم يحصل فيها من النبات إلا النزر القليل ، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل والأخلاق الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف والأخلاق الحميدة ، والروح الخبيثة الكدرة وإن اتصل به نور القرآن لم يظهر فيه من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل . والقول الثاني : أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر ، وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها ، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة . فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة ، فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد من تحملها في أداء الطاعات ، كان ذلك أولى .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?