Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V21/P184–V21/P185

المسألة الثانية : لا شبهة أن المراد بقوله : { ذالك عيسى ابن مريم } الإشارة إلى ما تقدم وهو قوله : { قال إنى عبد الله ءاتانى } ( مريم : 30 ) أي ذلك الموصوف بهذه الصفات هو عيسى ابن مريم وفي قوله : { عيسى ابن مريم } إشارة إلى أنه ولد هذه المرأة وابنها لا أنه ابن الله . فأما قوله { الحق } ففيه وجوه : أحدها : وهو أن نفس عيسى عليه السلام هو قول الحق وذلك لأن الحق هو اسم الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة الله وبين أن نقول عيسى قول الحق . وثانيها : أن يكون المراد : ( ذلك عيسى ابن مريم القول الحق ) إلا أنك أضفت الموصوف إلى الصفة فهو كقوله : { إن هاذا لهو حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) وفائدة قولك : القول الحق تأكيد ما ذكرت أولا من كون عيسى عليه السلام ابنا لمريم . وثالثها : أن يكون { قول الحق } خبرا لمبتدأ محذوف كأنه قيل ذلك عيسى ابن مريم ووصفنا له هو قول الحق فكأنه تعالى وصفه أولا ثم ذكر أن هذا الموصوف هو عيسى ابن مريم ثم ذكر أن هذا الوصف أجمع هو قول الحق على معنى أنه ثابت لا يجوز أن يبطل كما بطل ما يقع منهم من المرية ويكون في معنى إن هذا لهو الحق اليقين . فأما امتراؤهم في عيسى عليه السلام فالمذاهب التي حكيناها من قول اليهود والنصارى وقد تقدم ذكر ذلك في سورة آل عمران ، روي أن عيسى عليه السلام لما رفع حضر أربعة من أكابرهم وعلمائهم فقيل للأول ما تقول في عيسى ؟ فقال : هو إله والله إله وأمه إله ، فتابعه على ذلك ناس وهم الإسرائيلية ، وقيل للرابع ما تقول ؟ فقال : هو عبد الله ورسوله وهو المؤمن المسلم ، وقال أما تعلمون أن عيسى كان يطعم وينام وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك ؟ فخصمهم . أما قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } فهو يحتمل أمرين : أحدهما : أن ثبوت الولد له محال فقولنا : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } كقوله ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله فقوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } كقولنا : ما كان لله أن يظلم أي لا يليق ذلك بحكمته وكمال إلهيته ، واحتج الجبائي بالآية بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأنه تعالى صرح بأنه ليس له هذا الإيجاد أي ليس له هذا الاختيار وأجاب أصحابنا عنه بأنه الكذب محال على الله تعالى فلا جرم قال : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أما قوله : { سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال { سبحانه } ثم قال عقيبه : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } كان كالحجة على تنزيهه عن الولد وبيان ذلك أن الذي يجعل ولدا لله / إما أن يكون / قديما أزليا أو يكون محدثا فإن كان أزليا فهو محال لأنه لو كان واجبا لذاته لكان واجب الوجود أكثر من واحد . هذا خلف . وإن كان ممكنا لذاته كان مفتقرا في وجوده إلى الواجب لذاته غنيا لذاته فيكون الممكن محتاجا لذاته فيكون عبدا له لأنه لا معنى للعبودية إلا ذلك ، وأما إن كان الذي يجعل ولدا يكون محدثا فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم وإيجاده وهو المراد من قوله : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فيكون عبدا له لا ولدا له فثبت أنه يستحيل أن يكون لله ولد .

Bagian V21/P185–V21/P186

المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } على قدم كلام الله تعالى قالوا : لأن الآية تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له : كن فيكون فلو كان قوله كن محدثا لافتقر حدوثه إلى قول آخر ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قول الله قديم لا محدث ، واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام الله تعالى من وجوه : أحدها : أنه تعالى أدخل عليه كلمة إذا وهذه الكلمة دالة على الاستقبال فوجب أن لا يحصل القول إلا في الاستقبال . وثانيها : أن حرف الفاء للتعقيب والفاء في قوله : { فإنما يقول له } يدل على تأخر ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخر عن غيره محدث . وثالثها : الفاء في قوله : { فيكون } يدل على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصل فيكون قول الله متقدما على حدوث الحادث تقدما بلا فصل والمتقدم على المحدث تقدما بلا فصل يكون محدثا ، فقول الله محدث . واعلم أن استدلال الفريقين ضعيف ، أما استدلال الأصحاب فلأنه يقتضي أن يكون قوله : { كن } قديما وذلك باطل بالاتفاق ، وأما استدلال المعتزلة فلأنه يقتضي أن يكون قول الله تعالى هو المركب من الحروف والأصوات وهو محدث وذلك لا نزاع فيه إنما المدعي قدم شيء آخر . المسألة الثالثة : من الناس من أجرى الآية على ظاهرها فزعم أنه تعالى إذا أحدث شيئا قال له كن وهذا ضعيف لأنه ، إما أن يقول له كن قبل حدوثه أو حال حدوثه . فإن كان الأول كان ذلك خطابا مع المعدوم وهو عبث وإن كان الثاني فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة والإرادة فأي تأثير لقوله كن فيه ، ومن الناس من زعم أن المراد من قوله : { كن } هو الخليق والتكوين وذلك لأن القدرة على الشيء غير وتكوين الشيء غير فإن الله سبحانه قادر في الأزل وغير مكون في الأزل ، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها ، والقادرية غير المكونية والتكوين ليس هو نفس المكون لأنا نقول المكون إنما حدث لأن الله تعالى كونه فأوجده ، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا المكون إنما وجد بتكوين الله تعالى نازلا منزلة قولنا المكون إنما وجد بنفسه وذلك محال ، فثبت أن التكوين غير المكون فقوله : { كن } إشارة إلى الصفة المسماة بالتكوين ، وقال آخرون قوله : { كن } عبارة عن نفاذ قدرة الله تعالى ومشيئته في الممكنات . فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من غير امتناع واندفاع / يجري مجرى العبد المطيع المسخر المنقاد لأوامر مولاه ، فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة على سبيل الاستعارة . ! 7 < { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم فاختلف الا حزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الا مر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الا رض ومن عليها وإلينا يرجعون } > 7 < مريم : ( 36 - 40 ) وإن الله ربي . . . . . > > اعلم أن قوله : { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } فيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن ، ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه ، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء ، وفي حرف أبي { إن الله } بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه .

Bagian V21/P186–V21/P187

المسألة الثانية : أنه لا يصح أن يقول الله : { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } فلا بد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى ، وفيه قولان : الأول : التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : الواو في وإن الله عطف على قول عيسى عليه السلام : { قال إنى عبد الله ءاتانى } ( مريم : 30 ) كأنه قال : إني عبد الله وإنه ربي وربكم فاعبدوه ، وقال وهب بن منبه عهد إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته أن الله ربي وربكم أي كلنا عبيد الله تعالى . المسألة الثالثة : قوله : { وإن الله ربى وربكم } يدل على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب ويدل أيضا على أن الإله واحد لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه فلما قال : { إن الله ربى وربكم } / أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى وذلك يدل على التوحيد ، أما قوله : { فاعبدوه } فقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فههنا الأمر بالعبادة وقع مرتبا على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما تلزمنا عبادته سبحانه لكونه ربا لنا ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه منعما على الخلائق بأصول النعم وفروعها ، ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } يعني أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز عبادتها ، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى لما كان ربا ومربيا لعباده وجب عبادته ، فقد ثبت طردا وعكسا تعلق العبادة بكون المعبود منعما ، أما قوله : { هاذا صراط مستقيم } يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم وأنه سمي هذا القول بالصراط المستقيم تشبيها بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة ، أما قوله تعالى : { فاختلف الاحزاب من بينهم } ففي الأحزاب أقوال : الأول : المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم . الثاني : المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولدا وبعضهم كذابا . الثالث : المراد الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا المراد بقوله : { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } أي قل يا محمد إن الله ربي وربكم ، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه ، وكذا قوله : { فويل للذين كفروا } مؤكد لهذا الاحتمال ، وأما قوله : { من مشهد يوم عظيم } فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها . أما الأول : فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب ، والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف ، أو وقت الشهود ، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها ، وقيل : هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه ، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة ، ولا شيء من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من العقاب ، أما قوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } ففيه مسائل :

Bagian V21/P187–V21/P189

المسألة الأولى : قالوا : التعجب هو استعظام الشيء مع الجهل بسبب عظمه ، ثم يجوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظم سبب حصول ، قال الفراء قال سفيان : قرأت عند شريح : { بل عجبت ويسخرون } ( الصافات : 12 ) فقال : إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إن شريحا شاعر يعجبه علمه ، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها : { بل عجبت ويسخرون } ومعناه أنه صدر من الله تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم ، وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى الله تعالى ، وإذا عرفت هذا فنقول : للتعجب صفتان : إحداهما : ما أفعله . / والثانية : أفعل به كقوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر } والنحويون ذكروا له تأويلات : الأول : قالوا : أكرم بزيد أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم كأغد البعير أي صار ذا غدة إلا أنه خرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر كقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 228 ) ، { والوالدات يرضعن أولادهن } ( البقرة : 233 ) ، { قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمان مدا } ( مريم : 75 ) أي يمد له الرحمن مدا ، وكذا قولهم : رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والباء زائدة . الثاني : أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيدا كريما أي بأن يصفه بالكرم ، والباء زائدة مثل قوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) ولقد سمعت لبعض الأدباء فيه تأويلا . ثالثا : وهو أن قولك أكرم بزيد يفيد أن زيدا بلغ في الكرم إلى حيث كأنه في ذاته صار كرما حتى لو أردت جعل غيره كريما فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك ، كما أن من قال : أكتب بالقلم فمعناه أن القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك . المسألة الثانية : قوله { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } فيه ثلاثة أوجه . أحدها : وهو المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصرهم والتعجب على الله تعالى محال كما تقدم ، وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما وعميا في الدنيا ، وقيل : معناه التهديد مما سيسمعون وسيبصرون مما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم . وثانيها : قال القاضي ويحتمل أن يكون المراد أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا . وثالثها : قال الجبائي : ويجوز أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم أما قوله : { لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين } ففيه قولان : الأول : لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وفي الآخرة يعرفون الحق . والثاني : { لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين } وهم في الآخرة في ضلال عن الجنة بخلاف المؤمنين / وأما قوله تعالى : { وأنذرهم } فلا شبهة في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ينذر من في زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن قوله فاختلف الأحزاب أراد به اختلاف جميعهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكي يحذروا من ترك عبادة الله تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة في أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من أهل النار وقيل يتحسر أيضا في الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية والأول هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب ، أما قوله تعالى : { إذ قضى الامر } ففيه وجوه : أحدها : إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمرالثواب والعقاب . وثانيها : إذ قضى الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله : { وهم لا يؤمنون } فكأنه تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات وهم في غفلة وهم لا يؤمنون . وثالثها : روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : قضى الأمر : ( فقال حين يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا على فرح وأهل النار غما على غم ) واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير / جسما حيوانيا بل المراد أنه لا موت البتة بعد ذلك وأما قوله : { وهم فى غفلة } أي عن ذلك اليوم وعن كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أي بذلك اليوم ثم قال بعده : { إنا نحن نرث الارض ومن عليها } أي هذه الأمور تؤول إلى أن لا يملك الضر والنفع إلا الله تعالى : { وإلينا يرجعون } أي إلى محل حكمنا وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهذا تخويف عظيم وزجر بليغ للعصاة .

Bagian V21/P189

القصة الثالثة : قصة إبراهيم عليه السلام . ! 7 < { واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ياأبت إنى قد جآءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنىأهدك صراطا سويا ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا ياأبت إنىأخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا } > 7 < مريم : ( 41 - 45 ) واذكر في الكتاب . . . . . > >

Bagian V21/P189–V21/P190

اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر ، والمنكرون للتوحيد هم الذين أثبتوا معبودا سوى الله تعالى ، وهؤلاء فريقان : منهم من أثبت معبودا غير الله حيا عاقلا فاهما وهم النصارى ، ومنهم من أثبت معبودا غير الله جمادا ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال : { واذكر فى الكتاب } والواو في قوله واذكر عطف على قوله : { ذكر رحمت ربك عبده زكريا } كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما السلام قال قد ذكرت حال زكريا فاذكر حال إبراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارا عن الغيب الغيب ومعجزا قاهرا دالا على نبوته . وإنما شرع في قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه : أحدها : أن إبراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين / بعلو شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) وقال تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير } ( الزخرف : 23 ) ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما تقليدا وإما استدلالا . وثانيها : أن كثيرا من الكفار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل رد على الأب الأشرف الأكبر الذي هو إبراهيم عليه السلام . وثالثها : أن كثيرا من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال الله تعالى : { قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة } ( الزخرف : 22 ) و { قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين } ( الأنبياء : 53 ) فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال تنبيها لهؤلاء على سقوط هذه الطريقة ثم قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام : { إنه كان صديقا نبيا } وفي الصديق قولان : أحدهما : أنه مبالغة في كونه صادقا وهو الذي يكون عادته الصدق لأن هذا البناء ينبىء عن ذلك يقال رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال . والثاني : أنه الذي يكون كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهورا به والأول أولى وذلك لأن المصدق بالشيء لا يوصف بكونه صديقا إلا إذا كان صادقا في ذلك التصديق فيعود الأمر إلى الأول فإن قيل أليس قد قال تعالى : { والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء } ( الحديد : 19 ) قلنا : المؤمنون بالله ورسله صادقون في ذلك التصديق واعلم أن النبي يجب أن يكون صادقا في كل ما أخبر عنه لأن الله تعالى صدقه ومصدق الله صادق وإلا لزم الكذب في كلام الله تعالى فيلزم من هذا كون الرسول صادقا في كل ما يقول ، ولأن الرسل شهداء الله على الناس على ما قال الله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) والشهيد إنما يقبل قوله : إذا لم يكن كاذبا .

Bagian V21/P190–V21/P191

فإن قيل : فما قولكم في إبراهيم عليه السلام في قوله : { بل فعله كبيرهم } ( الأنبياء : 63 ) و { إنى سقيم } قلنا قد شرحنا في تأويل هذه الآيات بالدلائل الظاهرة أن شيئا من ذلك ليس بكذب فلما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقا ولا يجب في كل صديق أن يكون نبيا ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا . وأما النبي فمعناه كونه رفيع القدر عند الله وعند الناس وأي رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده . وقوله : { كان صديقا } قيل : إنه صار وقيل إن معناه وجد صديقا نبيا أي كان من أول وجوده إلى انتهائه موصوفا بالصدق والصيانة . قال صاحب ( الكشاف ) : هذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذ قال ونظيره قولك رأيت زيدا ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقا نبيا أي كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات / أما قوله : { يا أبت } فالتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه وقد يقال : يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء واعلم أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام . النوع الأول : قوله : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه : أحدها : أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من له غاية الانعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما قررناه في تفسير قوله : و { إن الله ربى وربكم فاعبدوه } ( آل عمران : 51 ) وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) الآية وكما يعلم بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها ما لم تكن منعمة وجب أن لايجوز الاشتغال بعبادتها . وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميز من يطيعها عمن يعصيها فأي فائدة في عبادتها ، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن يكون عالما بكل المعلومات حتى يكون العبد آمنا من وقوع الغلط للمعبود . وثالثها : أن الدعاء مخ العبادة فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي فأي منفعة في عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يقترب إليها فأي منفعة في ذلك التقرب . ورابعها : أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك ، والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبادة الأخس . وخامسها : إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأي فائدة في عبادتها . وسادسها : إذا كانت لا تحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه كسرها وجعلها جذاذا فأي رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من ثلاثة أوجه . أحدها : لا يسمع . وثانيها : لا يبصر .

Bagian V21/P191–V21/P192

وثالثها : لا يغني عنك شيئا كأنه قال له : بل الإلهية ليست إلا لربي فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر / كما قال : { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) ويقضي الحوائج : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النمل : 62 ) واعلم أن قوله ههنا { لم تعبد } محمول على نفس العبادة وأما قوله في المقام الثالث : { لا تعبد الشيطان } لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون الشيطان فوجب حمله على الطاعة ولأنا نقول ليس إذا تركنا الظاهر ههنا لدليل وجب ترك الظاهر في المقام الأول بغير دليل فإن قيل : إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد في تلك الأوثان أنها آلهة بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها تماثيل الكواكب والكواكب هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب تعظيم الكواكب أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله تعالى أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها ، وأنها مشفع بها ، أو غير ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان ، فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأول كان في نهاية الجنون لأن العلم بأن هذا الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقا للسموات والأرض من / أجلى العلوم الضرورية ، فالشاك فيه يكون فاقدا لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنونا والمجنون لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه ، وإن كان من القسم الثاني فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل بإقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على خلق الأجسام وخلق الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور ههنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات ، قلنا : لا نزاع أنه لا يخفى على العاقل أن الخشبة المنحوتة لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثاني ، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة عليهم لأنهم كانوا يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعا إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر ، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة في طاعتها ولا مضرة في الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها . النوع الثاني : قوله : { شيئا ياأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا } ومعناه ظاهر وطمع في التمسك به أهل التعليم وأهل التقليد أما أهل التعليم فقالوا : إنه أمره بالإتباع في الدين وما أمره بالتمسك بدليل لا يستفاد إلا من الإتباع ، وأما أهل التقليد فقد تمسكوا به أيضا من هذا الوجه ، ومن الناس من طعن أنه أمره بالإتباع لتحصل الهداية ، فإذن لا تحصل الهداية إلا باتباعه ، ولا تبعية إلا إذا اهتدى لقولنا إنه لا بد من اتباعه فيقع الدور وإنه باطل . ( والجواب ) عن الأول : أن المراد بالهداية بيان الدليل وشرحه وإيضاحه ، فعند هذا عاد السائل فقال : أنا لا أنكر أنه لا بد من الدلالة ، ولكني أقول الوقوف على تلك الدلالة لا يستفاد إلا ممن له نفس كاملة بعيدة عن النقص والخطأ ، وهي نفس النبي المعصوم أو الإمام المعصوم فإذا سلمت أنه لا بد من النبي في هذا المقصود فقد سلمت حصول الغرض ، أجاب المجيب وقال أنا ما سلمت أنه لا بد في الوقوف على الدلائل من هداية النبي ، ولكني أقول هذا الطريق أسهل وإن إبراهيم عليه السلام دعاه إلى الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله : { فاتبعنى } ليس أمر إيجاب بل أمر إرشاد .

Bagian V21/P192

والنوع الثالث : قوله : { سويا ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا } أي لا تطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول منه / لأنه أعظم الخصال المنفرة ، واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه عاصيا لله ولم يذكر معاداته لآدم عليه السلام كأن النظر في عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان غمى فكره وأطبق على ذهنه ، وأيضا فإن معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأي ، ومن كان كذلك كان حقيقا أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فإن قيل : إن هذا القول يتوقف على إثبات أمور : أحدها : إثبات الصانع . وثانيها : إثبات الشيطان . وثالثها : إثبات أن الشيطان عاص لله . ورابعها : أنه لما كان عاصيا لم تجز طاعته في شيء من الأشياء . وخامسها : أن الإعتقاد الذي كان عليه ذلك الإنسان كان مستفادا من طاعة الشيطان ، ومن شأن الدلالة التي تورد على الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومات مسلمة ، ولعل أبا إبراهيم كان منازعا في كل هذه المقدمات ، / وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلها سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الإله الرحمن وإذا لم يسلم وجوده ، فكيف يمكنه تسليم أن الشيطان كان عاصيا للرحمن ، ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان ، بل لعله يقلب ذلك على خصمه ، قلنا : الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو الذي ذكره أولا من قوله : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } فأما هذا الكلام فيجري مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة ، وعلى هذا التقدير يسقط السؤال . النوع الرابع : قوله : { عصيا ياأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا } قال الفراء : معنى أخاف أعلم . والأكثرون على أنه محمول على ظاهره ، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه السلام عالما بأن أباه سيموت على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه على ظاهره فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب ويجوز أن يصر فيموت على الكفر ، فيكون من أهل العقاب ، ومن كان كذلك كان خائفا لا قاطعا ، واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فإنه لا يسمى خائفا إلا إذا كان بحيث يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدي أما قوله : { فتكون للشيطان وليا } فذكروا في الولي وجوها : أحدها : أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله إلى الولاية الحقيقية لقوله تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وحكى عن الشيطان أنه يقول لهم : { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } ( إبراهيم : 22 ) واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة ، أما إذا كان المراد منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط . وثانيها ؛ أن يحمل العذاب على الخذلان أي إني أخاف أن يمسك خذلان الله فتصير مواليا للشيطان ويبرأ الله منك على ما قال تعالى : { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } ( النساء : 119 ) .

Bagian V21/P192–V21/P193

وثالثها : وليا أي تاليا للشيطان ، تليه كما يسمى المطر الذي يأتي تاليا وليا فإن قيل قوله : { أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا } يقتضي أن تكون ولاية الشيطان أسوأ حالا من العذاب نفسه وأعظم ، فما السبب لذلك . ( والجواب ) : أن رضوان الله تعالى أعظم من الثواب على ما قال : { ورضوان من الله أكبر ذالك هو الفوز العظيم } ( التوبة : 72 ) فوجب أن تكون ولاية الشيطان التي هي في مقابلة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم . واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن لأنه نبه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقرونا باللطف والرفق فإن قوله في مقدمة كل كلام { يا أبت } دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب ، وختم الكلام بقوله / { إليك لاقتلك إنى أخاف } وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه وإنما فعل ذلك لوجوه : أحدها : قضاء لحق الأبوة على ما قال تعالى : { وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان ، فإذا انضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ذلك نورا على نور . وثانيها : أن الهادي إلى الحق لا بد وأن يكون رفيقا لطيفا يورد الكلام لا على سبيل العنف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب في إعراض المستمع فيكون ذلك في الحقيقة سعيا في الإغواء . وثالثها : ما روى أبو هريرة أنه قال عليه السلام : ( أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلي فحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأن أسكنه حظيرة قدسي وأدنيه من جواري ) والله أعلم .

Bagian V21/P193–V21/P194

! 7 < { قال أراغب أنت عن آلهتى ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربيإنه كان بى حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسىألا أكون بدعآء ربى شقيا } > 7 ! < < مريم : ( 46 - 48 ) قال أراغب أنت . . . . . > > اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد ، وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان ، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ ، وأورد كل ذلك مقرونا باللطف والرفق ، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك ، فقابل حجته بالتقليد ، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله : { أراغب أنت عن الهتى ياإبراهيم إبراهيم } فأصر على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم ، وقابل رفقه في قوله : { يا أبت } ( مريم : 44 ) بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال : { ضيف إبراهيم } وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة ، أما قوله : { أراغب أنت عن الهتى ياإبراهيم إبراهيم } فإن كان ذلك على وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول . وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها ، وإنما التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل بتعجب / فاسد غير مبني على دليل وشبهة ، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه ، أما قوله : { لئن لم تنته لارجمنك واهجرنى مليا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الرجم ههنا قولان : الأول : أنه الرجم باللسان ، وهو الشتم والذم ، ومنه قوله : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 4 ) أي بالشتم ، ومنه الرجم ، أي المرمي باللعن ، قال مجاهد : الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم . والثاني : أنه الرجم باليد ، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوها : أحدها : لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك . وثانيها : لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني . وثالثها : عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش . ورابعها : قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعا ، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى : { واهجرنى مليا } واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى ، فإن قيل : أفما يدل قوله تعالى : { واهجرنى مليا } على أن المراد به الرجم بالشتم ؟ قلنا : لا ، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هربا من ذلك فهو في معنى قوله : { واهجرنى مليا } . المسألة الثانية : في قوله تعالى : { واهجرنى مليا } قولان : أحدهما : المراد واهجرني بالقول . والثاني : بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر . المسألة الثالثة : في قوله : { مليا } قولان : الأول : مليا أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد . والثاني : مليا بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقا له مضطلعا به .

Bagian V21/P194–V21/P195

المسألة الرابعة : عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك ، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين . أحدهما : أنه وعده التباعد منه ، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الإنقياد لذلك الأمر وقوله : { سلام عليك } توادع ومتاركة كقوله تعالى : { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : 55 ) ، { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج ، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان ، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار ، ثم إنه لما ودع أباه بقوله : { سلام عليك } ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله : { سأستغفر لك ربي } واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء ، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز ، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز ، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } وقوله : { واغفر لابى إنه كان من الضالين } ( الشعراء : 86 ) وأما أن أباه كان كافرا فذاك بنص القرآن / وبالإجماع ، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين . الأول : قوله تعالى : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين } ( التوبة : 113 ) . الثاني : قوله في سورة الممتحنة : { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم } إلى قوله { لاستغفرن لك } وأمر الناس إلا في هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه ، ( والجواب ) : لا نزاع إلا في قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فإن الكلام عليه من وجوه : أحدها : أن القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع ، فلعل إبراهيم عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر لأبيه . وثانيها : أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة ، كما في قوله : { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) والمعنى سأسأل ربي أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حيا بعذاب الدنيا المعجل . وثالثها : أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي يرجي منه الإيمان ، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ( التوبة : 113 ) فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم . ثم قال بعد ذلك : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن ، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه ، فإن قيل فإذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله : { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم } إلى قوله { إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك } ( الممتحنة : ) قلنا الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية .

Bagian V21/P195

فإن كثيرا من الأشياء هي من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام . ورابعها : لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين ، أما قوله : { إنه كان بى حفيا } أي لطيفا رفيقا يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق ، ومنه قوله تعالى : { ؤإن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا } ( محمد : 37 ) أي وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه على عودني الإجابة فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران . ( الجواب الثاني ) من الجوابين قوله : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضا وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك ، فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله : { عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا } أرجو أن لا أكون كذلك ، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) وأما قوله : { شقيا } مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولا في / قوله : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } .

Bagian V21/P195–V21/P196

! 7 < { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا } > 7 < مريم : ( 49 - 50 ) فلما اعتزلهم وما . . . . . > > اعلم أنه ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في دينهم وفي بلدهم واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره لم يضره ذلك دينا ودنيا ، بل نفعه فعوضه أولادا أنبياء ولا حالة في الدين والدنيا للبشر أرفع من أن يجعل الله له رسولا إلى خلقه ويلزم الخلق طاعته والإنقياد له مع ما يحصل فيه من عظيم المنزلة في الآخرة فصار جعله تعالى إياهم أنبياء من أعظم النعم في الدنيا والآخرة ، ثم بين تعالى أنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أي وهب لهم من النبوة ما وهب ويدخل فيه المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة ثم قال : { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ولسان الصدق الثناء الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان ، كما عبر باليد عما يعطي باليد وهو العطية ، واستجاب الله دعوته في قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم وقال عز وجل : { ملة أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) قال بعضهم : إن الخليل اعتزل عن الخلق على ما قال : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } ( مريم : 48 ) فلا جرم بارك الله في أولاده فقال : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا } . وثانيها : أنه تبرأ من أبيه في الله تعالى على ما قال : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) لا جرم أن الله سماه أبا للمسلمين فقال : { ملة أبيكم إبراهيم } . وثالثها : تل ولده للجبين ليذبحه على ما قال : { فلما أسلما وتله للجبين } ( الصافات : 103 ) لا جرم فداه الله تعالى على ما قال : { وفديناه بذبح عظيم } ( الصافات : 107 ) . ورابعها : أسلم نفسه فقال : { أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) فجعل الله تعالى النار عليه بردا وسلاما فقال : { قلنا ياذا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم } ( الأنبياء : 69 ) . وخامسها : أشفق على هذه الأمة فقال : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات الخمس ، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . وسادسها : في حق سارة في قوله : { وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 37 ) لا جرم جعل موطىء قدميه مباركا : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : 125 ) . وسابعها : عادى كل الخلق في الله فقال : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) لا جرم اتخذه الله خليلا على ما قال : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) ليعلم صحة قولنا أنه ما خسر على الله أحد . / ( القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام ) ! 7 < { واذكر فى الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الا يمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } > 7 < مريم : ( 51 - 53 ) واذكر في الكتاب . . . . . > >

Bagian V21/P196–V21/P197

اعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور : أحدها : أنه كان مخلصا فإذا قرىء بفتح اللام فهو من الإصطفاء والإختباء كأن الله تعالى اصطفاه واستخلصه وإذا قرىء بالكسر فمعناه أخلص لله في التوحيد في العبادة والإخلاص هو القصد في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده ، ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل واحدة منهما ثابت مقطوع به ، فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا الأمرين . وثانيها : كونه رسولا نبيا ولا شك أنهما وصفان مختلفان لكن المعتزلة زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي وكل نبي رسول ومن الناس من أنكر ذلك وقد بينا الكلام فيه في سورة الحج في قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى } ( الحج : 52 ) . وثالثها : قوله تعالى : { وناديناه من جانب الطور الايمن } من اليمين أي من ناحية اليمين والأيمن صفة الطور أو الجانب . ورابعها : قوله : { وقربناه نجيا } ولما ذكر كونه رسولا قال : { وقربناه نجيا } وفي قوله : { قربناه } قولان : أحدهما : المراد قرب المكان عن أبي العالية قربه حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح . والثاني : قرب المنزلة أي رفعنا قدره وشرفناه بالمناجاة ، قال القاضي : وهذا أقرب لأن استعمال القرب في الله قد صار بالتعارف لا يراد به إلا المنزلة وعلى هذا الوجه يقال في العبادة تقرب ، ويقال في الملائكة عليهم السلام إنهم مقربون وأما { وقربناه نجيا } فقيل فيه أنجيناه من أعدائه وقيل هو من المناجاة في المخاطبة وهو أولى . وخامسها : قوله : { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان هرون عليه السلام أكبر من موسى عليهما السلام ، وإنما وهب الله له نبوته لا شخصه وأخوته وذلك إجابة لدعائه في قوله : { واجعل لى وزيرا من أهلى هارون أخى اشدد به أزرى } ( طه : 29 ، 30 ، 31 ) فأجابه الله تعالى إليه بقوله : { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } ( طه : 36 ) وقوله : { سنشد عضدك بأخيك } . ( القصة الخامسة قصة إسماعيل عليه السلام ) ! 7 < { واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة وكان عند ربه مرضيا } > 7 < مريم : ( 54 - 55 ) واذكر في الكتاب . . . . . > >

Bagian V21/P197–V21/P198

اعلم أن إسماعيل هذا هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، واعلم أن الله تعالى وصف إسماعيل عليه السلام بأشياء : أولها : قوله : { إنه كان صادق الوعد } وهذا الوعد يمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الله تعالى ويمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الناس . أما الأول : فهو أن يكون المراد أنه كان لا يخالف شيئا مما يؤمر به من طاعة ربه وذلك لأن الله تعالى إذا أرسل الملك إلى الأنبياء وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد منهم يقتضي القيام بذلك ويدل على القيام بسائر ما يخصه من العبادة . وأما الثاني : فهو أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده فالله تعالى وصفه بهذا الخلق الشريف وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة ، وأيضا وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به حيث قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصابرين } ( الصافات : 102 ) ويروى أن عيسى عليه السلام قال له رجل : انتظرني حتى آتيك فقال عيسى عليه السلام : نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء لحاجة إلى ذلك المكان وعيسى عليه السلام هنالك للميعاد ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه واعد رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس ) . وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعادا إلى أي وقت ينتظره فقال : إن واعده نهارا فكل النهار وإن واعده ليلا فكل الليل ، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال : إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى . وثانيها : قوله : { وكان رسولا نبيا } وقد مر تفسيره . وثالثها : قوله : { وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة } والأقرب في الأهل أن المراد به من يلزمه أن يؤدي إليه الشرع فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة ، هذا إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة والزكاة فإن حمل على الندب فيهما كان المراد أنه كما كان يتهجد بالليل يأمر أهله أي من كان في داره في ذلك الوقت بذلك وكان نظره لهم في الدين يغلب على شفقته عليهم في الدنيا بخلاف ما عليه أكثر الناس ، وقيل : كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( الشعراء : 214 ) { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها } ( طه : 132 ) { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) وأيضا فهم أحق أن يتصدق عليهم فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى ، فأما الزكاة فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها طاعة الله تعالى والاخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل عند ربه والظاهر أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة أن يراد بها الصدقات الواجبة وكان يعرف من خاصة أهله أن يلزمهم الزكاة فيأمرهم بذلك أو يأمرهم أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء . ورابعها : قوله ؛ { وكان عند ربه مرضيا } وهو في نهاية المدح لأن المرضى عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات . / ( القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام ) ! 7 < { واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا } > 7 < مريم : ( 56 - 57 ) واذكر في الكتاب . . . . . > >

Bagian V21/P198–V21/P200

اعلم أن إدريس عليه السلام هو جد أبي نوح عليه السلام وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ قيل سمي إدريس لكثرة دراسته واسمه أخنوخ ووصفه الله تعالى بأمور : أحدها : أنه كان صديقا . وثانيها : أنه كان نبيا وقد تقدم القول فيهما . وثالثها : قوله : { ورفعناه مكانا عليا } وفيه قولان : أحدهما : أنه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ورفعنا لك ذكرك } ( الشرح : 4 ) فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود . الثاني : أن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عال وهذا أولى ، لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا في الدرجة ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت ، وقال آخرون : بل رفع إلى السماء وقبض روحه سأل ابن عباس رضي الله عنهما كعبا عن قوله : { ورفعناه مكانا عليا } قال : جاءه خليل له من الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة فإذا ملك الموت يقول بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة ، وأنا أقول كيف ذلك وهو في الأرض فالتفت إدريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك . واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة أن لا يرفع إليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة ، ولذلك قال في حق الملائكة : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) وههنا آخر القصص . ! 7 < { أولائك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسراءيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى عليهم ءايات الرحمان خروا سجدا وبكيا } > 7 ! < < مريم : ( 58 ) أولئك الذين أنعم . . . . . > > اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخرا فقال : { أولئك الذين أنعم الله عليهم } أي بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين / في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ، ثم جمعهم في كونهم من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه من ذرية من حمل مع نوح ، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو إدريس عليه السلام ، فقد كان سابقا على نوح على ما ثبت في الأخبار والذين هم من ذرية من حمل مع نوح هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وإسمعيل وإسحق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من قبل الأم فرتب الله سبحانه وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء ، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبها بذلك على أنهم اختصوا بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم ، ولأنه اختارهم للرسالة ثم قال : { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من } تتلى عليهم أي على هؤلاء الأنبياء فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذي عند تلاوة آيات الله يخرون سجدا وبكيا خضوعا وخشوعا وحذرا وخوفا ، والمراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم . وقال أبو مسلم المراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب المنزل بالكفار وهو بعيد لأن سائر الأيات التي فيها ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب حمله على كل آية تتلى مما يتضمن الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، لأن كل ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن يبكي ، واختلفوا فقال بعضهم في السجود : إنه الصلاة وقال بعضهم : المراد سجود التلاوة على حسب ما تعبدنا به وقيل : المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضي سجودا مخصوصا عند التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر السجود في الآية ، قال الزجاج في بكيا : جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال في بكيا إنه مصدر فقد أخطأ لأن سجدا جمع ساجد وبكيا معطوف عليه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتلو القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) وعن صالح المري قال : قرأت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن ) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم الله على النار جسدها ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ( لا يلج النار من بكى من خشية الله ) وقال العلماء : يدعو في سجود التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آيات كتابك .

Bagian V21/P200–V21/P201

! 7 < { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وءامن وعمل صالحا فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا } > 7 ! / < < مريم : ( 59 - 60 ) فخلف من بعدهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيبا لنا في التأسي بطريقتهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال : فخلف من بعدهم خلف ، وظاهر الكلام أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم يقال : خلفه إذا أعقبه ثم قيل في عقب الخبر خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون ، كما قالوا : وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث : ( في الله خلف من كل هالك ) وفي الشعر للبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب ثم وصفهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإضاعة الصلاة في مقابلة قوله : { خروا سجدا } ( السجدة : 15 ) واتباع الشهوات في مقابلة قوله : { وبكيا } لأن بكاءهم يدل على خوفهم واتباع هؤلاء لشهواتهم يدل على عدم الخوف لهم وظاهر قوله : { فخلف من } تركوها لكن تركها قد يكون بأن لا تفعل أصلا وقد يكون بأن لا تفعل في وقتها وإن كان الأظهر هو الأول وأما اتباع الشهوات فقال ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب واحتج بعضهم بقوله : { إلا من تاب وءامن } على أن تارك الصلاة كافر ، واحتج أصحابنا بها في أن الإيمان غير العمل لأنه تعالى قال : { وامن وعمل صالحا } فعطف العمل على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه ، أجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما ، وهذا الجواب ضعيف لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي وقوع المغايرة بينهما لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار بالله تعالى وهما متغايران ، فكذا في هذه الصورة . ثم بين تعالى أن من هذه صفته { يلقون غيا } وذكروا في الغي وجوها : أحدها : أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد ، قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وثانيها : قال الزجاج : { يلقون غيا } أي يلقون جزاء الغي ، كقوله تعالى : { يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) أي مجازاة الآثام . وثالثها : غيا عن طريق الجنة . ورابعها : الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها / والوجهان الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة ، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن لم يتب ، وأما من تاب وآمن وعمل صالحا فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم ، وههنا سؤالان : الأول : الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك ، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة ، أو كانت المرأة حائضا فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضا غير واجبة ، وكذا الصوم فههنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح ، و ( الجواب ) أن هذه الصورة نادرة ، والمراد منه الغالب . السؤال الثاني : قوله : { ولا يظلمون شيئا } هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقا على العمل ، لأنه لو كان الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد . ( الجواب ) : أنه لما أشبهه أجرى على حكمه .

Bagian V21/P201–V21/P202

! 7 < { جنات عدن التى وعد الرحمان عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا } > 7 ! < < مريم : ( 61 - 63 ) جنات عدن التي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور : أحدها : قوله ؛ { جنات عدن التى وعد الرحمان عباده بالغيب } والعدن الإقامة وصفها بالدوام على خلاف حال الجنان في الدنيا التي لا تدوم ولذلك فإن حالها لا يتغير في مناظرها فليست كجنان الدنيا التي حالها يختلف في خضرة الورق وظهور النور والثمر وبين تعالى أنها : وعد الرحمن لعباده وأما قوله : { بالغيب } ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى وعد ( هم إيا ) ها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها . والثاني : أن المراد وعد الرحمن للذين يكونون عبادا بالغيب أي الذين يعبدونه في السر بخلاف المنافقين فإنهم يعبدونه في الظاهر ولا يعبدونه في السر وهو قول أبي مسلم . والوجه الأول : أقوى لأنه تعالى بين أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد حاصل ، لذلك قال بعده : { إنه كان وعده مأتيا } أما قوله : { مأتيا } فقيل إنه مفعول بمعنى فاعل والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها ، قال الزجاج : كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وما أتاك فقد أتيته والمقصود من قوله : { إنه كان وعده مأتيا } بيان أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد وحاصل / والمراد تقرير ذلك في القلوب . وثانيها : قوله : { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } ( مريم : 62 ) واللغو من الكلام ما سبيله أن يلغي ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله : { لا تسمع فيها لاغية } ( الغاشية : 11 ) وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله تعالى عنه الدار التي لا تكليف فيها وما أحسن قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ، { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : 55 ) أما قوله : { إلا سلاما } ففيه بحثان : البحث الأول : أن فيه إشكالا وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام . وثانيها : أن يحمل ذلك على الاستثناء المنقطع . وثالثها : أن يكون هذا من جنس قول الشاعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

Bagian V21/P202–V21/P203

البحث الثاني : أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من تسليم الملائكة أو من تسليم الله تعالى على ما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس: 58 ) . ورابعها : قوله تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وفيه سؤالان : السؤال الأول : أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من الأمور المستعظمة . ( والجواب ) من وجهين : الأول : قال الحسن أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب في اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك . الثاني : أن المراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين . السؤال الثاني : قال تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) وقال عليه السلام : ( لا صباح عند ربك ولا مساء ) والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء . ( والجواب ) المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشي إلا أنه ليس في الجنة غدوة وعشي إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة يعرفون بها مقادير الغداة والعشي ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاءوا كما جرت العادة في الغداة والعشي . وخامسها : قوله : { تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا } وفيه أبحاث : الأول : قوله : { تلك الجنة } هذه الإشارة إنما صحت لأن الجنة غائبة . وثانيها : ذكروا في نورث وجوها الأول : نورث استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال المورث . الثاني : أن المراد أنا ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم فجعل هذا النقل إرثا قاله الحسن . الثالث : أن الإتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها باقية وهي الجنة فإذا أدخلهم / الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يرث الوارث المال من المتوفى . ورابعها : معنى من كان تقيا من تمسك باتقاء معاصيه وجعله عادته واتقى ترك الواجبات ، قال القاضي : فيه دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقيا والفاسق المرتكب للكبائر لا يوصف بذلك . ( والجواب ) : الآية تدل على أن المتقي يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضا فصاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من مفهوم قولنا المتقي عن الكفر وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق وجب أن يدخل تحته فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها . ! 7 < { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذالك وما كان ربك نسيا رب السماوات والا رض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } > 7 < مريم : ( 64 - 65 ) وما نتنزل إلا . . . . . > >

Pertanyaan