Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أما قوله : { التى لم يخلق مثلها فى البلاد } فالضمير في مثلها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : { لم يخلق مثلها } أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني : لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، وقرأ ابن الزبير { لم يخلق مثلها } أي لم يخلق الله مثلها الثالث : أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد ، وعلى هذا فالعماد جمع عمد ، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى : { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } فقال الليث : الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوبا . وزاد الفراء يجيب جيبا ويقال : جبت البلاد جوبا أي جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس : يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتا وأحواضا وما أرادوا من الأبنية ، كما قال : { وتنحتون من الجبال بيوتا } ( الأعراف : 74 ) قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام / ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله : { بالواد } قال مقاتل : بوادي القرى . وأما قوله تعالى : { وفرعون ذى الاوتاد } فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص ، ونقول : الآن فيه وجوه أحدها : أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها : أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها : ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر : في ظل ملك راسخ الأوتاد ورابعها : روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى : { الذين طغوا فى البلاد } وفيه مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب . المسألة الثانية : أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعا على ( الإخبار ، أي ) هم الذين طغوا أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون .
المسألة الثالثة : { طغوا فى البلاد } أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى : { فأكثروا فيها الفساد } ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } واعلم أنه يقال : صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال القاضي : وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : إن عند الله أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن قيل : أليس أن قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها دابة } ( النحل : 61 ) يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ قلنا : هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال تعالى : { إن ربك لبالمرصاد } تقدم عند قوله : { كانت مرصادا } ( النبأ : 21 ) ونقول : المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه ، وعن بعض العرب أنه قيل له : أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها : / قال الحسن : يرصد أعمال بني آدم وثانيها : قال الفراء : إليه المصير ، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين والكافرين ، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار ، أو بوعيد العصاة ، أما الأول فقال الزجاج : يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب ، وأما الثاني فقال الضحاك : يرصد لأهل الظلم والمعصية ، وهذه الوجوه متقاربة . ! 7 < { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربىأكرمن وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربىأهانن } . > 7 < الفجر : ( 15 - 16 ) فأما الإنسان إذا . . . . . > >
اعلم أن قوله : { فأما الإنسان } متعلق بقوله : { إن ربك لبالمرصاد } ( الفجر : 14 ) كأنه قيل : إنه تعالى لبالمرصاد في الآخرة ، فلا يريد إلا السعي للآخرة فأما الإنسان فإنه لا يهمه إلا الدنيا ولذاته وشهواتها ، فإن وجد الراحة في الدنيا يقول : ربي أكرمني ، وإن لم يجد هذه الراحة يقول : ربي أهانني ، ونظيره قوله تعالى في صفة الكفار : { يعلمون ظاهرا من الحيواة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) وقال : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } ( الحج : 11 ) وهذا خطأ من وجوه أحدها : أن سعادة الدنيا وشقاوتها في مقابلة ما في الآخرة من السعادة والشقاوة كالقطرة في البحر ، فالمتنعم في الدنيا لو كان شقيا في الآخرة فذاك التنعم ليس بسعادة ، والمتألم المحتاج في الدنيا لو كان سعيدا في الآخرة فذاك ليس بإهانة ولا شقاوة ، إذ المتنعم في الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالسعادة والكرامة ، والمتألم في الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالشقاوة والهوان وثانيها : أن حصول النعمة في الدنيا وحصول الآلام في الدنيا لا يدل على الاستحقاق فإنه تعالى كثيرا ما يوسع على العصاة والكفرة ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وإما يحكم المصلحة ، وإما على سبيل الاستدراج والمكر ، وقد يضيق على الصديقين لأضداد ما ذكرنا ، فلا ينبغي للعبد أن يظن أن ذلك لمجازاة وثالثها : أن المتنعم لا ينبغي أن يغفل عن العاقبة ، فالأمور بخواتيمها ، والفقير والمحتاج لا ينبغي أن يغفل عما لله عليه من النعم التي لا حد لها من سلامة البدن والعقل والدين ودفع الآفات والآلام التي لا حد لها ولا حصر ، فلا ينبغي أن يقضي على نفسه بالإهانة مطلقا ورابعها : أن النفس قد ألفت هذه المحسوسات ، فمتى حصلت هذه المشتهيات واللذات صعب عليها الانقطاع عنها وعدم الاستغراق فيها ، أما إذا لم يحصل للإنسان شيء من هذه المحسوسات رجعت شاءت أم أبت إلى الله ، واشتغلت بعبودية الله فكان وجدان الدنيا سببا للحرمان من الله ، فكيف يجوز القضاء بالشقاوة والإهانة عند عدم الدنيا ، مع أن ذلك / أعظم الوسائل إلى أعظم السعادات وخامسها : أن كثرة الممارسة سبب لتأكد المحبة ، وتأكد المحبة سبب لتأكد الألم عند الفراق ، فكل من كان وجدانه للدنيا أكثر وأدوم كانت محبته لها أشد ، فكان تألمه بمفارقتها عند الموت أشد ، والذي بالضد فبالضد ، فإذن حصول لذات الدنيا سبب للألم الشديد بعد الموت ، وعدم حصولها سبب للسعادة الشديدة بعد الموت ، فكيف يقال : إن وجدان الدنيا سعادة وفقدانها شقاوة ؟ . واعلم أن هذه الوجوه إنما تصح مع القول بإثبات البعث روحانيا كان أو جسمانيا ، فأما من ينكر البعث من جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة ، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سببا للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سببا لبقاء السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضا لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة ، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد / وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : قوله : { فأما الإنسان } المراد منه شخصين معين أو الجنس ؟ الجواب : فيه قولان : الأول : أن المراد منه شخصين معين ، فروي عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة بن المغيرة ، وقال الكلبي : هو أبي بن خلف ، وقال مقاتل : نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني : أن المراد من كان موصوفا بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء . السؤال الثاني : كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء ؟ الجواب : لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه قوله تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) . السؤال الثالث : لما قال : { فأكرمه } فقد صحح أنه أكرمه . وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى عنه أنه قال : { ربى أكرمن } ذمه عليه فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب : لأن كلمة الإنكار هي قوله : { كلا } فلم لا يجوز أن يقال : إنها مختصة بقوله : { ربى أهانن } سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معا ولكن فيه وجوه ثلاثة أحدها : أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني : أن نعم الله تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال ، وهي نعمة سلامة البدن والعقل والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة الله ، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد الثالث : أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه منكرا للبعث ، فلا جرم استحق الذم على ما حكى الله تعالى ذلك ، فقال : { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هاذه أبدا وما أظن الساعة قائمة } إلى قوله : { أكفرت بالذى خلقك من تراب } ( الكهف : 37 , 35 ) . / السؤال الرابع لم قال في القسم الأول : { إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه } وفي القسم الثاني : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } فذكر الأول بالفاء والثاني بالواو ؟ والجواب : لأن رحمة الله سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام ، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم وقبله الثاني على ما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) . السؤال الخامس : لما قال في القسم الأول : { فأكرمه فيقول ربى أكرمن } يجب أن يقول في القسم الثاني : فأهانه فيقول : { ربى أهانن } لكنه لم يقل ذلك والجواب : لأنه في قوله : { أكرمن } صادق وفي قوله : { أهانن } غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل واعتقاد فاسد ، فكيف يحكي الله سبحانه ذلك عنه . السؤال السادس : ما معنى قوله : فقدر عليه رزقه ؟ الجواب : ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة ، وقرىء فقدر على التخفيف وبالتشديد أي قتر ، وأكرمن وأهانن بسكون النون في الوقف فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة . ! 7 < { كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما } . > 7 ! < < الفجر : ( 17 ) كلا بل لا . . . . .
> > واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال : { كلا } وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة ، قال ابن عباس : المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة ، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة ، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل ، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال : بل لهم فعل هو شر من هذا القول ، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ، فقال : { بل لا تكرمون اليتيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : { يكرمون } وما بعده بالياء المنقوطة من تحت ، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان ، وكان يراد به الجنس والكثرة ، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه ، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك . المسألة الثانية : قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقه . / واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها : ترك بره ، وإليه الإشارة بقوله : { اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين } والثاني : دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وتأكلون التراث أكلا لما } والثالث : أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله : { وتحبون المال حبا جما } أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم ، أما قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } قال مقاتل : ولا تطعمون مسكينا ، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى : { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين } ( الحاقة : 34 , 33 ) ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون ، والمعنى : { يحض بعضكم بعضا وفى لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون } بضم التاء من المحاضة . أما قوله : { وتأكلون التراث أكلا لما } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : أصل التراث وراث ، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت . المسألة الثانية : قال الليث : اللم الجمع الشديد ، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم ، والآكل يلم الثريد فيجعله لقما ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع ، فمعنى اللم في اللغة الجمع ، وأما التفسير ففيه وجوه أحدها : قال الواحدي والمفسرون : يقولون في قوله : { أكلا لما } أي شديدا وهو حل معنى وليس بتفسير ، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتا للأكل ، والمراد به الفاعل أي آكلا لاما أي جائعا كأنهم يستوعبونه بالأكل ، قال الزجاج : كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافا وبدارا ، فقال الله : { وتأكلون التراث أكلا لما } أي تراث اليتامى لما أي تلمون جميعه ، وقال الحسن : أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم ، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم وثانيها : أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال ، وبعضه شبهة وبعضه حرام ، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله وثالثها : قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن يكون الذم متوجها إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلا لما واسعا / جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ، كما يفعله الوراث البطالون .
أما قوله تعالى : { ويحبون المال حبا جما } فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال : جم الشيء يجم جموما يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أي يكثر ، والمعنى : ويحبون المال حبا كثيرا شديدا ، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة . ! 7 < { كلا إذا دكت الا رض دكا دكا وجآء ربك والملك صفا صفا وجىء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } . > 7 ! / < < الفجر : ( 21 ) كلا إذا دكت . . . . . > > اعلم أن قوله : { كلا } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا في الحرص على الدنيا وقصر الهمة والجهاد على تحصيلها والاتكال عليها وترك المواساة منها وجمعها من حيث تتهيأ من حل أو حرام ، وتوهم أن لا حساب ولا جزاء . فإن من كان هذا حاله يندم حين لا تنفعه الندامة ويتمنى أن لو كان أفنى عمره في التقرب بالأعمال الصالحة والمواساة من المال إلى الله تعالى ، ثم بين أنه إذا جاء يوم موصوف بصفات ثلاثة فإنه يحصل ذلك التمني وتلك الندامة . الصفة الأولى : من صفات ذلك اليوم قوله : { إذا دكت الارض دكا دكا } قال الخليل : الدك كسر الحائط والجبل والدكداك رمل متلبد ، ورجل مدك شديد الوطء على الأرض ، وقال المبرد : الدك حط المرتفع بالبسط واندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره ، وناقة دكاء إذا كانت كذلك ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش ، فمعنى الدك على قول الخليل : كسر كل شيء على وجه الأرض من جبل أو شجر حين زلزلت فلم يبق على ظهرها شيء ، وعلى قول المبرد : معناه أنها استوت في الانفراش فذهبت دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحرة الملساء ، وهذا معنى قول ابن عباس : تمد الأرض يوم القيامة . واعلم أن التكرار في قوله : { دكا دكا } معناه دكا بعد دك كقولك حسبته بابا بابا وعلمته حرفا حرفا أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منثورا . واعلم أن هذا التدكدك لا بد وأن يكون متأخرا عن الزلزلة ، فإذا زلزلت الأرض زلزلة بعد زلزلة وحركت تحريكا بعد تحريك انكسرت الجبال التي عليها وانهدمت التلال وامتلأت الأغوار وصارت ملساء ، وذلك عند انقضاض الدنيا وقد قال تعالى : { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } ( النازعات : 7 , 6 ) وقال : { وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) وقال : { إذا رجت الارض رجا وبست الجبال بسا } . الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله : { وجاء ربك والملك صفا صفا } .
واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله تعالى محال ، لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد فيه من التأويل ، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ثم ذلك المضاف ما هو ؟ فيه وجوه أحدها : وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة وثانيها : وجاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم وثالثها : وجاء جلائل آيات ربك لأن هذا يكون يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات ، فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات ورابعها : وجاء ظهور ربك ، وذلك لأن معرفة الله تصير في ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخلق ، فقيل : { وجاء ربك } أي زالت الشبهة وارتفعت / الشكوك خامسها : أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه ، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها : أن الرب هو المربى ، ولعل ملكا هو أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فكان هو المراد من قوله : { وجاء ربك } . أما قوله : { والملك صفا صفا } فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس . الصفة الثالثة : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : { وجىء يومئذ بجهنم } ونظيره قوله تعالى : { وبرزت الجحيم للغاوين } ( الشعراء : 91 ) قال جماعة من المفسرين : جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ، قال الأصوليون : ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد { وبرزت } أي ظهرت حتى رآها الخلق ، وعلم الكافر أن مصيره إليها ، ثم قال : { يومئذ يتذكر الإنسان } واعلم أن تقدير الكلام : إذا دكت الأرض ، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان ، وفي تذكره وجوه الأول : أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا ، ثم إنه في الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالا ، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني : يتذكر أي يتعظ ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظا فيقول : { فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا } ( الأنعام : 27 ) ، الثالث : يتذكر يتوب وهو مروي عن الحسن ، ثم قال تعالى : { وأنى له الذكرى } { وقد جاءهم رسول مبين } ( الدخان : 13 ) : واعلم أن بين قوله : { يتذكر } وبين قوله : { وأنى له الذكرى } تناقضا فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى .
ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه ، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على الله عقلا ، وقالت المعتزلة : هو واجب . فنقول : الدليل على قولنا أن الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له ، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه ، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة ، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله : { وأنى له الذكرى } فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلا قبولها ، فإن قيل القوم : إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها ، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة ؟ قلنا : القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعا وجب أن يكون ندمهم واقعا على هذا الوجه ، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا . ! 7 < { يقول ياليتنى قدمت لحياتى } . > 7 < الفجر : ( 24 ) يقول يا ليتني . . . . . > > ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى : { يقول ياليتنى ليتنى قدمت لحياتى } وفيه مسألتان : / المسألة الأولى : للآية تأويلات : أحدهما : { لدى وقد قدمت } في الدنيا التي كانت حياتي فيها منقطعة ، لحياتي هذه التي هي دائمة غير منقطعة ، وإنما قال : { لحياتى } ولم يقل : لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة ، قال تعالى : { وإن الدار الاخرة لهى الحيوان } ( العنكبوت : 64 ) أي لهي الحياة . وثانيها : أنه تعالى قال في حق الكافر : { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } ( إبراهيم : 17 ) وقال : { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } ( طه : 74 ) وقال : { ويتجنبها الاشقى الذى يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى } ( الأعلى : 13 , 11 ) فهذه الآية دلت على أن أهل النار في الآخرة كأنه لا حياة لهم ، والمعنى فياليتني قدمت عملا يوجب نجاتي من النار حتى أكون من الأحياء . وثالثها : أن يكون المعنى : فياليتني قدمت وقت حياتي في الدنيا ، كقولك جئته لعشر ليال خلون من رجب . المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم وأنهم ما كانوا محجوبين عن الطاعات مجترئين على المعاصي وجوابه : أن فعلهم كان معلقا بقصدهم ، فقصدهم إن كان معلقا بقصد آخر لزم التسلسل ، وإن كان معلقا بقصد الله فقد بطل الاعتزال . ثم قال تعالى : ! 7 < { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } . > 7 < الفجر : ( 25 - 26 ) فيومئذ لا يعذب . . . . . > > وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قراءة العامة يعذب ويوثق بكسر العين فيهما قال مقاتل معناه : فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق ، والمعنى لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق ، قال أبو عبيدة : هذا التفسير ضعيف لأنه ليس يوم القيامة معذب سوى الله فكيف يقال : لا يعذب أحد في مثل عذابه ، وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه الأول : أن التقدير لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ ، والمعنى مثل عذابه ووثاقه في الشدة والمبالغة الثاني : أن المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد ، أي الأمر يومئذ أمره ولا أمر لغيره الثالث : وهو قول أبي علي الفارسي : أن يكون التقدير لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، فالضمير في عذابه عائد إلى الإنسان ، وقرأ الكسائي لا يعذب ولا يوثق بفتح العين فيها واختاره أبو عبيدة ، وعن أبي عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره ، لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأهما بالفتح والضمير للإنسان الموصوف ، وقيل : هو أبي بن خلف ولهذه القراءة تفسيران أحدهما : لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه ، لتناهيه في كفره وفساده والثاني : / أنه لا يعذب أحد من الناس عذاب الكافر ، كقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( فاطر : 18 ) قال الواحدي وهذه أولى الأقوال . المسألة الثانية : العذاب في القراءتين بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى الإيثاق ، كالعطاء بمعنى الإعطاء في قوله : أكفرا بعد رد الموت عن وبعد عدائك المائة الرتاعا ! 7 < { ياأيتها النفس المطمئنة } . > 7 ! < < الفجر : ( 27 ) يا أيتها النفس . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا ، وصف حال من أطمأن إلى معرفته وعبوديته ، فقال : { ولا تقتلوا النفس } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير هذا الكلام . يقول الله للمؤمن : { ولا تقتلوا النفس } فإما أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك ، وقال القفال : هذا وإن كان أمرا في الظاهر لكنه خبر في المعنى ، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله ، وقال الله لها : { فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى } ( الفجر : 30 , 29 ) قال : ومجيء الأمر بمعنى الخبر كثير في كلامهم ، كقولهم : إذا لم تستح فاصنع ما شئت .
المسألة الثانية : الاطمئنان هو الاستقرار والثبات ، وفي كيفية هذا الاستقرار وجوه أحدها : أن تكون متيقنة بالحق ، فلا يخالجها شك ، وهو المراد من قوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) وثانيها : النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبي بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع قوله : { ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة } ( فصلت : 30 ) وتحصل عند البعث ، وعند دخول الجنة لا محالة وثالثها : وهو تأويل مطابق للحقائق العقلية ، فنقول : القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر الله ، أما القرآن فقوله : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وأما البرهان فمن وجهين الأول : أن القوة العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات ، فكلما وصل إلى سبب يكون هو ممكنا لذاته طلب العقل له سببا آخر ، فلم يقف العقل عنده ، بل لا يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه ، حتى ينتهي في ذلك الترقي إلى واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات . ومنتهى الضرورات ، فلما وقفت الحاجة دونه وقف العقل عنده واطمأن إليه ، ولم ينتقل عنه إلى غيره ، فإذا كلما كانت القوة العاقلة ناظرة إلى شيء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر عنده ، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود ، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه ، فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود الثاني : أن حاجات العبد غير متناهية وكل ما سوى الله تعالى فهو متناهي البقاء والقوة إلا بامداد الله ، وغير المتناهي لا يصير مجبورا / بالمتناهي ، فلا بد في مقابلة حاجة العبد التي لا نهاية لها من كمال الله الذي لا نهاية له ، حتى يحصل الاستقرار ، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشيء غير الله فهو غير مطمئن ، وليست نفسه نفسا مطمئنة ، أما من آثر معرفة الله لشيء سواه فنفسه هي النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان أنسه بالله وشوقه إلى الله وبقاؤه بالله وكلامه مع الله ، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله : { ارجعى إلى ربك راضية مرضية } وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملا في القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد .
المسألة الثالثة : اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس في القرآن فقال : { ونفس وما سواها } ( الشمس : 7 ) وقال : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) وقال : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قوة أعين } ( السجدة : 17 ) وتارة وصفها بكونها أمارة بالسوء ، فقال : { إن النفس لامارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) وتارة بكونها لوامة ، فقال : { بالنفس اللوامة } ( القيامة : 2 ) وتارة بكونها مطمئنة كما في هذه الآية . واعلم أن نفس ذاتك وحقيقتك وهي التي تشير إليها بقولك : ( أنا ) حين تخبر عن نفسك بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت واشتهيت وتخيلت وتذكرت ، إلا أن المشار إليه بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين الأول : أن المشار إليه بقولك : ( أنا ) قد يكون معلوما حال ما تكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم والثاني : أن هذه البنية متبدلة الأجزاء والمشار إليه بقولك : ( أنا ) غير متبدل ، فإني أعلم بالضرورة أني أنا الذي كنت موجودا قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، والمتبدل غير ما هو غير متبدل ، فإذا ليست النفس عبارة عن هذه البنية ، وتقول : قال قوم إن النفس ليست بجسم لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله : ( أنا ) حال ما أكون غافلا عن الجسم الذي حقيقته المختص بالحيز الذاهب في الطول والعرض والعمق . والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، وجواب المعارضة بالنفس مذكور في كتابنا المسمى بلباب الإشارات ، وقال آخرون : بل هو جوهر جسماني لطيف صاف بعيد عن مشابهة الأجرام العنصرية نوراني سماوي مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية ، فإذا صارت مشابكة لهذا البدن الكثيف صار البدن حيا وإن فارقته صار البدن ميتا ، وعلى التقدير الأول يكون وصفها بالمجيء والرجوع بمعنى التدبير وتركه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك الوصف حقيقا . المسألة الرابعة : من القدماء من زعم أن النفوس أزلية ، واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : { ارجعى إلى ربك } فإن هذا إنما يقال : لما كان موجودا قبل هذا البدن . واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد ؟ وفيه وجهان الأول : أنه إنما يوجد عند الموت ، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد ، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني : أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة ، والمعنى : ارجعي إلى ثواب ربك ، فادخلي في عبادي ، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه . / المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا بقوله : { إلى ربك } وكلمة إلى لانتهاء الغاية وجوابه : إلى حكم ربك ، أو إلى ثواب ربك أو إلى إحسان ربك والجواب : الحقيقي المفرع على القاعدة العقلية التي قررناها ، أن القوة العقلية بسيرها العقلي تترقى من موجود إلى موجود آخر ، ومن سبب إلى سبب حتى تنتهي إلى حضرة واجب الوجود ، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات ، أما قوله تعالى : { راضية مرضية } فالمعنى راضية بالثواب مرضية عنك في الأعمال التي عملتها في الدنيا ، ويدل على صحة هذا التفسير ، ما روى أن رجلا قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ، فقال أبو بكر : ما أحسن هذاا فقال عليه الصلاة والسلام : ( أما إن الملك سيقولها لك ) . ثم قوله تعالى : ! 7 < { ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى } . > 7 ! < < الفجر : ( 29 ) فادخلي في عبادي > > وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب ، وقيل : في خبيت بن عدي الذي صلبه أهل مكة ، وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فقال : اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو بلدتك ، فحول الله وجهه نحوها ، فلم يستطع أحد أن يحوله ، وأنت قد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الثانية : قوله : { ادخلى فى عبادى } أي انضمي إلى عبادي المقربين ، وهذه حالة شريفة ، وذلك لأن الأرواح الشريفة القدسية تكون كالمرايا المصقولة ، فإذا انضم بعضها إلى البعض حصلت فيما بينها حالة شبيهة بالحالة الحاصلة عند تقابل المرايا المصقولة من انعكاس الأشعة من بعضها على بعض ، فيظهر في كل واحد منها كل ما ظهر في كلها ، وبالجملة فيكون ذلك الانضمام سببا لتكامل تلك السعادات ، وتعاظم تلك الدرجات الروحانية ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 , 90 } وذلك هو السعادة الروحانية ، ثم قال : { } وذلك هو السعادة الروحانية ، ثم قال : { وادخلى جنتى } وهذا إشارة إلى السعادة الجسمانية ، ولما كانت الجنة الروحانية غير متراخية عن الموت في حق السعداء ، لا جرم قال : { فادخلى فى عبادى } فذكر بفاه التعقيب ، ولما كانت الجنة الجسمانية لا يحصل الفوز بها إلا بعد قيام القيامة الكبرى ، لا جرم قال : { وادخلى جنتى } فذكره بالواو لا بالفاء ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة البلد ) 1 < > عشرون آية مكية ! 7 < { لا أقسم بهاذا البلد وأنت حل بهاذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان فى كبد } . > 7 ! / < < البلد : ( 1 ) لا أقسم بهذا . . . . . > > أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها حرما آمنا ، فقال في المسجد الذي فيها { ومن دخله كان ءامنا } وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ( البقرة : 644 ) وشرف مقام إبراهيم بقوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : 125 ) وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) وقال في البيت : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ( البقرة : 125 ) وقال : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا } ( الحج : 26 ) وقال : { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها ، فأما قوله : { وأنت حل } فالمراد منه أمور أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيدا أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها : قال قتادة : { البلد وأنت حل } أي لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم / قال : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا يختلي خلالها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال إلا الإذخر ) .
فإن قيل : هذه السورة مكية ، وقوله : { وأنت حل } إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين ؟ قلنا : قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلا ، كقوله تعالى : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع ورابعها : { وأنت حل بهاذا البلد } أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله ، وتكذيب الرسل وخامسها : أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال : { وأنت حل بهاذا البلد } أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة / وهذا هو المراد بقوله تعالى : { هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم } ( الجمعة : 2 ) وقال : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) وقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } ( يونس : 16 ) فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد . أما قوله : { ووالد وما ولد } فاعلم أن هذا معطوف على قوله : { لا أقسم بهاذا البلد } وقوله : { وأنت حل بهاذا البلد } معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها : الولد آدم وما ولد ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم بآدم والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم . كما قال : { إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا } ، { صم بكم عمى فهم لا يرجعون } وثانيها : أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما قال : { وما ولد } ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله : { والله أعلم بما وضعت } ( آل عمران : 36 ) أي بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن وثالثها : الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم .
فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر ، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب / ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا : إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال : ( كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ) وهم المؤمنين ورابعها : روي عن ابن عباس أنه قال : الولد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فما ههنا يكون للنفي ، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي ووالد ، والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين وخامسها : يعني كل والد ومولود ، وهذا مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام .
وأما قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الكبد وجوه أحدها : قال صاحب ( الكشاف ) : إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبدا فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده ، وقال آخرون : الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد ، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعا للكبد ، ثم اشتقت منه الشدة . وفي الثاني جعل اللفظ موضوعا للشدة والغلظ ، ثم اشتق منه اسم العضو الوجه الثاني : أن الكبد هو الاستواء والاستقامة الوجه الثالث : أن الكبد شدة الخلق والقوة ، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط ، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط ، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط ، وأن يكون المراد كل ذلك . أما الأول : فقوله : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } أي خلقناه أطوارا كلها شدة ومشقة / تارة في بطن الأم ، ثم زمان الإرضاع ، ثم إذا بلغ ففي الكد في تحصيل المعاش ، ثم بعد ذلك الموت . وأما الثاني : وهو الكبد في الدين ، فقال الحسن : يكابد الشكر على السراء ، والصبر على الضراء ، ويكابد المحن في أداء العبادات . وأما الثالث : وهو الآخرة ، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر ، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار . وأما الرابع : وهو يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم ، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع ، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد ، فليس للإنسان ، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر ، فهذا معنى قوله : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة ، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم ، فهذا لا يليق بالرحمة ، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب ، وإن كان مطلوبه أن يلتذ ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة ، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة ، فإذا لا بد / بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات . وأما على الوجه الثاني : وهو أن يفسر الكبد بالاستواء ، فقال ابن عباس : في كبد ، أي قائما منتصبا ، والحيوانات الأخر تمشي منكسة ، فهذا امتنان عليه بهذه الخلقة . وأما على الوجه الثالث : وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة ، فقد قال الكلبي : نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد ، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي ، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول . المسألة الثانية : حرف في واللام متقاربان ، تقول : إنما أنت للعناء والنصب ، وإنما أنت في العناء والنصب ، وفيه وجه آخر وهو أن قوله : { فى كبد } يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة .
المسألة الثالثة : منهم من قال : المراد بالإنسان إنسان معين ، وهو الذي وصفناه بالقوة ، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل . ! 7 < { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } . > 7 ! < < البلد : ( 5 ) أيحسب أن لن . . . . . > > اعلم أنا إن فسرنا الكبد بالشدة في القوة ، فالمعنى أيحسب ذلك الإنسان الشديد أنه لشدته لا يقدر عليه أحد ، وإن فسرنا المحنة والبلاء كان المعنى تسهيل ذلك على القلب ، كأنه يقول : وهب أن الإنسان كان في النعمة والقدرة ، أفيظن أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه أحد ؟ ثم اختلفوا فقال : بعضهم لن يقدر على بعثه ومجازاته فكأنه خطاب مع من أنكر البعث ، وقال آخرون : المراد لن يقدر على تغيير أحواله ظنا منه أنه قوي على الأمور لا يدافع عن مراده ، وقوله : { أيحسب } استفهام على سبيل الإنكار . ! 7 < { يقول أهلكت مالا لبدا } . > 7 ! < < البلد : ( 6 ) يقول أهلكت مالا . . . . . > > قال أبو عبيدة : لبد ، فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض ، قال الزجاج : فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم ، قال الفراء : واحدته لبدة ولبد جمع وجعله بعضهم واحدا ، ونظيره قسم وحطم وهو في الوجهين جميعا الكثير ، قال الليث : مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته . وقد ذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله : { يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) والمعنى أن هذا الكافر يقول : أهلكت في عداوة محمد مالا كثيرا ، والمراد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ، ويدعونه معالي ومفاخر . ! 7 < { أيحسب أن لم يره أحد } . > 7 ! < < البلد : ( 7 ) أيحسب أن لم . . . . . > > فيه وجهان الأول : قال قتادة : أيظن أن الله لم / يره ولم يسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه الثاني : قال الكلبي : كان كاذبا لم ينفق شيئا ، فقال الله تعالى : أيظن أن الله تعالى ما رآى ذلك منه ، فعل أو لم يفعل ، أنفق أو لم ينفق ، بل رآه وعلم منه خلاف ما قال . ! 7 < { ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين } . > 7 < البلد : ( 8 - 10 ) ألم نجعل له . . . . . > >
واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله : { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ( البلد : 5 ) أقام الدلالة على كمال قدرته فقال تعالى : { ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين وعجائب هذه الأعضاء مذكورة في كتب التشريح ، قال أهل العربية : النجد الطريق في ارتفاع فكأنه لما وضحت الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح الطريق العالي للأبصار ، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين في النجدين وهو أنهما سبيلا الخير والشر ، وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : إنما هما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، ولا يكون نجد الشر ، أحب إلى أحدكم من نجد الخير ) وهذه الآية كالآية في : { هل أتى على الإنسان } إلى قوله : { فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ( الإنسان : 3 , 1 ) وقال الحسن : قال : { أهلكت مالا لبدا } فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه ، والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعها ، قال القفال : والتأويل هو الأول ، ثم قرر وجه الاستدلال به ، فقال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلبا عقولا ولسانا قولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة في الكفر بالله من تظاهر نعمه ، وما العلة في التعزيز على الله وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له ، وهو الممكن من الانتفاع به . ! 7 < { فلا اقتحم العقبة } . > 7 < البلد : ( 11 ) فلا اقتحم العقبة > > ثم إنه سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التي تنفق فيها الأموال ، وعرف هذا الكافر أن إنفاقه كان فاسدا وغير مفيد ، فقال تعالى : { فلا اقتحم العقبة }وفيه مسائل : المسألة الأولى : الاقتحام الدخول في الأمر الشديد يقال : قحم يقحم قحوما ، واقتحم اقتحاما وتقحم تقحما إذا ركب القحم ، وهي المهالك والأمور العظام والعقبة طريق في الجبل ، وعر ، الجمع العقب والعقاب ، ثم ذكر المفسرون في العقبة ههنا وجهين الأول : أنها في الآخرة وقال عطاء : يريد عقبة جهنم ، وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار ، وقال ابن عمرهي : جبل زلال في جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم ، وهو معنى قول الكلبي : إنها عقبة الجنة / والنار ، قال الواحدي : وهذا تفسير فيه نظر لأن من المعلوم أن ( بني ) هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها فحمل الآية عليه يكون إيضاحا للواضحات ، ويدل عليه أنه لما قال : { وما أدراك ما العقبة } ( البلد : 12 ) فسره بفك الرقبة وبالإطعام الوجه الثاني : في تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر ، وهو قول الحسن ومقاتل : قال الحسن عقبة الله شديدة وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن ، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية ، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد .
المسألة الثانية : أن في الآية إشكالا وهو أنه قلما توجد لا الداخلة على المضي إلا مكررة ، تقول : لا جنبني ولا بعدني قال تعالى : { فلا صدق ولا صلى } ( القيامة : 31 ) وفي هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه ؟ أجيب عنه من وجوه الأول : قال الزجاج : إنها متكررة في المعنى لأن معنى { فلا اقتحم العقبة } فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك ، وقوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) يدل أيضا على معنى { فلا اقتحم العقبة } ولا آمن الثاني : قال أبو علي الفارسي : معنى { فلا اقتحم العقبة } لم يقتحمها ، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التكرير غير واجب كما لا يجب التكرير مع لم ، فإن تكررت في موضع نحو { فلا صدق ولا صلى } فهو كتكرر ولم : نحو { لم يسرفوا ولم يقتروا } ( الفرقان : 67 ) . المسألة الثالثة : قال القفال : قوله : { فلا اقتحم العقبة } أي هلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة ؟ وأما الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة . ثم قال تعالى : ! 7 < { ومآ أدراك ما العقبة } . > 7 ! < < البلد : ( 12 ) وما أدراك ما . . . . . > > فلا بد من تقدير محذوف ، لأن العقبة لا تكون فك رقبة ، فالمراد وما أدراك ما اقتحام العقبة ، وهذا تعظيم لأمر التزام الدين . ثم قال تعالى : ! 7 < { فك رقبة } . > 7 ! < < البلد : ( 13 ) فك رقبة > > والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل ، وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية ، ومنه فك الرهن وهو إزالة غلق الرهن ، وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الكتاب ، قال الفراء : في المصادر فكها يفكها فكاكا بفتح الفاء في المصدر ولا تقل بكسرها ، ويقال : كانت عادة العرب في الأسارى شد رقابهم وأيديهم فجرى ذلك فيهم وإن لم يشدد ، ثم سمي إطلاق الأسير فكاكا ، قال الأخطل : أبنى كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلال المسألة الثانية : فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطي / مكاتبا ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه ، روى البراء بن عازب ، قال : ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال : عتق النسمة وفك الرقبة قال : يا رسول الله أوليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها ) وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها إلى الجنة فهي الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار .
المسألة الثالثة : قرىء : ( فك رقبة ) أو إطعام ، والتقدير هي فك رقبة أو إطعام وقرىء : ( فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله : { وما أدراك ما العقبة } اعتراض ، قال الفراء : وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لقوله : { ثم كان } ( البلد : 16 ) لأن فك وأطعم فعل ، وقوله : كان فعل ، وينبغي أن يكون الذي يعطف عليه الفعل فعلا ، أما لو قيل : ثم إن كان كان ذلك مناسبا لقوله : { فك رقبة } بالرفع لأنه يكون عطفا للاسم على الاسم . المسألة الرابعة : عند أبي حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات ، وعند صاحبية الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبي حنيفة : لتقدم العتق على الصدقة فيها . ! 7 < { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } . > 7 ! < < البلد : ( 14 ) أو إطعام في . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : سغب سغبا إذا جاع فهو ساغب وسغبان ، قال صاحب ( الكشاف ) : المسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب ، يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب ، وأما أترب فاستغنى ، أي صار ذا مال كالتراب في الكثرة . قال الواحدي : المتربة مصدر من قولهم ترب يترب تربا ومتربة مثل مسغبة إذا افتقر حتى لصق بالتراب . المسألة الثانية : حاصل القول في تفسير : { يوم ذى مسغبة } ما قاله الحسن : وهو نائم يوم محروص فيه على الطعام ، قال أبو علي : ومعناه ما يقول النحويون في قولهم : ليل نائم ونهار صائم أي ذو نوم وصوم . واعلم أن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر ، وهو كقوله : { ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) وقال : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا } ( الإنسان : 8 ) وقرأ الحسن : ( ذا مسغبة ) نصبه بإطعام ومعناه أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة . أما قوله تعالى : ! 7 < { يتيما ذا مقربة } . > 7 ! < < البلد : ( 15 ) يتيما ذا مقربة > > قال الزجاج : ذا قرابة تقول زيد ذو قرابتي وذو مقربتي ، وزيد / قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر ، قال مقاتل : يعني يتيما بينه وبينه قرابة ، فقد اجتمع فيه حقان يتم وقرابة ، فاطعامه أفضل ، وقيل : يدخل فيه القرب بالجوار ، كما يدخل فيه القرب بالنسب . أما قوله تعالى : ! 7 < { أو مسكينا ذا متربة } . > 7 ! < < البلد : ( 16 ) أو مسكينا ذا . . . . . > > أي مسكينا قد لصق بالتراب من فقره وضره ، فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه ، روى أن ابن عباس مر بمسكين لاصق بالتراب فقال : هذا الذي قال الله تعالى ( فيه ) : { أو مسكينا ذا متربة } واحتج الشافعي بهذه الآية على أن المسكين قد يكون بحيث يملك شيئا ، لأنه لو كان لفظ المسكين دليلا على أنه لا يملك شيئا ألبتة ، لكان تقييده بقوله : { ذا متربة } تكريرا وهو غير جائز . ! 7 < { ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } . > 7 < البلد : ( 17 ) ثم كان من . . . . . > >
أما قوله تعالى : { ثم كان من الذين ءامنوا } أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا ، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات ، ولا مقتحما للعقبة فإن قيل : لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها ، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود ، كقوله : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده لم يرد بقوله : ثم ساد أبوه التأخر في الوجود ، وإنما المعنى ، ثم اذكر أنه ساد أبوه . كذلك في الآية وثانيها : أن يكون المراد ، ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات وثالثها : أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ، قالوا : ويدل عليه ما روي : ( أن حكيم بن حزام بعدما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال عليه السلام : أسلمت على ما قدمت من الخير ) ورابعها : أن المراد من قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العنق والصدقة لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال . أما قوله تعالى : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } فالمعنى أنه كان يوصي بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو الصبر على المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلي بها المؤمن ثم ضم إليه التواصي بالمرحمة وهو أن يحث بعضهم بعضا على أن يرحم المظلوم أو الفقير ، أو يرحم المقدم على منكر فيمنعه منه لأن كل ذلك داخل في الرحمة ، وهذا يدل على أنه يجب على المرء أن / يدل غيره على طريق الحق ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما أمكنه ، واعلم أن قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة ، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم ، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق ، وبالجملة فقوله : { وتواصوا بالصبر } إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، وقوله : { وتواصوا بالمرحمة } إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين ، إن الأصل في التوصف أمران : صدق مع الحق ؟ وخلق مع الخلق . ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم في القيامة فقال : ! 7 < { أولائك أصحاب الميمنة } . > 7 ! < < البلد : ( 18 ) أولئك أصحاب الميمنة > > وإنما ذكر ذلك لأنه تعالى بين حالهم في سورة الواقعة وأنهم { فى سدر مخضود وطلح منضود } ( الواقعة : 29 , 28 ) قال صاحب ( الكشاف ) : الميمنة والمشأمة ، اليمين والشمال ، أو اليمين والشؤم ، أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليها . ثم قال تعالى : ! 7 < { والذين كفروا بأاياتنا هم أصحاب المشأمة } . > 7 ! < < البلد : ( 19 ) والذين كفروا بآياتنا . . . . .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?