Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الأولى : المراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها أو هو مجاز ؟ نقول فيه قولان أحدهما : حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه وثانيهما : هو على طريق الاستعارة ، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب ، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفتح أفواه القرب أي كأنه ذلك ، فالمطر في الطوفان كان بحيث يقول القائل / فتحت أبواب السماء ، ولا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان . المسألة الثانية : قوله تعالى : { ففتحنا } بيان أن الله انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ، كما قال تعالى : { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة } ( يس : 28 ، 29 ) بيانا لكمال القدرة ، ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم . المسألة الثالثة : الباء في قوله : { بماء منهمر } ما وجهه وكيف موقعه ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول : يفتح الله لك بخير أي يقدر خيرا يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدما في الوجود ، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل : لعل الله يفتح برزق ، أي يقدر رزقا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون الله قد فتحه بالرزق ثانيهما : { فتحنا أبواب السماء } مقرونة { بماء منهمر } والانهمار الانسكاب والانصباب صبا شديدا ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب . ثم قال تعالى : ! 7 < { وفجرنا الا رض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر } . > 7 ! < < القمر : ( 12 ) وفجرنا الأرض عيونا . . . . . > > وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل : وفجرنا عيون الأرض ، وهذا بيان التمييز في كثير من المواضع ، إذا قلت ضاق زيد ذرعا ، أثبت مالا يثبته قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال : { وفجرنا الارض عيونا } ولم يقل ففتحنا السماء أبوابا ، لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال : { أبواب السماء } ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها . وأما قوله تعالى : { وفجرنا الارض عيونا } فهو أبلغ من قوله : وفجرنا عيون الأرض ، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل : فأنزلنا من السماء ماء أو مياها ، ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في المعجزة ، والحكمة قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الارض } ( الزمر : 21 ) حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل كلام الله ولا يقرب منه ، غير أني ذكرته مثلا : { ولله المثل الاعلى } ( النحل : 60 ) .
المسألة الثانية : العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول : المشهور أن لفظ العين / مشترك ، والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ومجاز في غيرها ، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع ، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين ، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل : شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع ، ويقال : عانه يعينه إذا أصابه بالعين ، وعينه تعيينا ، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين ، وعاينه معاينة وعيانا ، وعين أي صار بحيث تقع عليه العين . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فالتقى الماء } قرىء فالتقى الماءان ، أي النوعان ، منه ماء السماء وماء الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضا ، يقال : عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور : { فالتقى الماء } وله معنى لطيف ، وذلك أنه تعالى لما قال : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } ( القمر : 11 ) ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال : { وفجرنا الارض عيونا } كان من الحسن البديع أن يقول : ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، فقال : { فالتقى الماء } أي من العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء ، ولو جرى جريا ضعيفا لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه ويتصل به ، ولعل المراد من قوله : { وفار التنور } ( هود : 40 ) مثل هذا . وقوله تعالى : { على أمر قد قدر } فيه وجوه الأول : على حال قد قدرها الله تعالى كما شاء الثاني : على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث : على سائر المقادير ، وذلك لأن الناس اختلفوا ، فمنهم من قال : ماء السماء كان أكثر ، ومنهم من قال : ماء الأرض ، ومنهم من قال : كانا متساويين ، فقال : على أي مقدار كان ، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان ، فإن تنكير الأمر يفيد ذلك ، يقول القائل : جرى على فلان شيء لا يمكن أن يقال إشارة إلى عظمته ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن يقال : التقى الماء ، أي اجتمع على أمر هلاكهم ، وهو كان مقدورا مقدرا ، وفيه رد على المنجمين الذين يقولون إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي ، والغرق لم يكن مقصودا بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه ، فقال : لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين . ! 7 < { وحملناه على ذات ألواح ودسر } . > 7 ! < < القمر : ( 13 ) وحملناه على ذات . . . . . > > أي سفينة ، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، إشارة إلى أنها كانت من ألواح مركبة موثقة بدثر ، وكان انفكاكها في غاية السهولة ، ولم يقع فهو بفضل الله ، والدسر المسامير . ! 7 < { تجرى بأعيننا جزآء لمن كان كفر } . > 7 ! / < < القمر : ( 14 ) تجري بأعيننا جزاء . . . . .
> > وقوله تعالى : { تجرى } أي سفينة ذات ألواح جارية ، وقوله تعالى : { بأعيننا } أي بمرأى منا أو بحفظنا ، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه } . وقوله تعالى : { } . وقوله تعالى : { جزاء لمن كان كفر } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون نصبه بقوله : { حملناه } أي حملناه جزاء ، أي ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على كفرانهم وثانيها : أن يكون بقوله : { ودسر تجرى بأعيننا } لأن فيه معنى حفظنا ، أي ما تركناه عن أعيننا وعوننا جزاء له ثالثها : أن يكون بفعل حاصل من مجموع ما ذكره كأنه قال : فتحنا أبواب السماء وفجرنا الأرض عيونا وحملناه ، وكل ذلك فعلناه جزاء له ، وإنما ذكرنا هذا ، لأن الجزاء ما كان يحصل إلا بحفظه وإنجائه لهم ، فوجب أن يكون جزاء منصوبا بكونه مفعولا له بهذه الأفعال ، ولنذكر ما فيه من اللطائف في مسائل : المسألة الأولى : قال في السماء : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) لأن السماء ذات الرجع وما لها فطور ، ولم يقل : وشققنا السماء ، وقال في الأرض : { وفجرنا الارض } ( القمر : 12 ) لأنها ذات الصدع . الثانية : لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة ، ولم يقل في الأرض وأجرينا من الأرض بحارا وأنهارا ، بل قال : { عيونا } والخارج من العين دون الخارج من الباب ذكر في الأرض أنه تعالى فجرها كلها ، فقال : { وفجرنا الارض } لتقابل كثرة عيون الأرض سعة أبواب السماء فيحصل بالكثرة ههنا ما حصل بالسعة ههنا . الثالثة : ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وفجر الأرض بالعيون ، وأشار إلى الإهلاك بقوله تعالى : { على أمر قد قدر } ( القمر : 12 ) أي أمر الإهلاك ولم يصرح وعند الرحمة ذكر الإنجاء صريحا بقوله تعالى : { وحملناه } وأشار إلى طريق النجاة بقوله : { ذات ألواح } وكذلك قال في موضع آخر : { فأخذهم الطوفان } ( العنكبوت : 14 ) ، ولم يقل فأهلكوا ، وقال : { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ( العنبكوت : 15 ) فصرح بالإنجاء ولم يصرح بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة وغاية الكرم أي خلقنا سبب الهلاك ولو رجعوا لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى الله عليه وسلم : { معزل يابنى اركب معنا } ( هود : 42 ) وعند الإنجاء أنجاه وجعل للنجاة طريقا وهو اتخاذ السفينة ولو انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو النجاة فذكر المحل والمقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحا . الرابعة : قوله تعالى : { تجرى بأعيننا } أبلغ من حفظنا ، يقول القائل اجعل هذا نصب عينك ولا يقول احفظه طلبا للمبالغة . الخامسة : { بأعيننا } يحتمل أن يكون المراد بحفظنا ، ولهذا يقال : الرؤية لسان العين .
السادسة : قال : كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه وشكره فما جوزي به كان جزاء صبره على كفرهم ، وأما جزاء شكره لنا فباق ، وقرىء : { جزاء } بكسر الجيم أي مجازاة كقتال / ومقاتلة وقرىء : { لمن كان كفر } بفتح الكاف ، وأما : { كفر } ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون كفر مثل شكر يعدى بالحرف وبغير حرف يقال شكرته وشكرت له ، قال تعالى : { واشكروا لي ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) وقال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } ( البقرة : 256 ) . ثانيهما : أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه ويحتمل أن يقال : كفر به وترك الظهور المراد . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد تركناها ءاية فهل من مدكر } . > 7 ! < < القمر : ( 15 ) ولقد تركناها آية . . . . . > > وفي العائد إليه الضمير وجهان أحدهما : عائد إلى مذكور وهو السفينة التي فيها ألواح وعلى هذا ففيه وجهان أحدهما : ترك الله عينها مدة حتى رؤيت وعلمت وكانت على الجودي بالجزيرة وقيل بأرض الهند وثانيهما : ترك مثلها في الناس يذكر وثاني الوجهين الأولين أنه عائد إلى معلوم أي تركنا السفينة آية ، والأول أظهر وعلى هذا الوجه يحتمل أن يقال : { تركناها } أي جعلناها آية لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة يقول القائل : تركت فلانا مثلة أي جعلته ، لما بينا أنه من فرغ من أمر تركه وجعله فذكر أحد الفعلين بدلا عن الآخر . وقوله تعالى : { فهل من مدكر } إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تم ولم يبق إلا جانب المرسل إليهم بأن كانوا منذرين متفكرين يهتدون بفضل الله فهل من مدكر مهتد ، وهذا الكلام يصلح حثا ويصلح تخويفا وزجرا ، وفيه مسائل : الأولى : قال ههنا { ولقد تركناها } وقال في العنكبوت : { وجعلناها ءاية } ( العنكبوت : 15 ) قلنا هما وإن كانا في المعنى واحدا على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل حيث بين الإمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله : { ذات ألواح ودسر } ( القمر : 13 ) وذكر جريها فقال : { تركناها } إشارة إلى تمام الفعل المقدور وقال هناك { وجعلناها } إشارة إلى بعض ذلك فإن قيل : إن كان الأمر كذلك فكيف قال ههنا { وحملناه } ( القمر : 13 ) ولم يقل : وأصحابه وقال هناك { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ؟ نقول : النجاة ههنا مذكورة على وجه أبلغ مما ذكره هناك لأنه قال : { تجرى بأعيننا } ( القمر : 14 ) أي حفظنا وحفظ السفينة حفظ لأصحابه وحفظ لأموالهم ودوابهم والحيوانات التي معهم فقوله : { فأنجيناه وأصحاب السفينة } لا يلزم منه إنجاء الأموال إلا ببيان آخر والحكاية في سورة هود أشد تفصيلا وأتم فلهذا قال : { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } ( هود : 40 ) يعني المحمول ثم قال تعالى : { واستوت على الجودى } ( هود : 44 ) تصريحا بخلاص السفينة وإشارة إلى خلاص كل من فيها وقوله : { ءاية } منصوبة على أنها مفعول ثان للترك لأنه بمعنى الجعل على ما تقدم بيانه وهو الظاهر ، ويحتمل أن يقال حال فإنك تقول تركتها وهي آية وهي إن لم تكن على وزن الفاعل والمفعول / فهي في معناه كأنه قال : تركناها دالة ، ويحتمل أن يقال : نصبها على التمييز لأنها بعض وجوه الترك كقوله ضربته سوطا .
المسألة الثانية : { مدكر } مفتعل من ذكر يذكر وأصله مذتكو ( لما ) كان مخرج الذال قريبا من مخرج التاء ، والحروف المتقاربة المخرج يصعب النطق بها على التوالي ولهذا إذا نظرت إلى الذال مع التاء عند النطق تقرب الذال من أن تصير تاء والتاء تقرب من أن تصير دالا فجعل التاء دالا ثم أدغمت الدال فيها ومنهم من قرأ على الأصل مذتكر ومنهم من قلب التاء دالا وقرأ مذدكر ومن اللغويين من يقول في مدكر مذدكر فيقلب التاء ولا يدغم ولكل وجهة ، والمدكر المعتبر المتفكر ، وفي قوله : { مدكر } إما إشارة إلى ما في قوله : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) أي هل من يتذكر تلك الحالة وإما إلى وضوح الأمر كأنه حصل للكل آيات الله ونسوها { فهل من مدكر } يتذكر شيئا منها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! < < القمر : ( 16 ) فكيف كان عذابي . . . . . > > وفيه وجهان أحدهما : أن يكون ذلك استفهاما من النبي صلى الله عليه وسلم تنبيها له ووعدا بالعاقبة وثانيهما : أن يكون عاما تنبيها للخلق ونذر أسقط منه ياء الإضافة كما حذف ياء يسري في قوله تعالى : { واليل إذا يسر } ( الفجر : 4 ) وذلك عند الوقف ومثله كثير كما في قوله تعالى : { فإياى فاعبدون } ( العنكبوت : 51 ) { ولا هم ينقذون } ( يس : 43 ) ( الزمر : 16 ) وقوله تعالى : { قليلا وإياى فاتقون } ( الزمر : 16 ) وقوله تعالى : { ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) وقرىء بإثبات الياء : { عذابى } وفيه مسائل : الأولى : ما الذي اقتضى الفاى في قوله تعالى : { مدكر فكيف كان } ؟ نقول : أما إن قلنا إن الاستفهام من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه تعالى قال له قد علمت أخبار من كان قبلك فكيف كان أي بعدما أحاط بهم علمك بنقلها إليك ، وأما إن قلنا الاستفهام عام فنقول لما قال : { هل من مدكر } ( القمر : 15 ) فرض وجودهم وقال : يا من يتذكر ، وعلم الحال بالتذكير : { فكيف كان عذابى } ويحتمل أن يقال : هو متصل بقوله : { فهل من مدكر } تقديره مدكر كيف كان عذابي . المسألة الثانية : ما رأوا العذاب ولا النذر فكيف استفهم منهم ؟ نقول : أما على قولنا الاستفهام من النبي صلى الله عليه وسلم فقد علم لما علم ، وأما على قولنا عام فهو على تقدير الإدكار وعلى تقدير الإدكار يعلم الحال ، ويحتمل أن يقال : إنه ليس باستفهام وإنما هو إخبار عن عظمة الأمر كما في قوله تعالى : { الحاقة ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 2 ) و { القارعة ما القارعة } ( القارعة : 1 ، 2 ) وهذا لأن الاستفهام يذكر للأخبار كما أن صيغة هل تذكر للاستفهام فيقال زيد في الدار ؟ بمعنى هل زيد في الدار ، ويقول المنجز وعده هل صدقت ؟ فكأنه تعالى قال : عذابي وقع وكيف كان أي كان عظيما وحينئذ لا يحتاج إلى علم من يستفهم منه .
/ المسألة الثالثة : قال تعالى من قبل : { ففتحنا وفجرنا } ولم يقل كيف كان عذابنا نقول لوجهين أحدهما : لفظي وهو أن ياء المتكلم يمكن حذفها لأنها في اللفظ تسقط كثيرا فيما إذا التقى ساكنان ، تقول : غلامي الذي ، وداري التي ، وهنا حذفت لتواخي آخر الآيات ، وأما النون والألف في ضمير الجمع فلا تحذف وأما الثاني : وهو المعنوي فنقول : إن كان الاستفهام من النبي صلى الله عليه وسلم فتوحيد الضمير للأنباء ، وفي فتحنا وفجرنا لترهيب العصاة ، ونقول : قد ذكرنا أن قوله : { من مدكر } ( القمر : 15 ) فيه إشارة إلى قوله : { ألست بربكم } ( الأعراف : 172 ) فلما وحد الضمير بقوله : { ألست بربكم } قال فكيف كان . المسألة الرابعة : النذر جمع نذير فهل هو مصدر كالنسيب والنحيب أو فاعل كالكبير والصغير ؟ نقول : أكثر المفسرين على أنه مصدر ههنا ، أي كيف كان عاقبة عذابي وعاقبة إنذاري والظاهر أن المراد الأنباء ، أي كيف كان عاقبة أعداء الله ورسله ؟ هل أصاب العذاب من كذب الرسل أم لا ؟ فإذا علمت الحال يا محمد فاصبر فإن عاقبة أمرك كعاقبة أولئك النذر ولم يجمع العذاب لأنه مصدر ولو جمع لكان في جمعه تقدير وفرض ولا حاجة إليه ، فإن قيل : قوله تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) أي بالإنذارات لأن الإنذارات جاءتهم ، وأما الرسل فقد جاءهم واحد ، نقول : كل من تقدم من الأمم الذين أشركوا بالله كذبوا بالرسل وقالوا : ما أنزل الله من شيء وكان المشركون مكذبين بالكل ما خلا إبراهيم عليه السلام فكانوا يعتقدون فيه الخير لكونه شيخ المرسلين فلا يقال { كذبت ثمود بالنذر } / أي بالأنبياء بأسرهم ، كما أنكم أيها المشركون تكذبون بهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 < القمر : ( 17 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > > وفيه وجوه الأول : للحفظ فيمكن حفظه ويسهل ، ولم يكن شيء من كتب الله تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن . وقوله تعالى : { فهل من مدكر } أي هل من يحفظ ويتلوه الثاني : سهلناه للاتعاظ حيث أتينا فيه بكل حكمة الثالث : جعلناه بحيث يعلق بالقلوب ويستلذ سماعه ومن لا يفهم يتفهمه ولا يسأم من سمعه وفهمه ولا يقول قد علمت فلا أسمعه بل كل ساعة يزداد منه لذة وعلما . الرابع : وهو الأظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر بحال نوح عليه السلام وكان له معجزة قيل له : إن معجزتك القرآن { ولقد يسرنا القرءان للذكر } تذكرة لكل أحد وتتحدى به في العالم ويبقى على مرور الدهور ، ولا يحتاج كل من يحضرك إلى دعاء ومسألة في إظهار معجزة ، وبعدك لا ينكر أحد وقوع ما وقع كما ينكر البعض انشقاق القمر ، وقوله تعالى : { فهل من مدكر } أي متذكر لأن الافتعال والتفعل كثيرا ما يجيء بمعنى ، وعلى هذا فلو قال قائل : هذا يقتضي وجود أمر سابق فنسي ، نقول : ما في الفطرة من الانقياد للحق هو كالمنسي فهل من مدكر يرجع إلى ما فطر عليه / وقيل : فهل من مدكر أي حافظ أو متعظ على ما فسرنا به قوله تعالى : { يسرنا القرءان للذكر } وقوله : { فهل من مدكر } وعلى قولنا المراد متذكر إشارة إلى ظهور الأمر فكأنه لا يحتاج إلى نكر ، بل هو أمر حاصل عنده لا يحتاج إلى معاودة ما عند غيره . [ بم ثم قال تعالى :
! 7 < { كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! < < القمر : ( 18 ) كذبت عاد فكيف . . . . . > > وفيه مسائل : الأولى : قال في قوم نوح : { كذبت قوم نوح } ( الشعراء : 105 ) ولم يقل في عاد كذبت قوم هود وذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه ، فإنك إذا قلت : بيت الله لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة ، فكذلك إذا قلت : رسول الله لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم للقوم لا يقال قوم هود أعرف لوجهين أحدهما : أن الله تعالى وصف عادا بقوم هود حيث قال : { ألا بعدا لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) ولا يوصف الأظهر بالأخفى والأخص بالأعم ثانيهما : أن قوم هود واحد وعاد ، قيل : إنه لفظ يقع على أقوام ولهذا قال تعالى : { عادا الاولى } ( النجم : 50 ) لأنا نقول : أما قوله تعالى : { لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) فليس ذلك صفة وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون المبدل في المعرفة ، ويجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة ، وأما عادا الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أي عادا الذين تقدموا وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول محمد النبي شفيعي والله الكريم ربي ورب الكعبة المشرفة لبيان الشرف لا لبيانها وتعريفها كما تقول : دخلت الدار المعمورة من الدارين وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف . المسألة الثانية : لم يقل كذبوا هودا كما قال : { فكذبوا عبدنا } ( القمر : 9 ) وذلك لوجهين أحدهما : أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريبا من ألف سنة وأصروا على التكذيب ، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح في مواضع ولم يذكر تكذيب غير نوح صريحا وإن نبه عليه ( في ) واحد منها في الأعراف قال : { فأنجيناه والذين معه في الفلك } ( الأعراف : 64 ) وقال حكاية عن نوح : { قال رب إن قومى كذبون } ( الشعراء : 117 ) وقال : { إنهم عصونى } ( نوح : 21 ) وفي هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلا ولذلك قال تعالى في مواضع ذكر شعيب فكذبوه : وقال { الذين كذبوا شعيبا } ( الأعراف : 92 ) وقال تعالى عن قومه : { وإنا لنظنك من الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) لأنه دعا قومه زمانا مديدا وثانيهما : أن حكاية عاد مذكورة ههنا على سبيل الاختصار فلم يذكر إلا تكذيبهم وتعذيبهم فقال : { كذبت عاد } كما قال : { كذبت قوم نوح } ولم يذكر دعاءه عليهم وإجابته كما قال في نوح .
المسألة الثالثة : قال تعالى : { فكيف كان عذابى ونذر } قبل أن بين العذاب وفي حكاية نوح بين العذاب ، ثم قال : { فكيف كان } فما الحكمة فيه ؟ نقول : الاستفهام الذي ذكره في حكاية نوح / مذكور ههنا ، وهو قوله تعالى : { فكيف كان عذابى ونذر } كما قال من قبل ومن بعد في حكاية ثمود غير أنه تعالى حكى في حكاية عاد { فكيف كان } مرتين ، المرة الأولى استفهم ليبين كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلا ، فيقول : كيف هي فيقول إنها كذا وكذا فكذلك ههنا قال : { كذبت عاد فكيف كان عذابى } فقال السامع : بين أنت فإني لا أعلم فقال : { أنا أرسلنا } ( القمر : 19 ) وأما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد كيف فعلت وصنعت فيقول : نعم ما فعلت ويقول : أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل بالاستفهام ، وإنما ذكر ههنا المرة الأولى ولم يذكر في موضع آخر لأن الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال : { كيف كان عذابى } حثا على التدبر والتفكر ، وأما الاختصار في حكايتهم فلأن أكثر أمرهم الاستكبار والاعتماد على القوة وعدم الالتفات إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدل على قوله تعالى : { فأما عاد فاستكبروا فى الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) وذكر استكبارهم كثيرا ، وما كان قوم محمد صلى الله عليه وسلم مبالغين في الاستكبار وإنما كانت مبالغتهم في التكذيب ونسبته إلى الجنون ، وذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا بين التكذيب والاستكبار ، وكذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل لشدة مناسبتها بحال محمد صلى الله عليه وسلم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى يوم نحس مستمر } . > 7 ! < < القمر : ( 19 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال تعالى : { فكيف كان عذابى } بتوحيد الضمير هناك ولم يقل عذابنا ، وقال : ههنا { أنا } ، ولم يقل إني ، والجواب ما ذكرناه في قوله تعالى : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) .
المسألة الثانية : الصرصر فيها وجوه أحدها : الريح الشديدة الصوت من الصرير والصرة شدة الصياح ثانيها : دائمة الهبوب من أصر على الشيء إذا دام وثبت ، وفيه بحث وهو أن الأسماء المشتقة هي التي تصلح لأن يوصف بها ، وأما أسماء الأجناس فلا يوصف بها سواء كانت أجراما أو معاني ، فلا يقال : إنسان رجل جاء ولا يقال : لون أبيض وإنما يقال : إنسان عالم وجسم أبيض . وقولنا : أبيض معناه شيء له بياض ، ولا يكون الجسم مأخوذا فيه ، ويظهر ذلك في قولنا رجل عالم فإن العالم شيء له علم حتى الحداد والخباز ولو أمكن قيام العلم بهما لكان عالما ولا يدخل الحي في المعنى من حيث المفهوم فإنا إذا قلنا : عالم يفهم أن ذلك حي لأن اللفظ ما وضع لحي يعلم بل اللفظ وضع لشيء يعلم ويزيده ظهورا قولنا : معلوم فإنه شيء يعلم أو أمر يعلم وإن لم يكن شيئا ، ولو دخل الجسم في الأبيض لكان قولنا جسم أبيض كقولنا جسم له بياض فيقع الوصف بالجثة ، إذا علمت هذا فمن المستفاد بالجنس شيء دون شيء ، فإن قولنا الهندي يقع على كل منسوب إلى الهند وأما المهند فهو سيف منسوب إلى الهند فيصح أن يقال : عبد هندي وتمر هندي ولا يصح أن يقال : مهند وكذا الأبلق ولون آخر / في فرس ولا يقال للثوب أبلق ، كذلك الأفطس أنف فيه تقعير إذا قال لقائل : أنف أفطس فيكون كأنه قال أنف به فطس فيكون وصفه بالجثة وكان ينبغي أن لا يقال فرس أبلق ولا أنف أفطس ولا سيف مهند وهم يقولون فما الجواب ؟ وهذا السؤال يرد على الصرصر لأنها الريح الباردة ، فإذا قال : ريح صرصر فليس ذلك كقولنا : ريح باردة فإن الصرصر هي الريح الباردة فحسب ، فكأنه قال : ريح باردة فنقول : الألفاظ التي في معانيها أمران فصاعدا ، كقولنا : عالم فإنه يدل على شيء له علم ففيه شيء وعلم هي على ثلاثة أقسام أحدها : أن يكون الحال هو المقصود والمحل تبع كما في العالم والضارب والأبيض فإن المقاصد في هذه الألفاظ العلم والضرب والبياض بخصوصها ، وأما المحل فمقصود من حيث إنه على عمومه حتى أن البياض لو كان يبدل بلون غيره اختل مقصوده كالأسود .
وأما الجسم الذي هو محل البياض إن أمكن أن يبدل وأمكن قيام البياض بجوهر غير جسم لما اختل الغرض ثانيها : أن يكون المحل هو المقصود كقولنا الحيوان لأنه اسم لجنس ما له الحياة لا كالحي الذي هو اسم لشيء له الحياة ، فالمقصود هنا المحل وهو الجسم حتى لو وجد حي ليس بجسم لا يحصل مقصود من قال : الحيوان ولو حمل اللفظ على الله الحي الذي لا يموت لحصل غرض المتكلم ولو حمل لفظ الحيوان على فرس قائم أو إنسان نائم لم تفارقه الحياة لم يبق للسامع نفع ولم يحصل للمتكلم غرض فإن القائل إذا قال لإنسان قائم وهو ميت هذا حيوان ثم بان موته لا يرجع عما قال بل يقول : ما قلت إنه حي بل قلت إنه حيوان فهو حيوان فارقته الحياة ثالثها : ما يكون الأمران مقصودين كقولنا رجل وامرأة وناقة وجمل فإن الرجل اسم موضوع لإنسان ذكر والمرأة لإنسان أنثى والناقة لبعير أنثى والجمل لبعير ذكر فالناقة إن أطلقت على حيوان فظهر فرسا أو ثور اختل الغرض وإن بان جملا كذلك ، إذا علمت هذا ففي كل صورة كان المحل مقصودا إما وحده وإما مع الحال فلا يوصف به فلا يقال جسم حيوان ولا يقال بعير ناقة وإنما يجعل ذلك جملة / فيوصف بالجملة ، فيقال جسم هو حيوان وبعير هو ناقة ، ثم إن الأبلق والأفطس شأنه الحيوان من وجه وشأنه العالم من وجه وكذلك المهند لكن دليل ترجيح الحال فيه ظاهر ، لأن المهند لا يذكر إلا لمدح السيف ، والأفطس لا يقال إلا لوصف الأنف لا لحقيقته ، وكذلك الأبلق بخلاف الحيوان فإنه لا يقال لوصفه ، وكذلك الناقة ، إذا علمت هذا فالصرصر يقال لشدة الريح أو لبردها فوجب أن يعمل به ما يعمل بالبارد والشديد فجاز الوصف وهذا بحث عزيز .
المسألة الثالثة : قال تعالى ههنا { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } وقال في الطور : { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 41 ) فعرف الريح هناك ونكرها هنا لأن العقم في الريح أظهر من البرد الذي يضر النبات أو الشدة التي تعصف الأشجار لأن الريح العقيم هي التي لا تنشىء سحابا ولا تلقح شجرا وهي كثيرة الوقوع ، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما توجد ، فقال : الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف ، ثم زاده بيانا بقوله : { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } ( الذاريات : 42 ) فتميزت عن / الرياح العقم ، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها . المسألة الرابعة : قال هنا { فى يوم نحس مستمر } وقال في السجدة : { فى أيام نحسات } ( فصلت : 16 ) وقال في الحاقة : { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } ( الحاقة : 7 ) والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله تعالى : { يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } ( مريم : 33 ) وقوله : { مستمر } يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار ينبىء عن إمرار الزمان كما ينبىء عنه الأيام ، وإنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى ، لأن الحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره ولذلك لم يصفها ، ثم إن فيه قراءتين إحدهما : { يوم نحس } بإضافة يوم ، وتسكين نحس على وزن نفس ، وثانيتهما : { يوم نحس } بتنوين الميم وكسر الحاء على وصف اليوم بالنحس ، كما في قوله تعالى : { فى أيام نحسات } فإن قيل أيتهما أقرب ؟ قلنا : الإضافة أصح ، وذلك لأن من يقرأ : { يوم نحس مستمر } يجعل المستمر صفة ليوم ، ومن يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر وصفا لنحس ، فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر وأليق ، فإن قيل : من يقرأ يوم نحس بسكون الحاء ، فماذا يقول في النحس ؟ نقول : يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس كفخذ وفخذ في غير الصفات ، ونصر ونصر ورعد ورعد ، وعلى هذا يلزمه أن يقول تقديره : يوم كائن نحس ، كما تقول في قوله تعالى : { بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) ويحتمل أن يقول : نحس ليس بنعت ، بل هو اسم معنى أو مصدر ، فيكون كقولهم يوم برد وحر ، وهو أقرب وأصح . المسألة الخامسة : ما معنى { مستمر } ؟ نقول فيه وجوه الأول : ممتد ثابت مدة مديدة من استمر الأمر إذا دام ، وهذا كقوله تعالى : { فى أيام نحسات } ( فصلت : 16 ) لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار والامتداد ، وكذلك قوله : { حسوما } ( الحاقة : 7 ) الثاني : شديد من المرة كما قلنا من قبل في قوله : { سحر مستمر } ( القمر : 2 ) وهذا كقولهم أيام الشدائد ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى } ( فصلت : 16 ) فإنه يذيقهم المر المضر من العذاب . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } . > 7 < القمر : ( 20 ) تنزع الناس كأنهم . . . . . > > فيه مسائل :
المسألة الأولى : { تنزع الناس } وصف أو حال ؟ نقول : يحتمل الأمرين جميعا ، إذ يصح أن يقال : أرسل ريحا صرصرا نازعة للناس ، ويصح أن يقال : أرسل الريح نازعة ، فإن قيل : كيف يمكن جعلها حالا ، وذو الحال نكرة ؟ نقول : الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى : { ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر } ( القمر : 4 ) فإنه نكرة ، وأجابوا عنه بأن { ما } موصوفة فتخصصت فحسن جعلها ذات الحال ، فكذلك نقول ههنا الريح موصوفة بالصرصر ، والتنكير فيه للتعظيم ، وإلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال ، وفيه وجه آخر ، وهو أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول : جاء زيد جذبني ، وتقديره جاء فجذبني ، كذلك ههنا قال : { إنا أرسلنا عليهم ريحا } ( القمر : 19 ) / فأصبحت { تنزع الناس } ويدل عليه قوله تعالى : { فترى القوم فيها صرعى } ( الحاقة : 7 ) فالتاء في قوله : { تنزع الناس } إشارة إلى ما أشار إليه بقوله : { صرعى } وقوله تعالى : { كأنهم أعجاز نخل منقعر } فيه وجوه أحدها : نزعتهم فصرعتهم : { كأنهم أعجاز نخل } كما قال : { صرعى كأنهم أعجاز نخل } ثانيها : نزعتهم فهم بعد النزع : كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب ، لأن الانقعار قبل الوقوع ، فكأن الريح تنزع ( الواحد ) وتقعر ( ه ) فينقعر فيقع فيكون صريعا ، فيخلو الموضع عنه فيخوى ، وقوله في الحاقة : { فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو بعد النزع ، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه ثالثها : تنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض ، وفي المعنى وجوه أحدها : أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم ثانيها : ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض ، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض ويقصدون المنع به على الريح وثالثها : ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة .
المسألة الثانية : قال ههنا : { منقعر } فذكر النخل ، وقال في الحاقة : { كأنهم أعجاز نخل خاوية } فأنثها ، قال المفسرون : في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله : { مستمر } ( القمر : 19 ، 11 ، 7 ) وهو جواب حسن ، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ ، ويمكن أن يقال : النخل لفظه لفظ الواحد ، كالبقل والنمل ومعناه معنى الجمع ، فيجوز أن يقال فيه : نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات ، ونخل خاو وخاوية وخاويات ونخل باسق وباسقة وباسقات ، فإذا قال قائل : منقعر أو خاو أو باسق جرد النظر إلى اللفظ ولم يراع جانب المعنى ، وإذا قال : منقعرات أو خاويات أو باسقات جرد النظر إلى المعنى ولم يراع جانب اللفظ ، وإذا قال : منقعرة أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ ، وربما قال : منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ ، وألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا فنقول : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ، ووصفها على الوجوه الثلاثة ، فقال : { وحب الحصيد والنخل باسقات } ( ق: 10 ) فإنها حال منها وهي كالوصف ، وقال : { نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ) وقال : { نخل منقعر } فحيث قال : { منقعر } كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول ، لأنه الذي ورد عليه القعر فهو مقعور ، والخاو والباسق فاعل ومعناه إخلاء ما هو مفعول من علامة التأنيث أولا ، كما تقول : امرأة كفيل ، وامرأة كفيلة ، وامرأة كبير ، وامرأة كبيرة . وأما الباسقات ، فهي فاعلات حقيقة ، لأن البسوق أمر قام بها ، وأما الخاوية ، فهي من باب حسن الوجه ، لأن الخاوي موضعها ، فكأنه قال : نخل خاوية المواضع ، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث / اللفظ ، فكان الدليل يقتضي ذلك ، بخلاف الشاعر الذي يختار اللفظ على المذهب الضعيف لأجل الوزن والقافية . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 ! < < القمر : ( 21 ) فكيف كان عذابي . . . . . > > وتفسيره قد تقدم والتكرير للتقرير ، وفي قوله : { عذابى ونذر } لطيفة ما ذكرناها ، وهي تثبت بسؤال وجواب لو قال القائل : أكثر المفسرين على أن النذر في هذا الموضع جمع نذير الذي هو مصدر معناه إنذار ، فما الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقل : فكيف كان أنواع عذابي ووبال إنذاري ؟ نقول : فيه إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب ، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة ، فقال : الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت ، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة ، فكانت النعم كثيرة ، والنقمة واحدة وسنبين هذا زيادة بيان حين نفسر قوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) حيث جمع الآلاء وكثر ذكرها وكررها ثلاثين مرة ، ثم بين الله تعالى حال قوم آخرين . فقال : ! 7 < { كذبت ثمود بالنذر } . > 7 ! < < القمر : ( 23 ) كذبت ثمود بالنذر
> > وقد تقدم تفسيره غير أنه في قصة عاد قال : { كذبت } ( القمر : 18 ) ولم يقل : بالنذر ، وفي قصة نوح قال : { كذبت قوم نوح بالنذر } ( الشعراء : 105 ) فنقول : هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله : { كذبت قبلهم قوم نوح } ( القمر : 9 ) أن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحا بناء على مذهبهم وإنما صرح ههنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعا حقيقة والأولون يكذبون رسولا واحدا حقيقة ويلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم في قوله : الله تعالى واحد ، والحشر كائن ، ومن أرسل بعده كذلك قوله ومذهبه لزم منه أن يكذبوه ويدل على هذا أن الله تعالى قال في قوم نوح : { فكذبوه فأنجيناه } ( الأعراف : 64 ) وقال في عاد : { عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا } ( هود : 59 ) وأما قوله تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين } ( الشعراء : 105 ) فإشارة إلى أنهم كذبوا وقالوا ما يفضي إلى تكذيب جميع المرسلين ، ولهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق ، ثم إنه تعالى قال هناك عن نوح : { رب إن قومى كذبون } ( الشعراء : 117 ) ولم يقل : كذبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه . إذا عرفت هذا فلما سبق قصة ثمود ذكر رسولين ورسولهم ثالثهم قال : { كذبت ثمود بالنذر } هذا كله إذا قلنا إن النذر جمع نذير بمعنى منذر ، أما إذا قلنا إنها الإنذارات فنقول : قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم ، وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها ، وقوله : { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } ( القمر : 24 ) يؤيد الوجه الأول ، لأن من يقول لا أتبع بشرا مثلي وجميع المرسلين من البشر يكون مكذبا للرسل والباء في قوله { بالنذر } يؤيد الوجه الثاني لأنا بينا أن الله تعالى في تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير حرف فقال : { كذبوه } ( الأعراف : 64 ) { وكذبوا رسلنا } ( غافر : 70 ) { فكذبوا عبدنا } ( القمر : 9 ) { وكذبوني } ( المؤمنون : 26 ) وقال : { وكذبوا بئاياتنا ربهم } ( الأنفال : 54 ) { وبآياتنا } ( البقرة : 39 ) فعدى بحرف لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب والقائل هو الذي يكون كاذبا حقيقة والكلام والقول يقال فيه كاذب مجازا وتعلق التكذيب بالقائل أظهر فيستغني عن الحرف بخلاف القول ، وقد ذكرنا ذلك وبيناه بيانا شافيا . ! 7 < { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفى ضلال وسعر } . > 7 < القمر : ( 24 ) فقالوا أبشرا منا . . . . . > > وفي قوله تعالى : { بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } مسائل :
المسألة الأولى : زيدا ضربته وزيد ضربته كلاهما جائز والنصب مختار في مواضع منها هذا الموضع وهو الذي يكون ما يرد عليه النصب والرفع بعد حرف الاستفهام ، والسبب في اختيار النصب أمر معقول وهو أن المستفهم يطلب من المسئول أن يجعل ما ذكره بعد حرف الاستفهام مبدأ لكلامه ويخبر عنه ، فإذا قال : أزيد عندك معناه أخبرني عن زيد واذكر لي حاله ، فإذا انضم إلى هذه الحالة فعل مذكور ترجح جانب النصب فيجوز أن يقال : أزيدا ضربته وإن لم يجب فالأحسن ذلك فإن قيل : من قرأ { أبشر منا واحدا نتبعه } كيف ترك الأجود ؟ نقول : نظرا إلى قوله تعالى : { فقالوا } إذ ما بعد القول لا يكون إلا جملة والاسمية أولى والأولى أقوى وأظهر . المسألة الثانية : إذا كان بشرا منصوبا بفعل ، فما الحكمة في تأخر الفعل في الظاهر ؟ نقول : قد تقدم مرارا أن البليغ يقدم في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر وهم كانوا يريدون تبيين كونهم محقين في ترك الاتباع فلو قالوا : أنتبع بشرا يمكن أن يقال نعم اتبعوه وماذا يمنعكم من اتباعه ، فإذا قدموا حاله وقالوا هو نوعنا بشر ومن صنفنا رجل ليس غريبا نعتقد فيه أنه يعلم ما لا نعلم أو يقدر مالا نقدر وهو واحد وحيد وليس له جند وحشم وخيل وخدم فكيف نتبعه ، فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع من الاتباع ، واعلم أن في هذه الآية إشارات إلى ذلك أحدها : نكروه حيث قالوا { أبشرا } ولم يقولوا : أنتبع صالحا أو الرجل المدعي النبوة أو غير ذلك من المعرفات والتنكير تحقير ثانيها : قالوا أبشرا ولم يقولوا أرجلا ثالثها : قالوا { منا } وهو يحمل أمرين أحدهما من صنفنا ليس غريبا ، وثانيهما { منا } أي تبعنا يقول القائل لغيره أنت منا فيتأذى السامع ويقول : لا بل أنت منا ولست أنا منكم ، وتحقيقه أن من للتبعيض والبعض يتبع الكل لا الكل يتبع البعض رابعها : { واحدا } يحتمل أمرين أيضا أحدهما : وحيدا إلى ضعفه وثانيهما : واحدا أي هو من الآحاد لا من الأكابر المشهورين ، وتحقيق القول في استعمال الآحاد في الأصاغر حيث يقال : هو من آحاد الناس هو أن من لا يكون مشهودا بحسب ولا نسب إذا حدث عنه / من لا يعرفه فلا يمكن أن يقول عنه قال فلان أو ابن فلان فيقول قال واحد وفعل واحد فيكون ذلك غاية الخمول ، لأن الأرذل لا ينضم إليه أحد فيبقى في أكثر أوقاته واحدا فيقال : للأرذال آحاد . وقوله تعالى عنهم : { إنا إذا لفى ضلال وسعر } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكونوا قد قالوا في جواب من يقول لهم إن لم تتبعوه تكونوا في ضلال ، فيقولون له : لا بل إن تبعناه نكون في ضلال ثانيهما : أن يكون ذلك ترتيبا على ما مضى أي حاله ما ذكرنا من الضعف والوحدة فإن اتبعناه نكون في ضلال وسعر أي جنون على هذا الوجه ، فإن قلنا : إن ذلك قالوه على سبيل الجواب فيكون القائل قال لهم : إن لم تتبعوه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر في العقبى فقالوا : لا بل لو اتبعناه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر من الذل والعبودية مجازا فإنهم ما كانوا يعترفون بالسعير . المسألة الثالثة : السعير في الآخرة واحد فكيف جمع ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه أحدها : في جهنم دركات يحتمل أن تكون كل واحدة سعيرا أو فيها سعير ثانيها : لدوام العذاب عليهم فإنه كلما نضجت جلودهم يبدلهم جلودا كأنهم في كل زمان في سعير آخر وعذاب آخر ثالثها : لسعة السعير الواحد كأنها سعر يقال للرجل الواحد : فلان ليس برجل واحد بل هو رجال .
[ بم ثم قال تعالى عنهم : ! 7 < { أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر } . > 7 ! < < القمر : ( 25 ) أؤلقي الذكر عليه . . . . . > > وقد تقدم أن النفي بطريق الاستفهام أبلغ لأن من قال : ما أنزل عليه الذكر ربما يعلم أو يظن أو يتوهم أن السامع يكذبه فيه فإذا ذكر بطريق الاستفهام يكون معناه أن السامع يجيبني بقوله : ما أنزل فيجعل الأمر حينئذ منفيا ظاهرا لا يخفى على أحد بل كل أحد يقول : ما أنزل ، والذكر الرسالة أو الكتاب إن كان ويحتمل أن يراد به ما يذكره من الله تعالى كما يقال الحق ويراد به ما يحل من الله وفيه مسائل : المسألة الأولى : قولهم أألقي بدل أأنزل وفيه إشارة إلى ما كانوا ينكرونه من طريق المبالغة وذلك لأن الإلقاء إنزال بسرعة والنبي كان يقول : ( جاءني الوحي مع الملك في لحظة يسيرة ) فكأنهم قالوا : الملك جسم والسماء بعيدة فكيف ينزل في لحظة فقالوا : أألقي وما قالوا : أأنزل ، وقولهم عليه إنكار آخر كأنهم قالوا : ما ألقى ذكر أصلا ، قالوا : إن ألقى فلا يكون عليه من بيننا وفينا من هو فوقه في الشرف والذكاء ، وقولهم أألقى بدل عن قولهم أألقي الله للإشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير ممكن فضلا عن أن يكون من الله تعالى . المسألة الثانية : عرفوا الذكر ولم يقولوا : أألقى عليه ذكر ، وذلك لأن الله تعالى حكى إنكارهم / لما لا ينبغي أن ينكر فقال : أنكروا الذكر الظاهر المبين الذي لا ينبغي أن ينكر فهو كقول القائل : أنكروا المعلوم . المسألة الثالثة : { بل } يستدعي أمرا مضروبا عنه سابقا فما ذاك ؟ نقول قولهم : أألقى للإنكار فهم قالوا : ما ألقى ، ثم إن قولهم : أألقى عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بنبي ، ثم قالوا : بل هو ليس بصادق . المسألة الرابعة : { الكذاب } فعال من فاعل للمبالغة أو يقال : بل من فاعل كخياط وتمار ؟ نقول : الأول هو الصحيح الأظهر على أن الثاني من باب الأولى لأن المنسوب إلى الشيء لا بد له من أن يكثر من مزاولة الشيء فإن من خاط يوما ثوبه مرة لا يقال له خياط ، إذا عرفت هذا فنقول المبالغة إما في الكثرة ، وإما في الشدة فالكذاب ، إما شديد الكذب يقول مالا يقبله العقل أو كثير الكذب ، ويحتمل أن يكونوا وصفوه به لاعتقادهم الأمرين فيه وقولهم : { أشر } إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة إلى خلاص كما يكذب الضعيف ، وإنما هو استغنى وبطر وطلب الرياسة عليكم وأراد اتباعكم له فكان كل وصف مانعا من الاتباع لأن الكاذب لا يلتفت إليه ، ولا سيما إذا كان كذبه لا لضرورة ، وقرىء : { أشر } فقال المفسرون : هذا على الأصل المرفوض في الأشر والأخير على وزن أفعل التفضيل ، وإنما رفض الأصل فيه لأن أفعل إذا فسر قد يفسر بأفعل أيضا والثاني بأفعل ثالث ، مثاله إذا قال : ما معنى الأعلم ؟ يقال : هو الأكثر علما فإذا قيل : الأكثر ماذا ؟ فيقال : الأزيد عددا أو شيء مثله فلا بد من أمر يفسر به الأفعل لا بمن بابه فقالوا : أفعل التفضيل والفضيلة أصلها الخير والخير أصل في باب أفعل فلا يقال : فيه أخير ، ثم إن الشر في مقابلة الخير يفعل به ما يفعل بالخير فيقال هو شر من كذا وخير من كذا والأشر في مقابلة الأخير ، ثم إن خيرا يستعمل في موضعين : أحدهما : مبالغة الخير بفعل أو أفعل على اختلاف يقال : هذا خير وهذا أخير ويستعمل في مبالغة خير على المشابهة لا على الأصل فمن يقول : أشر يكون قد ترك الأصل المستعمل لأنه أخذ في الأصل المرفوض بمعنى هو شر من غيره وكذا معنى الأعلم أن علمه خير من علم غيره ، أو هو خير من غرة الجهل كذلك القول في الأضعف وغيره .
[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { سيعلمون غدا من الكذاب الا شر } . > 7 ! < < القمر : ( 26 ) سيعلمون غدا من . . . . . > > فإن قال قائل : سيعلم للاستقبال ووقت أنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كانوا قد علموا ، لأن بعد الموت تتبين الأمور وقد عاينوا ما عاينوا فكيف القول فيه ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن يكون هذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم : بل هو كذاب أشر ، فكأنه تعالى قال يوم قالوا : بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا وثانيهما : أن هذا التهديد بالتعذيب لا بحصول العلم بالعذاب الأليم وهو عذاب جهنم لا عذاب القبر فهم سيعذبون يوم القيامة وهو مستقبل وقوله تعالى : { غدا } لقرب الزمان في الإمكان والأذهان / ثم إن قلنا : إن ذلك للتهديد بالتعذيب لا للتكذيب فلا حاجة إلى تفسيره بل يكون ذلك إعادة لقولهم من غير قصد إلى معناه ، وإن قلنا : هو للرد والوعد ببيان انكشاف الأمر فقوله تعالى : { سيعلمون غدا } معناه سيعلمون غدا أنهم الكاذبون الذين كذبوا لا لحاجة وضرورة ، بل بطروا وأشروا لما استغنوا ، وقوله تعالى : { غدا } يحتمل أن يكون المراد يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المراد يوم العذاب وهذا على الوجه الأول . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر } . > 7 < القمر : ( 27 ) إنا مرسلو الناقة . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { إنا مرسلوا الناقة } بمعنى الماضي أو بمعنى المستقبل ، إن كان بمعنى الماضي فكيف يقول : { فارتقبهم واصطبر } وإن كان بمعنى المستقبل فما الفرق بين حكاية عاد وحكاية ثمود حيث قال هناك : { أنا أرسلنا } ( القمر : 19 ) وقال ههنا : { إنا مرسلوا الناقة } بمعنى إنا نرسل ؟ نقول : هو بمعنى المستقبل ، وما قبله وهو قوله : { سيعلمون غدا } يدل عليه ، فإن قوله : { إنا مرسلوا الناقة } كالبيان له ، كأنه قال سيعلمون حيث : نرسل الناقة وما بعده من قوله : { فارتقبهم } { ونبئهم } ( القمر : 28 ) أيضا يقتضي ذلك ، فإن قيل قوله تعالى : { فنادوا } ( القمر : 29 ) دليل على أن المراد الماضي قلنا سنجيب عنه في موضعه ، وأما الفارق فنقول : حكاية ثمود مستقصاة في هذا الموضع حيث ذكر تكذيب القوم بالنذر وقولهم لرسولهم وتصديق الرسل بقوله : { يعلمون } وذكر المعجزة وهي الناقة وما فعلوه بها والعذاب والهلاك يذكر حكاية على وجه الماضي والمستقبل ليكون وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه حاضرها فيقتدي بصالح في الصبر والدعاء إلى الحق ويثق بربه في النصر على الأعداء بالحق فقال : إني مؤيدك بالمعجزة القاطعة ، واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص ، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه لأن حال صالح كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أتى بأمر عجيب أرضى كان أعجب مما جاء به الأنبياء ، لأن عيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن الله الحياة في محل كان قابلا لها ، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا فأثبت الله له في الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة في النماء يشبه الحيوان في النمو فهو أعجب ، وصالح عليه السلام كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر والحجر جماد لا محل للحياة ولا محل للنمو ( فيه ) والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بأعجب من الكل وهو التصرف في جرم السماء الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء ولا إمكان لشقه وخرقه ، وأما الأرضيات فقالوا : إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كل واحد منها صورة الأخرى ، والسموات لا تقبل ذلك فلما أتى بما عرفوا فيه أنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتم وأبلغ من معجزة صالح عليه السلام التي هي أتم معجزة من معجزات من كان من الأنبياء غير محمد صلى الله عليه وسلم ( وفيه لطيفة ) وهو أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى / الماضي . وذكر معه مفعوله فالواجب الإضافة تقول : وحشي قاتل عم النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قلنا : قاتل عم النبي بالإعمال فلا بد من تقدير الحكاية في الحال كما في قوله تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه } ( الكهف : 18 ) على أنه يحكي القصة في حال وقوعها تقول : خرجت أمس فإذا زيد ضارب عمرا كما تقول : يضرب عمرا ، وإن كان الضرب قد مضى ، وإذا كان بمعنى المستقبل فالأحسن الإعمال تقول : إني ضارب عمرا غدا ، فإن قلت إني ضارب عمرو غدا حيث كان الأمر وقع وكان جاز لكنه غير الأحسن ، والتحقيق فيه أن قولنا : ضارب وسارق وقاتل أسماء في الحقيقة غير أن لها دلالة على الفعل فإذا كان الفعل تحقق في الماضي فهو قد عدم حقيقة فلا وجود للفعل في الحقيقة ولا في التوقع فيجب الحمل على ما للاسم من الإضافة وترك ما للفعل من الأعمال لغلبة الإسمية وفقدان الفعل بالماضي ، وإذا كان الفعل حاضرا أو متوقعا في الاستقبال فله وجود حقيقة أو في التوقع فتجوز الإضافة لصورة الاسم / والإعمال لتوقع الفعل أو لوجوده ولكن الإعمال أولى لأن في الاستقبال لن يضرب يفيد لا يكون ضاربا فلا ينبغي أن يضاف ، أما الإعمال فهو ينبىء عن توقع الفعل أو وجوده ، لأنه إذا قال : زيد ضارب عمرا فالسامع إذا سمع بضرب عمرو علم أنه يفعل فإذا لم يره في الحال يتوقعه في الاستقبال غير أن الإضافة تفيد تخفيفا حيث سقط بها التنوين والنون فتختار لفظا لا معنى ، إذا عرفت هذا فنقول : { مرسلوا الناقة } مع ما فيه من التخفيف فيه تحقيق الأمر وتقديره كأنه وقع وكان بخلاف ما لو قيل : إنا نرسل الناقة .
المسألة الثانية : { فتنة } مفعول له فتكون الفتنة هي المقصودة من الإرسال لكن المقصود منه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو صالح عليه السلام لأنه معجزة فما التحقيق في تفسيره ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن المعجزة فتنة لأن بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب ، لأن الله تعالى بالمعجزة لا يعذب الكفار إلا إذا كان ينبئهم بصدقه من حيث نبوته فالمعجزة ابتلاء لأنها تصديق وبعد التصديق يتميز المصدق عن المكذب وثانيهما : وهو أدق أن إخراج الناقة من الصخرة كان معجزة وإرسالها إليهم ودورانها فيما بينهم وقسمة الماء كان فتنة ولهذا قال : { إنا مرسلوا الناقة فتنة } ولم يقل : إنا مخرجوا الناقة فتنة ، والتحقيق في الفتنة والابتلاء والامتحان قد تقدم مرارا وإليه إشارة خفية وهي أن الله تعالى يهدي من يشاء وللهداية طرق ، منها ما يكون على وجه يكون للإنسان مدخل فيه بالكسب ، مثاله يخلق شيئا دالا ويقع تفكر الإنسان فيه ونظره إليه على وجه يترجح عنده الحق فيتبعه وتارة يلجئه إليه ابتداء ويصونه عن الخطأ من صغره فإظهار المعجز على يد الرسول أمر يهدي به من يشاء اهتداء مع الكسب وهداية الأنبياء من غير كسب منهم بل يخلق فيهم علوما غير كسبية فقوله : { إنا مرسلوا الناقة فتنة } إشارة إليهم ، ولهذا قال لهم : ومعناه على وجه يصلح لأن يكون فتنة وعلى هذا كل من كانت معجزته أظهر يكون ثواب قومه أقل ، وقوله تعالى : { فارتقبهم } أي فارتقبهم بالعذاب ، ولم يقل : فارتقب العذاب إشارة إلى حسن الأدب والاجتناب عن طلب الشر وقوله تعالى : / { واصطبر } يؤيد ذلك بمعنى إن كانوا يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قرب الوقت إلى أمرهما والأمر بحيث يعجز عن الصبر . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب محتضر } . > 7 ! < < القمر : ( 28 ) ونبئهم أن الماء . . . . . > > أي مقسوم وصف بالمصدر مرادا به المشتق منه كقوله ماء ملح وقوله زور وفيه ضرب من المبالغة يقال للكريم : كرم كأنه هو عين الكرم ويقال : فلان لطف محض ، ويحتمل أن تكون القسمة وقعت بينهما لأن الناقة كانت عظيمة وكانت حيوانات القوم تنفر منها ولا ترد الماء وهي على الماء ، فصعب عليهم ذلك فجعل الماء بينهما يوما للناقة ويوما للقوم ، ويحتمل أن تكون لقلة الماء فشربه يوما للناقة ويوما للحيوانات ، ويحتمل أن يكون الماء كان بينهم قسمة يوم لقوم ويوم لقوم ولما خلق الله الناقة كانت ترد الماء يوم فكان الذين لهم الماء في غير يوم ورودها يقولون : الماء كله لنا في هذا اليوم ويومكم كان أمس والناقة ما أخرت شيئا فلا نمكنكم من الورود أيضا في هذا اليوم فيكون النقصان واردا على الكل وكانت الناقة تشرب الماء بأسره وهذا أيضا ظاهر ومنقول والمشهور هنا الوجه الأوسط ، ونقول : إن قوما كانوا يكتفون بلبنها يوم ورودها الماء والكل ممكن ولم يرد في شيء خبر متواتر والثالث : قطع وهو من القسمة لأنها مثبتة بكتاب الله تعالى أما كيفية القسمة والسبب فلا وقوله تعالى : { كل شرب محتضر } مما يؤيد الوجه الثالث أي كل شرب محتضر للقوم بأسرهم لأنه لو كان ذلك لبيان كون الشرب محتضرا للقوم أو الناقة فهو معلوم لأن الماء ما كان يترك من غير حضور وإن كان لبيان أنه تحضره الناقة يوما والقوم يوما فلا دلالة في اللفظ عليه ، وأما إذا كانت العادة قبل الناقة على أن يرد الماء قوم في يوم وآخرون في يوم آخر ، ثم لما خلقت الناقة كانت تنقص شرب البعض وتترك شرب الباقين من غير نقصان ، فقال : { كل شرب محتضر } كم أيها القوم فردوا كل يوم الماء وكل شرب ناقص تقاسموه وكل شرب كامل تقاسموه .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?