Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب لأحد من المكلفين عليه شيء ألبتة ، وهو ضعيف لأن الآية دالة على أنه يفعل ما يريد ، فلم قلتم : إنه يريد أن لا يعطي الثواب . المسألة الخامسة : قال القفال : فعال لما يريد على ما يراه لا يعترض عليه معترض ولا يغلبه غالب ، فهو يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه منه مانع ، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر ، ويمهل العصاء على ما يشاء إلى أن يجازيهم ويعاجل بعضهم العقوبة إذا شاء ويعذب من شاء منهم / في الدنيا وفي الآخرة يفعل من هذه الأشياء ومن غيرهما ما يريد . ! 7 < { هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا فى تكذيب والله من ورآئهم محيط بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ } . > 7 ! < < البروج : ( 17 ) هل أتاك حديث . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال أصحاب الأخدود في تأذي المؤمنين بالكفار ، بين أن الذين كانوا قبلهم كانوا أيضا كذلك ، واعلم أن فرعون وثمود بدل من الجنود ، وأراد بفرعون إياه وقومه كما في قوله من فرعون وملئهم وثمود ، كانوا في بلاد العرب ، وقصتهم عندهم مشهورة فذكر تعالى من المتأخرين فرعون ، ومن المتقدمين ثمود ، والمقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار في جميع الأزمنة مستمرة على هذا النهج ، وهذا هو المراد من قوله : { بل الذين كفروا فى تكذيب } ولما طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر ، وهو قوله : { والله من ورائهم محيط } وفيه وجوه أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحوزته ، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه ، فلا يجد مهربا يقول تعالى : فهو كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك ، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم وثانيها : أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى : { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ( الفتح : 21 ) وقوله : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ( الإسراء : 60 ) وقوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } ( يونس : 22 ) فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك ، يقول : فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك وثالثها : أن يكون المراد والله محيط بأعمالهم ، أي عالم بها ، فهو مرصد بعقابهم عليها ، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك بوجه ثالث ، وهو قوله : { بل هو قرءان مجيد } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق هذا بما قبله ، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن التغير والتبدل ، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم ، وبتأذي قوم من قوم ، امتنع تغيره وتبدله ، فوجب الرضا به ، ولا شك أن هذا من أعظم موجبات التسلية . المسألة الثانية : قرىء : { بل هو } بالإضافة ، أي قرآن رب مجيد ، وقرأ يحيى بن يعمر في لوح واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح المحفوظ ، وقرىء محفوظ / بالرفع صفة للقرآن كما قلنا : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) .
المسألة الثالثة : أنه تعالى قال ههنا : { فى لوح محفوظ } وقال في آية أخرى : { إنه لقرءان كريم فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 78 , 77 ) فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحدا ثم كونه محفوظا يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا عن أن يمسه إلا المطهرون ، كما قال تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا من اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجري عليه تغيير وتبديل . المسألة الرابعة : قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤنه ولما كانت الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الطارق ) 1 < > سبع عشرة آية مكية وهي مشتملة على الترغيب في معرفة المبدأ والمعاد ! 7 < { والسمآء والطارق ومآ أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ } . > 7 ! / < < الطارق : ( 1 ) والسماء والطارق > > اعلم أنه تعالى أكثر في كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة ، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ليلا سواء كان كوكبا أو غيره فلا يكون الطارق نهارا ، والدليل عليه قول المسلمين في دعائهم : نعوذ بالله من طوارق الليل وروي أنه عليه السلام : ( نهى عن أن يأتي الرجل أهله طروقا ) والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال لأن تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل ، ثم إنه تعالى لما قال : { والطارق } كان هذا مما لايستغنى سامعه عن معرفة المراد منه ، فقال : { وما أدراك ما الطارق } قال سفيان بن عيينة : كل شيء في القرآن ما أدراك فقد أخبر الرسول به وكل شيء فيه ما يدريك لم يخبر به كقوله : { وما يدريك لعل الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) ثم قال : { النجم الثاقب } أي هو طارق عظيم الشأن ، رفيع القدر وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر ويوقف به على أوقات الأمطار ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : إنما وصف النجم بكونه ثاقبا لوجوه أحدها : أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل : درىء لأنه يدرؤه أي يدفعه وثانيها : أنه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء وثالثها : أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه ورابعها : قال الفراء : { النجم الثاقب } هو النجم المرتفع على النجوم ، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : قد ثقب . المسألة الثانية : إنما وصف النجم بكونه طارقا ، لأنه يبدو بالليل ، وقد عرفت أن ذلك يسمى طارقا ، أو لأنه يطرق الجني ، أي صكه . المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله : { النجم الثاقب } قال بعضهم : أشير به إلى جماعة النحو / فقيل الطارق ، كما قيل : { إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : 2 ) وقال آخرون : أنه نجم بعينه ، ثم قال ابن زيد : إنه الثريا ، وقال الفراء : أنه زحل ، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات ، وقال آخرون : أنه الشهب التي يرجم بها الشياطين ، لقوله تعالى : { فأتبعه شهاب ثاقب } ( الصافات : 10 ) .
المسألة الرابعة : روى أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتحفه بخبز ولبن ، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا ، ففزع أبو طالب ، وقال : أي شيء هذا ؟ فقال : هذا نجم رمي به ، وهو آية من آيات الله ، فعجب أبو طالب ، ونزلت السورة . واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه : { إن كل نفس لما عليها حافظ } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { لما } قراءتان إحداهما : قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع والكسائي ، وهي بتخفيف الميم والثانية : قراءة عاصم وحمزة والنخعي بتشديد الميم . قال أبو علي الفاسي : من خفف كانت { ءان } عنده المخففة من الثقيلة ، واللام في { لما } هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من إن النافية ، وما صلة كالتي في قوله : { فبما رحمة من الله } ( آل عمران : 159 ) { إلا قليل } وتكون { ءان } متلقية للقسم ، كما تتلقاه مثقلة . وأما من ثقل فتكون { ءان } عنده النافية ، كالتي في قوله : { ما إن مكناكم } و { لما } في معنى ألا ، قال : وتستعمل { لما } بمعنى ألا في موضعين أحدهما : هذا والآخر : في باب القسم ، تقول : سألتك بالله لما فعلت ، بمعنى ألا فعلت . وروى عن الأخفش والكسائي وأبي عبيدة أنهم قالوا : لم توجد لما بمعنى ألا في كلام العرب . قال ابن عون : قرأت عند ابن سيرين لما بالتشديد ، فأنكره وقال : سبحان الله ، سبحان الله ، وزعم العتبي أن { لما } بمعنى ألا ، مع أن الخفيفة التي تكون بمعنى ما موجودة في لغة هذيل . المسألة الثانية : ليس في الآية بيان أن هذا الحافظ من هو ، وليس فيها أيضا بيان أن الحافظ يحفظ النفس عماذا . أما الأول : ففيه قولان : الأول : قول بعض المفسرين : أن ذلك الحافظ هو الله تعالى . أما في التحقيق فلأن كل وجود سوى الله ممكن ، وكل ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح وينتهي ذلك إلى الواجب لذاته ، فهو سبحانه القيوم الذي بحفظه وإبقائه تبقى الموجودات ، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى في السموات والأرض على العموم في قوله : { إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا } وبينه في هذه الآية في حق الإنسان على الخصوص وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما سواه ، فإنه ممكن الوجود محدث محتاج مخلوق مربوب هذا إذا حملنا النفس على مطلق الذات ، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهي النفس الحيوانية أمكن أن يكون المراد من كونه تعالى حافظا لها كونه تعالى عالما بأحوالها وموصلا إليها جميع منافعها ودافعا عنها جميع مضارها . والقول الثاني : أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال : { ويرسل عليكم حفظة } وقال : { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 , 17 ) وقال : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } ( الإنفطار : 11 , 1 ) وقال : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) .
وأما البحث الثاني : وهو أنه ما الذي يحفظه هذا الحافظ ؟ ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وثانيها : { إن كل نفس لما عليها حافظ } يحفظ عملها ورزقها وأجلها ، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه ، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : { فلا تعجل عليهم إنما } ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه وثالثها : إن كل نفس لما عليها حافظ ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا يصيبها إلا ما قدر الله عليها ورابعها : قال الفراء : إن كل نفس لما عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر ، وهذا قول الكلبي . واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظا يراقبها ويعد عليها أعمالها ، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسعى في تحصيل أهم المهمات ، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد ، فلهذا السبب بدأ الله تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ . ! 7 < { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق يخرج من بين الصلب والترآئب } . > 7 ! < < الطارق : ( 5 ) فلينظر الإنسان مم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : الدفق صب الماء ، يقال : دفقت الماء ، أي صببته وهو مدفوق ، أي مصبوب ، ومندفق أي منصب ، ولما كان هذا الماء مدفوقا اختلفوا في أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه الأول : قال الزجاج : معناه ذو اندفاق ، كما يقال : دراع وفارس ونابل ولابن وتامر ، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر ، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه الثاني : أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل . قال الفراء : وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم ، يجعلون المفعول فاعلا إذا كان في مذهب النعت ، كقوله سر كاتم ، وهم ناصب ، وليل نائم ، وكقوله تعالى : { حسابيه فهو فى عيشة راضية } أي مرضية الثالث : ذكر الخليل في الكتاب المنسوب إليه دفق الماء دفقا ودفوقا إذا انصب بمرة ، واندفق الكوز إذا انصب بمرة ، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه : دافق خير ، وفي كتاب قطرب : دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع : صاحب الماء لما كان دافقا أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز . / المسألة الثانية : قرىء الصلب بفتحتين ، والصلب بضمتين ، وفيه أربع لغات : صلب وصلب وصلب وصالب : المسألة الثالثة : ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة ، وكل عظم من ذلك تريبة ، وهذا قول جميع أهل اللغة . قال امرؤ القيس : ترائبها مصقولة كالسجنجل
المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان : أحدهما : أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة . وقال آخرون : إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائبه ، واحتج صاحب القول الثاني على مذهبه بوجهين الأول : أن ماء الرجل خارج من الصلب فقط ، وماء المرأة خارج من الترائب فقط ، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خارج من بين الصلب والترائب ، وذلك على خلاف الآية الثاني : أنه تعالى بين أن الإنسان مخلوق { من ماء دافق } والذي يوصف بذلك هو ماء الرجل ، ثم عطف عليه بأن وصفه بأنه يخرج ، يعني هذا الدافق من بين الصلب والترائب ، وذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط أجاب : القائلون بالقول الأول عن الحجة الأولى : أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين : أنه يخرج من بين هذين خير كثير ، ولأن الرجل والمرأة عند اجتماعهما يصيران كالشيء الواحد ، فحسن هذا اللفظ هناك ، وأجابوا عن الحجة الثانية : بأن هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل ، فلما كان أحد قسمي المني دافقا أطلق هذا الاسم على المجموع ، ثم قالوا : والذي يدل على أن الولد مخلوق من مجموع الماءين أن مني الرجل وحده صغير فلا يكفي ، ولأنه روي أنه عليه السلام قال : ( إذا غلب ماء الرجل يكون الولد ذكرا ويعود شبه إليه وإلى أقاربه ، وإذا غلب ماء المرأة فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه ) وذلك يقتضي صحة القول الأول . واعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية ، فقالوا : إن كان المراد من قوله : { يخرج من بين الصلب والترائب } أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الأمر كذلك ، لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته ، فيصير مستعدا لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء ، ولذلك فإن المفرط في الجماع يستولي الضعف على جميع أعضائه ، وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف ، بل معظم أجزائه إنما يتربى في الدماغ ، والدليل عليه أن صورته يشبه الدماغ ، ولأن المكثر منه يظهر الضعف أولا في عينيه ، وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ضعيف / لأن مستقر المني هو أوعية المني ، وهي عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين ، وإن كان المراد أن مخرج المني هناك فهو ضعيف ، لأن الحس يدل على أنه ليس كذلك الجواب : لا شك أن أعظم الأعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ ، والدماغ خليفة وهي النخاع وهو في الصلب ، وله شعب كثيرة نازلة / إلى مقدم البدن وهو التريبة ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بالذكر ، على أن كلامكم في كيفية تولد المني ، وكيفية تولد الأعضاء من المني محض الوهم والظن الضعيف ، وكلام الله تعالى أولى بالقبول .
المسألة الخامسة : قد بينا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان عن النطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل ، لوجوه أحدها : أن التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر ، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على القادر المختار وثانيها : أن اطلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعه على أحوال غيره ، فلا جرم كانت هذه الدلالة أتم وثالثها : أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة ، فكان الاستدلال به على الصانع المختار أقوى ورابعها : وهو أن الاستدلال بهذا الباب ، كما أنه يدل قطعا على وجود الصانع المختار الحكيم ، فكذلك يدل قطعا على صحة البعث والحشر والنشر ، وذلك لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين ، بل في جميع العالم ، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويا ، وجب أن يقال : إنه بعد موته وتفرق أجزائه لا بد وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقا سويا ، كما كان أولا ولهذا السر لما بين تعالى دلالته على المبدأ ، فرع عليه أيضا دلالته على صحة المعاد فقال : ! 7 < { إنه على رجعه لقادر } . > 7 ! < < الطارق : ( 8 ) إنه على رجعه . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الضمير في أنه للخالق مع أنه لم يتقدم ذكره ، والسبب فيه وجهان الأول : دلالة خلق عليه ، والمعنى أن ذلك الذي خلق قادر على رجعه الثاني : أنه وإن لم يتقدم ذكره لفظا ، ولكن تقدم ذكر ما يدل عليه سبحانه ، وقد تقرر في بدائة العقول أن القادر على هذه التصرفات ، هو الله سبحانه وتعالى ، فلما كان ذلك في غاية الظهور كان كالمذكور . المسألة الثانية : الرجع مصدر رجعت الشيء إذا رددته ، والكناية في قوله على رجعه إلى أي شيء ترجع ؟ فيه وجهان أولهما : وهو الأقرب أنه راجع إلى الإنسان ، والمعنى أن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء وجب أن يقدر بعد موته على رده حيا ، وهو كقوله تعالى : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وقوله : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) وثانيهما : أن الضمير غير عائد إلى الإنسان ، ثم قال مجاهد : قادر على أن يرد الماء في الإحليل ، وقال عكرمة والضحاك : على أن يرد الماء في الصلب . وروي أيضا عن الضحاك أنه قادر على رد الإنسان ماء كما كان قبل ، وقال مقاتل بن حيان : إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا / إلى النطفة ، واعلم أن القول الأول أصح ، ويشهد له قوله : { يوم تبلى السرائر } أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة ، ثم إنه سبحانه لما أقام الدليل على صحة القول بالبعث والقيامة ، وصف حاله في ذلك اليوم فقال : ! 7 < { يوم تبلى السرآئر فما له من قوة ولا ناصر } . > 7 ! < < الطارق : ( 9 ) يوم تبلى السرائر > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : { يوم } منصوب برجعه ومن جعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بقوله : { فما له من قوة } أي ماله من قوة ذلك اليوم . المسألة الثانية : { تبلى } أي تختبر ، والسرائر ما أسر في القلوب من العقائد والنيات ، وما أخفى من الأعمال ، وفي كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال :
الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضا في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالما بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه . والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسنا وباطنه قبيحا ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو . الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله : { ونبلو أخباركم } وقوله : { ولنبلونكم } ثم قال المفسرون : { السرائر } التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون ذينا في الوجوه وشينا في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقا ومن ضيعها كان وجهه أغبر . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم ، لأن قوة الإنسان إما أن تكون له لذاته أو مستفادة من غيره ، فالأول منفي بقوله تعالى : { فما له من قوة } والثاني منفي بقوله : { ولا ناصر } والمعنى ماله من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل من العذاب { ولا ناصر } ينصره في دفعه ولا شك أنه زجر وتحذير ، ومعنى دخول من في قوله : { من قوة } على وجه النفي لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل : ماله من شيء من القوة ولا أحد من الأنصار . المسألة الرابعة : يمكن أن يتمسك بهذه الآية في نفي الشفاعة ، كقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) إلى قوله : { ولا هم ينصرون } ، الجواب : ما تقدم . ! 7 < { والسمآء ذات الرجع والارض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } . > 7 ! / < < الطارق : ( 11 ) والسماء ذات الرجع
> > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد ، والمعاد أقسم قسما آخر ، أما قوله : { والسماء ذات الرجع } فنقول : قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر . واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسما موضوعا للمطر بل سمي رجعا على سبيل المجاز ، ولحسن هذا المجاز وجوه أحدها : قال القفال : كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به ، فكذا المطر لكونه عائدا مرة بعد أخرى سمي رجعا وثانيها : أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وثالثها : أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعا ليرجع ورابعها : أن المطر يرجع في كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال : أحدها : قال ابن عباس : { والسماء ذات الرجع } أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها : رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا ، أي تعطيه مرة بعد مرة وثالثها : قال ابن زيد : هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما ، والقول هو الأول ، أما قوله تعالى : { والارض ذات الصدع } فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى : { يومئذ يصدعون } ( الروم : 43 ) أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس : تنشق عن النبات والأشجار ، وقال مجاهد : هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ . كما قال تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا } ( الأنبياء : 31 ) وقال الليث : الصدع نبات الأرض ، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به ، وعلى هذا سمي النبات صدعا لأنه صادع للأرض ، واعلم أنه سبحانه كما جعل ، كيفية خلقة الحيوان دليلا على معرفة المبدأ والمعاد ، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات ، فالسماء ذات الرجع كالأب ، والأرض ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء من المطر متكررا ، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك ، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه فقال : { إنه لقول فصل } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذا الضمير قولان : الأول : ما قال القفال وهو : أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم / الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق . والثاني : أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل : له فرقان ، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى .
المسألة الثانية : { قول فصل } أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل ، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم ، ويقال : هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع ، وقال بعض المفسرين : معناه أنه جد حق لقوله : { وما هو بالهزل } أي باللعب ، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد ، ولم ينزل باللعب ، ثم قال : { وما هو بالهزل } والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك ، ثم قال : { إنهم يكيدون كيدا } وذلك الكيد على وجوه . منها بإلقاء الشبهات كقولهم : { إن هى إلا حياتنا الدنيا } ( الأنعام : 29 ) { من يحى العظام وهى رميم } ( يس : 78 ) { أجعل الالهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) { فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ومنها بالطعن فيه بكونه ساحرا وشاعرا ومجنونا ، ومنها بقصد قتله على ما قاله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك } ( الأنفال : 30 ) ثم قال : { وأكيد كيدا } . واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه : أحدها : دفعه تعالى كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكقوله تعالى : { نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) وثانيها : أن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة ، ثم قال : { فمهل الكافرين } أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل ، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل ، فقال : { أمهلهم رويدا } فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة : إن تكبير رويد رود ، وأنشد : يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشي على ورد أي على مهلة ورفق وتؤدة ، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويدا زيدا يريد أرود زيدا ، ومعناه أمهله وارفق به ، قال النحويون : رويد في كلام العرب على ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون اسما للأمر كقولك : رويد زيدا تريد أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير متمكنة والثاني : أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف المصادر تقول : رويد زيد ، كما تقول : ضرب زيد قال تعالى : { فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ) ، والثالث : أن يكون نعتا منصوبا كقولك : ساروا سيرا رويدا ، ويقولون أيضا : ساروا رويدا ، يحذفون المنعوت / ويقيمون رويدا مقامه كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة ، ومن ذلك قول العرب : ضعه رويدا أي وضعا رويدا ، وتقول للرجل : يعالج الشيء الشيء رويدا ، أي علاجا رويدا ، ويجوز في هذا الوجه أمران أحدهما : أن يكون رويدا حالا والثاني : أن يكون نعتا فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال ، والذي في الآية هو ما ذكرنا في الوجه الثالث ، لأنه يجوز أن يكون نعتا للمصدر كأنه قيل : إمهالا رويدا ، ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير مستعجل .
المسألة الثانية : منهم من قال : { أمهلهم رويدا } إلى يوم القيامة وإنما صغر ذلك من حيث علم أن كل ما هو آت قريب ، ومنهم من قال : { أمهلهم رويدا } إلى يوم بدر والأول أولى ، لأن الذي جرى يوم بدر وفي سائر الغزوات لا يعم الكل ، وإذا حمل على أمر الآخرة عم الكل ، ولا يمتنع مع ذلك أن يدخل في جملته أمر الدنيا ، مما نالهم يوم بدر وغيره ، وكل ذلك زجر وتحذير للقوم ، وكما أنه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الأعلى ) 1 < > تسع عشر آية مكية ! 7 < { سبح اسم ربك الاعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى والذىأخرج المرعى فجعله غثآء أحوى } . > 7 < الأعلى : ( 1 - 5 ) سبح اسم ربك . . . . . > > / اعلم أن قوله تعالى : { سبح اسم ربك الاعلى } فيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { اسم ربك } قولان : أحدهما : أن المراد الأمر بتنزيه اسم الله وتقديسه والثاني : أن الاسم صلة والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى . أما على الوجه الأول ففي اللفظ احتمالات أحدها : أن المراد نزه اسم ربك عن أن تسمي به غيره ، فيكون ذلك نهيا على أن يدعى غيره باسمه ، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات ، ومسيلمة برحمان اليمامة وثانيها : أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر الأعلى بالعلو في المكان والاستواء بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر والاقتداء والاستواء بالاستيلاء وثالثها : أن يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم ، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة وعدم الوقوف على معانيها وحقائقها ورابعها : أن يكون المراد بسبح باسم ربك ، أي مجده بأسمائه التي أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } ( الإسراء : 110 ) ونظير هذا التأويل قوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) ومقصود الكلام من هذا التأويل أمران : أحدهما : { سبح اسم ربك الاعلى } ، أي صل باسم ربك ، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية والثاني : أن لا يذكر العبد ربه إلا بأسماء التي ورد التوقيف بها ، قال الفراء : لا فرق بين { سبح اسم ربك } وبين { فسبح باسم ربك } قال الواحدي : وبينهما فرق لأن معنى { فسبح باسم ربك } نزه الله تعالى بذكر اسمه المنبىء عن تنزيهه وعلوه عما يقول المبطلون ، و { سبح اسم ربك } أي نزه الاسم من السوء وخامسها : قال أبو مسلم : المراد من الاسم ههنا الصفة ، وكذا في / قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) أما على الوجه الثاني وهو أن يكون الاسم صلة ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين ، قالوا : لأن الاسم في الحقيقة لفظة مؤلفة من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب في الله تعالى ، ولكن المذكور إذا كان في غاية العظمة لا يذكر هو بل يذكر اسمه فيقال : سبح اسمه ، ومجد ذكره ، كما يقال : سلام على المجلس العالي ، وقال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
أي السلام وهذه طريقة مشهورة في اللغة ، ونقول على هذا الوجه : تسبيح الله يحتمل وجهين الأول : أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر الله بما لا ينبغي على ما قال : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ، الثاني : أنه عبارة عن تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به ، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله ، وفي أسمائه وفي أحكامه ، أما في ذاته فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض ، وأما في صفاته ، فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة ، وأما في أفعاله فأن يعتقد أنه مالك مطلق ، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور ، وقالت المعتزلة هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن ، وأنه لا يفعل القبيح ولا يرضى به ، وأما في أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التي ورد التوقيف بها ، هذا عندنا وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن بها أو لم يرد / وأما في أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه . بل إما لمحض المالكية على ما هو قولنا ، أو لرعاية مصالح العباد على ما ( هو ) قول المعتزلة . المسألة الثانية : من الناس من تمسك بهذه الآية في أن الإسم نفس المسمى ، فأقول : إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع ، فلا بد ههنا من بيان أن الإسم ما هو والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض في الاسم هل هو نفس المسمى أم لا ، فنقول : وإن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ ، وبالمسمى تلك الذات ، فالعاقل لا يمكنه أن يقول : الاسم هو المسمى ، وإن كان المراد ، من الاسم هو تلك الذات ، وبالمسمى أيضا تلك الذات كان قولنا الاسم نفس المسمى ، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات ، وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل ، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة . وإن كان كذلك كان الخوض في ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد بل ههنا دقيقة ، وهي أن قولنا : اسم لفظة جعلناها اسما لكل ما دل على معنى غير مقترن بزمان ، والاسم كذلك فيلزم أن يكون الاسم إسما لنفسه فههنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ذلك فاشتبه الأمر على المتأخرين ، وظنوا أن الاسم في جميع المواضع نفس المسمى ، هذا حاصل التحقيق في هذه المسألة ، ولنرجع إلى الكلام المألوف ، قالوا : الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى أن أحدا لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا فمعنى { سبح اسم ربك } سبح ربك ، والرب أيضا اسم فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه ، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما بينا / في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر واردا بتسبيح الاسم ، ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه . ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه .
المسألة الثالثة : روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوها في ركوعكم ) ولما نزل قوله : { سبح اسم ربك الاعلى } قال : ( اجعلوها في سجودكم ) ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول : في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) وفي سجوده : ( سبحان ربي الأعلى ) ثم من العلماء من قال : إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله : { سبح اسم ربك } أي صل باسم ربك ، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) ورد في بيان أوقات الصلاة . المسألة الرابعة : قرأ علي عليه السلام وابن عمر : سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوى ولعل الوجه فيه أن قوله : { سبح } أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله : { سبحان ربى الاعلى } . المسألة الخامسة : تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله : { ربك الاعلى } والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن يكون متناهيا أو غير متناه ، فإن كان متناهيا كان طرفه الفوقاني متناهيا ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضا فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهيا من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايرا للجانب غير المتناهي فيكون مركبا من جزأين ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال . فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة / مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله : { الاعلى } بقوله : { الذى خلق فسوى } والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة . المسألة السادسة : من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله : { فسبح باسم ربك العظيم } وأما الأعلى منه فقوله : { سبح اسم ربك الاعلى } فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه . واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم نقول ليس في / هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات . الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون ، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا ، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا . الثاني : أن قوله : { الاعلى } تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه : { الاعلى } أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل . والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير .
المسألة السابعة : روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول : ( لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة ) وروى : ( أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يسر على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشا ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى ) فقالت عائشة : لا آب غائبكم ، ولا زالت نساؤكم في لزبة ) والله أعلم . أما قوله تعالى : { الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح ، فكأن سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة ، فما الدليل على وجود الرب ؟ فقال : { الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ، أنه قال : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهرون عليهما السلام : { فمن ربكما ياموسى موسى } ( طه : 49 ) ؟ قال موسى عليه السلام : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } ( طه : 50 ) وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله : { اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق } ( العلق : 2 , 1 ) هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال : { اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم } ( العلق : 4 , 3 ) وهذا إشارة إلى الهداية ، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة ، فقال : { الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيرا لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر ، ومشاهدة الإنسان لها / واطلاعه عليها أتم ، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة ، ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : { خلق فسوى } يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها أحدها : أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة ، على ما قال : { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } ( التين : 4 ) وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ، وثانيها : أن كل حيوان / فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها : أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات ، وأما من حمله على جميع الحيوانات . قال : المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال : المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفا بوصف الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب .
المسألة الثانية : قرأ الجمهور : { قدر } مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال القفال : معناه ملك فهدى وتأويله : أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : { فقدرنا فنعم القادرون } بالتشديد والتخفيف . المسألة الثالثة : أن قوله : { قدر } يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقدارا معلوما على ما قال : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : 21 ) وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى اعليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه الآية . وتفصيل هذه الجملة . أما قوله : { فهدى } فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى ، وقوله : { فهدى } عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدرا لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، وللمفسرين فيه وجوه ، قال مقاتل : هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون : هداه للمعيشة ورعاه ، وقال آخرون : هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، وذلك لأنه جعله حساسا دراكا متمكنا من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ( الإنسان : 3 ) وقال : { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس : 8 , 7 ) وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء : قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر إحداهما : كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) وقال آخرون : الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله : { وإنك لتهدى } ( الشورى : 52 ) أي تدعو / وقد دعى الكل إلى الإيمان ، وقال / آخرون : هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه ، ونعوت صمديته ، وفردانيته ، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعال محكمة متقنة منتسقة منتظمة ، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم ، وقال قتادة في قوله : { فهدى } إن الله تعالى ما أكره عبدا على معصية ، ولا على ضلالة ، ولا رضيها له ولا أمره بها ، ولكن رضي لكم الطاعة ، وأمركم بها ، ونهاكم عن المعصية ، واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين ، فمنهم من حمل قوله : { فهدى } على ما يتعلق بالدين كقوله : { وهديناه النجدين } ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا ، والأول أقوى ، لأن قوله : { خلق فسوى وقدر } يرجع إلى أحوال الدنيا ، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى ، ثم أتبعه بقوله : { فهدى } أي كلفه ودله على الدين ، أما قوله تعالى : { والذى أخرج المرعى } فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم : فقال : { والذى أخرج المرعى } أي هو القادر على إنبات العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة ، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن الثمار والزروع والحشيش ، قال ابن عباس : المرعى الكلأ الأخضر ، ثم قال : فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت به الرياح ، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة . المسألة الثانية : الحوة السواد ، وقال بعضهم : الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة ، وفي أحوى قولان : أحدهما : أنه نعت الغثاء أي صار بعد الخضرة يابسا فتغير إلى السواد ، وسبب ذلك السواد أمور أحدها : أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء ، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس وثانيها : أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود وثالثها : أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود القول الثاني : وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة ، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته ، كما قيل : { مدهامتان } أي سوداوان لشدة خضرتهما ، والتقدير الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء ، كقوله : { ولم يجعل له عوجا قيما } أي أنزل قيما ولم يجعل له عوجا . ! 7 < { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 6 ) سنقرئك فلا تنسى > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا بالتسبيح فقال : { سبح اسم ربك الاعلى } ( الأعلى : 1 ) وعلم محمدا عليه السلام أن ذلك التسبيح لا يتم ولا يكمل إلا بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن ، لما بينا أن التسبيح الذي يليق به هو الذي يرتضيه لنفسه ، فلا جرم كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى فأزال الله تعالى ذلك الخوف عن قلبه بقوله : { سنقرئك فلا تنسى } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قال الواحدي : { سنقرئك } أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه ، والمعنى نجعلك قارئا للقرآن تقرؤه فلا تنساه ، قال مجاهد ومقاتل والكلبي : كان عليه السلام إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى ، وكان جبريل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان ، فقال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه ، ونظيره قوله : { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك وحيه } ( طه : 114 ) وقوله : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ثم ذكروا في كيفية ذلك الاستقراء والتعليم وجوها أحدها : أن جبريل عليه السلام سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه وثانيها : أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظ بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه وثالثها : أنه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه فإنا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ونجمعه في قلبك ، ونيسرك لليسرى وهو العمل به .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين الأول : أنه كان رجلا أميا فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزا الثاني : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل وقد وقع فكان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا ، أما قوله : { فلا تنسى } فقال بعضهم : { فلا تنسى } معناه النهي ، والألف مزيدة للفاصلة ، كقوله : { السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه ، والقول المشهور أن هذا خبر والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان ، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن العرى ، واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات في هذه الآية منها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فلا يصح ورود الأمر والنهي به ، فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التي تنافي النسيان مثل الدراسة وكثرة التذكر . وكل ذلك عدول عن ظاهر اللفظ . ومنها أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضا خلاف الأصل ومنها أنا إذا جعلناه خبرا كان معنى الآية بشارة الله إياه بأني أجعلك بحيث لا تنساه ، وإذا جعلناه نهيا كان معناه أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة ، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأول ، ولأنه على خلاف قوله : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ( القيامة : 16 ) . أما قوله : { إلا ما شاء الله } ففيه احتمالان أحدهما : أن يقال : هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئا ، قال الكلبي : إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا / وعلى هذا التقدير يكون الغرض من قوله : { إلا ما شاء الله } أحد أمور أحدها : التبرك بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 24 , 23 ) وكأنه تعالى يقول : أنا مع أني عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن / وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها وثانيها : قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئا ، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسيا لذلك لقدر عليه ، كما قال : { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } ( الإسراء : 86 ) ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام : { لئن أشركت ليحبطن عملك } مع أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك ألبتة ، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله وإحسانه لا من قوته وثالثها : أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي قليلا كان أو كثيرا أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التثبت والتحفظ والتيقظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السلام على التيقظ ، في جميع الأحوال ورابعها : أن يكون الغرض من قوله : { إلا ما شاء الله } نفي النسيان رأسا ، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء ( الله ) ، ولا يقصد استثناء شيء . القول الثاني : أن قوله : { إلا ما شاء الله } استثناء في الحقيقة ، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوها أحدها : قال الزجاج : إلا ما شاء الله أن ينسى ، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك ، فإذا قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسيانا كليا دائما ، روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال : نسيتها . وثانيها : قال مقاتل : إلا ما شاء الله أن ينسيه ، ويكون المراد من الإنساء ههنا نسخة ، كما قال : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها } فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها ، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به ، فيصير ذلك سببا لنسيانه ، وزواله عن الصدور . وثالثها : أن يكون معنى قوله : { إلا ما شاء الله } القلة والندرة ، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن ، فإنه لو نسي شيئا من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع ، وإنه غير جائز .
أما قوله تعالى : { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ففيه وجهان أحدهما : أن المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان ، فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه والثاني : أن يكون المعنى : فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسخ ، فإنه أعلم بمصالح العبيد ، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ . ! 7 < { ونيسرك لليسرى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 8 ) ونيسرك لليسرى > > ففيه مسائل : المسألة الأولى : اليسرى هي أعمال الخير التي تؤدي إلى اليسر ، إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه وجوه : أحدها : أن قوله : { ونيسرك } معطوف على { سنقرؤك } وقوله : { الله إنه يعلم الجهر وما يخفى } اعتراض ، والتقدير : سنقرؤك فلا تنسى ، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن وثانيها : قال ابن مسعود : اليسرى الجنة ، والمعنى نيسرك للعمل المؤدى إليها وثالثها : نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ورابعها : نوفقك للشريعة وهي الحنيفية السهلة السمحة ، والوجه الأول أقرب . المسألة الثانية : لسائل أن يسأل فيقول العبارة المعتادة أن يقال : جعل الفعل الفلاني ميسرا لفلان ، ولا يقال : جعل فلان ميسرا للفعل الفلاني فما الفائدة فيه ؟ ههنا الجواب : أن هذه العبارة كما أنها اختيار القرآن في هذا الموضع ، وفي سورة الليل أيضا ، فكذا هي اختيار الرسول في قوله عليه السلام : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) وفيه لطيفة علمية ، وذلك لأن ذلك الفعل في نفسه ماهية ممكنة قابلة للوجود والعدم على السوية ، فما دام القادر يبقى بالنسبة إلى فعلها وتركها على السوية امتنع صدور الفعل عنه ، فإذا نرجح جانب الفاعلية على جانب التاركية ، فحينئذ يحصل الفعل ، فثبت أن الفعل ما لم يجب لم يوجد ، وذلك الرجحان هو المسمى بالتيسير ، فثبت أن الأمر بالتحقيق هو أن الفاعل يصير ميسرا للفعل ، لا أن الفعل يصير ميسرا للفاعل ، فسبحان من له تحت كل كلمة حكمة خفية وسر عجيب يبهر العقول . المسألة الثالثة : إنما قال : { ونيسرك لليسرى } بنون التعظيم لتكون عظمة المعطى دالة على عظمة العطاء ، نظيره قوله تعالى : { إنا أنزلناه } ( يوسف : 2 ) { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) ( إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير والستهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبيا لا أب له ولا أم له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين ، وهديا للخلق أجمعين . ! 7 < { } ( الكوثر : 1 ) دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير والستهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبيا لا أب له ولا أم له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين ، وهديا للخلق أجمعين . ! 7 < { فذكر إن نفعت الذكرى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 9 ) فذكر إن نفعت . . . . .
> > فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى قوله : { ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 8 ) أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : { فذكر } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : { إن نفعت الذكرى } ؟ الجواب : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ( النور : 33 ) ومنها قوله : { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ( البقرة : 172 ) ومنها قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : { ولم تجدوا كاتبا فرهان } ( البقرة : 283 ) والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : { فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها : أن من باشر فعلا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الأفضاء ، فلذلك قال : { إن نفعت الذكرى } وثانيها : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) والتقدير : { فذكر إن نفعت الذكرى } أو لم تنفع وثالثها : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق : قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها : أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له : { وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط . السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك ؟ الجواب : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر . السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ والجواب : أن الضابط فيه هو العرف والله أعلم . ! 7 < { سيذكر من يخشى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 10 ) سيذكر من يخشى > > ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من قطع بصحته ، ومنهم من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات ، ومنهم من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية حاصلة لهما ، وأما القسم الثالث فلا خشية له ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن الآية تحتمل تفسيرين : أحدهما : أن يقال : الذي يخشى هو الذي يكون عارفا بالله وعارفا بكمال قدرته وعلمه وحكمته ، وذلك يقتضي كونه قاطعا بصحة المعاد / ولذلك قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) فكأنه تعالى لما قال : { فذكر إن نفعت الذكرى } بين في هذه الآية أن الذي تنفعه الذكرى من هو ، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيا على حصول الخشية في القلب ، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها إلا الله سبحانه وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير . الثاني : أن يقال : إن الخشية حاصلة للعاملين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر الخلق متوقفون غير معاندين والمعاند فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة العارفون كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين ، ثم إن كثيرا من المعاندين ، إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند في قلبه بينه وبين نفسه فذلك مما لا يكون أو إن كان فهو في غاية الندرة والقلة ، ثم إن الإنسان إذا سمع التخويف بأنه { يصلى النار الكبرى } ( الأعلى : 12 ) وأنه { لا يموت فيها ولا يحى } ( الأعلى : 13 ) انكسر قلبه فلا بد وأن يستمع وينتفع أغلب الخلق في أغلب الأحوال ، وأما ذلك المعرض فنادر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فمن هذا الوجه كان قوله : { فذكر إن نفعت الذكرى } يوجب تعميم التذكير . المسألة الثالثة : السين في قوله : { سيذكر } يحتمل أن تكون بمعنى سوف يذكر وسوف من الله واجب كقوله : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) ويحتمل أن يكون المعنى أن من خشي الله فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر ، والله أعلم . المسألة الرابعة : العلم إنما يسمى تذكرا إذا كان قد حصل العلم أولا ثم نسيه وهذه الحالة غير حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر ؟ وجوابه : أن لقوة الدلائل وظهورها كأن ذلك العلم كان حاصلا ، ثم إنه زال بسبب التقليد والعناد . فلهذا أسماه الله تعالى بالتذكر . المسألة الخامسة : قيل : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ، وقيل : نزلت في ابن أم مكتوم . أما قوله تعالى : ! 7 < { ويتجنبها الا شقى الذى يصلى النار الكبرى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 11 ) ويتجنبها الأشقى > > فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون ، وبينا أن القسمين الأولين ، لا بد وأن يكون لهما خوف وخشية ، وصاحب الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها ، فيكون الأشقى هو المعاند الذي لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها ، فلهذا قال تعالى : { ويتجنبها الاشقى الذى يصلى النار الكبرى } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير النار { الكبرى } وجوها أحدها : قال الحسن : الكبرى نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا وثانيها : أن في الآخرة نيرانا ودركات متفاضلة كماأن في الدنيا ذنوبا ومعاصي متفاضلة ، وكما أن الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران وثالثها : / أن النار الكبرى هي النار السفلى ، وهي تصيب الكفار على ما قال تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . المسألة الثانية : قالوا : نزلت هذه الآية في الوليد وعتبة وأبي ، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما وقد بينا صحة هذا الترتيب بالبرهان العقلي . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر ههنا قسمين أحدهما : الذي يذكر ويخشى والثاني : الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ، لكن وجود الأشقى يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم ؟ وجوابه : أن لفظة الأشقى لا تقتضي وجود الشقي إذ قد يجري مثل هذا اللفظ من غير مشاركة ، كقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ( الفرقان : 24 ) وقيل : المعنى ، ويتجنبها الشقي الذي يصلى كما في قوله : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) أي هين عليه ، ومثل قول القائل : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول هذا ما قيل لكن التحقيق ما ذكرنا أن الفرق الثلاثة ، العارف والمتوقف والمعاند فالسعيد هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند الذي بينا أنه هو الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها . أما قوله تعالى : ! 7 < { ثم لا يموت فيها ولا يحيا } . > 7 ! < < الأعلى : ( 13 ) ثم لا يموت . . . . . > > ففيه مسألتان : المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجهان : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه ، كما قال : { لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها } ( فاطر : 36 ) وهذا على مذهب العرب تقول للمبتلي بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ميت وثانيهما : معناه أن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه فلا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا . المسألة الثانية : إنما قيل : { ثم } لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلى فهو متراخ عنه في مراتب الشدة . أما قوله تعالى : ! 7 < { قد أفلح من تزكى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 14 ) قد أفلح من . . . . .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?