Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
! 7 < { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } . > 7 ! < < النجم : ( 10 ) فأوحى إلى عبده . . . . . > > فيه وجهان أحدهما : أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحاه إلى جبريل أي كلمه الله أنه وحي أو خلق فيه علما ضروريا ثانيهما : أوحى إلى جبريل ما أوحى إلى محمد دليله الذي به يعرف أنه وحي ، فعلى هذا يمكن أن يقال ما مصدرية تقديره فأوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم الإيحاء أي العلم بالإيحاء ، ليفرق بين الملك والجن . ! 7 < { ما كذب الفؤاد ما رأى } . > 7 ! < < النجم : ( 11 ) ما كذب الفؤاد . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : الفؤاد فؤاد من ؟ نقول المشهور أنه فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم معناه أنه ما كذب فؤاده واللام لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في قوله { إلى عبده } وفي قوله { وهو بالافق الاعلى } ( النجم : 7 ) وقوله تعالى : { ما ضل صاحبكم } ( النجم : 2 ) ويحتمل أن يقال { ما كذب الفؤاد } أي جنس الفؤاد لأن المكذب هو الوهم والخيال يقول كيف يرى الله أو كيف يرى جبريل مع أنه ألطف من الهوى والهواء لا يرى ، وكذلك يقول الوهم والخيال إن رأى ربه رأى في جهة ومكان وعلى هيئة والكل ينافي كون المرئي إلاها ، ولو رأى جبريل عليه السلام مع أنه صار على صورة دحية أو غيره فقد انقلبت حقيقته ولو جاز ذلك لارتفع الأمان عن المرئيات ، فنقول رؤية الله تعالى ورؤية جبريل عليه السلام على ما رآه محمد عليه الصلاة والسلام جائزة عند من له قلب فالفؤاد لا ينكر ذلك ، وإن كانت النفس المتوهمة والمتخيلة تنكره . / المسألة الثانية : ما معنى { ما كذب } ؟ نقول فيه وجوه : الوجه الأول : ما قاله الزمخشري وهو أن قلبه لم يكذب وما قال إن ما رآه بصرك ليس بصحيح ، ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذبا فيما قاله وهو قريب مما قاله المبرد حيث قال : معناه صدق الفؤاد ، فيما رأى ، ( رأى ) شيئا فصدق فيه الثاني : قرىء { ما كذب الفؤاد } بالتشديد ومعناه ما قال إن المرئي خيال لا حقيقة له الثالث : هو أن هذا مقرر لما ذكرنا من أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، لما رأى جبريل عليه السلام خلق الله له علما ضروريا علم أنه ليس بخيال وليس هو على ما ذكرنا قصد الحق ، وتقديره ما جوز أن يكون كاذبا وفي الوقوع وإرادة نفي الجواز كثير قال الله تعالى : { لا يخفى على الله منهم شىء } ( غافر : 16 ) وقال : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) وقال : { وما ربك بغافل } ( النمل : 93 ) والكل لنفي الجواز بخلاف قوله تعالى : { لا نضيع أجر المحسنين } ( يوسف : 56 ) { لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، { ولا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 48 ) فإنه لنفي الوقوع .
المسألة الثالثة : الرائي في قوله { ما رأى } هو الفؤاد أو البصر أو غيرهما ؟ نقول فيه وجوه الأول : الفؤاد كأنه تعالى قال : { ما كذب الفؤاد } ما رآه الفؤاد أي لم يقل إنه جني أو شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح الثاني : البصر أي { ما كذب الفؤاد } ما رآه البصر ، ولم يقل إن ما رآه البصر خيال الثالث : ما كذب الفؤاد ما رأى محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا على قولنا الفؤاد للجنس ظاهر أي القلوب تشهد بصحة ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم ( من الرؤيا ) وإن كانت ، الأوهام لا تعترف بها . المسألة الرابعة : ما المرئي في قوله { ما رأى } ؟ نقول على الاختلاف السابق والذي يحتمل الكلام وجوه ثلاثة : الأول : الرب تعالى والثاني : جبريل عليه السلام والثالث : الآيات العجيبة الإلاهية ، فإن قيل كيف تمكن رؤية الله تعالى بحيث لا يقدح فيه ولا يلزم منه كونه جسما في جهة ؟ نقول ، اعلم أن العاقل إذا تأمل وتفكر في رجل موجود في مكان ، وقال هذا مرئي الله تعالى يراه الله ، و ( إذا ) تفكر في أمر لا يوجد أصلا وقال هذا مرئي الله تعالى يراه الله تعالى يجد بينهما فرقا وعقله يصحح الكلام الأول ويكذب الكلام الثاني ، فذلك ليس بمعنى كونه معلوما لأنه لو قال الموجود معلوم الله والمعدوم معلوم الله لما وجد في كلامه خللا واستبعادا فالله راء بمعنى كونه عالما / ثم إن الله يكون رائيا ولا يصير مقابلا للمرئي ، ولا يحصل في جهة ولا يكون مقابلا له ، وإنما يصعب على الوهم ذلك من حيث إنه لم ير شيئا إلا في جهة فيقول إن ذلك واجب ، ومما يصحح هذا أنك ترى في الماء قمرا وفي الحقيقة ما رأيت القمر حالة نظرك إلى الماء إلا في مكانه فوق السماء فرأيت القمر في الماء ، لأن الشعاع الخارج من البصر اتصل به فرد الماء ذلك الشعاع إلى السماء ، لكن وهمك لما رأى أكثر ما رآه في المقابلة لم يعهد رؤية شيء يكون خلفه إلا بالتوجه إليه ، قال إني أرى القمر ، ولا رؤية إلا إذ كان المرئي في مقابلة الحدقة ولا مقابل للحدقة إلا الماء ، فحكم إذن بناء على هذا أنه يرى القمر في الماء ، فالوهم يغلب العقل في العالم لكون الأمور العاجلة أكثرها وهمية / حسية ، وفي الآخرة تزول الأوهام وتنجلي الأفهام فترى الأشياء لوجودها لا لتحيزها ، واعلم أن من ينكر جواز رؤية الله تعالى ، يلزمه أن ينكر جواز رؤية جبريل عليه السلام ، وفيه إنكار الرسالة وهو كفر ، وفيه ما يكاد أن يكون كفرا ، وذلك لأن من شك في رؤية الله تعالى يقول لو كان الله تعالى جائز الرؤية لكان واجب الرؤية لأن حواسنا سليمة ، والله تعالى ليس من وراء حجاب ولا هو في غاية البعد عنا لعدم كونه في جهة ولا مكان فلو جاز أن يرى ولا نراه ، للزم القدح في المحسوسات المشاهدات ، إذ يجوز حينئذ أن يكون عندنا جبل ولا نراه ، فيقال لذلك القائل قد صح أن جبريل عليه السلام كان ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعنده غيره وهو يراه ولو وجب ما يجوز لرآه كل أحد ، فإن قيل إن هناك حجابا نقول وجب أن يرى هناك حجابا فإن الحجاب لا يحجب إذا كان مرئيا على مذهبهم ، ثم إن النصوص وردت أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده فجعل بصره في فؤاده أو رآه ببصره فجعل فؤاده في بصره ، وكيف لا ، وعلى مذهب أهل السنة الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد ، فإذا حصل الله تعالى العلم بالشيء من طريق البصر كان رؤية ، وإن حصله من طريق القلب كان معرفة والله قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للمعلوم في البصر كما قدر على أن يحصله بخلق مدرك في القلب ، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة في الوقوع واختلاف الوقوع مما ينبىء عن الاتفاق على الجواز والمسألة مذكورة في الأصول فلا نطولها .
! 7 < { أفتمارونه على ما يرى } . > 7 ! < < النجم : ( 12 ) أفتمارونه على ما . . . . . > > أي كيف تجادلونه وتوردون شكوككم عليه مع أنه رأى ما رأى عين اليقين ؟ ولا شك بعد الرؤية فهو جازم متيقن وأنتم تقولون أصابه الجن ويمكن أن يقال هو مؤكد للمعنى الذي تقدم ، وذلك لأن من تيقن شيئا قد يكون بحيث لا يزول عن نفسه تشكيك وأكد بقوله تعالى : ! 7 < { ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } . > 7 ! < < النجم : ( 13 ) ولقد رآه نزلة . . . . . > > وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه وهو على بسيط الأرض كان يحتمل أن يقال أنه من الجن احتمالا في غاية البعد ، لما بينا أنه صلى الله عليه وسلم حصل له العلم الضروري بأنه ملك مرسل ، واحتمال البعيد لا يقدح في الجزم واليقين ، ألا ترى أنا إذا نمنا بالليل وانتبهنا بالنهار نجزم بأن البحار وقت نومنا ما نشفت ولا غارت ، والجبال ما عدمت ولا سارت ، مع احتمال ذلك فإن الله قادر على ذلك وقت نومنا ، ويعيدها إلى ما كانت عليه في يومنا ، فلما رآه عند سدرة المنتهى وهو فوق السماء السادسة لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس ، فنفى ذلك الاحتمال أيضا فقال تعالى : { أفتمارونه على ما يرى } رأي العين ، وكيف وهو / قد رآه في السماء فماذا تقدون فيه وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو يحتمل أن تكون عاطفة ، ويحتمل أن تكون للحال على ما بيناه ، أي كيف تجادلونه فيما رآه ، على وجه لا يشك فيه ؟ ومع ذلك لا يحتمل إيراد الشكوك عليه ، فإن كثيرا ما يشك المعتقد لشيء فيه ولكن تردد عليه الشكوك ولا يمكنه الجواب عنها ، ولا تثريب مع ذلك في أن الأمر كما ذكرنا من المثال ، لأنا لا نشك في أن البحار ما صارت ذهبا والجبال ما صارت عهنا ، وإذا أورد علينا مورد شكا ، وقال وقت نومك يحتمل أن الله تعالى قلبها ثم أغادها لا يمكننا الجواب عنه مع أنا لا نشك في استمرارها على ما هي عليه ، لا يقال اللام تنافي كون الواو للحال ، فإن المستعمل يقال أفتمارونه ، وقد رأى من غير لام ، لأنا نقول الواو التي للحال تدخل على جملة والجملة تتركب من مبتدأ وخبر ، أو هن فعل وفاعل ، وكلاهما يجوز فيه اللام . المسألة الثانية : قوله { نزلة } فعلة من النزول فهي كجلسة من الجلوس ، فلا بد من نزول ، فذلك النزول لمن كان ؟ نقول فيه وجوه ، وهي مرتبة على أن الضمير في رآه عائد إلى من وفيه قولان الأول : عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى ، وهذا على قول من قال { ما رأى } في قوله { ما كذب الفؤاد ما رأى } ( النجم : 11 ) هو الله تعالى . وقد قيل بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين ، وعلى هذا فالنزلة تحتمل وجهين أحدهما : أنها لله ، وعلى هذا فوجهان أحدهما : قول من يجوز على الله تعالى الحركة والانتقال وهو باطل وثانيهما : النزول بالقرب المعنوي لا الحسي فإن الله تعالى قد يقرب بالرحمة والفضل من عبده ولا يراه العبد ، ولهذا قال موسى عليه السلام { رب أرنى } ( البقرة : 260 ) أي أزل بعض حجب العظمة والجلال ، وادن من العبد بالرحمة والإفضال لأراك .
الوجه الثاني : أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى الله نزلة أخرى ، وحينئذ يحتمل ذلك وجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على متن الهوى ومركب النفس ولهذا يقال لمن ركب متن هواه إنه علا في الأرض واستكبر ، قال تعالى : { علا فى الارض } ( القصص : 4 ) ثانيهما : أن المراد من النزلة ضدها وهي العرجة كأنه قال رآه عرجة أخرى ، وإنما اختار النزلة ، لأن العرجة التي في الآخرة لا نزلة لها فقال نزلة ليعلم أنها من الذي كان في الدنيا والقول الثاني : أنه عائد إلى جبريل عليه السلام أي رأى جبريل نزلة أخرى ، والنزلة حينئذ يحتمل أن تكون لمحمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم على ما ورد في بعض أخبار ليلة المعراج ، جاوز جبريل عليه السلام ، وقال له جبريل عليه السلام لو دنوت أنملة لاحترقت / ثم عاد إليه فذلك نزلة . فإن قيل فكيف قال : { أخرى } ؟ نقول لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة تردد مرارا فربما كان يجاوز كل مرة ، وينزل إلى جبريل ، ويحتمل أن تكون لجبريل عليه السلام وكلاهما منقول وعلى هذا الوجه فنزلة أخرى ظاهر ، لأن جبريل كان له نزلات وكان له نزلتان عليه وهو على صورته ، وقوله تعالى : { عند سدرة المنتهى } المشهور أن السدرة شجرة في السماء السابعة وعليها / مثل النبق وقيل في السماء السادسة ، وورد في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( نيقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة ) وقيل سدرة المنتهى هي الحيرة القصوى من السدرة ، والسدرة كالركبة من الراكب عندما يحار العقل حيرة لا حيرة فوقها ، ما حار النبي صلى الله عليه وسلم وما غاب ورأى ما رأى ، وقوله { عند } ظرف مكان ، أو ظرف زمان في هذا الموضع ؟ نقول المشهور أنه ظرف مكان تقديره رأى جبريل أو غيره بقرب سدرة المنتهى وقيل ظرف زمان ، كما يقال صليت عند طلوع الفجر ، وتقديره رآه عند الحيرة القصوى ، أي في الزمان الذي تحار فيه عقول العقلاء ، والرؤية من أتم العلوم وذلك الوقت من أشد أوقات الجهل والحيرة ، فهو عليه الصلاة والسلام ما حار وقتا من شأنه أن يحار العاقل فيه ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إن قلنا معناه رأى الله كيف يفهم { عند سدرة المنتهى } ؟ قلنا فيه أقوال : الأول : قول من يجعل الله في مكان وهو باطل ، وقد بالغنا في بيان بطلانه في سورة السجدة الثاني : رآه محمد صلى الله عليه وسلم وهو { عند سدرة المنتهى } لأن الظرف قد يكون ظرفا للرائي كما ذكرنا من المثال يقال رأيت الهلال ، فيقاله لقائله أين رأيته ؟ فيقول على السطح وربما يقول عند الشجرة الفلانية ، وأما إن قلنا إن المراد جبريل عليه السلام فالوجهان ظاهران وكون النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عند سدرة المنتهى أظهر .
المسألة الرابعة : إضافة السدرة إلى المنتهى من أي ( أنواع ) الإضافة ؟ نقول يحتمل وجوها أحدها : إضافة الشيء إلى مكانه يقال أشجار بلدة كذا لا تطول من البرد ويقال أشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار ، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ، وقيل لا يتعداه روح من الأرواح وثانيها : إضافة المحل إلى الحال فيه ، يقال : كتاب الفقه ، ومحل السواد ، وعلى هذا فالمنتهى عند السدرة تقديره سدرة عند منتهى العلوم ثالثها : إضافة الملك إلى مالكه يقال دار زيد وأشجار زيد وحينئذ فالمنتهى إليه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه ، قال الله تعالى : { إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) فالمنتهى إليه هو الله وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه للتشريف والتعظيم ، ويقال في التسبيح : يا غاية مناه ، ويا منتهى أملاه . ! 7 < { عندها جنة المأوى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { عندها جنة المأوى } < < النجم : ( 15 ) عندها جنة المأوى > > وفي الجنة خلاف قال بعضهم جنة المأوى هي الجنة التي وعد بها المتقون ، وحينئذ الإضافة كما في قوله تعالى : { دار المقامة } ( فاطر : 35 ) وقيل هي جنة أخرى عندها يكون أرواح الشهداء وقيل هي جنة للملائكة وقرىء { جنه } بالهاء من جن بمعنى أجن يقال جن الليل وأجن ، وعلى هذه القراءة يحتمل أن يكون الضمير في قوله { المنتهى عندها } عائدا إلى النزلة ، أي عند النزلة جن محمدا المأوى ، والظاهر أنه عائد إلى السدرة وهي الأصح ، وقيل إن عائشة أنكرت / هذه القراءة ، وقيل إنها أجازتها . ! 7 < { إذ يغشى السدرة ما يغشى } . > 7 ! < < النجم : ( 16 ) إذ يغشى السدرة . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : العامل في { إذ } ما قبلها أو ما بعدها فيه وجهان ، فإن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان : أظهرهما { رءاه } ( النجم : 13 ) أي رآه وقت ما يغشى السدرة الذي يغشى ، والاحتمال الآخر العامل فيه الفعل الذي في النزلة ، تقديره رآه نزلة أخرى تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى ، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السدرة وغشيها ما غشى فحينئذ نزل محمد نزلة إشارة إلى أنه لم يرجع من غير فائدة ، وإن قلنا ما بعده ، فالعامل فيه { ما زاغ البصر } ( النجم : 17 ) أي ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها ، وسنذكره عند تفسير الآية . المسألة الثانية : قد ذكرت أن في بعض الوجوه { سدرة المنتهى } هي الحيرة القصوى ، وقوله { يغشى السدرة } على ذلك الوجه ينادي بالبطلان ، فهل يمكن تصحيحه ؟ نقول يمكن أن يقال المراد من الغشيان غشيان حالة على حالة ، أي ورد على حالة الحيرة حالة الرؤية واليقين ، ورأى محمد صلى الله عليه وسلم عندما حار العقل ما رآه وقت ما طرأ على تلك الحالة ما طرأ من فضل الله تعالى ورحمته ، والأول هو الصحيح ، فإن النقل الذي ذكرنا من أن السدرة نبقها كقلال هجر يدل على أنها شجرة .
المسألة الثالثة : ما الذي غشى السدرة ؟ نقول فيه وجوه الأول : فراش أو جراد من ذهب وهو ضعيف ، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، فإن صح فيه خبر فلا يبعد من جواز التأويل ، وإن لم يصح فلا وجه له الثاني : الذي يغشى السدرة ملائكة يغشونها كأنهم طيور ، وهو قريب ، لأن المكان مكان لا يتعداه الملك ، فهم يرتقون إليه متشرفين به متبركين زائرين ، كما يزور الناس الكعبة فيجتمعون عليها الثالث : أنوار الله تعالى ، وهو ظاهر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها ، كما تجلى للجبل ، وظهرت الأنوار ، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت ، فجعل الجبل دكا ، ولم تتحرك الشجرة ، وخر موسى صعقا ، ولم يتزلزل محمد الرابع : هو مبهم للتعظيم ، يقول القائل : رأيت ما رأيت عند الملك ، يشير إلى الإظهار من وجه ، وإلى الإخفاء من وجه . المسألة الرابعة : { يغشى } يستر ، ومنه الغواشي أو من معنى الإتيان ، يقال فلا يغشاني كل وقت ، أي يأتيني ، والوجهان محتملان ، وعلى قول من يقول : الله يأتي ويذهب ، فالإتيان أقرب . ! 7 < { ما زاغ البصر وما طغى } . > 7 < النجم : ( 17 ) ما زاغ البصر . . . . . > > / ثم قال تعالى : { ما زاغ البصر وما طغى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اللام في { البصر } يحتمل وجهين أحدهما : المعروف وهو بصر محمد صلى الله عليه وسلم ، أي ما زاغ بصر محمد ، وعلى هذا فعدم الزيغ على وجوه ، إن قلنا الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش ، فمعناه لم يتلفت إليه ولم يشتغل به ، ولم يقطع نظره عن المقصود ، وعلى هذا فغشيان الجراد والفراش يكون ابتلاء ، وامتحانا لمحمد صلى الله عليه وسلم . وإن قلنا أنوار الله ، ففيه وجهان أحدهما : لم يتلفت يمنة ويسرة ، واشتغل بمطالعتها وثانيهما : ما زاغ البصر بصعقة بخلاف موسى عليه السلام ، فإنه قطع النظر وغشي عليه ، وفي الأول : بيان أدب محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الثاني : بيان قوته الوجه الثاني : في اللام أنه لتعريف الجنس ، أي ما زاغ بصر أصلا في ذلك الموضع لعظمة الهيبة ، فإن قيل لو كان كذلك لقال ما زاغ بصر ، لأنه أدل على العموم ، لأن النكرة في معرض النفي تعم ، نقول هو كقوله { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) ولم يقل لا يدركه بصر . المسألة الثانية : إن كان المراد محمدا ، فلو قال ما زاغ قلبه كان يحصل به فائدة قوله { ما زاغ البصر } ؟ نقول لا ، وذلك لأن من يحضر عند ملك عظيم يرى من نفسه أنه يهابه ويرتجف إظهارا لعظمته مع أن قلبه قوي ، فإذا قال : { ما زاغ البصر } يحصل منه فائدة أن الأمر كان عظيما ، ولم يزغ بصره من غير اختيار من صاحب البصر .
المسألة الثالثة : { وما طغى } عطف جملة مستقلة على جملة أخرى ، أو عطف جملة مقدرة على جملة ، مثال المستقلة : خرج زيد ودخل عمرو ، ومثال مقدرة : خرج زيد ودخل ، فنقول الوجهان جائزان أما الأول : فكأنه تعالى قال عند ظهور النور : ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما طغى محمد بسبب الالتفات ، ولو التفت لكان طاغيا وأما الثاني : فظاهر على الأوجه ، أما على قولنا : غشي السدرة جراد فلم يلتفت إليه { وما طغى } أي ما التفت إلى غير الله ، فلم يلتفت إلى الجراد ، ولا إلى غير الجراد سوى الله . وأما على قولنا غشيها نور ، فقوله { ما زاغ } أي ما مال عن الأنوار { وما طغى } أي ما طلب شيئا وراءها وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : ما زاغ وما طغى ، ولم يقل : ما مال وما جاوز ، لأن الميل في ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان ، فاستعمل الزيغ والطغيان فيه ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ذلك بيانا لوصول محمد صلى الله عليه وسلم إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصر محمد صلى الله عليه وسلم { ما زاغ } أي ما مال عن الطريق ، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا ، ثم ينظر إلى شيء أبيض ، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار { وما طغى } ما تخيل المعدوم موجودا فرأى المعدوم مجاوزا الحد . ! 7 < { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } . > 7 ! / ثم قال تعالى : { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } < < النجم : ( 18 ) لقد رأى من . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رأى ليلة المعراج آيات الله ، ولم ير الله ، وفيه خلاف ووجهه : هو أن الله تعالى ختم قصة المعراج ههنا برؤية الآيات ، وقال : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } إلى أن قال : { لنريه من ءاياتنا } ( الإسراء : 1 ) ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ، فكانت الآية الرؤية ، وكان أكبر شيء هو الرؤية ، ألا ترى أن من له مال يقال له : سافر لتربح ، ولا يقال : سافر لتتفرج ، لما أن الربح أعظم من التفرج . المسألة الثانية : قال بعض المفسرين { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } وهي أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته ، فهل هو على ما قاله ؟ نقول الظاهر أن هذه الآيات غير تلك ، وذلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما ، لكن ورد في الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه ، والكبرى تأنيث الأكبر ، فكأنه تعالى يقول : رأى من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات ، فإن قيل قال الله تعالى : { إنها لإحدى الكبر } ( المدثر : 35 ) مع أن أكبر من سقر عجائب الله ، فكذلك الآيات الكبرى تكون جبريل وما فيه ، وإن كان لله آيات أكبر منه نقول سقر إحدى الكبر أي إحدى الدواهي الكبر ، ولا شك أن في الدواهي سقر عظيمة كبيرة ، وأما آيات الله فليس جبريل أكبرها ولأن سقر في نفسها أعظم وأعجب من جبريل عليه السلام فلا يلزم من صفتها بالكبر صفتها بالكبرى .
المسألة الثالثة : الكبرى صفة ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : صفة محذوف تقديره : لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى ، ثانيهما : صفة آيات ربه وعلى هذا يكون مفعول رأى محذوفا تقديره رأى من الآيات الكبرى آية أو شيئا ثم قال تعالى : ! 7 < { أفرءيتم اللات والعزى ومنواة الثالثة الا خرى } . > 7 ! < < النجم : ( 19 ) أفرأيتم اللات والعزى > > لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدىء به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك ، فقوله تعالى : { أفرءيتم } إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما أن ضعيفا إذا ادعى الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك ، منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره ، فلذلك قال : { أفرءيتم اللات والعزى } أي كما هما فكيف تشركونهما بالله ، والتاء في اللات تاء تأنيث كما في المناة لكنها تكتب مطولة لئلا يوقف عليها فتصير هاء فيشتبه باسم الله تعالى ، فإن الهاء في الله أصلية ليست تاء تأنيث وقف عليها فانقلبت هاء ، وهي صنم كانت لثقيف بالطائف ، قال الزمخشري هي فعله من لوى يلوي ، وذلك لأنهم كانوا يلوون عليها ، وعلى ما قال فأصله لوية أسكنت الياء / وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوه قلبت الواو ألفا لفتح ما قبلها فصارت لات ، وقرىء اللات بالتشديد من لت ، قيل إنه مأخوذ من رجل كان يلت بالسمن الطعام ويطعم الناس فعبد واتخذ على صورته وثن وسموه باللات ، وعلى هذا فاللات ذكر ، وأما العزى فتأنيث الأعز وهي شجرة كانت تعبد ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه فقطعها وخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس منشورة الشعر تضرب رأسها وتدعوا بالويل والثبور فقتلها خالد وهو يقول : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وفعل فقال تلك العزى ولن تعبد أبدا ، وأما مناة فهي فعلة صنم الصفا ، وهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآخر لا يصح أن يقال إلا إذا كان الأول مشاركا للثاني فلا يقال رأيت امرأة ورجلا آخر ، ويقال رأيت رجلا ورجلا آخر لاشتراك الأول والثاني في كونهما من الرجال وههنا قوله { الثالثة الاخرى } يقتضي على ما ذكرنا أن تكون العزى ثالثة أولى ومناة ثالثة أخرى وليس كذلك ، والجواب عنه من وجوه الأول : الأخرى كما هي تستعمل للذم ، قال الله تعالى : { قالت أولاهم لاخراهم } ( الأعراف : 39 ) أي لمتأخرتهم وهم الأتباع ويقال لهم الأذناب لتأخرهم في المراتب فهي صفة ذم كأنه تعالى يقول ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة ، ونقول على هذا للأصنام الثلاثة ترتيب ، وذلك لأن الأول كان وثنا على صورة آدمي والعزى صورتها صورة نبات ومناة صورتها صورة صخرة هي جماد ، فالآدمي أشرف من النبات ، والنبات أشرف من الجماد ، فالجماد متأخر والمناة جماد فهي في الأخريات من المراتب الجواب الثاني : فيه محذوف تقديره { أفرءيتم اللات والعزى } المعبودين بالباطل { ومنواة الثالثة } المعبودة الأخرى والجواب الثالث : هو أن الأصنام كان فيها كثرة واللات والعزى إذا أخذتا متقدمتين فكل صنمة توجد فهي ثالثة ، فهناك ثوالث فكأنه يقول لهما ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى ، وهذا كقول القائل يوما ويوما والجواب الرابع : فيه تقديم وتأخير تقديره ومناة الأخرى الثالثة ، ويحتمل أن يقال الأخرى تستعمل لموهوم أو مفهوم وإن لم يكن مشهورا ولا مذكورا يقول من يكثر تأذيه من الناس إذا آذاه إنسان الآخر جاء يؤذينا ، وربما يسكت على قوله أنت الآخر فيفهم غرضه كذلك ههنا .
المسألة الثانية : وهي في الترتيب أولى ما فائدة الفاء في قوله { أفرءيتم اللات والعزى } وقد استعمل في مواضع بغير الفاء ؟ قال تعالى : { أرأيتم ما تدعون من دون الله } ( الأحقاف : 4 ) { أرءيتم شركاءكم } ( فاطر : 4 ) ، نقول لما قدم من عظمة آيات الله في ملكوته أن رسول الله إلى الرسل الذي يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته ، قال أفرأيتم هذه الأصنام مع زلتها وحقارتها شركاء الله مع ما تقدم ، فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عظمة آيات / الله تعالى الكبرى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى ، فانظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه . المسألة الثالثة : أين تتمة الكلام الذي يفيد فائدة ما ؟ نقول قد تقدم بيانه وهو أنه يقول هل رأيتم هذه حق الرؤية ، فإن رأيتموها علمتم أنها لا تصلح شركاء ، نظيره ما ذكرنا فيمن ينكر كون ضعيف يدعي ملكا ، يقول لصاحبه أما تعرف فلانا مقتصرا عليه مشيرا إلى بطلان ما يذهب إليه ثم قال تعالى : ! 7 < { ألكم الذكر وله الا نثى } . > 7 ! < < النجم : ( 21 ) ألكم الذكر وله . . . . . > > وقد ذكرنا ما يجب ذكره في سورة والطور في قوله { أم له البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) ونعيد ههنا بعض ذلك أو ما يقرب منه ، فنقول لما ذكر اللات والعزى ومناة ولم يذكر شيئا آخر قال إن هذه الأشياء التي رأيتموها وعرفتموها تجعلونها شركاء لله وقد سمعتم جلال الله وعظمته وإن الملائكة مع رفعتهم وعلوهم ينتهون إلى السدرة ويقفون هناك لا يبقى شك في كونهم بعيدين عن طريقة المعقول أكثر مما بعدوا عن طريقة المنقول ، فكأنهم قالوا نحن لا نشك أن شيئا منها ليس مثلا لله تعالى ولا قريبا من أن يماثله ، وإنما صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء ، وقالوا إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى ويرد عليهم الأمر والنهي وينهون إلى الله ما يصدر من عباده في أرضه وهم بنات الله ، فاتخذنا صورا على صور الإناث وسميناها أسماء الإناث ، فاللات تأنيث اللوة وكان أصله أن يقال اللاهة لكن في التأنيث يوقف عليها فتصير اللاهة فأسقط إحدى الهاءين وبقيت الكلمة على حرفين أصليين وتاء التأنيث فجعلناها كالأصلية كما فعلنا بذات مال وذا مال والعزى تأنيث الأعز ، فقال لهم كيف جعلتم لله بنات وقد اعترفتم في أنفسكم أن البنات ناقصات والبنين كاملون ، والله كامل العظمة فالمنسوب إليه كيف جعلتموه ناقصا وأنتم في غاية الحقارة والذلة حيث جعلتم أنفسكم أذل من خمار وعبد ثم صخرة وشجرة ثم نسبتم إلى أنفسكم الكامل ، فهذه القسمة جائزة على طريقكم أيضا حيث أذللتم أنفسكم ونسبتم إليها الأعظم من الثقلين وأبغضتم البنات ونسبتموهن إلى الأعظم وهو الله تعالى وكان على عادتكم أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير ، فإذن أنتم خالفتم الفكر والعقل والعادة التي لكم . ! 7 < { تلك إذا قسمة ضيزى } . > 7 ! < < النجم : ( 22 ) تلك إذا قسمة . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : تلك إشارة إلى ماذا ؟ نقول إلى محذوف تقديره تلك القسمة قسمة ضيزى أي غير عادلة ، ويحتمل أن يقال معناه تلك النسبة قسمة وذلك لأنهم ما قسموا وما قالوا لنا البنون وله البنات ، وإنما نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن كما قال تعالى : { ويجعلون لله ما يكرهون } ( النحل : 62 ) / فلما نسبوا إلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائزة وهذا الخلاف لا يرهق .
المسألة الثانية : { إذا } جواب ماذا ؟ نقول يحتمل وجوها الأول : نسبتكم البنات إلى الله تعالى إذا كان لكم البنون قسمة ضيزى الثاني : نسبتكم البنات إلى الله تعالى مع اعتقادكم أنهن ناقصات واختياركم البنين مع اعتقادكم أنهم كاملون إذا كنتم في غاية الحقارة والله تعالى في نهاية العظمة قسمة ضيزى ، فإن قيل ما أصل { إذا } ؟ قلنا هو إذا التي للظرف قطعت الإضافة عنها فحصل فيها تنوين وبيانه هو أنك تقول آتيك إذا طلعت الشمس فكأنك أضفت إذا لطلوع الشمس وقلت آتيك وقت طلوع الشمس ، فإذا قال قائل آتيك فتقول له إذن أكرمك أي إذا أتيتني أكرمك فلما حذفت الإتيان لسبق ذكره في قول القائل أتيت بدله بتنوين وقلت إذن كما تقول : وكلا آتيناه . المسألة الثالثة : { ضيزى } قرىء بالهمزة وبغير همزة وعلى الأولى هي فعلى بكسر الفاء كذكرى على أنه مصدر وصف به كرجل عدل أي قسمة ضائزة وعلى القراءة الثانية هي فعلى وكان أصلها ضوزى لكن عين الكلمة كانت يائية فكسرت الفاء لتسلم العين عن القلب كذلك فعل ببيض فإن جمع أفعل فعل تقول أسود وسود وأحمر وحمر وتقول أبيض وبيض وكان الوزن بيض وكان يلزم منه قلب العين فكسرت الباء وتركت الباء على حالها ، وعلى هذا ضيزى للمبالغة من ضائزة ، تقول فاضل وأفضل وفاضلة وفضلى وكبير وأكبر وكبيرى وكبرى كذلك ضائز وضوز وضائزة وضوزى على هذا نقول أضوز من ضائز وضيزى من ضائزة ، فإن قيل قد قلت من قبل إن قوله { أم له البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) ليس بمعنى إنكار الأمرين بل بمعنى إنكار الأول وإظهار النكر بالأمر الثاني ، كما تقول أتجعلون لله أندادا وتعلمون أنه خلق كل ما سواه فإنه لا ينكر الثاني ، وههنا قوله { تلك إذا قسمة ضيزى } دل على أنه أنكر الأمرين جميعا نقول قد ذكرنا هناك أن الأمرين محتملان : أما إنكار الأمرين فظاهر في المشهور ، أما إنكار الأول فثابت بوجوه ، وأما الثاني فلما ذكرنا أنه تعالى قال كيف تجعلون لله البنات وقد صار لكم البنون بقدرته كما قال تعالى : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } الشورى : 49 ) ( خالق البنين لكم لا يكون له بنات ، وأما قوله { تلك إذا قسمة ضيزى } فنقول قد بينا أن تلك عائدة إلى النسبة أي نسبتكم البنات إلى الله تعالى مع أن لكم البنين قسمة ضائزة فالمنكر تلك النسبة وإن كان المنكر القسمة نقول يجوز أن يكون تقديره أيجوز جعل البنات لله تعالى كما أن واحدا إذا كان بينه وبين شريكه شيء مشترك على السوية فيأخذ نصفه لنفسه ويعطي من النصف الباقي نصفه لظالمه ونصفه لصاحبه فقال هذه قسمة ضائزة لا لكونه أخذ النصف فذلك حقه بل لكونه لم يوصل إليه النصف الباقي . ! 7 < { إن هى إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الا نفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى } . > 7 ! < < النجم : ( 23 ) إن هي إلا . . . . .
> > ثم قال تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } وفيه / مباحث تدق عن إدراك اللغوي إن يكن عنده من العلوم حظ عظيم ، ولنذكر ما قيل فيه أولا فنقول قيل معناه : إن هي إلا أسماء ، أي كونها إناثا وكونها معبودات أسماء لا مسمى لها فإنها ليست بإناث حقيقة ولا معبودات ، وقيل أسماء أي قلتم بعضها عزى ولا عزة لها ، وقيل قلتم إنها آلهة وليست بآلهة ، والذي نقوله هو أن هذا جواب عن كلامهم ، وذلك على ما بينا أنهم قالوا نحن لا نشك في أن الله تعالى لم يلد كما تلد النساء ولم يولد كما تولد الرجال بالمجامعة والإحبال ، غير أنا رأينا لفظ الولد مستعملا عند العرب في المسبب تقول : بنت الجبل وبنت الشفة لما يظهر منهما ويوجد ، لكن الملائكة أولاد الله بمعنى أنهم وجدوا بسببه من غير واسطة فقلنا إنهم أولاده ، ثم إن الملائكة فيها تاء التأنيث فقلنا هم أولاد مؤنثة ، والولد المؤنث بنت ، فقلنا لهم بنات الله ، أي لا واسطة بينهم وبين الله تعالى في الإيجاد كما تقول الفلاسفة ، فقال تعالى : هذه الأسماء استنبطتموها أنتم بهوى أنفسكم وأطلقتم على الله ما يوهم النقص وذلك غير جائز ، وقوله تعالى : { نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) وقوله ( بيده الخير ) أسماء موهمة غير أنه تعالى أنزلها ، وله أن يسمي نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسمى بما يوهم النقص من غير ورود الشرع به ، ولنبين التفسير في مسائل : المسألة الأولى : { هى } ضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول الظاهر أنها عائدة إلى أمر معلوم وهو الأسماء كأنه قال ما هذه الأسماء التي وضعتموها أنتم وهو المشهور ، ويحتمل أن يقال هي عائدة إلى الأصنام بأنفسها أي ما هذه الأصنام إلا أسماء ، وعلى هذا فهو على سبيل المبالغة والتجوز ، يقال لتحقير إنسان ما زيد إلا اسم وما الملك إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة تعتبر في الكلام بين الناس ، ويؤيد هذا القول قوله تعالى : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء } ( يوسف : 40 ) أي ما هذه الأصنام إلا أسماء . المسألة الثانية : ما الفائدة في قوله { سميتموها } مع أن جميع الأسماء وضعوها أو بعضها هم وضعوها ولم ينكر عليهم ؟ نقول المسألة مختلف فيها ولا يتم الذم إلا بقوله تعالى : { ما أنزل الله بها من سلطان } وبيانه هو أن الأسماء إن أنزلها الله تعالى فلا كلام فيها ، وإن وضعها للتفاهم فينبغي أن لا يكون في ضمن تلك الفائدة مفسدة أعظم منها لكن إيهام النقص في صفات الله تعالى أعظم منها ، فالله تعالى ما جوز وضع الأسماء للحقائق إلا حيث تسلم عن المحرم ، فلم يوجد في هذه الأسماء دليل نقلي ولا وجه عقلي ، لأن ارتكاب المفسدة العظيمة لأجل المنفعة القليلة لا يجوزه العاقل ، فإذا { ما أنزل الله بها من سلطان } ووضع الاسم لا يكون إلا بدليل نقلي أو عقلي ، وهو أنه يقع خاليا عن وجوه المضار الراجحة . المسألة الثالثة : كيف قال : { سميتموها أنتم } مع أن هذه الأسامي لأصنامهم كانت قبلهم ؟ نقول فيه لطيفة وهي أنهم لو قالوا ما سميناها ، وإنما هي موضوعة قبلنا ، قيل لهم كل من يطلق هذه الألفاظ فهو كالمبتدىء الواضع / وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعا بدليل / عقلي لم يجب اتباعه فمن يطلق اللفظ لأن فلانا أطلقه لا يصح منه كما لا يصح أن يقول أضلني الأعمى ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به .
المسألة الرابعة : الأسماء لا تسمى ، وإنما يسمى بها فكيف قال : { سميتموها } ؟ نقول عنه جوابان أحدهما : لغوي وهو أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها ، ويقال سميته زيدا وسميته يزيد فسميتموها بمعنى سميتم بها وثانيهما : معنوي وهو أنه لو قال أسماء سميتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلق به الباء في قوله { بها } لأن قول القائل سميت به يستدعي مفعولا آخر تقول سميت بزيد ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتبارا وراء أسمائها ، وإذا قال : { إن هى إلا أسماء سميتموها } أي وضعتموها في أنفسها لا مسميات لها لم يكن ذلك فإن قيل هذا باطل بقوله تعالى : { وإنى سميتها مريم } ( آل عمران : 36 ) حيث لم يقل وإني سميتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصودا وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام ؟ نقول بينهما بون عظيم وذلك لأن هناك قال : { سميتها مريم } فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله { سميتها } واسمها بقوله { مريم } وأما ههنا فقال : { إن هى إلا أسماء سميتموها } أي ما هناك إلا أسماء موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرت في مريم . المسألة الخامسة : { ما أنزل الله بها من سلطان } على أي وجه استعملت الباء في قوله { بها من سلطان } ؟ نقول كما يستعمل القائل ارتحل فلان بأهله ومتاعه ، أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع كذا ههنا . ثم قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { إن تتبعون } بالتاء على الخطاب ، وهو ظاهر مناسب لقوله تعالى : { أنتم وءاباؤكم } على المغايبة وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون الخطاب معهم لكنه يكون التفاتا كأنه قطع الكلام معهم ، وقال لنبيه : إنهم لا يتبعون إلا الظن ، فلا تلتفت إلى قولهم ثانيهما : أن يكون المراد غيرهم وفيه احتمالان أحدهما : أن يكون المراد آباءهم وتقديره هو أنه لما قال : { سميتموها أنتم } كأنهم قالوا هذه ليست أسماء وضعناها نحن ، وإنما هي كسائر الأسماء تلقيناها ممن قبلنا من آبائنا فقال وسماها آباؤكم وما يتبعون إلا الظن ، فإن قيل كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي ، نقول وبصيغة المستقبل أيضا كأنه يفرض الزمان بعد زمان الكلام كما في قوله تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه } ( الكهف : 18 ) . ثانيهما : أن يكون المراد عامة الكفار كأنه قال : إن يتبع الكافرون إلا الظن . المسألة الثانية : ما معنى الظن وكيف ذمهم به وقد وجب علينا اتباعه في الفقه وقال / صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ) ؟ نقول أما الظن فهو خلاف العلم وقد استعمل مجازا مكان العلم والعلم مكانه ، وأصل العلم الظهور ومنه العلم والعالم وقد بينا في تفسير العالمين أن حروف ع ل م في تقاليبها فيها معنى الظهور ، ومنها لمع الآل إذا ظهر وميض السراب ولمع الغزال إذا عدا وكذا النعام وفيه الظهور وكذلك علمت ، والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدري أفيها ماء أم لا ، ومنه الظنين المتهم لا يدري ما يظن ، نقول يجوز بناء الأمر على الظن الغالب عند العجز عن درك اليقين والاعتقاد ليس كذلك لأن اليقين لم يتعذر علينا وإلى هذا إشارة بقول { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ) أي اتبعوا الظن ، وقد أمكنهم الأخذ باليقين وفي العمل يمتنع ذلك أيضا .
المسألة الثالثة : { ما } في قوله تعالى : { وما تهوى الانفس } خبرية أو مصدرية ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : مصدرية كأنه قال : إن يتبعون إلا الظن وهوى الأنفس ، فإن قيل ما الفائدة في العدول عن صريح المصدر إلى الفعل مع زيادة ما وفيه تطويل ؟ نقول فيه فائدة ، وإنها في أصل الوضع ثم نذكرها هنا فنقول إذا قال القائل أعجبني صنعك يعلم من الصيغة أن الإعجاب من مصدر قد تحقق وكذلك إذا قال أعجبني ما تصنع يعلم أن الإعجاب من مصدر هو فيه فلو قال أعجبني صنعك وله صنع أمس وصنع اليوم لا يعلم أن المعجب أي صنع هو إذا علمت هذا فنقول ههنا قوله { وما تهوى الانفس } يعلم منه أن المراد أنهم يتبعون ما تهوى أنفسهم في الحال والاستقبال إشارة إلى أنهم ليسوا بثابتين على ضلال واحد وما هوت أنفسهم في الماضي شيئا من أنواع العبادة فالتزموا به وداموا عليه بل كل يوم هم يستخرجون عبادة ، وإذا انكسرت أصنامهم اليوم أتوا بغيرها غدا ويغيرون وضع عبادتهم بمقتضى شهوتهم اليوم ثانيهما : أنها خبرية تقديره ، والذي تشتهيه أنفسهم والفرق بين المصدرية والخبرية أن المتبع على الأول الهوى وعلى الثاني مقتضى الهوى كما إذا قلت أعجبني مصنوعك . المسألة الرابعة : كيف قال : { وما تهوى الانفس } بلفظ الجمع مع أنهم لا يتبعون ما تهواه كل نفس فإن من النفوس ما لا تهوى ما تهواه غيرها ؟ نقول هو من باب مقابلة الجمع بالجمع معناه اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه يقال خرج الناس بأهليهم أي كل واحد بأهله لا كل واحد بأهل الجمع . المسألة الخامسة : بين لنا معنى الكلام جملة ، نقول قوله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس } أمران مذكوران يحتمل أن يكون ذكرهما لأمرين تقدير بين يتبعون الظن في الإعتقاد ويتبعون ما تهوى الأنفس في العمل والعبادة وكلاهما فاسد ، لأن الإعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين ، وكيف يجوز اتباع الظن في الأمر العظيم ، وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان الاحتياط فيه أوجب وأحذر ، وأما العمل فالعبادة مخالفة الهوى فكيف تنبىء على متابعته ، ويحتمل أن يكون في أمر واحد على طريقة النزول درجة درجة فقال : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس } أي وما دون الظن لأن القرونة تهوى ما لا يظن به خير وقوله تعالى : { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ) إشارة / إلى أنهم على حال لا يعتد به لأن اليقين مقدور عليه وتحقق بمجيء الرسل { والهدى } فيه وجوه ثلاثة الأولى : القرآن الثاني : الرسل الثالث : المعجزات . ! 7 < { أم للإنسان ما تمنى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { أم للإنسان ما تمنى } < < النجم : ( 24 ) أم للإنسان ما . . . . .
> > المشهور أن أم منقطعة معناه : أللإنسان ما اختاره واشتهاه ؟ وفي { ما تمنى } وجوه الأولى : الشفاعة تمنوها وليس لهم شفاعة الثاني : قولهم { ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) الثالث : قول الوليد بن المغيرة { لاوتين مالا وولدا } ( مريم : 77 ) الرابع : تمنى جماعة أن يكونوا أنبياء ولم تحصل لهم تلك الدرجة الرفيعة ، فإن قلت هل يمكن أن تكون أم ههنا متصلة ؟ نقول نعم والجملة الأولى حينئذ تحتمل وجهين أحدهما : أنها مذكورة في قوله تعالى : { ألكم الذكر وله الانثى } ( النجم : 21 ) كأنه قال ألكم الذكر وله الأنثى على الحقيقة أو تجعلون لأنفسكم ما تشتهون وتتمنون وعلى هذا فقوله تلك { إذا قسمة ضيزى } ( النجم : 22 ) وغيرها جمل اعترضت بين كلامين متصلين ثانيهما : أنها محذوفة وتقرير ذلك هو أنا بينا أن قوله { أفرءيتم } ( النجم : 19 ) لبيان فساد قولهم ، والإشارة إلى ظهور ذلك من غير دليل ، كما إذا قال قائل فلان يصلح للملك فيقول آخر لثالث ، أما رأيت هذا الذي يقوله فلان ولا يذكر أنه لا يصلح للملك ، ويكون مراده ذلك فيذكره وحده منها على عدم صلاحه ، فههنا قال تعالى : { أفرءيتم اللات والعزى } أي يستحقان العبادة أم للإنسان أن يعبد ما يشتهيه طبعه وإن لم يكن يستحق العبادة ، وعلى هذا فقوله أم للإنسان أي هل له أن يعبد بالتمنى والاشتهاء ، ويؤيد هذا قوله تعالى : { وما تهوى الانفس } أي عبدتم بهوى أنفسكم ما لا يستحق العبادة فهل لكم ذلك . ! 7 < { فلله الا خرة والا ولى } . > 7 < النجم : ( 25 ) فلله الآخرة والأولى > > ثم قال تعالى : { فلله الاخرة والاولى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تعلق الفاء بالكلام وفيه وجوه الأولى : أن تقديره الإنسان إذا اختار معبودا في دنياه على ما تمناه واشتهاه فلله الآخرة والأولى يعاقبه على فعله في الدنيا وإن لم يعاقبه في الدنيا فيعاقبه في الآخرة ، وقوله تعالى : { وكم من ملك } إلى قوله تعالى : { لا تغنى شفاعتهم } ( النجم : 26 ) يكون مؤكدا لهذا المعنى أي عقابهم يقع ولا يشفع فيهم أحد ولا يغنيهم شفاعة شافع الثاني : أنه تعالى لما بين أن اتخاذ اللات والعزى باتباع الظن وهوى الأنفس كأنه قرره وقال إن لم تعلموا هذا فلله الآخرة والأولى ، وهذه الأصنام ليس لها من الأمر شيء فكيف يجوز الإشراك وقوله تعالى : { وكم من ملك } على هذا الوجه جواب كلام كأنهم قالوا لا نشرك بالله شيئا ، وإنما هذه الأصنام شفعاؤنا فإنها صورة ملائكة مقربين ، فقال : { وكم من ملك فى السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا } الثالث : هذه تسلية كأنه تعالى قال ذلك لنبيه حيث بين رسالته ووحدانية الله ولم يؤمنوا فقال لا تأس { فلله الاخرة والاولى } أي لا يعجزون الله الرابع : هو ترتيب حق على دليله / بيانه هو أنه تعالى لما بين رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { إن هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 4 ) إلى آخره وبين بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوحيد ، قال إذاعلمتم صدق محمد ببيان رسالة الله تعالى : { فلله الاخرة والاولى } لأنه صلى الله عليه وسلم أخبركم عن الحشر فهو صادق الخامس : هو أن الكفار كانوا يقولون للمؤمنين أهؤلاء أهدى منا ؟ وقالوا { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) فقال تعالى : إن الله اختار لكم الدنيا وأعطاكم الأموال ولم يعط المؤمنين بعض ذلك الأمر بل قلتم : لو شاء الله لأغناهم وتحققتم هذه القضية { فلله الاخرة والاولى } قولوا في الآخرة ما قلتم في الدنيا يهدي الله من يشاء كما يغني الله ما يشاء .
المسألة الثانية : { الاخرة } صفة ماذا ؟ نقول صفة الحياة أو صفة الدار وهي اسم فاعل من فعل غير مستعمل ، تقول أخرته فتأخر وكان من حقه أن تقول فأخر كما تقول غبرته فغبر فمنعت منه سماعا ، ولهذا البحث فائدة ستأتي إن شاء الله . المسألة الثالثة : { الاولى } فعلى للتأنيث ، فالأول إذن أفعل صفة . وفيه مباحث :
البحث الأول : لا بد من فاعل أخذ منه الأفعل والفعلى فإن كل فعلى وأفعل للتأنيث والتذكير له أصل فليؤخذ منه كالفضلى والأفضل من الفاضلة والفاضل ، فما ذلك ؟ نقول ههنا أخذ من أصل غير مستعمل كما قلنا إن الآخر فاعل من فعل غير مستعمل ، وسبب ذلك هو أن كل فعل مستعمل فله آخر ، وذلك لأن له ماضيا فإذا استعملت ماضيه لزم فراغ الفعل وإلا لكان الفاعل بعد في الفعل فلا يكون ماضيا فإنك لا تقول لمن هو بعد الأكل أكل إلا متجوزا عندما يبقى له قليل ، فيقول أكل إشارة إلى أن ما بقي غير معتد به وتقول لمن قرب من الفراغ فرغت فيقول فرغت بمعنى أن ما بقي قليل لا يعتد به فكأني فرغت ، وأما الماضي في الحقيقة لا يصح إلا عند تمام الشيء والفراغ عنه فإذا للفعل المستعمل آخر فلو كان لقولنا آخر على وزن فاعل فعل هو آخر يأخر كأمر يأمر لكان معناه صدر مصدره كجلس معناه صدر الجلوس منه بالتمام والكمال فكان ينبغي أن القائل إذا قال فلان آخر كان معناه وجد منه تمام الآخرية وفرغ منها فلا يكون بعد ما يكون آخر لكن تقدم أن كل فعل فله آخر بعده لا يقال يشكل بقولنا تأخر فإن معناه صار آخرا لأنا نقول وزن الفعل ينادي على صحة ما ذكرنا فإنه من باب التكلف والتكبر إذا استعمل في غير المتكبر أي يرى أنه آخر / وليس في الحقيقة كذلك ، إذا علمت هذا فنقول الآخر فاعل ليس له فعل ، ومبالغته بأفعل وهو كقولنا أأخر ، فنقلت الهمزة إلى مكان الألف ، والألف إلى مكان الهمزة ، فصارت الألف همزة والهمزة ألفا ، ويدل عليه التأويل في المعنى ، فإن آخر الشيء جزء منه متصل به والآخر مباين عنه منفصل والمنفصل بعد المتصل ، والآخر أشد تأخرا عن الشيء من آخره ، والأول أفعل ليس له فاعل ، وليس له فعل ، والأول أبعد عن الفعل من الآخر ، وذلك لأن الفعل الماضي علم له آخر من وصفه بالماضي ولولا ذلك الوصف لما علم له آخر ، وأما الفعل لتفسير كونه فعلا علم له أول / لأن الفعل لا بد له من فاعل يقوم به ، أو يوجد منه فإذا الفاعل أولا ثم الفعل ، فإذا كان الفاعل أول الفعل كيف يكون الأول له فعل يوجد منه فلا فعل له ولا فاعل فلا يقال آل الشيء بمعنى سبق كما يقال قال من القول ، أو نال من النيل ، لا يقال إن قولنا سبق أخذ منه السابق ومن السابق الأسبق مع أن الفاعل يسبق الفعل ، وكذلك يقال تقدم الشيء مع أن الفاعل متقدم على الفعل إلى غير ذلك ، نقول أما تقدم قد مضى الجواب عنه في تأخر ، وأما سبق يقول القائل سابقته فسبقته فجيب عنه بأن ذلك مفتقر إلى أمر يصدر من فاعل فالسابق إن استعمل في الأول فهو بطريق المشابهة لا بطريق الحقيقة ، والفاعل أول الفعل بمعنى قبل الفعل ، وليس سابق الفعل لأن الفاعل والفعل لا يتسابقان فالفاعل لا يسبقه ، والذي يوضح ما ذكرنا أن الآخر أبعد من الأول عن الفعل بخلاف الآخر ، وما يقال إن أول بمعنى جعل الآخر أولا لاستخراج معنى من الكلام فبعيد وإلا لم يكن آخر دونه في إفادة ذلك ، بل التأويل من آل شيء إذا رجع أي رجعه إلى المعنى المراد وأبعد من اللفظين قبل وبعد فإن الآخر فاعل من غير فعل والأول أفعل من غير فاعل ولا فعل ، وقبل وبعد لا فاعل ولا أفعل فلا يفهم من فعل أصلا لأن الأول أول لما فيه من معنى قبل وليس قبل قبلا لما فيه من معنى الأول والآخر آخر لما فيه من معنى بعد ، وليس بعد بعدا لما فيه من معنى الآخر يدلك عليه أنك تعلل أحدهما بالآخر ولا تعكسه فتقول هذا آخر من جاء لأنه جاء بعد الكل ولا تقول هو جاء بعد الكل لأنه آخر من جاء ، ويؤيده أن الآخر لا يتحقق إلا ببعدية مخصوصة وهي التي لا بعدية بعدها وبعد ليس لا يتحقق إلا بالآخر فإن المتوسط بعد الأول ليس بآخر .
وهذا البحث من أبحاث الزمان ومنه يعلم معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الدهر ( فإن الدهر هو الله ) ) أي الدهر هو الذي يفهم منه القبلية والبعدية والله تعالى هو الذي يفهم منه ذلك والبعدية والقبلية حقيقة لإثبات الله ولا مفهوم للزمان إلا ما به القبلية والبعدية فلا تسبوا الدهر فإن ما تفهمونه منه لا يتحقق إلا في الله وبالله ولولاه لما كان قبل ولا بعد .
البحث الثاني : ورد في كلام العرب الأولة تأنيث الأول وهو ينافيه صحة استعمال الأولى لأن الأولى تدل على أن الأول أفعل للتفصيل ، وأفعل للتفضيل لا يلحقه تاء التأنيث فلا يقال زيد أعلم وزينب أعلمة لسبب يطول ذكره ، وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، نقول الجواب عنه هو أن أول لما كان أفعل وليس له فاعل شابه الأربع والأرنب فجاز إلحاق التاء به ولما كان صفة شابه الأكبر والأصغر فقيل أولى . المسألة الرابعة : أولى تدل على أن أول لا ينصرف فكيف يقال أفعله أولا ويقال جاء زيدا أولا وعمرو ثانيا فإن قيل جاز فيه الأمران بناء على أولة وأولى فمن قال بأن تأنيث أول أولة فهو كالأربع والأربعة فجاز التنوين ، ومن قال أولى لا يجوز ، نقول إذا كان كذلك كان الأشهر ترك التنوين لأن الأشهر أن تأنيثه أولى وعليه استعمال القرآن ، فإذن الجواب أن عند التأنيث الأولى أن / يقال أولى نظرا إلى المعنى / وعند العرب أولة لأنه هو الأصل ودل عليه دليل ، وإن كان أضعف من الغير وربما يقال بأن منع الصرف من أفعل لا يكون إلا إذا لم يكن تأنيثه إلا فعلى ، وأما إذا كان تأنيثه بالتاء أو جاز ذلك فيه لا يكون غير منصرف . ثم قال تعالى : ! 7 < { وكم من ملك فى السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى } . > 7 ! < < النجم : ( 26 ) وكم من ملك . . . . . > > وقد علم وجه تعلقها بما قبلها في الوجوه المتقدمة في قوله تعالى : { فلله الاخرة } ( النجم : 25 ) إن قلنا إن معناه أن اللات والعزى وغيرهما ليس لهم من الأمر شيء { فلله الاخرة والاولى } فلا يجوز إشراكهم فيقولون نحن لا نشرك بالله شيئا ، وإنما نقول هؤلاء شفعاؤنا فقال كيف تشفع هذه ومن في السماوات لا يملك الشفاعة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : { كم } كلمة تستعمل في المقادير ، إما لاستبانتها فتكون استفهامية كقولك كم ذراعا طوله وكم رجلا جاءك أي كم عدد الجائين تستبين المقدار وهي مثل كيف لاستبانة الأحوال وأي الاستبانة الأفراد ، وما لاستبانة الحقائق ، وإما لبيانها على الإجمال فتكون خبرية كقولك كم رجل أكرمني أي كثير منهم أكرموني غير أن عليه أسئلة الأول : لم لم يجز إدخال من على الاستفهامية وجاز على الخبرية الثاني : لم نصب مميز الاستفهامية وجر الذي للخبرية الثالث : هي تستعمل في الخبرية في مقابلة رب فلم جعل اسما مع أن رب حرف ، أما الجواب عن الأول فهو أن من يستعمل في الموضع المتعين بالإضافة تقول خاتم من فضة كما تقول خاتم فضة ، ولما لم تضف في الاستفهامية لم يجز استعمال ما يضاهيه وسنبين هذا الجواب ، والجواب عن السؤال الثاني هو أن نقول إن الأصل في المميز الإضافة ، وعن الثالث هو أن كم يدخل عليه حرف الجر فتقول إلى كم تصبر ، وفي كم يوم جئت ، وبكم رجل مررت ومن حيث المعنى إن كم إذا قرن بها من وجعل مميزه جمعا كما في قول القائل كم من رجال خدمتهم ويكون معناه كثير من الرجال خدمتهم ورب وإن كانت للتقليل لكن لا تقوم مقام القليل ، فلا يمكن أن يقال في رب إنها عبارة عن قليل كما قلنا في كم إنه عبارة عن كثير .
المسألة الثانية : قال شفاعتهم على عود الضمير إلى المعنى ، ولو قال شفاعته لكان العود إلى اللفظ فيجوز أن يقال كم من رجل رأيته ، وكم من رجل رأيتهم ، فإن قلت هل بينهما فرق معنوي ؟ قلت نعم ، وهو أنه تعالى لما قال : { لا تغنى شفاعتهم } ( النجم : 26 ) يعني شفاعة الكل ، ولو قال شفاعته / لكان معناه كثير من الملائكة كل واحد لا تغني شفاعته فربما كان يخطر ببال أحد أن شفاعتهم تغني إذا جمعت ، وعلى هذا ففي الكلام أمور كلها تشير إلى عظم الأمر أحدها : كم فإنه للتكثير ثانيها : لفظ الملك فإنه أشرف أجناس المخلوقات ثالثها : في السماوات فإنها إشارة إلى علو منزلتهم ودنو مرتبتهم من مقر السعادة رابعها : اجتماعهم على الأمر في قوله { شفاعتهم } وكل ذلك لبيان فساد قولهم إن الأصنام يشفعون أي كيف تشفع مع حقارتها وضعفها ودناءة منزلتها فإن الجماد أخس الأجناس والملائكة أشرفها وهم في أعلى السماوات ولا تقبل شفاعة الملائكة فكيف تقبل شفاعة الجمادات . المسألة الثالثة : ما الفائدة في قوله تعالى : { وكم من ملك } بمعنى كثير من الملائكة مع أن كل من في السماوات منهم لا يملك الشفاعة ؟ نقول المقصود الرد عليهم في قولهم هذه الأصنام تشفع ، وذلك لا يحصل ببيان أن ملكا من الملائكة لا تقبل شفاعته فاكتفى بذكر الكثيرة ، ولم يقل ما منهم أحد يملك الشفاعة لأنه أقرب إلى المنازعة فيه من قوله كثير مع أن المقصود حاصل به ، ثم ههنا بحث وهو أن في بعض الصور يستعمل صيغة العموم والمراد الكثير ، وفي البعض يستعمل الكثير والمراد الكل وكلاهما على طريقة واحد ، وهو استقلال الباقي وعدم الاعتداد / ففي قوله تعالى : { تدمر كل شىء } ( الأحقاف : 25 ) كأنه يجعل الخارج عن الحكم غير ملتفت إليه ، وفي قوله تعالى : { وكم من ملك } وقوله { بل أكثرهم لا يعلمون } ( النحل : 75 ) وقوله { أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ : 41 ) يجعل المخرج غير ملتفت إليه فيجعل كأنه ما أخرجه كالأمر الخارج عن الحكم كأنه ما خرج ، وذلك يختلف بختلاف المقصود من الكلام ، فإن كان الكلام مذكورا لأمر فيه يبالغ يستعمل الكل ، مثاله يقال للملك كل الناس يدعون لك إذا كان الغرض بيان كثرة الدعاء له لا غير ، وإن كان الكلام مذكورا لأمر خارج عنه لا يبالغ فيه لأن المقصود غيره فلا يستعمل الكل ، مثاله إذا قال الملك لمن قال له اغتنم دعائي كثير من الناس يدعون لي ، إشارة إلى عدم احتياجه إلى دعائه لا لبيان كثرة الدعاء له ، فكذلك ههنا .
المسألة الرابعة : قال : { لا تغنى شفاعتهم } ولم يقل لا يشفعون مع أن دعواهم أن هؤلاء شفعاؤنا لا أن شفاعتهم تنفع أو تغني وقال تعالى في مواضع أخرى { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فنفي الشفاعة بدون الإذن وقال : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } نفى الشفيع وههنا نفى الإغناء ؟ نقول هم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا وكانوا يعتقدون نفع شفاعتهم ، كما قال تعالى : { ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ثم نقول نفي دعواهم يشتمل على فائدة عظيمة ، أما نفي دعواهم لأنهم قالوا الأصنام تشفع لنا شفاعة مقربة مغنية فقال : { لا تغنى شفاعتهم } بدليل أن شفاعة الملائكة لا تغني ، وأما الفائدة فلأنه لما استثنى بقوله { إلا من بعد أن يأذن الله } أي فيشفع ولكن لا يكون فيه بيان أنها تقبل وتغني أو لا تقبل ، فإذا قال : { لا تغنى شفاعتهم } ثم قال : { إلا من بعد أن يأذن الله } / فيكون معناه تغني فيحصل البشارة ، لأنه تعالى قال : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا } ( غافر : 7 ) وقال تعالى : { ويستغفرون لمن فى الارض } ( الشورى : 5 ) والاستغفار شفاعة . وأما قوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فليس المراد نفي الشفاعة وقبولها كما في هذه الآية حيث رد عليهم قولهم وإنما المراد عظمة الله تعالى ، وأنه لا ينطق في حضرته أحد ولا يتكلم كما في قوله تعالى : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان } . المسألة الخامسة : اللام في قوله { لمن يشاء ويرضى } تحتمل وجهين أحدهما : أن تتعلق بالإذن وهو على طريقين أحدهما : أن يقال إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة ويرضى الثاني : أن يكون الإذن في المشفوع له لأن الإذن حاصل للكل في الشفاعة للمؤمنين لأنهم جميعهم يستغفرون لهم فلا معنى للتخصيص ، ويمكن أن ينازع فيه وثانيهما : أن تتعلق بالإغناء يعني إلا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فتغني شفاعتهم لمن يشاء ويمكن أن يقال بأن هذا بعيد ، لأن ذلك يقتضي أن تشفع الملائكة ، والإغناء لا يحصل إلا لمن يشاء ، فيجاب عنه بأن التنبيه على معنى عظمة الله تعالى فإن الملك إذا شفع فالله تعالى على مشيئته بعد شفاعتهم يغفر لمن يشاء .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?