Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V17/P005–V17/P006

أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها . وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) وقال : { قل لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } ( الإسراء : 95 ) . وأما الثاني : فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده . كما قال تعالى : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } ( سبأ : 37 ) فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد . المسألة الثانية : الهمزة في قوله : { أكان } لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و { أن أوحينا } اسم كان وعجبا خبره ، وقرأ ابن عباس { عجب } فجعله اسما وهو نكرة و { عجبا أن أوحينا } خبره وهو معرفة كقوله : يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون ( كان ) تامة ، وأن أوحينا ، بدلا من عجب . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { أكان للناس عجبا } ولم يقل أكان عند الناس عجبا ، والفرق أن قوله : { أكان للناس عجبا } معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليها وليس في قوله : ( أكان عند الناس عجبا ) هذا المعنى . المسألة الرابعة : { ءان } مع الفعل في قولنا : { أن أوحينا } في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو قوله : { عجبا } وإنما تقدم الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما { ءان } في قوله : { أن أنذر الناس } فمفسرة لأن الإيحاء فيه معني القول ، / ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس . المسألة الخامسة : أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله ، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير . أما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي ، وأما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها . وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي . المسألة السادسة : قوله : { قدم صدق } فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال المفسرين . أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في ( البسيط ) منها وجوها . قال الليث وأبو الهيثم : القدم السابقة ، والمعنى : أنهم قد سبق لهم عند الله خير . قال ذو الرمة : وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر وقال أحمد بن يحيى : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء . واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني ، أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم ، فسمى المسبب باسم السبب ، كما سميت النعمة يدا ، لأنها تعطى باليد . فإن قيل : فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه : { قدم صدق } .

Bagian V17/P006–V17/P007

قلنا : الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة ، وقال بعضهم : المراد مقام صدق . وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل { قدم صدق } على الأعمال الصالحة ؛ وبعضهم حمله على الثواب ، ومنهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة والسلام ، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد : صل لذي العرش واتخذ قدما بنجيك يوم العثار والزلل المسألة السابعة : أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين { إن هاذا لساحر مبين } أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر . والابتداء بقوله : { قال الكافرون } على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ، قال القفال : وإضمار هذا ، غير قليل في القرآن . المسألة الثامنة : قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي { إن هاذا لساحر } والمراد منه محمد صلى الله عليه وسلم ، والباقون { لساحر } والمراد به القرآن . واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل على عظم محل القرآن عندهم ، وكونه معجزا . / وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام . واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحرا ، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم ، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه . فقال بعضهم : أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ، ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، وقال أخرون : أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله ، جار مجرى السحر . واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه ، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم ، ونشأ بينهم وما غاب عنهم ، وما خالط أحدا سواهم ، وما كان مكة بلدة العلماء والأذكياء ، حتى يقال : إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن . وإذا كان الأمر كذلك ، كان حمل القرآن على السحر كلاما في غاية الفساد ، فلهذا السبب ترك جوابه . ! 7 < { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والا رض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الا مر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } . > 7 ! < < يونس : ( 3 ) إن ربكم الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة ، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب ، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب ، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بإثبات أمرين : أحدهما : إثبات أن لهذاالعالم إلها قاهرا قادرا نافذا لحكم بالأمر والنهي والتكليف . والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما ، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . أما الأول : وهو إثبات الإلهية ، فبقوله تعالى : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } . وأما الثاني : وهو إثبات المعاد والحشر والنشر . فبقوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } ( يونس : 4 ) فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن ، ونهاية الكمال . وفي الآية مسائل :

Bagian V17/P007–V17/P008

/ المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب ، وفي الكتب العقلية أن الدليل الدال على وجود الصانع تعالى ، إما الامكان وإما الحدوث وكلاهما إما في الذوات وإما في الصفات ، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة ، وهي إمكان الذوات ، وإمكان الصفات ، وحدوث الذوات ، وحدوث الصفات . وهذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي وهو عالم السموات والكواكب ، وتارة في العالم السفلي ، والأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الإلهية التمسك بإمكان الصفات وحدوثها تارة في أحوال العالم العلوي ، وتارة في أحوال العالم السفلي ، والمذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام العلوية في مقاديرها وصفاتها ، وتقريره من وجوه : الأول : أن أجرام الأفلاك لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى ، ومتى كان الأمر كذلك كانت لا محالة محتاجة إلى الخالق والمقدر . أما بيان المقام الأول : فهو أن أجرام الأفلاك لا شك أنها قابلة للقسمة الوهمية ، وقد دللنا في الكتب العقلية على أن كل ما كان قابلا للقسمة الوهمية ، فإنه يكون مركبا من الأجزاء والأبعاض . ودللنا على أن الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقسمة ، ولكنه يكون في نفسه شيئا واحدا كلام فاسد باطل . فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى ، وإذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق ومقدر ، وذلك لأنها لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم ، وبعضها حصلت على سطحها ، وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهية والحقيقة ، والفلاسفة أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط ، ويمتنع كونها مركبة من أجزاء مختلفة الطبائع . وإذا ثبت هذا فنقول : حصول بعضها في الداخل ، وحصول بعضها في الخارج ، أمر ممكن الحصول جائز الثبوت ، يجوز أن ينقلب الظاهر باطنا ، والباطن ظاهرا . وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبر وقاهر ، يخصص بعضها بالداخل وبعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في تركيبها وأشكالها وصفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم . الوجه الثاني : في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر أن نقول : حركات هذه الأفلاك لها بداية ، ومتى كان الأمر كذلك افتقرت هذه الأفلاك في حركاتها إلى محرك ومدبر قاهر . أما المقام الأول : فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال ، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها ، والأزل ينافي المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بين الحركة / وبين الأزل محالا ، فثبت أن لحركات الأفلاك أولا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال : هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة ، لكنها كانت واقفة وساكنة . وما كانت متحركة ، وعلى التقديرين : فلحركاتها أول وبداية . ( وأما المقام الثاني ) : وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر ، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة في ذلك الوقت المعين دون ما قبله ودون ما بعده ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص ، وترجيح مرجح . وذلك المرجح يمتنع أن يكون موجبا بالذات ، وإلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلا قبل ذلك الوقت ، ولما بطل هذا ، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب . الوجه الثالث : في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار ، وهو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر ، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول . فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن ، ولا بد له من مرجح ، ويعود التقرير الأول فيه . فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات :

Bagian V17/P008–V17/P009

السؤال الأول : أن كلمة { الذى } كلمة وضعت للإشارة إلى شيء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كما إذا قيل لك من زيد ؟ فتقول : الذي أبوه منطلق ، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقا ، أمرا معلوما عند السامع ، فهنا لما قال : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام } فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقا للسموات والأرض في ستة أيام ، أمرا معلوما عند السامع ، والعرب ما كانوا عالمين بذلك ، فكيف يحسن هذا التعريف ؟ وجوابه أن يقال : هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى ، لأنه مذكور في أول ما يزعمون أنه هو التوراة . ولما كان ذلك مشهورا عندهم والعرب كانوا يخالطونهم ، فالظاهر أنهم أيضا سمعوه منهم ، فلهذا السبب حسن هذا التعريف . السؤال الثاني : ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها ؟ والجواب : أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر . والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى ، والجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعه ، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان ، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة ، فهل حصل شيء من ذلك الإيجاد في الأن الأول أو لم يحصل ، فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد ، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر ، فهما / إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى ، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئا . وهو محال . وإن كان شيئا آخر ، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة ، وكذا القول في إيجاد جميع الأجزاء . فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة ، ولا شك أيضا أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج . وإذا ثبت هذا فنقول ههنا مذهبان : الأول : قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد ، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول : لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة ؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة ، فسقط هذا السؤال . الثاني : قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة . فعند هذا قال القاضي : لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السموات والأرض في هذه المدة المخصوصة ، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين . ثم قال القاضي : فإن قيل : فمن المعتبر وما وجه الاعتبار ؟ ثم أجاب وقال : أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه للسموات والأرضين ، أو معهما ، وإلا لكان خلقهما عبثا . فإن قيل : فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد ؟ ا قلنا : إنه تعالى لا يخاف الفوت ، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد ، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت ، ونخاف العجز والقصور . قال : وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق السموات والأرض . فإن قيل : أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان ، فقبل خلق السموات والأرض لا مكان ، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان ؟

Bagian V17/P009–V17/P011

قلنا : الذي يقدر على تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر ، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالا بعد حال أقوى . والدليل عليه : أن ما يحدث على هذا الوجه ، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم . وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك . / والسؤال الثالث : فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال : إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ؟ والجواب : قال القاضي : الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما ، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفا ، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة . ولقائل أن يقول : لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل ، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا ، لم يكن ذلك قادحا في صحة التعريف . السؤال الرابع : هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها ، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها ، فكيف يعقل هذا التعريف ؟ والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في مدة ، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر ، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام : ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم ، يحصل فيها حدوث العالم ، وذلك يوجب قدم المدة . وجوابه : أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة ، والدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى ، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال ، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم . السؤال الخامس : أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده . فالمراد بهذه الآية أيهما . والجواب : الغالب في اللغة أنه يراد باليوم . اليوم بليلته . المسألة الثانية : أما قوله : { ثم استوى على العرش } ففيه مباحث : الأول : أن هذا يوهم كونه تعالى مستقرا على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه ، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة . فنقول : هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمدا عليه مستقرا عليه ، بحيث لولا العرش لسقط ونزل ، كما أنا إذا قلنا إن فلانا مستو على سريره . فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى . إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجا إلى العرش ، وإنه لولا العرش لسقط ونزل ، وذلك محال ، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له . والثاني : أن قوله : { ثم استوى على العرش } يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه / / وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيرا كان محدثا ، وذلك بالاتفاق باطل . الثالث : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت ، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضظربا متحركا ، وكل ذلك من صفات المحدثات . الرابع : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة { ثم } تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش ، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة . فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيا عن العرش ، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على العرش . فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى .

Bagian V17/P011

المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش . إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره ؟ فيه قولان : القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني ، أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله : { ثم استوى على العرش } أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها ، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشا ، وبانيه يسمى عارشا ، قال تعالى : { ومن الشجر ومما يعرشون } ( النحل : 68 ) أي يبنون ، وقال في صفة القرية { فهى خاوية على عروشها } ( الحج : 45 ) والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال : { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) أي بناؤه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم ، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته ، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى : { وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ( الزخرف : 12 ، 13 ) قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه . فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا . ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : { خلق السماوات والارض في ستة أيام } إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله : { ثم استوى على العرش } يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله / سبحانه وتعالى : { أشد خلقا أم السماء بناها رفع رفع سمكها فسواها } ( النازعات : 27 ، 28 ) فذكر أولا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا . ذكر بقوله : { خلق السماوات والارض } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله : { ثم استوى على العرش } أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها . والقول الثاني : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين : أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية : الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين . بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر . وهو أن يكون المراد : ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش .

Bagian V17/P011–V17/P013

والقول الثالث : أن المراد من العرش الملك ، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله : { ثم استوى على العرش } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات . والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف { ثم } الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده . المسألة الرابعة : أما قوله : { يدبر الامر } معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من { الامر } الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض . فإن قيل : ما موقع هذه الجملة ؟ قلنا : قد دل بكونه خالقا للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويا على العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة . ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات ، وإليه تنتهي الحاجات . / وأما قوله تعالى : { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ففيه قولان : القول الأول : وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها ، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر . ولا يستجرىء أحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه ، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب ، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح . فإن قيل : كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق ، وإنما يليق ذكره بأحوال القيامة ؟ والجواب من وجوه : الوجه الأول : ما ذكره الزجاج : وهو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون : إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فالمراد منه الرد عليهم في هذا القول وهو كقوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان } ( النبأ : 38 ) . والوجه الثاني : وهو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلها للعالم مستقلا بالتصرف فيه من غير شريك ولا منازع ، بين أمر المبدأ بقوله : { يدبر الامر } وبين حال المعاد بقوله : { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } . والوجه الثالث : يمكن أيضا أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من رعاية المصالح ، مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح ، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده محسن إليهم مريد للخير والرأفة بهم ، ولا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى حضور شفيع يشفع فيه . والقول الثاني : في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، فقال : الشفيع ههنا هو الثاني ، وهو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر ، كما يقال الزوج والفرد ، فمعنى الآية خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ، ثم خلق الملائكة والجن والبشر ، وهو المراد من قوله : { إلا من بعد إذنه } أي لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود ، إلا من بعد أن قال له : كن ، حتى كان وحصل .

Bagian V17/P013–V17/P014

واعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل وشرح هذه الأحوال ، ختمها بعد ذلك بقوله : { ذالكم الله ربكم فاعبدوه } مبينا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له ، ومنبها على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها ووصفها . ثم قال بعده : { أفلا تذكرون } دالا بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة ، وذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على جلالته وعزته وعظمته ، أعلى / المراتب وأكمل الدرجات . ! 7 < { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } . > 7 ! < < يونس : ( 4 ) إليه مرجعكم جميعا . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ ، أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في بيان أن إنكار الحشر والنشر ليس من العلوم البديهية ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن العقلاء اختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه . وقال بإمكانه عالم من الناس ، وهم جمهور أرباب الملل والأديان . وما كان معلوم الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه . الثاني : أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة ، وعرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين ، وعرضنا عليها أيضا هذه القضية ، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى . الثالث : أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أولا نقول به . فإن قلنا به فقد زال الإشكال بالكلية ، فإنه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى ، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى . وإن أنكرنا القول بالنفس فالاحتمال أيضا قائم ، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركب تلك الأجزاء المفرقة تركيبا ثانيا ، ويخلق الأنسان الأول مرة أخرى . والرابع : أنه سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر ونحن نجمعها ههنا . فالمثال الأول : أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف ، ونرى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف . ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء والربيع ، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة كما قال تعالى : { والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور } ( فاطر : 9 ) وثانيها : قوله تعالى : { ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( فصلت : 39 ) إلى قوله : { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى } ( الحج : 6 ) وثالثها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم } ( الزمر : 21 ) والمراد كونه منبها على أمر المعاد . ورابعها : قوله : { ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الإنسان إلى طعامه } ( عبس : 21 24 ) وقال عليه السلام : ( إذا رأيتم الربيع فأكثروا ذكر النشور ) ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه . المثال الثاني : ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن ، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال ، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن .

Bagian V17/P014–V17/P015

وإذا ثبت هذا فنقول : ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضا تكون كله ، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وننشئكم فيما لا تعلمون } ( الواقعة : 61 ) يعني أنه سبحانه لما كان قادرا على إنشاء ذواتكم أولا ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيا شيئا فشيئا من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه . فوجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة . المثال الثالث : أنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق ، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى ، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة ، منها في هذه الآية وهو قوله : { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } وثانيها : قوله تعالى في سورة يس : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وثالثها : قوله تعالى : { ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون } ( الواقعة : 62 ) ورابعها : قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الاول بل هم فى لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) وخامسها : قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منى يمنى } ( القيامة : 36 ، 33 ) إلى قوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى } ( القيامة : 40 ) وسادسها : قوله تعالى : { السعير ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } ( الحج : 5 ) إلى قوله : { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء قدير وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور } ( الحج : 6 ، 7 ) فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور : الأول : أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله : { إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } كأنه تعالى يقول : لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات متعاقبة ؟ والثاني : أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة . والثالث : أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر . والآية السابعة : في هذا الباب قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة } ( الإسراء : 50 / 51 ) . / المثال الرابع : أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال : إنه لا يقدر على إعادتها ؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلا ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان . أولى وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة : منها : قوله تعالى : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) وثانيها : قوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى } ( الأحقاف : 33 ) وثالثها : { أشد خلقا أم السماء بناها رفع } ( النازعات : 27 ) .

Bagian V17/P015

المثال الخامس : الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر والنشر ، فإن النوم أخو الموت ، واليقظة بعد الموت . قال تعالى : { وهو الذى يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } ( الأنعام : 60 ) ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث ، فقال : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 61 ، 62 ) وقال في آية أخرى { الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها } ( الزمر : 42 ) إلى قوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } ( الرعد : 3 ) والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر . المثال السادس : أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل الضد بعد حصول الضد ، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة الله تعالى ، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت ؟ فإن حكم الضدين واحد . قال تعالى مقررا لهذا المعنى : { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } ( الواقعة : 60 ) وأيضا نجد النار مع حرها ويبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال : { الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } ( يس : 80 ) فكذا ههنا ، فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد ، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول . المسألة الثانية : في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب . اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول : يجب عقلا أن يكون إله العالم رحيما عادلا منزها عن الإيلام والإضرار ، إلا لمنافع أجل وأعظم منها ، ومنهم من ينكر هذه القاعدة ويقول : لا يجب على الله تعالى شيء أصلا ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول : فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه . الحجة الأولى : أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا بها يميزون بين الحسن والقبيح ، وأعطاهم قدرا بها يقدرون على الخير والشر . وإذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة الله تعالى وعدله / أن يمنع الخلق عن شتم الله وذكره بالسوء ، وأن يمنعهم عن الجهل والكذب وإيذاء أنبيائه وأوليائه ، والصالحين من خلقه . ومن الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات والخيرات والحسنات ، فإنه لو لم يمنع عن تلك القبائح ، ولم يرغب في هذه الخيرات ، قدح ذلك في كونه محسنا عادلا ناظرا لعباده . ومن المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط الثواب بفعلها ، والزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها ، وذلك الثواب المرغب فيه ، والعقاب المهدد به غير حاصل في دار الدنيا . فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب ، وهذا العقاب ، وهو المطلوب ، وإلا لزم كونه كاذبا ، وأنه باطل . وهذا هو المراد من الآية التي نحن فيها وهي قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } .

Bagian V17/P015–V17/P016

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات ، وفي الردع عن المنكرات ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات ولا حاجة مع ذلك إلى الوعد والوعيد ؟ سلمنا أنه لا بد من الوعد والوعيد ، فلم لا يجوز أن يقال : الغرض منه مجرد الترغيب والترهيب ليحصل به نظام العالم كما قال تعالى : { ذالك يخوف الله به عباده ياعباد عباد فاتقون } ( الزمر : 16 ) فإما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه ؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد لصار كلامه كذبا فنقول : ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فإن كان هذا كذبا وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن يكون كذبا ؟ سلمنا أنه لا بد وأن يفعل الله تعالى ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الثواب والعقاب عبارة عما يصل إلى الإنسان من أنواع الراحات واللذات ومن أنواع الآلام والأسقام ، وأقسام الهموم والغموم ؟ والجواب عن السؤال الأول : أن العقل وإن كان يدعوه إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية / وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوي ومعاضد كامل ، وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك . والجواب عن السؤال الثاني : أنه إذا جوز الإنسان حصول الكذب على الله تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة ، ولا من الوعيد رهبة ، لأن السامع يجوز كونه كذبا . والجواب عن السؤال الثالث : أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو كالأجير المشتغل بالعمل . والأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة بكمالها إليه ، لأنه إذا أخذها فإنه لا يجتهد في العمل . وأما إذا كان محل أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل ، وأيضا نرى / في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلي بأنواع الغموم والهموم والأحزان ، وأجهلهم وأفسقهم في اللذات والمسرات ، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى ، ومن حياة أخرى ، ليحصل فيها الجزاء . الحجة الثانية : أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن وبين المسيء ، وأن لا يجعل من كفر به ، أو جحده بمنزلة من أطاعه ، ولما وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا ، أو في دار الآخرة ، والأول باطل . لأنا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات ، ونرى العلماء والزهاد بالضد منه ، ولهذا المعنى قال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف : 33 ) فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، وهو المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } وهو المراد أيضا بقوله تعالى في سورة طه : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) وبقوله تعالى في سورة ص : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) . فإن قيل : أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن وبين المسيء في الثواب والعقاب كما لم فصل بينهما في حسن الصورة وفي كثرة المال ؟

Bagian V17/P016–V17/P017

والجواب : أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا ، فإنه ثبت في صريح العقل وجوب التفرقة ، ودل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا ، بل كان الأمر على الضد منه ، فإنا نرى العالم والزاهد في أشد البلاء ، ونرى الكافر والفاسق في أعظم النعم . فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا التفاوت ، وأيضا لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض } ( الشورى : 27 ) . الحجة الثالثة : أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الطاريات : 56 ) والحكيم إذا أمر عبده بشيء ، فلا بد وأن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف ، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم ، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن ، وحينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات . فوجب القطع بحصول دار الثواب والعقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية . / فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة الملوك وسياساتهم ؟ وأيضا فالأوباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج والمرج . لانقلب الأمر عليهم ولقدر غيرهم على قتلهم ، وأخذ أموالهم ، فلهذا المعنى يحترزون عن إثارة الفتن . والجواب : أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك ، وذلك لأن السلطان إما أن يكون قد بلغ في القدرة والقوة إلى حيث لا يخاف من الرعية ، وإما أن يكون خائفا منهم ، فإن كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد ، فحينئذ يقدم على الظلم والإيذاء على أقبح الوجوه ، لأن الداعية النفسانية قائمة ، ولا رادع له في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما إن كان يخاف الرعية فحينئذ الرعية لا يخافون منه خوفا شديدا ، فلا يصير ذلك رادعا لهم عن القبائح والظلم . فثبت أن نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلا بالرغبة في المعاد والرهبة عنه . الحجة الرابعة : أن السلطان القاهر إذا كان له جمع من العبيد ، وكان بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء ، وجب على ذلك السلطان إن كان رحيما ناظرا مشفقا عليهم أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي ، فإن لم يفعل ذلك كان راضيا بذلك الظلم ، والرضا بالظلم لا يليق بالرحيم الناظر المحسن . إذا ثبت هذا فنقول : إنه سبحانه سلطان قاهر قادر حكيم منزه عن الظلم والعبث . فوجب أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين ، وهذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار ، لأن المظلوم قد يبقى في غاية الذلة والمهانة ، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة ، فلا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا العدل وهذا الإنصاف ، وهذه الحجة يصلح جعلها تفسيرا لهذه الآية التي نحن في تفسيرها . فإن قالوا : إنه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم في هذه الدار ، وما أعجزه عنه ، دل على كونه راضيا بذلك الظلم . قلنا : الإقدار على الظلم عين الإقدار على العدل والطاعة ، فلو لم يقدره تعالى على الظلم لكان قد أعجزه عن فعل الخيرات والطاعات ، وذلك لا يليق بالحكيم ، فوجب في العقل إقداره على الظلم والعدل ، ثم إنه تعالى ينتقم للمظلوم من الظالم .

Bagian V17/P017–V17/P018

الحجة الخامسة : أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق كل من فيه من الناس فإما أن يقال : إنه تعالى خلقهم لا لمنفعة ولا لمصلحة ، أو يقال : إنه تعالى خلقهم لمصلحة ومنفعة . والأول : يليق بالرحيم الكريم . والثاني : وهو أن يقال : إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير ، فذلك الخير والمصلحة إما أن يحصل في هذه الدنيا أو في دار أخرى ، والأول باطل من وجهين : الأول : أن لذات هذا / العالم جسمانية ، واللذات الجسمانية لا حقيقية لها إلا إزالة الألم ، وإزالة الألم أمر عدمي ، وهذا العدم كان حاصلا حال كون كل واحد من الخلائق معدوما ، وحينئذ لا يبقى للتخليق فائدة . والثاني : أن لذات هذا العالم ممزوجة بالآلام والمحن ، بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات والمحن والبليات ، واللذة فيها كالقطرة في البحر . فعلمنا أن الدار التي يصل فيها الخلق إلى تلك الراحات المقصودة دار أخرى سوى دار الدنيا . فإن قالوا : أليس أنه تعالى يؤلم أهل النار بأشد العذاب لا لأجل مصلحة وحكمة ؟ فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى يخلق الخلق في هذا العالم لا لمصلحة ولا لحكمة . قلنا : الفرق أن ذلك الضرر ضرر مستحق على أعمالهم الخبيثة . وأما الضرر الحاصل في الدنيا فغير مستحق ، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة ومنافع جابرة لتلك المضار السالفة ، وإلا لزم أن يكون الفاعل شريرا مؤذيا ، وذلك ينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . الحجة السادسة : لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف . واللازم باطل ، فالملزوم مثله . بيان الملازمة أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات ، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس / لأنه ليس لها فكر وتأمل . أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدا في الأحوال الماضية والأحوال المستقبلة ، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف ، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف ، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال . فثبت أن حصول العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا والآلام النفسانية الشديدة القوية . وأما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس وبين سائر الحيوانات ، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب ، كما أن اللوزينج في مذاق الإنسان طيب . إذا ثبت هذا فنقول : لو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حالته وتظهر سعادته ، لوجب أن يكون كمال العقل ، سببا لمزيد الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر ، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فإنه يكون سببا لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة . فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الأنسان أخس الحيوانات حتى الخنافس والديدان ، ولما كان ذلك باطلا قطعا ، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة ، وأن الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا ، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية . فلهذا السبب كان العقل شريفا .

Bagian V17/P018–V17/P019

الحجة السابعة : أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين : أحدهما : أن تكون / النعم مشوبة بالآفات والأحزان . والثاني : أن تكون خالصة عنها ، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى ، إظهارا لكمال القدرة والرحمة والحكمة ، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ، ويزيل الغموم والهموم والشهوات والشبهات . والذي يقوي ذلك ، ويقرر هذا الكلام أن الإنسان حين كان جنينا في بطن أمه ، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة وفسادا ، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة الأولى ، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شدا وثيقا ، ثم بعد حين يخرج من المهد ويعدو يمينا وشمالا ، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة ، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية ، ثم إنه بعد حين يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق ، أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء ، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة . وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال : الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية . الحجة الثامنة : طريقة الاحتياط ، فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ، فإن كان هذا المذهب حقا ، فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلا ، لم يضرنا هذا الإعتقاد . غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما : أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب . والثاني : أنها منقطعة سريعة الزوال . فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان بالمعاد ، ولهذا قال الشاعر : قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأموات قلت إليكما إن صح لكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما الحجة التاسعة : اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيوانا ، فإنه إن قطع منه شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر ، فإنه يعود ذلك الشيء ، وإن جرح اندمل ، ويكون الدم جاريا في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه ، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال ، فإن قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت / وإن جرح لم يندمل ولم يلتحم ، ورأيت الدم يتجمد في عروقه ، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد والانحلال . ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة ، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها ، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان ، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما / قال تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ( الحج : 5 ) وإن جذ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله ، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف ، وإن جرح التأم ، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان . ثم إذا جاء الشتاء واشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها ، ولو قطعنا غصنا من شجرة ما أخلف ، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة . ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة ، فإذا عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين ، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية ، بل نقول لا شك أن الإنسان أشرف من سائر الحيوانات ، والحيوان أشرف من النبات ، وهو أشرف من الجمادات . فإذا حصلت هذه الأحوال في الأرض ، فلم لا يجوز حصولها في الإنسان . فإن قالوا : إن أجساد الحيوان تتفرق وتتمزق بالموت ، وأما الأرض فليست كذلك .

Bagian V17/P019–V17/P020

فالجواب : أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة ، وهو جوهر باق ، أو إن لم نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت تكون الجنين إلى آخر العمر ، وهي جارية في البدن ، وتلك الأجزاء باقية ، فزال هذا السؤال . الحجة العاشرة : لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة ، وهذه النطفة إنما اجتمعت من جميع البدن ، بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف والفتور في جميع البدن ، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية المأكولة ، وتلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية وتلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، واتفق لها أن اجتمعت ، فتولد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان ، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه ، فتولد منها أجزاء لطيفة . ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين ، وهو النطفة ، فانصب إلى فم الرحم ، فتولد منه هذا الإنسان ، فثبت أن الأجزاء التي منها تولد بدن الأنسان كانت متفرقة في البحار والجبال وأوج الهواء ، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور ، فتولد منها هذا البدن ، فإذا مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول . وإذا ثبت هذا فنقول وجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول ، وأيضا ، فذلك المني لما وقع في رحم الأم ، فقد كان قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان وتعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن في غاية الصغر ، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة ، ولا شك أنه يتحلل منه أجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها ، وأيضا فتلك الأجزاء البدنية الباقية أبدا في طول العمر تكون في التحلل ، ولولا ذلك لما حصل الجوع ، ولما / حصلت الحاجة إلى الغذاء ، مع أنا نقطع بأن هذا الإنسان الشيخ ، هو عين ذلك الإنسان الذي كان في بطن أمه . ثم انفصل ، وكان طفلا ثم شابا ، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل ، وأن الإنسان هو هو بعينه . فوجب القطع بأن الإنسان ، إما أن يكون جوهرا مفارقا مجردا ، وإما أن يكون جسما نورانيا لطيفا باقيا مع تحلل هذا البدن ، فإذا كان الأمر كذلك فعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى ، ويكون هذا الإنسان العائد عين الإنسان الأول ، فثبت أن القول بالمعاد صدق . الحجة الحادية عشر : ما ذكره الله تعالى في قوله : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم م بين } واعلم أن قوله سبحانه : { خلقناه من نطفة } ( يس : 77 ) إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، فجمعها الله تعالى وخلق من تركيبها هذا الحيوان ، والذي يقويه قوله سبحانه : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 12 ، 13 ) فإن تفسيره هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه ، وهو أن السلالة من الطين يتكون منها نبات ، ثم إن ذلك النبات يأكله الإنسان فيتولد منه الدم ، ثم الدم ينقلب نطفة ، فبهذا الطريق ينتظم ظاهر هذه الآية . ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر ، وهو قوله تعالى : { قال من يحى العظام وهى رميم } ( يس : 78 ) ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب .

Bagian V17/P020–V17/P021

واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين : أحدهما : أن يقال : إن مثله ممكن ، فوجب أن يكون هذا أيضا ممكنا . والثاني : أن يقال : إن ما هو أعظم منه وأعلى حالا منه ، فهو أيضا ممكن . ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولا فقال : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } ( يس : 79 ) ثم فيه دقيقة وهي أن قوله : { قل يحييها } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { وهو بكل خلق عليم } إشارة إلى كمال العلم . ومنكروا الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين ، لأنهم تارة يقولون : إنه تعالى موجب بالذات ، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين ، وتارة يقولون إنه يمتنع كونه عالما بالجزئيات ، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين ، لا جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني ، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، وتقريره من وجهين : الأول : أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة ، والتراب بارد يابس ، فحصلت المضادة بينهما . إلا أنا نقول : الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية ، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة ، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية / في جرم التراب ؟ الثاني : قوله تعالى : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك والكواكب ، فكيف يمكنكم الامتناع من كونه قادرا على الحشر والنشر ؟ ثم إنه تعالى حسم مادة الشبهات بقوله : { إنما أمرنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) والمراد أن تخليقه وتكوينه لا يتوقف على حصول الآلات والأدوات ونطفة الأب ورحم الأم ، والدليل عليه أنه خلق الأب الأول ، لا عن أب سابق عليه ، فدل ذلك على كونه سبحانه غنيا في الخلق والإيجاد والتكوين عن الوسائط والآلات . ثم قال سبحانه : { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون } ( يس : 83 ) أي سبحانه من أن لا يعيدهم ويهمل أمر المظلومين ، ولا ينتصف للعاجزين من الظالمين ، وهو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، وهي قوله سبحانه : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } .

Bagian V17/P021–V17/P022

الحجة الثانية عشر : دلت الدلائل على أن العالم محدث ولا بد له من محدث قادر ، ويجب أن يكون عالما ، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من العالم / ويجب أن يكون غنيا عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل وهو محال ، فثبت أن لهذا العالم إلها قادرا عالما غنيا ، ثم لما تأملنا فقلنا : هل يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدى ، ويجوز لهم أن يكذبوا عليه ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته ، ويأكلوا نعمته ، ويعبدوا الجبت والطاغوت ، ويجعلوا له أندادا وينكروا أمره ونهيه ووعده ووعيده ؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل البعيد من الحكمة . القريب من العبث ، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمرا ونهيا ، ثم تأملنا فقلنا : هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا يكون له وعد ووعيد ؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب ، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر والنهي ، ولم يحصل المقصود . فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد ، ثم تأملنا فقلنا : هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب ، ولا بوعيده لأهل العقاب : فقلنا : إن ذلك لا يجوز ، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده ، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد والوعيد ، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب والعقاب ، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالحشر والبعث ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . فهذه مقدمات يتعلق بعضها بالبعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها ، ومتى فسد بعضها فسد كلها ، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم ، ودل حدوث العالم على وجود الصانع الحكيم الغني ، ودل ذلك على وجود الأمر والنهي ، ودل ذلك على وجود الثواب والعقاب ، ودل ذلك على وجوب الحشر . فإن لم / يثبت الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع المقدمات المذكورة ولزم إنكار العلوم البديهية وإنكار العلوم النظرية القطعية . فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت ، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسيء إلى عقابه ، فإن لم تحصل هذه الحالة لم يحصل الوعد والوعيد ، وإن لم يحصلا لم يحصل الأمر والنهي ، وإن لم يحصلا لم تحصل الإلهية ، وإن لم تحصل الإلهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم . وهذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا العالم إلها رحيما ناظرا محسنا إلى العباد . أما الفريق الثاني : وهم الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية المصالح ، فطريقهم إلى إثبات المعاد أن قالوا : المعاد أمر جائز الوجود ، والأنبياء عليهم السلام أخبروا عنه ، فوجب القطع بصحته ، أما إثبات الإمكان فهو مبني على مقدمات ثلاثة .

Bagian V17/P022–V17/P023

المقدمة الأولى : البحث عن حال القابل فنقول : الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن ، فإن كان عبارة عن النفس وهو القول الحق ، فنقول : لما كان تعلق النفس بالبدن في المرة الأولى ، جائزا كان تعلقها بالبدن في المرة الثانية يجب أن يكون جائزا . وهذا الكلام لا يختلف ، سواء قلنا النفس عبارة عن جوهر مجرد ، أو قلنا : إنه جسم لطيف مشاكل لهذا البدن باق في جميع أحوال البدن مصون عن التحلل والتبدل ، وأما إن كان الأنسان عبارة عن البدن ، وهذا القول أبعد الأقاويل فنقول : إن تألف تلك الأجزاء على الوجه المخصوص في المرة الأولى كان ممكنا ، فوجب أيضا أن يكون في المرة الثانية ممكنا ، فثبت أن عود الحياة إلى هذا البدن مرة أخرى أمره ممكن في نفسه . وأما المقدمة الثانية : فهي في بيان أن إله العالم قادر مختار . لا علة موجبة ، وأن هذا القادر قادر على كل الممكنات . وأما المقدمة الثالثة : فهي في بيان أن إله العالم عالم بجميع الجزئيات / فلا جرم أجزاء بدن زيد وإن اختطلت بأجزاء التراب ، والبحار إلا أنه تعالى لما كان عالما بالجزئيات أمكنه تمييز بعضها عن بعض . ومتى ثبتت هذه المقدمات الثلاثة ، لزم القطع بأن الحشر والنشر أمر ممكن في نفسه . وإذا ثبت هذا الإمكان فنقول : دل الدليل على صدق الأنبياء وهم قطعوا بوقوع هذا الممكن ، فوجب القطع بوقوعه ، وإلا لزمنا تكذيبهم ، وذلك باطل بالدلائل الدالة على صدقهم ، فهذا خلاصة ما وصل إليه عقلنا في تقرير أمر المعاد . / المسألة الثالثة : في الجواب عن شبهات المنكرين للحشر والنشر . الشبهة الأولى : قالوا : لو بدلت هذه الدار بدار أخرى لكانت تلك الدار إما أن تكون مثل هذه الدار أو شرا منها أو خيرا منها ، فإن كان الأول كان التبديل عبثا ، وإن كان شرا منها كان هذا التبديل سفها ، وإن كان خيرا منها ففي أول الأمر هل كان قادرا على خلق ذلك الأجود أو ما كان قادرا عليه ؟ فإن قدر عليه ثم تركه وفعل الأردأ كان ذلك سفها ، وإن قلنا : إنه ما كان قادرا ثم صار قادرا عليه فقد انتقل من العجز إلى القدرة ، أو من الجهل إلى الحكمة ، وأن ذلك على خالق العالم محال . والجواب : لم لا يجوز أن يقال تقديم هذه الدار على تلك الدار هو المصلحة ، لأن الكمالات النفسانية الموجبة للسعادة الأخروية لا يمكن تحصيلها إلا في هذه الدار ، ثم عند حصول هذه الكمالات كان البقاء في هذه الدار سببا للفساد والحرمان عن الخيرات . الشبهة الثانية : قالوا : حركات الأفلاك مستديرة ، والمستدير لا ضد له ، وما لا ضد له لا يقبل الفساد . والجواب : أنا أبطلنا هذه الشبهة في الكتب الفلسفية ، فلا حاجة إلى الإعادة . والأصل في إبطال أمثال هذه الشبهات أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق . ولهذا السر ، فإنه تعالى في هذه السورة بدأ بالدلائل الدالة على حدوث الأفلاك ، ثم أردفها بما يدل على صحة القول بالمعاد .

Bagian V17/P023–V17/P024

الشبهة الثالثة : الإنسان عبارة عن هذا البدن ، وهو ليس عبارة عن هذه الأجزاء كيف كانت ، لأن هذه الأجزاء كانت موجودة قبل حدوث هذا الإنسان ، مع أنا نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ما كان موجودا ، وأيضا أنه إذا أحرق هذا الجسد ، فإنه تبقى تلك الأجزاء البسيطة ، ومعلوم أن مجموع تلك الأجزاء البسيطة من الأرض والماء والهواء والنار ، ما كان عبارة عن هذا الإنسان العاقل الناطق ، فثبت أن تلك الأجزاء إنما تكون هذا الإنسان بشرط وقوعها على تأليف مخصوص ، ومزاج مخصوص ، وصورة مخصوصة ، فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصور والأعراض ، وعود المعدوم محال . وعلى هذا التقدير فإنه يمتنع عود بعض الأجزاء المعتبرة في حصول هذا الأنسان فوجب أن يمتنع عوده بعينه مرة أخرى . والجواب : لا نسلم أن هذا الأنسان المعين عبارة عن هذا الجسد المشاهد ، بل هو عبارة عن النفس . سواء فسرنا النفس بأنه جوهر مفارق مجرد ، أو قلنا إنه جسم لطيف مخصوص مشاكل لهذا الجسد مصون عن التغير ، والله أعلم به . / الشبهة الرابعة : إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر . فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال . والجواب : هذه الشبهة أيضا مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن ، وقد بينا أنه باطل . بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء . قلنا : النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد ، وهي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية . وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } فيه أبحاث : البحث الأول : أن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية / وظاهره يقتضي أن يكون الله سبحانه مختصا بحيز وجهة ، حتى يصح أن يقال : إليه مرجع الخلق . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا . النفس جوهر مجرد ، فالسؤال زائل . الثاني : أن يكون المراد منه : أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه . الثالث : أن يكون المراد : أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة . البحث الثاني : ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس ، لا عن البدن ، ويدل أيضا على أن النفس كانت موجودة قبل البدن . أما أن الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء } فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت ، والنص دال على أنه حي ، فوجب أن تكون حقيقته شيئا مغايرا لهذا البدن الميت ، وأيضا قال الله تعالى في صفة نزع روح الكفار { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام : 93 ) وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن ، فلأن قوله تعالى في هذه الآية : { إليه مرجعكم } يدل على ما قلنا ، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك ، ونظيره قوله تعالى : { أحد يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية } ( الفجر : 27 ، 28 ) وقوله : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) . البحث الثالث ؛ المرجع بمعنى الرجوع و { جميعا } نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت ، وإنما المراد منه القيامة . البحث الرابع : قوله تعالى : { إليه مرجعكم } يفيد الحصر ، وأنه لا رجوع إلا إلى الله تعالى ، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره ، وأما قوله : { وعد الله حقا } ففيه مسألتان :

Bagian V17/P024–V17/P025

المسألة الأولى : قوله : { وعد الله } منصوب على معنى : وعدكم الله وعدا ، لأن قوله : { إليه مرجعكم } معناه : الوعد بالرجوع ، فعلى هذا التقدير يكون قوله : { وعد الله } مصدرا مؤكدا لقوله : / { إليه مرجعكم } وقوله : { حقا } مصدرا مؤكدا لقوله : { وعد الله } فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم . المسألة الثانية : قرىء { وعد الله } على لفظ الفعل . واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر ، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود . ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه : { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقا للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضا كونه خالقا لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادرا على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالما بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته . المسألة الثانية : اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا ؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها ، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها ، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا ، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها ، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال . ونظيره قوله تعالى : { يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم / فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم . المسألة الثالثة : في هذه الآية إضمار ، كأنه قيل : إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ، ثم يميتهم ثم يعيدهم ، كما قال في سورة البقرة : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم } ( البقرة : 28 ) إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا ، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه } ( يونس : 3 ) وحذف ذكر الإماتة لأن ذكر الأعادة يدل عليها . المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } بالكسر وبعضهم بالفتح . قال الزجاج : من كسر الهمزة من ( أن ) فعلى الاستئناف ، وفي الفتح وجهان : الأول : أن يكون التقدير : إليه مرجعكم جميعا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده . والثاني : أن يكون التقدير : وعد الله وعدا بدأ الخلق ثم إعادته ، وقرىء { يبدىء } من أبدأ وقرىء { حق إنه يبدأ الخلق } كقولك : حق إن زيدا منطلق . أما قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر ، حتى يحصل الفرق بين المحسن والمسيء ، وحتى يصل / الثواب إلى المطيع والعقاب إلى العاصي ، وقد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدليل ، وفيه مسائل :

Pertanyaan

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 161 · Qur'an & Sunnah