Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V23/P014–V23/P015

أما قوله : { من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والاخرة } فالهاء إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي ، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته / وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه والرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله : { إن الله يدخل الذين ءامنوا } والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث ههنا عن أمرين : أحدهما : أنه من الذي كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ والثاني : أنه ما معنى قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع } ؟ . أما البحث الأول : فذكروا فيه وجوها : أحدها : كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه الآية . وثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن الله لا ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا . وثالثها : أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه على أعدائه ، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك . وأما البحث الثاني : فاعلم أن في لفظ السبب قولين : أحدهما : أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت ، ومنهم من قال هو السماء في الحقيقة ، فقالوا المعنى : من كان يظن أن لن ينصره الله ، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه . وعلى هذا القول اختلفوا في القطع فقال بعضهم : سمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ، وسمى فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره ، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه ، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ . وهذا قول الكلبي ومقاتل وقال ابن عباس رضي الله عنه : يشد الحبل في عنقه وفي سقف البيت ، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ويهلك ، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين . وقال آخرون : المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت ، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيدا ، ولأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك ، بل الغرض أن يكون ذلك صارفا له عن الغيظ إلى طاعة الله تعالى ، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا والاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت ، لأن ذلك ممكن . أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين : الأول : كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة ، ثم لينظر فإنه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئا وهو قول أبي مسلم . والثاني : كأنه قال فليطلب سببا يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله لنبيه ، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة ، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله ، فإذا كان ذلك ممتنعا كان غيظه عديم الفائدة ، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه ، وهو في معنى قوله : { فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الارض أو سلما فى السماء } ( الأنعام : 35 ) مبينا بذلك أنه لا حيلة له في الآيات التي اقترحوها القول الثاني : أن الهاء في قوله : { لن ينصره الله } راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق . وقال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بني بكر فقال : من ينصرني نصره الله . أي من يعطيني أعطاه الله ، فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفه تعالى في قوله : { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } ( الحج : 11 ) فيبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقا .

Bagian V23/P015–V23/P016

أما قوله : { وكذالك أنزلناه ءايات بينات } فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات . أما قوله : { وأن الله يهدى من يريد } فقد احتج أصحابنا به فقالوا : المراد من الهداية ، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله : { يهدى من يريد } دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوها : أحدها : يكلف من يريد لأن من كلف أحدا شيئا فقد وصفه له وبينه له . وثانيها : أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحا . وثالثها : أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله : إن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل ، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب : عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف / وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله : { يهدى من يريد } يقتضي عدم الوجوب . ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شىء شهيد ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الا رض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء } . > 7 < الحج : ( 17 - 18 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > / القراءة : قرى { حق } بالضم وقرىء حقا أي حق عليه العذاب حقا وقرىء { مكرم } بفتح الراء بمعنى الإكرام ، واعلم أنه تعالى لما قال : { وأن الله يهدى من يريد } أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه ، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة : أحدها : الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها . وثانيها : الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام . وثالثها : الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق ، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم ، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثرا موجبا لا مختارا . فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة ، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها . وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العام المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين ، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام ، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار ، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء ، أو لا يكونوا معترفين بذلك ، فإما أن يكونوا أتباعا لمن كان نبيا في الحقيقة أو لمن كان متنبئا ، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى ، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون ، وأما أتباع المتنبىء فهم المجوس ، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان ، وهم المسمون بالمشركين ، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم . فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان ، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة .

Bagian V23/P016–V23/P018

أما قوه : { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى : { إن الذين ءامنوا } كما تقول إن أخاك ، إن الدين عليه لكثير . قال جرير : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم المسألة الثانية : الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا فلا يجازيهم / جزاء واحدا بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم . أما قوله تعالى : { إن الله على كل شىء شهيد } فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف . أما قوله سبحانه وتعالى : { ألم تر أن الله يسجد له } ففيه أسئلة : السؤال الأول : ما الرؤية ههنا الجواب : أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه . السؤال الثاني : ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه : أحدها : قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) ، { أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ، { وإن منها لما يهبط من خشية الله } ( البقرة : 74 ) ، { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) ، { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله : { وكثير من الناس } فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة والجواب من وجوه : أحدها : أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها : أن نقطع قوله : { وكثير من الناس } عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن نقول تقدير الآية : ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة ، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعا . الثاني : أن يكون قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : { حق عليه العذاب } ، والثالث : أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول : المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد ، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق العقلاء ، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد .

Bagian V23/P018–V23/P019

السؤال الثالث : قوله : { ولله يسجد من فى السماوات الارض } ( الرعد : 15 ) لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى { وكثير من الناس } الجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا / دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب . القول الثاني : في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي ، قد يتطرق إليها الصدق والكذب ، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل ، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليفه وتكوينه / وعلى هذا تأولوا قوله : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وهذا قول القفال رحمه الله . القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى : { يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون } ( النحل : 48 ) وهو قول مجاهد . وأما قوله : { كثير من الناس وكثير حق عليه العذاب } فقال ابن عباس في رواية عطاء وكثير من الناس يوحده وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده ، وروى عنه أيضا أنه قال وكثير من الناس في الجنة . وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على قوله : { وكثير من الناس } ثم استأنف فقال : { وكثير حق عليه العذاب } أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود . وأما قوله تعالى : { ومن يهن الله فما له من مكرم } فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم ، ثم بين بقوله : { إن الله يفعل ما يشاء } أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، والله أعلم . ! 7 < { هاذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما فى بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الا نهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } . > 7 ! / < < الحج : ( 19 - 24 ) هذان خصمان اختصموا . . . . . > > القراءة : روي عن الكسائي { خصمان } بكسر الخاء ، وقرىء { قطعت } بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، قرأ الأعمش : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ردوا فيها } الحسن { يصهر } بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرىء { ولؤلؤا } بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤا كقوله وحورا عينا ولؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا ، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر ههنا كيفية اختصامهم ، وفيه مسائل :

Bagian V23/P019

المسألة الأولى : احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله : { هاذان خصمان اختصموا } ، والجواب : الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل : هذان فوجان أو فريقان يختصمان ، فقوله : { هاذان } للفظ واختصموا للمعنى كقوله : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا } .

Bagian V23/P019

المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الخصمين وجوها : أحدها : المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة { فى ربهم } أي في ذاته وصفاته وثانيها : روى أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم وثالثها : روى قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة . ورابعها : قال عكرمة : هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته . وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصا فالواجب حمل الكلام على ظاهره / قوله : { هاذان } كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة ، وأيضا ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب ، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما ، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله : { إن الله يفصل بينهم } أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكما فبين الله تعالى حكمه في الكفار ، وذكر من أحوالهم أمورا ثلاثة : أحدها : قوله : { قطعت لهم ثياب من نار } والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ) عن أنس ، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذا من قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } ( إبراهيم : 5 ) وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى : { ونفخ فى الصور } ( الكهف : 99 ) ، { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ( ق : 21 ) لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع . وثانيها : قوله : { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } يصهر به ما في بطونهم والجلود ، الحميم الماء الحار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها ، يصهر أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( محمد : 15 ) .

Bagian V23/P019–V23/P020

وثالثها : قوله : { ولهم مقامع من حديد } المقامع السياط وفي الحديث ( لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها ) وأما قوله : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها ، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفا وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك ، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه : أحدها : المسكن ، وهو قوله : { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار } ، وثانيها : الحلية ، وهو قوله : { يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضا شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة . وثالثها : الملبوس وهو قوله : { ولباسهم فيها حرير } ، ورابعها : قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } وفيه وجوه : أحدها : شهادة أن لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله : { ومثلا كلمة طيبة } ( إبراهيم : 24 ) وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) وهو صراط الحميد لقوله : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) ، وثانيها : قال السدي وهدوا إلى الطيب من القول هو القرآن . وثالثها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده . ورابعها : أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام ، وهو معنى قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) وعندي فيه وجه . خامس : وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية ، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } والتعبير عنها هو المراد من قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } .

Bagian V23/P020–V23/P021

! 7 < { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } . > 7 ! < < الحج : ( 25 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت وعظم كفر هؤلاء فقال : { إن الذين كفروا } بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك . وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو قوله : { ويصدون عن سبيل الله } الماضي وهو قوله : { كفروا } والجواب : عنه من وجهين : الأول : أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لا يراد به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه في جميع أزمنته وأوقاته ، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله ، ونظيره قوله : { الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } . وثانيهما : قال أبو علي الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم يفعلون ذلك في الحال والمستقبل ، أما قوله : { والمسجد الحرام } يعني ويصدوهم أيضا عن المسجد الحرام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدى فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم وكان محرما بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل . أما قوله : { الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكا ومتعبدا وقوله : { سواء العاكف فيه والباد } رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف والباد فيه سواء ، وتقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكا فالعاكف والبادي فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب سواء بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين والله أعلم . / المسألة الثانية : العاكف المقيم به الحاضر . والبادي الطارىء من البدو وهو النازع إليه من عربته ، وقال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله .

Bagian V23/P021–V23/P022

المسألة الثالثة : اختلفوا في أنهما في أي شيء يستويان قال ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات إنهما يستويات في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام واحتجوا عليه بالآية . والخبر ، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي ، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( مكة مباح لمن سبق إليها ) وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة وإسحق الحنظلي رضي الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) وههنا قد دل الدليل وهو قوله : { العاكف } لأن المراد منه المقيم إقامة ، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأراد مكة . القول الثاني : المراد جعل الله الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس قال عليه السلام : ( يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار ) وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة . وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحق الحنظلي بمكة وكان إسحق لا يرخص في كراء بيوت مكة ، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } ( الحج : 4 ) فأضيفت الدار إلى مالكها وإلى غير مالكها ، وقال عليه السلام يوم فتح مكة : ( من أغلق بابه فهو آمن ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( هل ترك لنا عقيل من ربع ) وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما دار السجن ، أترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها ؟ قال إسحق : فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي . أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف ، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام ، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه ، ويحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات . أما قوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { يرد } بفتح الياء من الورود ، ومعناه من أتى فيه بإلحاد وعن الحسن ومن يرد إلحاده بظلم ، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه ، فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل والنهار ، ومعناه ومن يرد أن يلحد فيه ظالما .

Bagian V23/P022–V23/P023

/ المسألة الثانية : الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر ، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوها : أحدها : أنه الشرك ، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى ، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في عبدالله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركا ، وفي قيس بن ضبابة . وقال مقاتل : نزلت في عبدالله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافرا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافرا . وثالثها : قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد . ورابعها : دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم . وخامسها : أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير . وسادسها : المنع من عمارته . وسابعها : عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله . وعن عبد الله بن عمر أنه كان له قسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، فقيل له فقال : كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله . وثامنها : وهو قول المحققين : أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذابا أليما . وقال مجاهد : تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات ، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله : { نذقه من عذاب أليم } غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم ، فإن كل عذاب يكون أليما ، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية . المسألة الثالثة : الباء في قوله : { بإلحاد } فيه قولاه : أحدهما : وهو الأولى وهو اختيار صاحب ( الكشاف ) أن قوله : { بإلحاد بظلم } حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما نذقه من عذاب أليم ، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده . الثاني : قال أبو عبيدة : مجازه ومن يرد فيه إلحادا والباء من حروف الزوائد . المسألة الرابعة : لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلا إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم ، ولذلك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } . أما قوله تعالى : { نذقه من عذاب أليم } فهو بيان الوعيد وفيه مسائل : المسألة الأولى : من قال الآية نزلت في ابن خطل قال : المراد بالعذاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم الفتح ، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم ، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به . / المسألة الثانية : أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه . المسألة الثالثة : ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية : الأول : التقدير إن الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلتا الجملتين . الثاني : أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره : إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم . وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك .

Bagian V23/P023–V23/P024

! 7 < { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطآئفين والقآئمين والركع السجود وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فىأيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الا نعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } . > 7 ! < < الحج : ( 26 - 29 ) وإذ بوأنا لإبراهيم . . . . . > > اعلم أن قوله : { وإذ بوأنا } أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ، أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة . وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء ، فأعلم الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول ، وقيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى ، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت السحابة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لا شك أن ( أن ) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر / بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة الجواب : أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعا لإبراهيم ، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعا له ، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحدا لرب البيت عن الشريك والنظير ، وبقالبه مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام . السؤال الثاني : أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب : المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكا ، ولا تشرك بي غرضا آخر في بناء البيت . السؤال الثالث : البيت ما كان معمورا قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب : لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار ، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار ، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناما فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور . وأما قوله : { للطائفين والقائمين } فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة { والقائمين } أي المقيمين بها { والركع السجود } أي من المصلين من الكل ، وقال آخرون القائمون وهم المصلون ، لأن المصلي لا بد وأن يكون في صلاته جامعا بين القيام والركوع والسجود والله أعلم . أما قوله تعالى : { وأذن فى الناس بالحج } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن محيصن { وأذن } بمعنى أعلم .

Bagian V23/P024–V23/P025

المسألة الثانية : في المأمور قولان : أحدهما : وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه : { وأذن فى الناس بالحج } قال يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال عليك الأذان وعلى البلاغ . فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس ، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول ؟ قال جبريل عليه السلام : قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى ، وفي رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض ، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول : لبيك اللهم لبيك ، وفي رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار ، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب ، قال مجاهد : فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء ، فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين أو أكثر . فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى ، قال القاضي عبد الجبار : يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر ، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج / دون الجماد ، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع الموانع ومثل ذلك قد يجوز في زمان الأنبياء عليهم السلام . القول الثاني : أن المأمور بقوله : { وأذن } هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختيار أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } لا يوجب أن يكون قوله : { وأذن } يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله : { وإذ بوأنا } أي واذكر يا محمد { إذ بوأنا } فهو في حكم المذكور ، فإذا قال تعالى : { وأذن } فإليه يرجع الخطاب وعلى هذا القول ذكروا في تفسير قوله تعالى : { وأذن } وجوها : أحدها : أن الله تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يعلم الناس بالحج . وثانيها : قال الجبائي أمره الله تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال وفي قوله : { يأتوك } دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدي به . وثالثها : أنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم . أما قوله : { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرىء رجال بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله : { وعلى كل ضامر } أي ركبانا والضمور الهزال ضمر يضمر ضمورا ، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها . وإنما قال : { يأتين } أي جماعة الإبل وهي الضوامر لأن قوله : { وعلى كل ضامر } معناه على إبل ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل ولو قال يأتي على اللفظ صح وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان ، والفج الطريق بين الجبلين ، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعا ، والعميق البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق والمعق .

Bagian V23/P025–V23/P026

المسألة الثانية : المعنى : وأذن ، ليأتوك رجالا وعلى كل ضامر ، أي وأذن ، ليأتوك على هاتين الصفتين ، أو يكون المراد : وأذن فإنهم يأتوك على هاتين الصفتين . المسألة الثالثة : بدأ الله بذكر المشاة تشريفا لهم ، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة ) . المسألة الرابعة : إنما قال : { يأتوك رجالا } لأنه هو المنادي فمن أتى بمكة حاجا فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه . أما قوله : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله : { وأذن فى الناس بالحج } ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله : { ليشهدوا منافع لهم } واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا . وهي أن يتجرو في أيام الحج ، وبعضهم حملها على منافع الآخرة ، وهي العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه السلام ، وبعضهم حملها على الأمرين جميعا ، وهو الأولى . / المسألة الثانية : إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات . المسألة الثالثة : كنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن دكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى ، وأن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتستقبل القبلة ، وزاد الكلبي فقال إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، قال القفال : وكان المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلبا لمرضاة الله تعالى ، واعترافا بأن تقصيره كاد يستحق مهجته . المسألة الرابعة : أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق ، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله ، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها . ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة ، والمشعر الحرام وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر ، وقال ابن عباس في رواية عطاء إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها وهي أيام النحر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . أما قوله : { بهيمة الانعام } فقال صاحب ( الكشاف ) : البهمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر ، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز . أما قوله تعالى : { فكلوا منها } فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعا على الفقراء ، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء واستعمال التواضع ، وقال الأكثرون إنه ليس على الوجوب . ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } ومنهم من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث ، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه وإن أكل جميعها لم يجزه ، هذا فيما كان تطوعا ، فأما الواجبات كالنذور والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق فلا يؤكل منها .

Bagian V23/P026–V23/P027

أما قوله : { وأطعموا البائس الفقير } فلا شبهة في أنه أمر إيجاب ، والبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقيرة الذي أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من فقار الظهر . قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني . / أما قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير ، وقال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها . والمراد ههنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العامة ، والمراد من القضاء إزالة التفث ، وقال القفال قال نفطويه : سألت أعرابيا فصيحا ما معنى قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } ؟ فقال ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل ما أتفثك وما أدرنك / ثم قال القفال وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي . أما قوله : { وليوفوا نذورهم } فقرىء بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول في الحج من أنواع المناسك ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر الذي هو القول ، وهذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدى وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر الله تعالى بالوفاء بذلك . أما قوله : { وليطوفوا بالبيت العتيق } فالمراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة ، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق ، ثم هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل ، وسمى البيت العتيق لوجوه : أحدها : العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن . وثانيها : لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس وقول ابن الزبير ، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قصد أبرهة فعل به ما فعل ، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب : قلنا ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به عبدالله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه وثالثها : لم يملك قط عن ابن عيينة ورابعها : أعتق من الغرق عن مجاهد وخامسها : بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل ، واعلم أن اللام في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا لام الأمر ، وفي قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف هذه اللامات وفي قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر . ! 7 < { ذالك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الا نعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الا وثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ذالك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } . > 7 < الحج : ( 30 - 32 ) ذلك ومن يعظم . . . . . > >

Bagian V23/P027–V23/P028

قال صاحب ( الكشاف ) { ذالك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس : الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى : { فهو خير له عند ربه } أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله : { عند ربه } يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال : { وأحلت لكم الانعام } فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضا تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة ، وهو قوله تعالى : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } وقوله : { حرمت عليكم } وقوله : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 121 ) ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور . لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجسا لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات . ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقارا واستخفافا وهذا أقرب ، وقوله : { من الاوثان } بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف ، كما أن الأفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا في قول الزور / وجوها : أحدها : أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم وثانيها : شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ) وتلا هذه الآية وثالثها : الكذب والبهتان ورابعها : قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .

Bagian V23/P028–V23/P029

أما قوله تعالى : { حنفاء لله } فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض ، والمراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به . ولذلك قال غير مشركين به . وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها . وهو قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق } قال صاحب ( الكشاف ) إن كان هذا تشبيها مركبا فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نسه إهلاكا ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة . وإن كان تشبيها مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المختلفة . وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرىء الرياح ، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال ذلك ومن يعظم شعائر الله واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدى خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين : أحدهما : أن يختارها عظام الأجسام حسانا جساما سمانا غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها ، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدى والأضحية والرقبة . روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه ( أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال بل أهدها ) ( وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب ) والوجه الثاني : في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد وأن يحتفل به ويتسارع فيه { فإنها من تقوى القلوب } أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه . ولكن لما كان قلبه خاليا عنها لا جرم لا يكون مجدا في أداء الطاعات ، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه / فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص ، فإن قال قائل : ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة ؟ فالجواب . ! 7 < { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلهآ إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الا نعام فإلاهكم إلاه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على مآ أصابهم والمقيمى الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . > 7 < الحج : ( 33 - 35 ) لكم فيها منافع . . . . . > >

Bagian V23/P029–V23/P030

اعلم أن قوله تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى } لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدى الذي فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده ، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب . وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب طهورها ، فأما قوله إلى أجل مسمى ففيه قولان : أحدهما : أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهديا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون لكم فيها أي في البدن منافع مع تسميتها هديا بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي ، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال : { لكم فيها منافع } أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديا وروى أبو هريرة أنه عليه السلام ( مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك ) وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اركبوا الهدى بالمعروف حتى تجدوا ظهرا ) واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا . / أما قوله تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ، كقوله : { هديا بالغ الكعبة } وبالجملة فقوله : { محلها } يعني حيث يحل نحرها ، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة : 28 ) أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه السلام : ( كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر ) قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدى المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه . أما قوله تعالى : { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله } فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضربا من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما منسكا بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع .

Bagian V23/P030–V23/P031

أما قوله تعالى : { فإلاهكم إلاه واحد } ففي كيفية النظم وجهان : أحدهما : أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني : { فإلاهكم إلاه واحد } فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله { فله أسلموا } أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة ، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه ، ومن انقاد له كان مخبتا فلذلك قال بعده { وبشر المخبتين } والمخبت المتواضع الخاشع . قال أبو مسلم : حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض ، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم ، والخبت هو المطمئن من الأرض . وللمفسرين فيه عبارات أحدها : المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة وثانيها : المجتهدين في العبادة عن الكلبي وثالثها : المخلصين عن مقاتل ورابعها : الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد وخامسها : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس . ثم وصفهم الله تعالى بقوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله ، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما : الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله : { والصابرين على ما أصابهم } وعلى ما يكون من قبل الله تعالى ، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب . فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني : الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله . أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة ، وهو المراد بقوله : { الذين إذا } وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } قرأ الحسن { الذين إذا } بالنصب على تقدير النون ، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل . ! 7 < { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذالك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولاكن يناله التقوى منكم كذالك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } . > 7 < الحج : ( 36 - 37 ) والبدن جعلناها لكم . . . . . > > / اعلم أن قوله تعالى : { والبدن } فيه مسائل : المسألة الأولى : البدن جمع بدنة كخشب وخشبة ، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال : ( البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) ولأنه قال : { فإذا وجبت جنوبها } وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر ، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة ، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه ، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة . المسألة الثانية : قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة ، وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرىء بالنصب والرفع كقوله : { والقمر قدرناه منازل } والله أعلم .

Bagian V23/P031–V23/P032

المسألة الثالثة : إذا قال لله على بدنة ، هل يجوز له نحرها في غير مكة ؟ قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة ، ولو قال : لله على جزور ، أنه يذبحه حيث شاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدى فإنه تعالى قال : { هديا بالغ الكعبة } ( يس : 39 ) فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدى ، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدى ، أجاب أبو حنيفة رحمه الله / بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن . أما قوله تعالى : { جعلناها لكم } فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدي في الحج جاز أن يقول { جعلناها لكم من شعائر الله } أما قوله : { لكم فيها خير } فالكلام فيه ما تقدم في قوله : { لكم فيها منافع } ( الحج : 33 ) وإذا كان قوله : { لكم فيها خير } كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيرا وبأن فيه منافع ، أما قوله : { فاذكروا اسم الله عليها } ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها ، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك ، أما قوله : { صواف } ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس ، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ، وقرىء صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحدا كما كان يفعله المشركون ، وعن عمرو بن عبيد صوافيا بالتنوين عوضا عن حرف الإطلاق عند الوقف ، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجرا وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه / وأما قوله : { فإذا وجبت جنوبها } فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط ، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت ، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها { فكلوا منها } وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها { وأطعموا القانع والمعتر } القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه ، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال ، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال ، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلانا وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه ، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح ، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالا بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبدا وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع .

Bagian V23/P032–V23/P033

أما قوله : { كذالك سخرناها لكم } فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه ، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد ، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا ، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده { لعلكم تشكرون } والمراد لكي تشكروا . قالت المعتزلة : هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا / على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى ، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع ، والكلام عليه قد تقدم غير مرة . أما قوله تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } ففيه مسائل : المسألة الأولى : لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولاكن يناله التقوى منكم } فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم ، ومعلوم أن شيئا من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) . المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور : أحدها : أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره وثانيها : أنه سبحانه غني عن كل ذلك ، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره وثالثها : أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلا وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم ورابعها : أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولا وأنه لا ثواب له والجواب : أما الأولان فحقان ، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم ، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقيا مطلقا ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم . المسألة الثالثة : كلهم قرأوا { ينال الله } ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل . ثم قال : { كذالك سخرها لكم } والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم ، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا / ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره { وبشر المحسنين } كما قال من قبل { وبشر المخبتين } ( الحج : 34 ) والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسنا إلى نفسه بتوفير الثواب عليه . ! 7 < { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز الذين إن مكناهم فى الا رض أقاموا الصلواة وآتوا الزكواة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الا مور } . > 7 ! / < < الحج : ( 38 - 41 ) إن الله يدافع . . . . .

Pertanyaan