Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
! 7 < { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 < الرحمن : ( 35 - 36 ) يرسل عليكما شواظ . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : إن قلنا يا معشر الجن والإنس نداء ينادي به يوم القيامة ، فكأنه تعالى قال : يوم يرسل عليكما شواظ من نار فلا يبقى لكما انتصار / إن استطعتما النفوذ فانفذا ، وإن قلنا : إن النداء في الدنيا ، فنقول قوله : { إن استطعتم } إشارة إلى أنه لا مهرب لكم من الله فيمكنكم الفرار قبل الوقوع في العذاب ولا ناصر لكم فيخلصكم من النار بعد وقوعكم فيها وإرسالها عليكم ، فكأنه قال : إن استطعتم الفرار لئلا تقعوا في العذاب ففروا ثم إذا تبين لكم أن لا فرار لكم ولا بد من الوقوع فيه فإذا وقعتم فيه وأرسل عليكم فاعلموا أنكم لا تنصرون فلا خلاص لكم إذن ، لأن الخلاص إما بالدفع قبل الوقوع وإما بالرفع بعده ، ولا سبيل إليهما . المسألة الثانية : كيف ثنى الضمير في قوله : { عليكما } مع أنه جمع قبله بقوله : { إن استطعتم } ( الرحمن : 33 ) والخطاب مع الطائفتين وقال : { فلا تنتصران } وقال من قبل : { لا تنفذون إلا بسلطان } ؟ ( الرحمن : 33 ) نقول : فيه لطيفة ، وهي أن قوله : { إن استطعتم } لبيان عجزهم وعظمة ملك الله تعالى ، فقال : إن استطعتم أن تنفذوا باجتماعكم وقوتكم فانفذوا ، ولا تستطيعون لعجزكم فقد بان عند اجتماعكم واعتضادكم بعضكم ببعض فهو عند افتراقكم أظهر ، فهو خطاب عام مع كل أحد عند الانضمام إلى جميع من عداه من الأعوان والإخوان ، وأماقوله تعالى : { يرسل عليكما } فهو لبيان الإرسال على النوعين لا على كل واحد منهما لأن جميع الإنس والجن لا يرسل عليهم العذاب والنار ، فهو يرسل على النوعين ويتخلص منه بعض منهما بفضل الله ولا يخرج أحد من الأقطار أصلا ، وهذا يتأيد بما ذكرنا أنه قال : لا فرار لكم قبل الوقوع ، ولا خلاص لكم عند الوقوع لكن عدم الفرار عام وعدم الخلاص ليس بعام والجواب الثاني : من حيث اللفظ ، هو أن الخطاب مع المعشر فقوله : { إن استطعتم } أيها المعشر وقوله : { يرسل عليكما } ليس خطابا مع النداء بل هو خطاب مع الحاضرين وهما نوعان وليس الكلام مذكورا بحرف واو العطف حتى يكون النوعان مناديين في الأول وعند عدم التصريح بالنداء فالتثنية أولى كقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما } وهذا يتأيد بقول تعالى : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } ( الرحمن : 31 ) وحيث صرح بالنداء جمع الضمير ، وقال بعد ذلك : { فبأى ءالاء ربكما } حيث لم يصرح بالنداء . المسألة الثالثة : ما الشواظ وما النحاس ؟ نقول : الشواظ لهب النار وهو لسانه ، وقيل ذلك لا يقال إلا للمختلط بالدخان الذي من الحطب ، والظاهر أن هذا مأخوذ من قول الحكماء إن النار إذا صارت خالصة لا ترى كالتي تكون في الكير الذي يكون في غاية الاتقاد ، وكما في التنور المسجور فإنه يرى فيه نور وهو نار ، وأما النحاس ففيه وجهان ، أحدهما الدخان ، والثاني القطر وهو النحاس المشهور عندنا ، ثم إن ذكر الأمرين بعد خطاب النوعين يحتمل أن يكون لاختصاص كل واحد بواحد . وحينئذ فالنار الخفيف للإنس لأنه يخالف جوهره ، والنحاس الثقيل للجن لأنه يخالف جوهره أيضا . فإن الإنس ثقيل والنار خفيفة ، والجن خفاف والنحاس ثقيل ، وكذلك إن قلنا : المراد من النحاس الدخان ، ويحتمل أن يكون ورودهما على حد واحد منهما وهو الظاهر الأصح .
/ المسألة الرابعة : من قرأ { نحاس } بالجر كيف يعربه ولو زعم أنه عطف على النار يكون شواظ من نحاس والشواظ لا يكون من نحاس ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : تقديره شيء من نحاس كقولهم : تقلدت سيفا ورمحا وثانيهما : وهو الأظهر أن يقول : الشواظ لم يكن إلا عندما يكون في النار أجزاء هوائية وأرضية ، وهو الدخان ، فالشواظ مركب من نار ومن نحاس وهو الدخان ، وعلى هذا فالمرسل شيء واحد لا شيئان غير أنه مركب ، فإن قيل : على هذا لا فائدة لتخصيص الشواظ بالإرسال إلا بيان كون تلك النار بعد غير قوية قوة تذهب عنه الدخان ، نقول : العذاب بالنار التي لا ترى دون العذاب بالنار التي ترى ، لتقدم الخوف على الوقوع فيه وامتداد العذاب والنار الصرفة لا ترى أو ترى كالنور ، فلا يكون لها لهيب وهيبة ، وقوله تعالى : { ونحاس فلا تنتصران } نفي لجميع أنواع الانتصار ، فلا ينتصر أحدهما بالآخر ، ولا هما بغيرهما ، وإن كان الكفار يقولون في الدنيا : { نحن جميع منتصر } ( القمر : 44 ) والانتصار التلبس بالنصرة ، يقال لمن أخذ الثأر انتصر منه كأنه انتزع النصرة منه لنفسه وتلبس بها ، ومن هذا الباب الانتقام والادخار والادهان ، والذي يقال فيه : إن الانتصار بمعنى الامتناع : { فلا تنتصران } بمعنى لا تمتنعان ، وهو في الحقيقة راجع إلى ما ذكرنا لأنه يكون متلبسا بالنصرة فهو ممتنع لذلك . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 < الرحمن : ( 37 - 38 ) فإذا انشقت السماء . . . . . > > إشارة إلى ما أعظم من إرسال الشواظ على الإنس والجن ، فكأنه تعالى ذكر أولا ما يخاف منه الإنسان ، ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له إدراك من الجن والإنس والملك حيث تخلوا أماكنهم بالشق ومساكن الجن والإنس بالخراب ، ويحتمل أن يقال : إنه تعالى لما قال : { كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) إشارة إلى سكان الأرض ، قال بعد ذلك : { فإذا انشقت السماء } بيانا لحال سكان السماء ، وفيه مسائل .
المسألة الأولى : الفاء في الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة منها : التعقيب الزماني للشيئين اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلا كقوله قعد زيد فقام عمرو ، لمن سألك عن قعود زيد وقيام عمر ، وإنهما كانا معا أو متعاقبين ومنها : التعقيب الذهني للذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك : جاء زيد فقام عمرو إكراما له إذ يكون في مثل هذا قيام عمرو مع مجيء زيد زمانا ومنها : التعقيب في القول كقولك : لا أخاف الأمير فالملك فالسلطان ، كأنك تقول : أقول لا أخاف الأمير ، وأقول لا أخاف الملك ، وأقول لا أخاف السلطان ، إذا عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعا ، أما الأول : فلأن إرسال الشواظ عليهم يكون قبل انشقاق السموات ، ويكون ذلك الإرسال / إشارة إلى عذاب القبر ، وإلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر ، إذ ورد في التفسير أن الشواظ يسوقهم إلى المحشر ، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا في موضع واحد ، وعلى هذا معناه يرسل عليكما شواظ ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم ، والحساب الشديد على ما سنبين إن شاء الله وأما الثاني : فوجهه أن يقال : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فيكون ذلك سببا لكون السماء تكون حمراء ، إشارة إلى أن لهيبها يصل إلى السماء ويجعلها كالحديد المذاب الأحمر ، وأما الثالث : فوجهه أن يقال : لما قال : { فلا تنتصران } ( الرحمن : 35 ) أي في وقت إرسال الشواظ عليكما قال : فإذا انشقت السماء وصارت كالمهل ، وهو كالطين الذائب ، كيف تنتصران ؟ إشارة إلى أن الشواظ المرسل لهب واحد ، أو فإذا انشقت السماء وذابت ، وصارت الأرض والجو والسماء كلها نارا فكيف تنتصران ؟ . المسألة الثانية : كلمة ( إذا ) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط وقد تستعمل للمفاجأة وإن كانت في أوجهها ظرفا لكن بينها فرق فالأول : مثل قوله تعالى : { واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى } ( الليل : 1 ، 2 ) والثاني : مثل قوله : إذا أكرمتني أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } ( آل عمران : 159 ) وفي الأول لا بد وأن يكون الفعل في الوقت المذكور متصلا به وفي الثاني لا يلزم ذلك ، فإنك إذا قلت : إذا علمتني تثاب يكون الثواب بعده زمانا لكن استحقاقه يثبت في ذلك الوقت متصلا به والثالث : مثال ما يقول : خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال : خرجت إذا أقبل الركب فهو في جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول : على أي وجه استعمل ( إذا ) ههنا ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزماني ، فإن قوله : { فإذا انشقت السماء } بيان لوقت العذاب ، كأنه قال : إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال الشواظ ، وعند انشقاق السماء يكون وثانيهما : الشرطية وذلك على الوجه الثالث وهو قولنا : { فلا تنتصران } عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء ، كأنه قال : إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلا / وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال : يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد انشقت ، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب الذهني .
المسألة الثالثة : ما المختار من الأوجه ؟ نقول : الشرطية وحينئذ له وجهان أحدهما : أن يكون الجزاء محذوفا رأسا ليفرض السامع بعده كل هائل ، كما يقول القائل : إذا غضب السلطان على فلان لا يدري أحد ماذا يفعله ، ثم ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجبا آتيا بقرينة دالة على تهويل الأمر ، ليذهب السامع مع كل مذهب ، ويقول : كأنه إذا غضب السلطان يقتل ويقول الآخر : إذا غضب السلطان ينهب ويقول الآخر غير ذلك وثانيهما : ما بينا من بيان عدم الانتصار ويؤيد هذا قوله تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام } إلى أن قال تعالى : { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ( الفرقان : 25 ، 26 ) فكأنه تعالى / قال : إذا أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس فلا ينتصران ، فإذا انشقت السماء كيف ينتصران ؟ فيكون الأمر عسيرا ، فيكون كأنه قال : فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيرا في غاية العسر ، ويحتمل أن يقال : فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى : { إذا السماء انشقت } إلى أن قال : { وحقت يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ( الانشقاق : 1 6 ) الآية . المسألة الرابعة : ما المعنى من الانشقاق ؟ نقول : حقيقته ذوبانها وخرابها كما قال تعالى : { يوم نطوى السماء } ( السماء : 104 ) إشارة إلى خرابها ويحتمل أن يقال : انشقت بالغمام كما قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام } ( الفرقان : 25 ) وفيه وجوه منها أن قوله : { بالغمام } أي مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من الانفطار والخراب . المسألة الخامسة : ما معنى قوله تعالى : { فكانت وردة كالدهان } ؟ نقول : المشهور أنها في الحال تكون حمراء يقال : فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة ، وحجرة وردة أي حمراء اللون . وقد ذكرنا أن لهيب النار يرتفح في السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال : وردة للمرة من الورود كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة من الركوع والسجود والجلوس والقعود ، وحينئذ الضمير في كانت كما في قوله : { إن كانت إلا صيحة واحدة } ( يس : 53 ) أي الكائنة أو الداهية وأنث الضمير لتأنيث الظاهر وإن كان شيئا مذكرا ، فكذا ههنا قال : { فكانت وردة } واحدة أي الحركة التي بها الانشقاق كانت وردة واحدة ، وتزلزل الكل وخرب دفعة ، والحركة معلومة بالانشقاق لأن المنشق يتحرك ، ويتزلزل ، وقوله تعالى : { كالدهان } فيه وجهان أحدهما : جمع دهن وثانيهما : أن الدهان هو الأديم الأحمر ، فإن قيل : الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر ، ولكن ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى : { يوم تكون السماء كالمهل } ( المعارج : 8 ) وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة ، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال : أسد ورد ، فليس الورد هو الأحمر القاني والثاني : أن التشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان والثالث : هو أن الدهن المذاب ينصب انصبابة واحدة ويذوب دفعة والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان ، فتكون حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة واحدة كالدهان المصبوبة صبا لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه وينتفع به ويبقي الباقي ، وكذلك الحديد والنحاس ، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها / فإن الكواكب تخالف غيرها . [ بم ثم قال تعالى :
! 7 < { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 39 ) فيومئذ لا يسأل . . . . . > > وفيه / وجهان أحدهما : لا يسأله أحد عن ذنبه ، فلا يقال : له أنت المذنب أو غيرك ، ولا يقال : من المذنب منكم بل يعرفونه بسواد وجوههم وغيره ، وعلى هذا فالضمير في ذنبه عائد إلى مضمر مفسر بما يعده ، وتقديره لا يسأل إنس عن ذنبه ولا جان يسأل ، أي عن ذنبه وثانيهما : معناه قريب من المعنى قوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) كأنه يقول : لا يسأل عن ذنبه مذنب إنس ولا جان وفيه إشكال لفظي ، لأن الضمير في ذنبه إن عاد إلى أمر قبله يلزم استحالة ما ذكرت من المعنى بل يلزم فساد المعنى رأسا لأنك إذا قلت : لا يسأل مسؤول واحد أو إنسي مثلا عن ذنبه فقولك بعد إنس ولا جان ، يقتضي تعلق فعل بفاعلين وأنه محال ، والجواب عنه من وجهين أحدهما : أن لا يفرض عائدا وإنما يجعل بمعنى المظهر لا غير ويجعل عن ذنبه كأنه قال : عن ذنب مذنب ثانيهما : وهو أدق وبالقبول أحق أن يجعل ما يعود إليه الضمير قبل الفعل فيقال : تقديره فالمذنب يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ، وفيه مسائل لفظية ومعنوية : المسألة الأولى : اللفظية الفاء للتعذيب وأنه يحتمل أن يكون زمانيا كأنه يقول : فإذا انشقت السماء يقع العذاب ، فيوم وقوعه لا يسأل ، وبين الأحوال فاصل زماني غير متراخ ، ويحتمل أن يكون عقليا كأنه يقول : يقع العذاب فلا يتأخر تعلقه بهم مقدار ما يسألون عن ذنبهم ، ويحتمل أن يكون أراد الترتيب الكلامي كأنه يقول : تهربون بالخروج من أقطار السموات ، وأقول لا تمتنعون عند انشقاق السماء ، فأقول : لا تمهلون مقدار ما تسألون . المسألة الثانية : ما المراد من السؤال ؟ نقول : المشهور ما ذكرنا أنهم لا يقال لهم : من المذنب منكم ، وهو على هذا سؤال استعلام ، وعلى الوجه الثاني سؤال توبيخ أي لا يقال له : لم أذنب المذنب ، ويحتمل أن يكون سؤال موهبة وشفاعة كما يقول القائل : أسألك ذنب فلان ، أي أطلب منك عفوه ، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه أحدها : أن السؤال إذا عدى بعن لا يكون إلا بمعنى الاستعلام أو التوبيخ وإذا كان بمعنى لاستعطاء يعدى بنفسه إلى مفعولين فيقال : نسألك العفو والعافية ثانيها : الكلام لا يحتمل تقديرا ولا يمكن تقديره بحيث يطابق الكلام ، لأن المعنى يصير كأنه يقول : لا يسأل واحد ذنب أحد بل أحد لا يسأل ذنب نفسه ثالثها : قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) لا يناسب ذلك نقول : أما الجواب عن الأول فهو أن السؤال ربما يتعدى إلى مفعولين غير أنه عند الاستعلام يحذف الثاني ويؤتى بما يتعلق به يقال : سألته عن كذا أي سألته الإخبار عن كذا فيحذف الإخبار ويكتفي بما يدل عليه ، وهو الجار والمجرور فيكون المعنى طلبت منه أن يخبرني عن كذا وعن الثاني : أن التقدير لا يسأل إنس ذنبه ولا جان ، والضمير يكون عائدا إلى المضمر لفظا لا معنى ، كما نقول : قبلوا أنفسهم ، فالضمير في أنفسهم عائد إلى ما في قولك : قتلوا لفظا لا معنى لأن ما في قتلوا ضمير الفاعل ، وفي أنفسهم ضمير المفعول ، إذ الواحد لا يقتل نفسه وإنما المراد كل واحد قتل واحدا غيره ، فكذلك ( كل ) إنس لا يسأل ( عن ) ذنبه أي ذنب إنس غيره ، / ومعنى الكلام لا يقال : لأحد اعف عن فلان ، لبيان أن لا مسئول في ذلك الوقت من الإنس والجن ، وإنما كلهم سائلون الله والله تعالى حينئذ هو المسئول .
وأما المعنوية فالأولى : كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) وبينه وبين قوله تعالى : { وقفوهم إنهم مسئولون } ؟ ( الصافات : 24 ) نقول : على الوجه المشهور جوابان أحدهما : أن للآخرة مواطن . فلا يسأل في موطن ، ويسأل في موطن وثانيهما : وهو أحسن لا يسأل عن فعله أحد منكم ، ولكن يسأل بقوله : لم فعل الفاعل فلا يسأل سؤال استعلام ، بل يسأل سؤال توبيخ ، وأما على الوجه الثاني فلا يرد السؤال ، فلا حاجة إلى بيان الجمع . والثانية : ما الفائدة في بيان عدم السؤال ؟ نقول : على الوجه المشهور فائدته التوبيخ لهم كقوله تعالى : { وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } ( عبس : 40 ، 41 ) وقوله تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وعلى الثاني بيان أن لا يؤخذ منهم فدية ، فيكون ترتيب الآيات أحسن ، لأن فيها حينئذ بيان أن لا مفر لهم بقوله : { إن استطعتم أن تنفذوا } ( الرحمن : 33 ) ثم بيان أن لا مانع عنهم بقوله : { فلا تنتصران } ( الرحمن : 35 ) ثم بيان أن لا فداء لهم عنهم بقوله : لا يسأل ، وعلى الوجه الأخير ، بيان أن لا شفيع لهم ولا راحم وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن العذاب في الدنيا مؤخر بقوله : { سنفرغ لكم } ( الرحمن : 31 ) بين أنه في الآخرة لا يؤخر بقدر ما يسأل وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن لا مفر لهم بقول : { لا تنفذون } ( الرحمن : 33 ) ولا ناصر لهم يخلصهم بقوله : { فلا تنتصران } بين أمرا آخر ، وهو أن يقول المذنب : ربما أنجو في ظل خمول واشتباه حال ، فقال : ولا يخفى أحد من المذنبين بخلاف أمر الدنيا ، فإن الشرذمة القليلة ربما تنجو من العذاب العام بسبب خمولهم . [ بم وقال تعالى : ! 7 < { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والا قدام فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 41 ) يعرف المجرمون بسيماهم . . . . . > > اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور ، ظاهر لا خفاء فيه ، إذ قوله : { يعرف المجرمون } كالتفسير وعلى الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال : يعرف ويؤخذ وعلى قولنا : لا يسأل سؤال حط وعفو أيضا كذلك ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوها أحدها : كي على جباههم ، قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم } ( التوبة : 35 ) ثانيها : سواد كما قال تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وقال تعالى : { وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) ثالثها : غبرة وقترة .
المسألة الثانية : ما وجه إفراد ( يؤخذ ) مع أن ( المجرمين ) جمع ، وهم المأخوذون ؟ نقول فيه / وجهان أحدهما : أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى : { بالنواصى } كما يقول القائل ذهب بزيد وثانيهما : أن يتعلق بما يدل عليه يؤخذ ، فكأنه تعالى قال ، فيؤخوذون بالنواصي ، فإن قيل كيف عدى الأخذ بالباء وهو يتعدى بنفسه قال تعالى : { لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) وقال : { خذها ولا تخف } ( طه : 21 ) نقول : الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت ، وبالباء أيضا كقوله تعالى : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ( طه : 94 ) لكن في الاستعمال تدقيق ، وهو أن المأخوذ إن كان مقصودا بالأخذ توجه الفعل نحوه فيتعدى إليه من غير حرف ، وإن كان المقصود بالأخذ غير الشيء المأخوذ حسا تعدى إليه بحرف ، لأنه لما لم يكن مقصودا فكأنه ليس هو المأخوذ ، وكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه ، فذكر الحرف ، ويدل على ما ذكرنا استعمال القرآن ، فإن الله تعالى قال : { خذها ولا تخف } في العصا وقال تعالى : { وليأخذوا أسلحتهم } ( النساء : 102 ) { أخذ الالواح } ( الأعراف : 154 ) إلى غير ذلك ، فلما كان ما ذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه من غير حرف ، وقال تعالى : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } وقال تعالى : { فيؤخذ بالنواصى والاقدام } ويقال : خذ بيدي وأخذ الله بيدك إلى غير ذلك مما يكون المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا ، فإن قيل : ما الفائدة في توجيه الفعل إلى غير ما توجه إليه الفعل الأول ، ولم قال : { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى } ؟ نقول فيه بيان نكالهم وسوء حالهم ونبين هذا بتقديم مثال وهو أن القائل إذا قال ضرب زيد فقتل عمرو فإن المفعول في باب ما لم يسم فاعله قائم مقام الفاعل ومشبه به ولهذا أعرب إعرابه فلو لم يوجه يؤخذ إلى غير ما وجه إليه يعرف لكان الأخذ فعل من عرف فيكون كأنه قال : يعرف المجرمين عارف فيأخذهم ذلك العارف ، لكن المجرم يعرفه بسيماه كل أحد ، ولا يأخذه كل من عرفه بسيماه ، بل يمكن أن يقال قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } المراد يعرفهم الناس والملائكة الذين يحتاجون في معرفتهم إلى علامة ، أما كتبة الأعمال والملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير احتياج إلى علامة ، وبالجملة فقوله : يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد فلو قال : يأخذون يكون كأنه قال : فيكونون مأخوذين لكل أحد ، كذلك إذا تأملت في قول القائل : شغلت فضرب زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين دليل تغاير الشاغل والضارب لأنه يفهم منه أنى شغلني شاغل فضرب زيدا ضارب / فالضارب غير ذلك الشاغل ، وإذا قلت : شغل زيد فضرب لا يدل على ذلك حيث توجه إلى مفعول واحد ، وإن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى مفعولين ، أما بيان النكال فلأنه لما قال : { فيؤخذ بالنواصى } بين كيفية الأخذ وجعلها مقصود الكلام ، ولو قال : فيؤخذون لكان الكلام يتم عنده ويكون قوله : { بالنواصى } فائدة جاءت بعد تمام الكلام فلا يكون هو المقصود ، وأما إذا قال : فيؤخذ ، فلا بد له من أمر يتعلق به فينتظر السامع وجود ذلك ، فإذا قال : { بالنواصى } يكون هذا هو المقصود ، وفي كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن في نفس الأخذ بالناصية إذلالا وإهانة ، وكذلك الأخذ بالقدم ، لا يقال قد ذكرت أن التعدية بالباء إنما تكون حيث لا يكون المأخوذ مقصودا والآن ذكرت أن الأخذ بالنواصي هو المقصود لأنا نقول : لا تنافي بينهما فإن الأخذ بالنواصي مقصود الكلام والناصية ما أخذت لنفس كونها / ناصية وإنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذا ، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ ، وقوله تعالى : { فيؤخذ بالنواصى والاقدام } فيه وجهان أحدهما : يجمع بين ناصيتهم وقدمهم ، وعلى هذا ففيه قولان : أحدهما : أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ والثاني : أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه الثاني : أنهم يسحبون سحبا فبعضهم يؤخذ بناصيته وبعضهم يجر برجله ، والأول أصح وأوضح .
[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون } . > 7 ! < < الرحمن : ( 43 ) هذه جهنم التي . . . . . > > والمشهور أن ههنا إضمارا تقديره يقال لهم : هذه جهنم ، وقد تقدم مثله في مواضع . ويحتمل أن يقال : معناه هذه صفة جهنم فأقيم المضاف إليه مقام المضاف ويكون ما تقدم هو المشار إليه ، والأقوى أن يقال : الكلام عند النواصي والأقدام قد تم ، وقوله : { هاذه جهنم } لقربها كما يقال هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه ، فكأنه قال جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم ، ويلائمه قوله : { يكذب } لأن الكلام لو كان بإضمار يقال ، لقال تعالى لهم : هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون لأن في هذا الوقت لا يبقى مكذب ، وعلى هذا التقدير يضمر فيه : كان يكذب . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { يطوفون بينها وبين حميم ءان } . > 7 < الرحمن : ( 44 ) يطوفون بينها وبين . . . . . > > هو كقوله تعالى : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) وكقوله تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة : 20 ) لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شيء مائع هو صديدهم المغلي فيظنونه ماء ، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون ويشربون منه شرب الهيم ، فيجدونه أشد حرا فيقطع أمعاءهم ، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه ، وإنما يشربه عبا فيحرق فؤاده ولا يسكن عطشه . وقوله : { حميم } إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء ، وقوله تعالى : { ءان } إشارة إلى ما قبله ، وهو كما يقال : قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية السخونة وآن الماء إذا انتهى في الحر نهاية . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 45 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . > > وفيه بحث وهو أن هذه الأمور ليست من الآلاء فكيف قال : { فبأى الاء } ؟ نقول : الجواب من وجهين أحدهما : ما ذكرناه وثانيهما : أن المراد : { فبأى ءالاء ربكما } مما أشرنا إليه في أول السورة . { تكذبان } فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب ، وكذلك نقول : في قوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) هي الجنان ثم إن تلك الآلاء لا ترى ، وهذا ظاهر لأن الجنان غير مرئية ، وإنما حصل الإيمان بها بالغيب ، فلا / يحسن الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء والأرض والنجم والشجر والشمس والقمر وغيرها مما يدرك ويشاهد ، لكن النار والجنة ذكرتا للترهيب والترغيب كما بينا أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب وتحرمان الثواب . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 < الرحمن : ( 46 - 47 ) ولمن خاف مقام . . . . . > >
وفيه لطائف : الأولى : التعريف في عذاب جهنم قال : { هاذه جهنم } ( الرحمن : 43 ) والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد ، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق: 45 ) أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي ، والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم ، بل لعظمة جانب الله ، وكذلك قوله : { من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) وقال تعالى : { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته ، وكذلك قوله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) وإنما قلنا : إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي ، وقال تعالى في الخوف : { ولا تخف سنعيدها } ( طه : 21 ) لما كان الخوف يضعف في موسى ، وقال : { لا تخف ولا تحزن } ( العنكبوت : 33 ) وقال : { فأخاف أن يقتلون } ( الشعراء : 14 ) وقال إني : { خفت الموالى من ورائى } ( مريم : 5 ) ويدل عليه تقاليب خ و ف فإن قولك خفي قريب منه ، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضا ، وإذا علم هذا فالله تعالى مخوف ومخشي ، والعبد من الله خائف وخاش ، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو خاش ، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف ، فلهذا قال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } جعله منحصرا فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه ، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته ، بل تزداد خشيتهم ، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه ، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك ، فلذلك قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي ؟ الثالثة : لما ذكر الخوف ذكر المقام ، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال : { إنما يخشى الله } وقال : { لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } وقال عليه السلام : ( خشية الله رأس كل حكمة ) لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه .
وفي مقام ربه قولان : أحدهما : مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال : هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه والثاني : مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى : / { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) أي حافظ ومطلع أخذا من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه ، وقيل : مقام مقحم يقال : فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلانا وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخاشي ، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي الله فالخاشي لو قيل له : افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكيف لا / ويقال : خاصة الله من خشية الله في شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدي الله سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله ، وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق الرابعة : في قوله : { جنتان } وهذه اللطيفة نبينها بعدما نذكر ما قيل في التثنية ، قال بعضهم : المراد جنة واحدة كما قيل في قوله : { ألقيا فى جهنم } ( ق: 24 ) وتمسك بقول القائل :
ومهمهين سرت مرتين قطعته بالسهم لا السهمين فقال : أراد مهمها واحدا بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل ، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان ، وذلك لأنه لو كان مهمها واحدا لما كانوا في قطعته يقصدون جدلا ، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي ، وأما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد ، يقال : كلاهما معلوم ومجهول ، قال تعالى : { كلتا الجنتين اتت أكلها } ( الكهف : 33 ) فوحد اللفظ ولا حاجة ههنا إلى التعسف ، ولا مانع من أن يعطي الله جنتين وجنانا عديدة ، وكيف وقد قال بعد : { ذواتا أفنان } ( الرحمن : 48 ) وقال : فيهما . والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه أحدها : أنهما جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان وثانيهما : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين وثالثها : جنة هي جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء ، ويحتمل أن يقال : جنتان جنة جسمية والأخرى روحية فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى : { فروح وريحان وجنة نعيم } ( الواقعة : 89 ) وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم وأما اللطيفة : فنقول : لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن ، وهما نوعان ذكر لغيره وهو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المحرم ، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذابا ويقعون في الآخر ، ولم يقل : ههنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم الله تعالى ملوكا وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراما لهم وإكراما في حقهم ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) وقوله : { إن المتقين فى جنات } ( الذاريات : 15 ) أنه تعالى ذكر الجنة والجنات ، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة ، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة مساكنها كأنها جنات ، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان ، فالكل عائد إلى صفة مدح . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ذواتآ أفنان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! / < < الرحمن : ( 48 ) ذواتا أفنان
> > هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار . فإن قيل : أي الوجهين أقوى ؟ نقول : الأول لوجهين أحدهما : أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك ، ولا يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ثانيهما : قوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) مستقل بما ذكر من الفائدة ، ولأن ذلك فيما يكون ثابتا لا تفاوت فيه ذهنا ووجودا أكثر ، فإن قيل : كيف تمدح بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن الجنات في الأصل ذوات أشجار ، والأشجار ذوات أغصان ، والأغصان ذوات أزهار وأثمار ، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا ، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء ، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله : { ذواتا أفنان } أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرف بل هي واقفة في الجو وأهلها من تحتها والثاني : من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فيهما عينان تجريان فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 50 ) فيهما عينان تجريان > > أي في كل واحدة منهما عين جارية ، كما قال تعالى : { فيها عين جارية } وفي كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى : { فيهما عينان نضاختان فيهما فاكهة ونخل ورمان } ( الرحمن : 66 ، 68 ) وبعضها يذكر ههنا . المسألة الأولى : هي أن قوله : { ذواتا أفنان } ( الرحمن : 48 ) و { فيهما عينان تجريان } و { فيهما من كل فاكهة زوجان } كلها أوصاف للجنتين المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره : جنتان ذواتا أفنان ، ثابت فيهما عينان ، كائن فيهما من كل فاكهة زوجان ، فإن قيل : ما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ثلاث مرات مع أنه في ذكر العذاب ما فصل بين كلامين بها حيث قال : { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران } ( الرحمن : 35 ) مع أن إرسال نحاس غير / إرسال شواظ ، وقال : { يطوفون بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 44 ) مع أن الحميم غير الجحيم ، وكذا قال تعالى : { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون } ( الرحمن : 43 ) وهو كلام تام ، وقوله تعالى : { يطوفون بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 44 ) كلام آخر ولم يفصل بينهما بالآية المذكورة ؟ نقول : فيه تغليب جانب الرحمة ، فإن آيات العذاب سردها سردا وذكرها جملة ليقصر ذكرها ، والثواب ذكره شيئا فشيئا ، لأن ذكره يطيب للسامع فقال بالفصل وتكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله : { فيهما عينان } ، { فيهما من كل فاكهة } لأن إعادة ذكر المحبوب محبوب ، والتطويل بذكر اللذات مستحسن .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { فيهما عينان تجريان } أي في كل واحدة عين واحدة كما مر ، وقوله : { فيهما من كل فاكهة زوجان } معناه كل واحدة منهما زوج ، أو معناه في كل واحدة منهما من الفواكه زوجان ، ويحتمل أن يكون المراد مثل ذلك أي في كل واحدة من الجنتين زوج من كل فاكهة ففيهما جميعا زوجان من كل فاكهة ، وهذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين ، أو نقول : من كل فاكهة لبيان حال الزوجين ، ومثاله إذا دخلت من على ما لا يمكن أن يكون كائنا في شيء كقولك : في الدار من الشرق رجل ، أي فيها رجل من الشرق ، ويحتمل أن يكون المراد في كل واحدة منها زوجان ، وعلى هذا يكون كالصفة بما يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال : فيهما من كل فاكهة ، أي كائن فيهما شيء من كل فاكهة ، وذلك الكائن زوجان ، وهذا بين فيما تكون من داخله على ما لا يمكن أن يكون هناك كائن في الشيء غيره ، كقولك : في الدار من كل ساكن ، فإذا قلنا : فيهما من كل فاكهة زوجان الثالث : عند ذكر الأفنان لو قال : فيهما من كل فاكهة زوجان كان متناسبا لأن الأغصان عليها الفواكه ، فما الفائدة في ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر ؟ نقول : جرى ذكر الجنة على عادة المتنعمين ، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار بل يقدمون التفرج على الأكل ، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة مؤلمة فكيف في الجنة فذكر ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار ، وجريان الأنهار ، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار ، فسبحان من يأتي بالآي بأحسن المعاني في أبين المباني . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 54 ) متكئين على فرش . . . . . > > وفيه مسائل نحوية ولغوية ومعنوية . المسألة الأولى من النحوية : هو أن المشهور أن ( متكئين ) حال وذو الحال من في قوله : { ولمن خاف مقام ربه } ( الرحمن : 46 ) والعامل ما يدل عليه اللام الجارة تقديره لهم في حال الاتكاء جنتان / وقال صاحب الكشاف : يحتمل أن يكون نصبا على المدح ، وإنما حمله على هذا إشكال في قول من قال : إنه حال وذلك لأن الجنة ليست لهم حال الإتكاء بل هي لهم في كل حال فهي قبل الدخول لهم ، ويحتمل أن يقال : هو حال وذو الحال ما تدل عليه الفاكهة . لأن قوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) يدل على متفكهين بها كأنه قال : يتفكه المتفكهون بها ، متكئين ، وهذا فيه معنى لطيف ، وذلك لأن الأكل إن كان ذليلا كالخول والخدم والعبيد والغلمان ، فإنه يأكل قائما ، وإن كان عزيزا فإن كان يأكل لدفع الجوع يأكل قاعدا ولا يأكل متكئا إلا عزيز متفكه ليس عند جوع يقعده للأكل ، ولا هنالك من يحسمه ، فالتفكه مناسب للإتكاء .
المسألة الثانية من المسائل النحوية : { على فرش } متعلق بأي فعل هو ؟ إن كان متعلقا بما في { متكئين } ، حتى يكون كأنه يقول : يتكئون على فرش كما كان يقال : فلان اتكأ على عصاه أو على فخذيه فهو بعيد لأن الفراش لا يتكأ عليه ، وإن كان متعلقا بغيره فماذا هو ؟ نقول : متعلق بغيره تقديره يتفكه الكائنون على فرش متكئين من غير بيان ما يتكئون عليه ، ويحتمل أن يكون اتكاؤهم على الفرش غير أن الأظهر ما ذكرنا ليكون ذلك بيانا لما تحتهم وهم بجميع بدنهم عليه وهو أنعم وأكرم لهم . المسألة الثالثة : الظاهر أن لكل واحد فرشا كثيرة لا أن لكل واحد فراشا فلكلهم فرش عليها كائنون . المسألة الرابعة لغوية : الاستبرق هو الديباج الثخين وكما أن الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم ، استعمل الاسم المعجم فيه غير أنهم تصرفوا فيه تصرفا وهو أن اسمه بالفارسية ستبرك بمعنى ثخين تصغير ( ستبر ) فزادوا فيه همزة متقدمة عليه ، وبدلوا الكاف بالقاف ، أما الهمزة ، فلأن حركات أوائل الكلمة في لسان العجم غير مبنية في كثير من المواضع فصارت كالسكون ، فأثبتوا فيه همزة كما أثبتوا همزة الوصل عند سكون أول الكلمة ، ثم إن البعض جعلوها همزة وصل وقالوا : { من إستبرق } والأكثرون جعلوها همزة قطع لأن أول الكلمة في الأصل متحرك لكن بحركة فاسدة فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة وتمكنهم من تسكين الأول وعند تساوي الحركة ، فالعود إلى السكون أقرب ، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن ولا تبدل حركة بحركة ، وأما القاف فلأنهم لو تركوا الكاف لاشتبه ستبرك بمسجدك ودارك ، فأسقطوا منه الكاف التي هي على لسان العرب في آخر الكلم للخطاب وأبدلوها قافا ثم عليه سؤال مشهور ، وهو أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين ، وهذا ليس بعربي ، والجواب الحق أن اللفظة في أصلها لم تكن بين العرب بلغة ، وليس المراد أنه أنزل بلغة هي في أصل وضعها على لسان العرب ، بل المراد أنه منزل بلسان لا يخفى معناه على أحد من العرب ولم يستعمل فيه لغة لم تتكلم العرب بها ، فيصعب عليهم مثله لعدم مطاوعة لسانهم التكلم بها فعجزهم عن مثله ليس إلا لمعجز . / المسألة الخامسة : معنوية الإتكاء من الهيئات الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب ، فالمتكىء تكون أمور جسمه على ما ينبغي وأحوال قلبه على ما ينبغي / لأن العليل يضطجع ولا يستلقي أو يستند إلى شيء على حسب ما يقدر عليه للاستراحة ، وأما الإتكاء بحيث يضع كفه تحت رأسه ومرفقه على الأرض ويجافي جنبيه عن الأرض فذاك أمر لا يقدر عليه ، وأما مشغول القلب في طلب شيء فتحركه تحرك مستوفز . المسألة السادسة : قال أهل التفسير قوله : { بطائنها من إستبرق } يدل على نهاية شرفها فإن ما تكون بطائنها من الإستبرق تكون ظهائرها خيرا منها ، وكأن شيء لا يدركه البصر من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم ، وفيه وجه آخر معنوي وهو أن أهل الدنيا يظهرون الزينة ولا يتمكنون من أن يجعلوا البطائن كالظهائر ، لأن غرضهم إظهار الزينة والبطائن لا تظهر ، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب ، فلما لم يحصل في جعل البطائن من الديباج مقصودهم وهو الإظهار تركوه ، وفي الآخرة الأمر مبني على الإكرام والتنعيم فتكون البطائن كالظهائر فذكر البطائن .
المسألة السابعة : قوله تعالى : { وجنى الجنتين دان } فيه إشارة إلى مخالفتها لجنة دار الدنيا من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الثمرة في الدنيا على رءوس الشجرة والإنسان عند الاتكاء يبعد عن رءوسها وفي الآخرة هو متكىء والثمرة تنزل إليه ثانيها : في الدنيا من قرب من ثمرة شجرة بعد عن الأخرى وفي الآخرة كلها دان في وقت واحد ومكان واحد ، وفي الآخرة المستقر في جنة عنده جنة أخرى ثالثها : أن العجائب كلها من خواص الجنة فكان أشجارها دائرة عليهم ساترة إليهم وهم ساكنون على خلاف ما كان في الدنيا وجناتها وفي الدنيا الإنسان متحرك ومطلوبه ساكن ، وفيه الحقيقة وهي أن من لم يكسل ولم يتقاعد عن عبادة الله تعالى ، وسعى في الدنيا في الخيرات انتهى أمره إلى سكون لا يحوجه شيء إلى حركة ، فأهل الجنة إن تحركوا تحركوا لا لحاجة وطلب ، وإن سكنوا سكنوا لا لاستراحة بعد التعب ، ثم إن الولي قد تصير له الدنيا أنموذجا من الجنة ، فإنه يكون ساكنا في بيته ويأتيه الرزق متحركا إليه دائرا حواليه ، يدلك عليه قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) . المسألة الثامنة : الجنتان إن كانتا جسميتين فهو أبدا يكون بينهما وهما عن يمينه وشماله هو يتناول ثمارهما وإن كانت إحداهما روحية والأخرى جسمية فلكل واحد منهما فواكه وفرش تليق بها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } . > 7 ! / < < الرحمن : ( 56 ) فيهن قاصرات الطرف . . . . . > > وفيه مباحث : الأول : في الترتيب وأنه في غاية الحسن لأنه في أول الأمر بين المسكن وهو الجنة ، ثم بين ما يتنزه به فإن من يدخل بستانا يتفرج أولا فقال : { ذواتا أفنان فيهما عينان } ( الرحمن : 48 ، 50 ) ثم ذكر ما يتناول من المأكول فقال : { فيهما من كل فاكهة } ( الرحمن : 52 ) ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول وهو الفراش ، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه .
الثاني : { فيهن } الضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول : فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى الآلاء والنعم أي قاصرات الطرف ثانيها : إلى الفراش أي في الفرش قاصرات وهما ضعيفان ، أما الأول فلأن اختصاص القاصرات بكونهن في الآلاء مع أن الجنتين في الآلاء والعينين فيهما والفواكه كذلك لا يبقى له فائدة ، وأما الثاني فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال : { متكئين على فرش } ( الرحمن : 54 ) وأعاد الضمير إليها بقوله : { بطائنها } ( الرحمن : 54 ) ولم يقل : بطائنهن ، فقوله { فيهن } يكون تفسيرا للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه تعالى قال بعد هذا مرة أخرى : { فيهن خيرات } ( الرحمن : 70 ) ولم يكن هناك ذكر الفرش فالأصح إذن هو الوجه الثالث : وهو أن الضمير عائد إلى الجنتين ، وجمع الضمير ههنا وثنى في قوله : { فيهما عينان } ( الرحمن : 50 ) و : { فيهما من كل فاكهة } ( الرحمن : 52 ) وذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ثلاثة أحدها : اتصال أشجارها وعدم وقوع الفيافي والمهامة فيها والأراضي الغامرة ، ومن هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل وثانيها : اشتمالها على النوعين الحاصرين للخيرات ، فإن فيها ما في الدنيا ، وما ليس في الدنيا وفيها ما يعرف ، ومالا يعرف ، وفيها ما يقدر على وصفه ، وفيها مالا يقدر ، وفيها لذات جسمانية ولذات غير جسمانية فلاشتمالها على النوعين كأنها جنتان وثالثها : لسعتها وكثرة أشحارها وأماكنها وأنهارها ومساكنها كأنها جنات ، فهي من وجه جنة واحدة ومن وجه جنتان ومن وجه جنات . إذا ثبت هذا فنقول : اجتماع النسوان للمعاشرة مع الأزواج والمباشرة في الفراش في موضع واحد في الدنيا لا يمكن ، وذلك لضيق المكان ، أو عدم الإمكان أو دليل ذلة النسوان ، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء في بيت إلا إذا كن جواري غير ملتفت إليهن ، فأما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال فلا يجمع بينهن ، واعلم أن الشهوة في الدنيا كما تزداد بالحسن الذي في الأزواج تزداد بسبب العظمة وأحوال الناس في أكثر الأمر تدل عليه ، إذا ثبت هذا فنقول : الحظايا في الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة والجمال والعز والشرف والكمال ، فتكون الواحدة لها كذا وكذا من الجواري والغلمان فتزداد اللذة بسبب كمالها ، فإذن ينبغي أن يكون لكل واحدة ما يليق بها من المكان الواسع فتصير الجنة التي هي واحدة من حيث الاتصال كثيرة من حيث تفرق المساكن فيها فقال : { فيهن } وأما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن دليلا للعظمة واللذة فقال { فيهما } ( الرحمن : 50 ) وهذا من اللطائف الثالث : قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف ، وأقيمت الصفة مكانه ، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف وفيه لطيفة : فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن ، فقال تارة : { وحور عين } ( الواقعة : 22 ) / وتارة : { عربا أترابا } ( الرحمن : 56 ) وتارة : { قاصرات الطرف } ( الرحمن : 56 ) ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين أحدهما : الإشارة إلى تنحدرهن وتسترهن ، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك : حيوان وإنسان وثانيهما : إعظاما لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف .
المسألة الرابعة : { قاصرات الطرف } من القصر وهو المنع أي المانعات أعينهن من النظر إلى الغير ، أو من القصور ، وهو كون أعينهن قاصرة لا طماح فيها للغير ، أقول والظاهر أنه من القصر إذ القصر مدح والقصور ليس كذلك ، ويحتمل أن يقال : هو من القصر بمعنى أنهن قصرن أبصارهن ، فأبصارهن مقصورة وهن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول والدليل عليه هو أن القصر مدح والقصور ليس كذلك ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أنه تعالى قال من بعد هذه : { حور مقصورات } ( الرحمن : 72 ) فهن مقصورات وهن قاصرات ، وفيه وجهان أحدهما : أن يقال : هن قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف ، وهن قاصرات أنفسهن في الخيام كما هو عادة المخدرات لأنفسهن في الخيام ولأبصارهن عن الطماح وثانيهما : أن يكون ذلك بيانا لعظمتهن وعفافهن وذلك لأن المرأة التي لا يكون لها رادع من نفسها ولا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان ، وإذا كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج والبروز ، وذلك يدل على عظمتهن ، وإذا كن في أنفسهن عند الخروج لا ينظرن يمنة ويسرة فهن في أنفسهن عفائف ، فجمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله تعالى : { مقصورات } منعهن أولياؤهن وههنا وليهن الله تعالى ، وبين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى : { قاصرات الطرف } ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على العظمة وذكر في أعلى الجنتين قاصرات وفي أدناهما مقصورات ، والذي يدل على أن المقصورات يدل على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات ، إشارة إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيرهن كالذي يضرب الخيام ويدلي الستر ، بخلاف من تتخذه لنفسها وتغلق بابها بيدها ، وسنذكر بيانه في تفسير الآية بعد . المسألة الخامسة : { قاصرات الطرف } فيها دلالة عفتهن ، وعلى حسن المؤمنين في أعينهن ، فيجبن أزواجهن حبا بشغلهن عن النظر إلى غيرهم ، ويدل أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن ، والحورية لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها . المسألة السادسة : { لم يطمثهن } فيه وجوه أحدها : لم يفرعهن ثانيها : لم يجامعهن ثالثها : لم يمسسهن ، وهو أقرب إلى حالهن وأليق بوصف كمالهن ، لكن لفظ الطمث غير ظاهر فيه ولو كان المراد منه المس لذكر اللفظ الذي يستحسن ، وكيف وقد قال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 237 ) وقال : { فاعتزلوا } ( البقرة : 222 ) ولم يصرح بلفظ موضوع للوطء ، فإن قيل : فما ذكرتم من / الإشكال باق وهو أنه تعالى كنى عن الوطء في الدنيا باللمس كما في قوله تعالى : { أو لامستم النساء } ( النساء : 43 ) على الصحيح في تفسير الآية وسنذكره ، وإن كان على خلاف قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه وبالمس في قوله : { من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 237 ) ولم يذكر المس في الآخرة بطريق الكناية ، نقول : إنما ذكر الجماع الدنيا بالكناية لما أنه في الدنيا قضاء للشهوة وأنه يضعف البدن ويمنع من العبادة ، وهو في بعض الأوقات قبحه كقبح شرب الخمر ، وفي بعض الأوقات هو كالأكل الكثير وفي الآخرة مجرد عن وجوه القبح ، وكيف لا والخمر في الجنة معدودة من اللذات وأكلها وشربها دائم إلى غير ذلك ، فالله تعالى ذكره في الدنيا بلفظ مجازي مستور في غاية الخفاء بالكناية إشارة إلى قبحه وفي الآخرة ذكره بأقرب الألفاظ إلى التصريح أو بلفظ صريح / لأن الطمث أدل من الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح .
المسألة السابعة : ما الفائدة في كلمة { قبلهم } ؟ قلنا لو قال : لم يطمثهن إنس ولا جان يكون نفيا لطمث المؤمن إياهن وليس كذلك . المسألة الثامنة : ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع ؟ نقول : ليس كذلك بل الجن لهم أولاد وذريات وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الإنس أم لا ؟ والمشهور أنهم يواقعون وإلا لما كان في الجنة أحساب ولا أنساب ، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { كأنهن الياقوت والمرجان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 58 ) كأنهن الياقوت والمرجان > > وهذا التشبيه فيه وجهان أحدهما : تشبيه بصفائهما وثانيهما : بحسن بياض اللؤلؤ وحمرة الياقوت ، والمرجان صغار اللؤلؤ وهي أشد بياضا وضياء من الكبار بكثير ، فإن قلنا : إن التشبيه لبيان صفائهن ، فنقول : فيه لطيفة هي أن قوله تعالى : { قاصرات الطرف } إشارة إلى خلوصهن عن القبائح ، وقوله : { كأنهن الياقوت والمرجان } إشارة إلى صفائهن في الجنة ، فأول ما بدأ بالعقليات وختم بالحسيات ، كما قلنا : إن التشبيه لبيان مشابهة جسمهن بالياقوت والمرجان في الحمرة والبياض ، فكذلك القول فيه حيث قدم بيان العفة على بيان الحسن ولا يبعد أن يقال : هو مؤكد لما مضى لأنهن لما كن قاصرات الطرف ممتنعات عن الاجتماع بالإنس والجن لم يطمثهن فهن كالياقوت الذي يكون في معدنه والمرجان المصون في صدفه لا يكون قد مسه يد لامس ، وقد بينا مرة أخرى في قوله تعالى : { كأنهن بيض مكنون } أن ( كأن ) الداخلة على المشبه به لا تفيد من التأكيد ما تفيده الداخلة على المشبه ، فإذا قلت : زيد كالأسد ، كان معناه زيد يشبه الأسد ، وإذا قلت كأن زيدا الأسد فمعناه يشبه أن زيدا هو الأسد حقيقة ، لكن قولنا : زيد يشبه الأسد ليس فيه مبالغة عظيمة ، فإنه يشبهه في أنهما حيوانان / وجسمان وغير ذلك ، وقولنا : زيد يشبه لا يمكن حمله على الحقيقة ، أما من حيث اللفظ فنقول : إذا دخلت الكاف على المشبه به ، وقيل : إن زيدا كالأسد عملت الكاف في الأسد عملا لفظيا والعمل اللفظي مع العمل المعنوي ، فكأن الأسد عمل به عمل حتى صار زيدا ، وإذا قلت : كأن زيدا الأسد تركت الأسد على إعرابه فإذن هو متروك على حاله وحقيقته وزيد يشبه به في تلك الحال ولا شك في أن زيدا إذا شبه بأسد هو على حاله باق يكون أقوى مما إذا شبه بأسد لم يبق على حاله ، وكأن من قال : زيد كالأسد نزل الأسد عن درجته فساواه زيد ، ومن قال : كأن زيدا الأسد رفع زيدا عن درجته حتى ساوى الأسد ، وهذا تدقيق لطيف . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 60 ) هل جزاء الإحسان . . . . .
> > وفيه وجوه كثيرة حتى قيل : إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها مائة قول الأولى : قوله تعالى : { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) ، الثانية : قوله تعالى : { ءان عدتم عدنا } ( الإسراء : 8 ) ، الثالثة : قوله تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ولنذكر الأشهر منها والأقرب . أما الأشهر فوجوه أحدها : هل جزاء التوحيد غير الجنة ، أي جزاء من قال : لا إله إلا الله إدخال الجنة ثانيها : هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة ثالثها : هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم وفي العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى ، وأما الأقرب فإنه عام فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضا ، ولنذكر تحقيق القول فيه وترجع الوجوه كلها إلى ذلك ، فنقول : الإحسان يستعمل في ثلاث معان أحدها : إثبات الحسن وإيجاده قال تعالى : { فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) وقال تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه } ( السجدة : 7 ) ثانيها : الإتيان بالحسن كالإظراف والإغراب للإتيان بالظريف والغريب قال تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) ثالثها : يقال : فلان لا يحسن الكتابة ولا يحسن الفاتحة أي لا يعلمهما ، والظاهر أن الأصل في الإحسان الوجهان الأولان والثالث مأخوذ منهما ، وهذا لا يفهم إلا بقرينة الاستعمال مما يغلب على الظن إرادة العلم ، إذا علمت هذا فنقول : يمكن حمل الإحسان في الموضعين على معنى متحد من المعنيين ويمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين أما الأول : فنقول : { هل جزاء الإحسان } أي هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن ، لكن الفعل الحسن من العبد ليس كل ما يستحسنه هو ، بل الحسن هو ما استحسنه الله منه ، فإن الفاسق ربما يكون الفسق في نظره حسنا وليس بحسن بل الحسن ما طلبه الله منه ، كذلك الحسن من الله هو كل ما يأتي به مما يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه الله تعالى منه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) وقوله تعالى : { وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون } ( الأنبياء : 102 ) وقال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) أي ما هو حسن عندهم وأما الثاني فنقول : هل جزاء من أثبت / الحسن في عمله في الدنيا إلا أن يثبت الله الحسن فيه وفي أحواله في الدارين وبالعكس هل جزاء من أثبت الحسن فينا وفي صورنا وأحوالنا إلا أن نثبت الحسن فيه أيضا ، لكن إثبات الحسن في الله تعالى محال ، فإثبات الحسن أيضا في أنفسنا وأفعالنا فنحسن أنفسنا بعبادة حضرة الله تعالى ، وأفعالنا بالتوجه إليه وأحوال باطننا بمعرفته تعالى ، وإلى هذا رجعت الإشارة ، وورد في الأخبار من حسن وجوه المؤمنين وقبح وجوه الكافرين وأما الوجه الثالث : وهو الحمل على المعنيين فهو أن تقول : على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يثبت الله فيه الحسن ، وفي جميع أحواله فيجعل وجهه حسنا وحاله حسنا ، ثم فيه لطائف :
اللطيفة الأولى : هذه إشارة إلى رفع التكليف عن العوام في الآخرة ، وتوجيه التكليف على الخواص فيها أما الأول : فلأنه تعالى لما قال : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } والمؤمن لا شك في أنه يثاب بالجنة فيكون له من الله الإحسان جزاء له ومن جازى عبدا على عمله لا يأمره بشكره / ولأن التكليف لو بقي في الآخرة فلو ترك العبد القيام بالتكليف لاستحق العقاب ، والعقاب ترك الإحسان لأن العبد لما عبد الله في الدنيا ما دام وبقي يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه في الآخرة ما دام وبقي ، فلا عقاب على تركه بلا تكليف وأما الثاني فنقول : خاصة الله تعالى عبدنا الله تعالى في الدنيا لنعم قد سبقت له علينا ، فهذا الذي أعطانا الله تعالى ابتداء نعمة وإحسان جديد فله علينا شكره ، فيقولون الحمد لله ، ويذكرون الله ويثنون عليه فيكون نفس الإحسان من الله تعالى في حقهم سببا لقيامهم بشكره ، فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى فيكون لهم بأدنى عبادة شغل شاغل عن الحور والقصور والأكل والشرب فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنابذون ولا يلعبون فيكون حالهم كحال الملائكة في يومنا هذا لا يتناكحون ولا يلعبون ، فلا يكون ذلك تكليفا مثل هذه التكاليف الشاقة ، وإنما يكون ذلك لذة زائدة على كل لذة في غيرها . اللطيفة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبد محكم في الآخرة كما قال تعالى : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } ( يس : 57 ) وذلك لأنا بينا أن الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان ، لكن الله لما طلب منا العبادة طلب كما أراد ، فأتى به المؤمن كما طلب منه ، فصار محسنا فهذا يقتضي أن يحسن الله إلى عبده ويأتي بما هو حسن عنده ، وهو ما يطلبه كما يريد فكأنه قال : { هل جزاء الإحسان } أي هل جزاء من أتى بما طلبته منه على حسب إرادتي إلا أن يؤتى بما طلبه مني على حسب إرادته ، لكن الإرادة متعلقة بالرؤية ، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالة على الرؤية البلكفية . اللطيفة الثالثة : هذه الآية تدل على أن كل ما يفرضه الإنسان من أنواع الإحسان من الله تعالى فهو دون الإحسان الذي وعد الله تعالى به لأن الكريم إذا قال للفقير : افعل كذا ولك كذا دينارا ، وقال لغيره افعل كذا على أن أحسن إليك يكون رجاء من لم يعين له أجرا أكثر من / رجاء من عين له ، هذا إذا كان الكريم في غاية الكرم ونهاية الغنى ، إذا ثبت هذا فالله تعالى قال : جزاء من أحسن إلى أن أحسن إليه بما يغبط به ، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه فالذي يعطي الله فوق ما يرجوه وذلك على وفق كرمه وإفضاله . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ومن دونهما جنتان فبأى ءالاء ربكما تكذبان مدهآمتان فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان فبأىءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 62 ) ومن دونهما جنتان
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?