Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة السابعة : أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني فإنه أبى نسخها ، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى ، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول ، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول ، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى . المسألة الثامنة : اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة ، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة ، واحتجوا بأنه تعالى قال : { يتربصن بأنفسهن } ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص ، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك ، والأكثرون قالوا السبب هو الموت ، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة . المسألة التاسعة : المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح ، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : الامتناع عن النكاح مجمع عليه ، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة ، وأما ترك التزين فهو واجب ، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم . واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وتلبثي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ) . المسألة العاشرة : احتج من قال : إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } فقوله : { منكم } خطاب مع المؤمنين ، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط . وجوابه : أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) مع أنه كان منذرا للكل ، لقوله تعالى : { ليكون للعالمين نذيرا } ( الفرقان : 1 ) . وأما قوله تعالى : { فإذا بلغن أجلهن } فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح / عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد ، وقيل : الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع ، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه { لا جناح عليكم } تقديره : لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال : { فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف } أي ما يحسن عقلا وشرعا لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة ، ثم ختم الآية بالتهديد ، فقال : { والله بما تعملون خبير } . بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى : { فيما فعلن فى أنفسهن } فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله / والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما .
المسألة الثانية : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ، قالوا : إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزا لقوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن } وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة ، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة ، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله : { لا جناح عليكم } خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطبا بقوله : { لا جناح عليكم } وبالله التوفيق . الحكم الرابع عشر في خطبة النساء ! 7 < { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم فىأنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما فىأنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم } . > 7 < البقرة : ( 235 ) ولا جناح عليكم . . . . . > > قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا } وفي مسائل : المسألة الأولى : التعريض في اللغة ضد التصريح ، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة / على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا : وحسبك بالتسليم مني تقاضيا والتعريض قد يسمى تلويحا لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ، والتعريض أن تذكر كلاما يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك ، وأما الخطبة فقال الفراء : الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه الحسن العقدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول : أن الخطب هو الأمر ، والشأن يقال : ما خطبك ، أي ما شأنك ، فقولهم : خطب فلان فلانة ، أي سألها أمرا وشأنا في نفسها الثاني : أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام ، يقال : خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح ، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب : الأمر العظيم ، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير . المسألة الثانية : النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها : التي تجوز خطبتها تعريضا وتصريحا وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها ، بل يستثنى عنه صورة واحدة ، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه ) ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقا لكن فيه ثلاثة أحوال . الحالة الأولى : إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحا ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث . الحالة الثانية : إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها . الحالة الثالثة : إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان أحدهما : أنه يجوز للغير خطبتها ، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني : وهو القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضا على الكراهة ، فربما كانت الرغبة حاصله من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة .
القسم الثاني : التي لا تجوز خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا ، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سببا لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج ، والتسبب إلى هذا حرام ، وكذا / الرجعة فإنها في حكم المنكوحة ، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها ، وتعتد منه عدة الوفاة / ويتوارثان . القسم الثالث : أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضا على ثلاثة أقسام : القسم الأول : التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا تصريحا ، أما جواز التعريض فلقوله تعالى : { لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها ، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية ، أما أنه لا يجوز التصريح ، فقال الشافعي : لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه ، ثم المعنى يؤكد ذلك ، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح ، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب . القسم الثاني : المعتدة عن الطلاق الثلاث ، قال الشافعي رحمه الله في ( الأم ) : ولا أحب التعريض لخطبتها ، وقال في ( القديم ) و ( الإملاء ) : يجوز لأنها ليست في النكاح ، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي . القسم الثالث : البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها ، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض والتصريح ؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما : يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والثاني : وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية . المسألة الثالثة : قال الشافعي : والتعريض كثير ، وهو كقوله : رب راغب فيك ، أو من يجد مثلك ؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني ، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض : إنك لجميلة وإنك لصالحه ، وإنك لنافعه ، وإن من عزمي أن أتزوج ، وإني فيك لراغب . أما قوله تعالى : { أو أكننتم فى أنفسكم } فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى ، ومنه : و { ما تكن صدورهم } ( النحل : 74 ) ، { بيض مكنون } ( الصافات : 49 ) وفرق قوم بينهما ، فقالوا : كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستورا يقال : در مكنون ، وجارية مكنونة ، وبيض مكنون ، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت ، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره ، / وهو ضد أعلنت وأظهرت ، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها . فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئا فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : { أو أكننتم فى أنفسكم } جاريا مجرى إيضاح الواضحات .
قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال ، ثم قال : { أو أكننتم فى أنفسكم } والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال ، وتحريم للتصريح في الحال ، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك ، فقال : { علم الله أنكم ستذكرونهن } لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني / فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك . ثم قال تعالى : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } وفيه سؤالان : السؤال الأول : أين المستدرك بقوله تعالى : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } الجواب : هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه ، تقديره : { علم الله أنكم ستذكرونهن } فاذكروهن { ولاكن لا تواعدوهن } . السؤال الثاني : ما معنى السر ؟ . والجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان ، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة المواعدة على شيء : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا توعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا ، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين ، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات ، وههنا احتمالات الأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني : أن يواعدها بذكر الجماع والرفث ، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز ، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : { فلا تخضعن بالقول } ( الأحزاب : 32 ) أي لا تقلن من أمر الرفث شيئا { فيطمع الذى فى قلبه مرض } ( الأحزاب : 32 ) الثالث : قال الحسن : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه ، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى . والجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة ، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك ، فالله تعالى نهى عن ذلك الرابع : أن يكون / ذلك نهيا عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية ، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحدا سواها . أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول : السر الجماع قال امرؤ القيس : وأن لا يشهد السر أمثالي وقال الفرزدق : موانع للأسرار إلا من أهلها ويخلفن ما ظن الغيور المشغف أي الذي شغفه بهن ، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح ، وذلك لأن الوطء يسمى سرا والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز . أما قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولا معروفا } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء . وجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض ، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف ، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها ، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم . قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله } .
اعلم أن في لفظ العزم وجوها الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } ( آل عمران : 159 ) واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل / وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف { على } فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى . / القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( عزمة من عزمات ربنا ) وقال : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز . إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلا ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين . القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح ، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح ، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا . فأما قوله تعالى : { عقدة النكاح } فاعلم أن أصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة تسمى عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل . أما قوله تعالى : { حتى يبلغ الكتاب أجله } ففي الكتاب وجهان الأول : المراد منه : المكتوب والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها ، وصارت منقضية والثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله : { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته ، وإنما حسن أن يعبر عن معنى : فرض ، بلفظ { كتاب } لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله : { حتى } هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم ، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله . ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال : { واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه } وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية ، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد ، فقال : { واعلموا أن الله غفور حليم } . الحكم الخامس عشر حكم المطلقة قبل الدخول ! 7 < { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } . > 7 < البقرة : ( 236 ) لا جناح عليكم . . . . . > > اعلم أن أقسام المطلقات أربعة أحدها : المطلقة التي تكون مفروضا لها ومدخولا بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر ، وأن عدتهن ثلاثة قروء .
والقسم الثاني : من المطلقات ما لا يكون مفروضا ولا مدخولا بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وذكر أنه ليس لها مهر ، وأن لها المتعة بالمعروف . والقسم الثالث : من المطلقات : التي يكون مفروضا لها ، ولكن لا يكون مدخولا بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية ، وهي قوله سبحانه وتعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ( البقرة : 237 ) واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة ، فقال : { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن } ( الأحزاب : 49 ) . القسم الرابع : من المطلقات : التي تكون مدخولا بها ، ولكن لا يكون مفروضا لها ، وحكم هذا القسم مذكور في قوله : { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن } ( النساء : 24 ) أيضا القياس الجلي دال عليه وذلك لأن الأمة مجمعة على أن الموطئة بالشبهة لها مهر المثل ، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذا الحكم ، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية ، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى ، فيقال : إن عقد النكاح يوجب بدلا على كل حال ، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكورا أو غير مذكور ، فإن كان البدل مذكورا ، فإن حصل الدخول استقر كله ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى قبل هذه الآية ، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجىء عقيب هذه الآية . فإن لم يكن البدل مذكورا فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية ، وحكمها أنه لا مهر لها ، ولا عدة عليها ، ويجب عليه لها المتعة ، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات ، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل ، ولما نبهنا على هذا التقسيم فلنرجع إلى التفسير . أما قوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } فهذا نص في أن الطلاق جائز ، واعلم أن كثيرا من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام ، قالوا : لأن قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } يتناول جميع أنواع التطليقات ، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح ، قالوا : وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } يتناول جميع أنواع التطليقات ، أعني حال الإفراد وحال الجمع ، وهذا الاستدلال عندي ضعيف ، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود ، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة ، ولهذا قلنا : إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار / ولهذا قلنا : إنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط ؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع ، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول : يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين ، مع أنه يصح أن يقال : صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني والله أعلم . أما قوله تعالى : { ما لم تمسوهن } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { تماسوهن } بالألف على المفاعلة ، وكذلك في الأحزاب والباقون { لم تمسوهن } بغير ألف ، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى : { من قبل أن يتماسا } ( المجادلة : 3 ) وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله : { ولم يمسسنى بشر } ( آل عمران : 47 ) ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : { لم يطمثهن } ( الرحمن : 56 ) وكقوله : { فانكحوهن بإذن أهلهن } ( النساء : 25 ) وأيضا المراد من هذا المس : الغشيان ، وذلك فعل الرجل ، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان ، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : { من قبل أن يتماسا } فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار ، وبعض من قرأ : { تماسوهن } قال : إنه بمعنى { لم تمسوهن } لأن فاعل قد يراد به فعل ، كقوله : طارقت النعل ، وعاقبت اللص ، وهو كثير . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضا بعد المسيس . وجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقا ، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس ، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض ، ولا في الطهر الذي جامعها فيه ، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق ، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس ، صح ظاهر اللفظ . الوجه الثاني : في الجواب قال بعضهم : إن { ما } في قوله : { ما لم تمسوهن } بمعنى { الذى } والتقدير : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن ، إلا أن { ما } اسم جامد لا ينصرف ، / ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد ، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ { ما } شرطا ، فزال السؤال .
الوجه الثالث : في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله ، وحاصله يرجع إلى ما أقوله ، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، فتقدير الآية : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، بمعنى : لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعا لم يجب المهر ، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله : { لا جناح } معناه لا مهر ، فنقول : إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل ، يقال : أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحا لما فيه من الثقل ، قال تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) إذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحا ، فثبت أن اللفظ محتمل له ، وإنما قلنا : إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول : أنه تعالى قال : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ءان تفرضوا لهن فريضة } نفى الجناح محدودا إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض ، والتقدير : فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر / فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني : أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما : الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر ، وهو المذكور في هذه الآية والثاني : الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } ( البقرة : 237 ) ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا ، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم المهر وجب أن يقال : الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم . واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة ، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها ، لأنه لما صار تقدير الآية : لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير ، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضا لها لا يجب لها المهر ، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضا لها والتي تكون مفروضا لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر ، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة . وأما القسم الرابع : وهي التي تكون ممسوسة ومفروضا لها ، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك . / المسألة الثالثة : قال أبو بكر الأصم والزجاج : هذه الآية تدل على أن عقد النكاح بغير المهر جائز ، وقال القاضي : إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة ، أما بيان دلالتها على الصحة ، فلأنه لو لم يكن صحيحا لم يكن الطلاق مشروعا ، ولم تكن المتعة لازمة ، وأما أنها لا تدل على الجواز ، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز ، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول ، قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : { تمسوهن } عن المجامعة تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به والله أعلم .
أما قوله تعالى : { أو تفرضوا لهن فريضة } فالمعنى يقدر لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه ، لأن الفرض في اللغة هو التقدير ، وذكر كثير من المفسرين أن { أو } ههنا بمعنى الواو ، ويريد : ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ، كقوله : { أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف ، بل خطأ قطعا والله أعلم . أما قوله تعالى : { ومتعوهن } فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس ، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة ، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ( البقرة : 196 ) . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المطلقات قسمان ، مطلقة قبل الدخول ، ومطلقة بعد الدخول ، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها ، وإن كان قد فرض لها فلا متعة ، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة ، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض ، فهل تستحق المتعة ، فيه قولان : قال في ( القديم ) وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها ، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول ، وقال في ( الجديد ) : بل لها المتعة ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، والحسن بن علي / وابن عمر ، والدليل عليه قوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف } ( البقرة : 241 ) وقال تعالى : { فتعالين أمتعكن } ( الأحزاب : 28 ) وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق . المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة ، وهو قول شريح والشعبي والزهري ، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة ، وهو قول مالك / لنا قوله تعالى : { ومتعوهن } وظاهر الأمر للإيجاب ، وقال : { وللمطلقات متاع } فجعل ملكا لهن أو في معنى الملك ، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية : { حقا على المحسنين } فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال : هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجبا فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن ، وأيضا قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) وهذا يدل على عدم الوجوب ، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال : { حقا على المحسنين } فذكره بكلمة { على } وهي للوجوب ، ولأنه إذا قيل : هذا حق على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب . المسألة الثالثة : أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعا غير باق بل منقضيا عن قريب ، ولهذا يقال : الدنيا متاع ، ويسمى التلذذ تمتعا لانقطاعه بسرعة وقلة لبث . أما قوله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : { الموسع } الغني الذي يكون في سعة من غناه ، يقال : أوسع الرجل إذا كثر ماله ، واتسعت حاله ، ويقال : أوسعه كذا أي وسعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وإنا لموسعون } ( الذاريات : 47 ) وقوله : { قدره } أي قدر إمكانه وطاقته ، فحذف المضاف ، والمقتر الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير ، وأقتر إذا افتقر . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم { قدره } بسكون الدال ، والباقون قدره بفتح الدال ، وهما لغتان في جميع معاني القدر ، يقال : قدر القوم أمرهم يقدرونه قدرا ، وهذا قدر هذا ، واحمل على رأسك قدر ما تطيق ، وقدر الله الرزق يقدره ويقدره قدرا ، وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدرا ، وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة ، كل هذا يجوز فيه التحريك والتسكين ، يقال : هم يختصمون في القدر والقدر ، وخدمته بقدر كذا وبقدر كذا ، قال الله تعالى : { فسالت أودية بقدرها } ( الرعد : 17 ) وقال : { وما قدروا الله حق قدره } ( الأنعام : 91 ) ولو حرك لكان جائزا ، وكذلك : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) ولو خفف جاز . المسألة الثالثة : أن قوله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد ، ولأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات ، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي : المستحب على الموسع خادم ، وعلى المتوسط ثلاثون درهما ، وعلى المقتر مقنعة ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة ، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة ، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل ، قال : لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها ، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول ، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم . أما قوله تعالى : { متاعا بالمعروف } ففيه مسألتان : / المسألة الأولى : معنى الآية أنه يجب أن يكون على قدر حال الزوج في الغنى والفقر ، ثم اختلفوا فمنهم من يعتبر حالهما ، وهو قول القاضي ، ومنهم من يعتبر حال الزوج فقط قال أبو بكر الرازي رحمه الله في المتعة : يعتبر حال الرجل ، وفي مهر المثل حالها ، وكذلك في النفقة واحتج أبو بكر بقوله : { وعلى الموسع قدره } واحتج القاضي بقوله : { بالمعروف } فإن ذلك يدل على حالهما لأنه ليس من المعروف أن يسوى بين الشريفة والوضيعة . المسألة الثانية : { متاعا } تأكيد لمتعوهن ، يعني : متعوهن تمتيعا بالمعروف و { حقا } صفة لمتاعا أي : متاعا واجبا عليهم ، أو حق ذلك حقا على المحسنين ، وقيل : نصب على الحال من قدره لأنه معرفة ، والعامل فيه الظرف ، وقيل : نصب على القطع . وأما قوله : { على المحسنين } ففي سبب تخصيصه بالذكر وجوه أحدها : أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان : كقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) والثاني : قال أبو مسلم : المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه ، والمحسن هو المؤمن ، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين الثالث : { حقا على المحسنين } إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى .
! 7 < { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلاأن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير } . > 7 ! < < البقرة : ( 237 ) وإن طلقتموهن من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها مهر ، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر ، وقال أبو حنيفة : الخلوة الصحيحة / تقرر المهر ، ويعني بالخلوة الصحيحة : أن يخلوا بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي ، فالحسي نحو : الرتق والقرن والمرض ، أو يكون معهما ثالث وإن كان نائما ، والشرعي نحو ، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضا أو نقلا ، حجة الشافعي أن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر وههنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط نصف المهر . بيان المقدمة الأولى : قوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فقوله : { فنصف ما فرضتم } ليس كلاما تاما بل لا بد من إضمار آخر ليتم الكلام ، فأما أن يضمر { فنصف ما فرضتم } ساقط ، أو يضمر { فنصف ما فرضتم } ثابت والأول هو المقصود ، والثاني مرجوح لوجوه أحدها : أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهرا ، فلو حملناه على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق ، لأنه غير منفي قبله ، أما لو حملناه على السقوط ، عملنا بقضية التعليق ، لأنه منفي قبله وثانيها : أن قوله تعالى : { وقد فرضتم لهن فريضة } يقتضي وجوب كل المهر عليه ، لأنه لما التزم لزمه الكل لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } فلم تكن الحاجة إلى بيان ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضا لوجوب النصف إنما المحتاج إليه بيان سقوط النصف ، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان الظاهر هو وجوب الكل ، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى البيان ، فكان حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على بيان الوجوب وثالثها : أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت كقوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا } ( البقرة : 129 ) فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف ورابعها : وهو أن المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس ، وكون الطلاق واقعا قبل المسيس يناسب سقوط نصف المهر ، ولا يناسب وجوب شيء ، فلما كان المذكور في الآية ما يناسب السقوط ، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى ، وإنما استقصينا في هذه الوجوه لأن منهم من قال : إن معنى الآية : فنصف ما فرضتم واجب ، وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر ، إلا من حيث دليل الخطاب ، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة ، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع هذا السؤال .
بيان المقدمة الثانية : وهي أن ههنا وجد الطلاق قبل المسيس ، هو أن المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع ، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله ، حجة أبي حنيفة قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ( النساء : 20 ) إلى قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) وجه التمسك به من وجهين الأول : هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر ، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة ، ومن ادعى التخصيص ههنا فعليه البيان والثاني : أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء ، وهي الخلوة ، والإفضاء مشتق من الفضاء ، وهو المكان الخالي ، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر . وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة ، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { وقد فرضتم لهن فريضة } حال من مفعول { طلقتموهن } والتقدير : طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة . أما قوله تعالى : { إلا أن يعفون } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما لم تسقط النون من { يعفون } وإن دخلت عليه { ءان } الناصبة للأفعال لأن { يعفون } فعل النساء ، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم ، والنون في { يعفون } إذا كان الفعل مسندا إلى النساء ضمير جمع المؤنث ، وإذا كان الفعل مسندا إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث ، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر ، والساقط في { يعفون } إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في { يعفون } لا الواو التي هي ضمير الجمع ، والله أعلم . المسألة الثانية : المعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ، ولا استمتع بي . فكيف آخذ منه شيئا . أما قوله تعالى : { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان الأول : أنه الزوج ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، وسعيد بن المسيب ، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة . والقول الثاني : أنه الولي ، وهو قول الحسن ، ومجاهد وعلقمة ، وهو قول أصحاب الشافعي . حجة القول الأول وجوه الأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح ، فإذا عقد حصلت العقدة ، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول ، كالأكلة واللقمة ، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم ، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث : أن قوله تعالى : { الذى بيده عقدة النكاح } معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره ، كما أن قوله : { ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } ( النازعات : 40 ) أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره ، كانت الجنة ثابتة له ، فتكون مأواه الرابع : ما روي عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق ، وقال : أنا أحق بالعفو ، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج .
/ حجة من قال : المراد هو الولي وجوه الأول : أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر ، وذلك يكون هبة ، والهبة لا تسمى عفوا ، أجاب الأولون عن هذا من وجوه أحدها : أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج ، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها ، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها وثانيها : سماه عفوا على طريق المشاكلة وثالثها : أن العفو قد يراد به التسهيل يقال : فلان وجد المال عفوا صفوا ، وقد بينا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى : { فمن عفى له من أخيه شىء } وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة . أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى العفو مطلقا وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل / وأجابوا عن السؤال الثاني أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفوا ؟ . وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل على إنسان شيئا يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك . الحجة الثانية : للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم بقوله عز وجل : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فلو كان المراد بقوله : { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } هو الزوج ، لقال : أو تعفو على سبيل المخاطبة ، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة ، علمنا أن المراد منه غير الزواج . وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو ، والمعنى : إلا أن يعفو أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج ، فلا جرم كان حقيقا بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها . الحجة الثالثة : للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده البتة عقدة النكاح ، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبيا عن المرأة ، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه ، فلا يكون له قدرة على إنكاحها البتة وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على إزالة النكاح ، والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح ، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت أنه ليس المراد هو الزوج ، أما الولي فله قدرة على إنكاحها ، فكان المراد من الآية هو الولي لا الزوج ، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال : المراد هو الزوج . أما الحجة الأولى : فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند / السبب يقال بنى الأمير دارا ، وضرب دينارا ، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه ، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي ، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء .
وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح ، قلنا : العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح } سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد ، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداء ، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضا بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره . وأما الحجة الثالثة : وهي قوله : إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه : أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل : فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا . المسألة الثانية : للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي ، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله : { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } إما الزوج وإما الولي ، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح ، فوجب حمله على الولي . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { بيده عقدة النكاح } هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل : بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره ، قال تعالى : { لكم دينكم } ( الكافرون : 6 ) أي لا لغيركم ، فكذا ههنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره / وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم . قوله تعالى : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } فيه مسائل : المسألة الأولى : هذا خطاب للرجال والنساء جميعا إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث ، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول : قائم . ثم تريد التأنيث فتقول : قائمة . فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل ، والدال على المؤنث فرع عليه ، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث ، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبا . المسألة الثانية : موضع { ءان } رفع بالابتداء ، والتقدير : والعفو أقرب للتقوى ، واللام بمعنى { إلى } . المسألة الثالثة : معنى الآية : عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى وإنما / كان الأمر كذلك لوجهين الأول : أن من سمح بترك حقه فهو محسن ، ومن كان محسنا فقد استحق الثواب ، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني : أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة ، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقربا إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق ، ثم قال تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك ، فقال تعالى : ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم ، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به ، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سببا لتأذيها منه ، وأيضا إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرا من غير أن انتفع بها البتة صار ذلك سببا لتأذيه منها ، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر ، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية ، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية ، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة ، فقال : { إن الله بما تعملون بصير } . الحكم السادس عشر حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى
! 7 < { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى وقوموا لله قانتين } . > 7 < البقرة : ( 238 ) حافظوا على الصلوات . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه ، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها : أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى ، وزوال التمرد عن الطبع ، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه ، كما قال : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) والثاني : أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال : { استعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) والثالث : أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا ، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة ، وهذه الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك ، لأن قوله : { حافظوا على الصلوات } يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة ، ثم إن قوله تعالى : { حافظوا على } يدل على شيء أزيد من الثلاثة ، وإلا لزم التكرار ، / والأصل عدمه ، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة ، وإلا فليس لها وسطى ، فلا بد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط ، وأقل ذلك أن يكون خمسة ، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق ، واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها ، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع : الآية الأولى : قوله : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله : { فسبحان الله } أي سبحوا الله معناه صلوا لله حين تمسون ، أراد به صلاة المغرب والعشاء { وحين تصبحون } أراد صلاة الصبح { وعشيا } ( مريم : 11 ) أراد به صلاة العصر { وحين تظهرون } ( الروم : 18 ) صلاة الظهر . الآية الثانية : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } ( الإسراء : 78 ) أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، ثم قال : { أقم الصلواة } أراد صلاة الصبح . الآية الثالثة : قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناء اليل فسبح وأطراف النهار } ( طه: 130 ) فمن الناس من قال : هذه الآية تدل على الصلوات الخمس ، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين . الآية الرابعة : قوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) فالمراد بطرفي النهار : الصبح ، والعصر ، وقوله : { وزلفا من اليل } المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر ، لأن لفظ زلفا جمع فأقله الثلاثة .
المسألة الثانية : اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها ، أعني طهارة البدن ، والثوب ، والمكان ، والمحافظة على ستر العورة ، واستقبال القبلة ، والمحافظة على جميع أركان الصلاة ، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان / أو من أعمال الجوارح ، وأهم الأمور في الصلاة ، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة ، قال تعالى : { إننى أنا الله } ( طه: 14 ) فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظا على الصلاة وإلا فلا . فإن قيل : المحافظة لا تكون إلا بين اثنين ، كالمخاصمة ، والمقاتلة ، فكيف المعنى ههنا ؟ . والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب ، كأنه قيل له : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله : { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) وفي الحديث : ( احفظ الله يحفظك ) الثاني : أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل : احفظ الصلاة / حتى تحفظك الصلاة ، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه الأول : أن الصلاة تحفظه عن المعاصي ، قال تعالى : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني : أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن ، قال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 153 ) وقال تعالى : { وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم الزكواة } ( المائدة : 12 ) ومعناه : إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث : أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها ، قال تعالى : { وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله } ( البقرة : 110 ) ولأن الصلاة فيها القراءة ، والقرآن يشفع لقارئه ، وهو شافع مشفع وفي الخبر : ( إنه تجىء البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان ) وأيضا في الخبر ( سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه ) والله أعلم . المسألة الثالثة : اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب .
فالقول الأول : أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها ، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي ، وإنما قلنا : إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال : إنه تعالى بينها بطريق قطعي ، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية ، أو بطريق آخر قاطع ، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلا في هذه الآية ، لأن عدد الصلوات خمس ، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها ، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال : إنما هي الوسطى ، وإما أن يقال : بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر ، وذلك مفقود ، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز ، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات ، وهذه المسألة ليست كذلك ، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ؟ ثم قالوا : والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد ، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعيا إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام ، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان ، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات ، فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، قال محمد بن سيرين : إن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ على الصلوات كلها تصبها ، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها ، فقال : يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى ثم قال الربيع : لو علمتها بعينها لكنت محافظا لها ومضيعا لسائرهن ، قال السائل : لا . قال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى . / القول الثاني : هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين . القول الثالث : أنها صلاة الصبح ، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام ، وعمر وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي أمامة الباهلي ، ومن التابعين قول طاوس ، وعطاء ، وعكرمة ومجاهد ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول : أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل ، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني : أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح ، وقبل طلوع الشمس ، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة ، ولا يكون الضوء أيضا تاما ، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث : أنه حصل في النهار التام صلاتان : الظهر والعصر ، وفي الليل صلاتان : المغرب والعشاء ، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار .
فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا : إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابع : أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق ، وفي السفر عند الشافعي ، وكذا المغرب والعشاء ، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتا واحدا ووقت المغرب والعشاء وقتا واحدا ، ووقت الفجر متوسطا بينهما ، قال القفال رحمه الله : وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون : فلان وسط ، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين ، فكان منفردا بنفسه عنهما ، والله أعلم الخامس : قوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } ( الإسراء : 78 ) وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر ، وإنما جعلها مشهودا لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار .
إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما : أن الله تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر ، فدل هذا على مزيد فضلها ، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد ، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية ، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني : أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار ، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر ، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه ، فكانت كالشيء المتوسط السادس : أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى : { وقوموا لله قانتين } قرن هذه الصلاة بذكر القنوت ، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح ، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد ، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج / الصلوات إلى التأكيد ، إذ ليس في الصلاة أشق منها ، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم ، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها ، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت ، والعدول إلى استعمال الماء البارد ، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس ، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن : أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح ، إنما قلنا : إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها : قوله تعالى : { الصابرين والصادقين } إلى قوله تعالى : { والمستغفرين بالاسحار } ( آل عمران : 17 ) فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار ، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض ، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن ربه تعالى ( لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ) وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح وثانيها : ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها وثالثها : أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين : مرة قبل طلوع الفجر ، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء ورابعها : أن الله تعالى سماها بأسماء ، فقال في بني إسرائيل : { أقم الصلواة } ( الإسراء : 78 ) وقال في النور : { من قبل صلواة الفجر } ( النور : 58 ) وقال في الروم : { وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وقال عمر بن الخطاب : المراد من قوله : { وإدبار النجوم } ( الطور : 49 ) صلاة الفجر وخامسها : أنه تعالى أقسم به فقال : { والفجر وليال عشر } ( الفجر : 1 ، 2 ) ولا يعارض هذا بقوله تعالى : { والعصر إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : 1 ، 2 ) فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد ، وهو قوله : { أقم الصلواة طرفى النهار } ( هود : 114 ) وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر وسادسها : أن التثويب في أذان الصبح معتبر ، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين : الصلاة خير من النوم مرتين ، ومثل هذا التأكيد غير حاصل في سائر الصلوات وسابعها : أن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه كان معدوما ، ثم صار موجودا ، أو كان ميتا ، ثم صار حيا ، بل كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتا ، فصاروا أحياء ، فإذا قاموا من منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ظلمة الليل ، وظلمة النوم والغفلة ، وظلمة العجز والخيرة ، وأبدل الكل بالإحسان ، فملأ العالم من النور ، والأبدان من قوة الحياة والعقل والفهم والمعرفة ، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية ، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة ، فثبت بمجموع هذه البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، فكان حمل الوسطى عليها أولى التاسع : ما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى ، فقال : كنا نرى أنها الفجر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم قال : هذه / هي الصلاة الوسطى العاشر : أن سنن الصبح آكد من سائر السنن ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى ، فهذا جملة ما يستدل به على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح .
القول الرابع : قول من قال : إنها صلاة الظهر ، ويروى هذا القول عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الظهر كان شاقا عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى ، وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة ، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه ، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم ) فنزلت هذه الآية والثاني : صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها والثالث : أنها بين صلاتين نهاريتين : الفجر والعصر الرابع : أنها صلاة بين البردين : برد الغداة وبرد العشي الخامس : قال أبو العالية : صليت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى / فقالوا التي صليتها السادس : روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ) وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى ، والمعطوف عليه قبل المعطوف ، والتي قبل العصر هي الظهر السابع : روي أن قوما كانوا عند زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن : روي في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر ، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات ، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع : أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات ، وهي صلاة الظهر ، فصرف المبالغة إليها أولى . القول الخامس : قول من قال : إنها صلاة العصر ، وهو من الصحابة مروى عن علي عليه السلام وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، ومن الفقهاء : النخعي ، وقتادة ، والضحاك ، وهو مروى عن أبي حنيفة ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : ما روي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة ، وهو عظيم الوقع في المسألة ، وفي صحيح مسلم : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ) ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال : العصر وسط ، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر ، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة ، كما أن الحرم حرمان : حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة ، وهذا الجواب متكلف / جدا الثاني : قالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام : ( من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) وأيضا أقسم الله تعالى بها فقال : { والعصر إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : 1 ، 2 ) فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث : أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر ، والسبب فيه أمران أحدهما : أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات ، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه ، ودخول الظهر بظهور الزوال ، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق ، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني : أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات ، فكان الإقبال على الصلاة أشق ، فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?