Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) وقال في موسى عليه السلام { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) وقال في عيسى عليه السلام : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام . الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تخيروا بين الأنبياء ) . الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، فدخل رسول الله فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : ( لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا ) وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ) وقال : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود / لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم . فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقال : { ووجدك ضالا فهدى } ( الضحى : 7 ) وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : { وعلم ءادم الاسماء } ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) . والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وقال عليه السلام : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وقال تعالى : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 2 ) وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : { علمه شديد القوى } فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) ثم قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) .
فإن قيل : قال نوح عليه السلام { وما أنا بطارد المؤمنين } ( الشعراء : 114 ) وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . قلنا : إنه تعالى قال : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { رءوف رحيم } فكان عاقبة نوح أن قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) وأما سائر المعجزات فقد ذكر في ( كتب دلائل النبوة ) في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم . وأما قوله تعالى : { منهم من كلم الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه من كلمه الله تعالى ، والهاء تحذف كثيرا كقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) . المسألة الثانية : قرىء { كلام الله } بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام : ( المصلي مناج ربه ) إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى ، وقرأ اليماني : { عبد الله } من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمه . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي ، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره ؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف ، وقال الماتريدي : سماع ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف والصوت . / المسألة الرابعة : اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى : { منهم من كلم الله } قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ) وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم من قال : نعم بدليل قوله : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) . فإن قيل : إن قوله تعالى : { منهم من كلم الله } المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام ، قال : { وكلم الله موسى تكليما } ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال : { أنظرنى إلى يوم يبعثون لله قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } ( ص: 79 81 ) إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفا فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال : { وكلم الله موسى تكليما } ؟ . والجواب : أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة .
أما قوله تعالى : { ورفع بعضهم درجات } ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح ، ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب ، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضا وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من المعجزة لائقا بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام ، وهي قلب العصا حية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه السلام ، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة ، وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة ، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مستجمعا للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر . القول الثاني : أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام ، لأنه هو المفضل على الكل ، وإنما قال : { ورفع بعضهم درجات } على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلا عظيما فيقال له : من فعل هذا / فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيرا والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة . فإن قيل : المفهوم من قوله : { ورفع بعضهم درجات } هو المفهوم من قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضا قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } كلام كلي ، وقوله بعد ذلك : { منهم من كلم الله } شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك : { ورفع بعضهم درجات } إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركا . والجواب : أن قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله : { ورفع بعضهم درجات } فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريرا . أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : { فضلنا بعضهم على بعض } ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : { منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : { ولقد ءاتينا ابن مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ . والجواب : أن قوله : { منهم من كلم الله } أهيب وأكثر وقعا من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال : { وكلم الله موسى تكليما } فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة .
وأما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : { وءاتينا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء . السؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلت : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات / أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة . الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . المسألة الثانية : في تفسيره أقوال الأول : قال الحسن : القدس هو الله تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : { قل نزله روح القدس } ( النحل : 102 ) . والقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى عليه السلام الموتى . والقول الثالث : وهو قول أبي مسلم : أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . ثم قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات ، ووضحت لهم الدلائل والبراهين ، اختلفت أقوامهم ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية ، وقالوا تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئه عدم الاقتتال مفقودة ، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى .
/ وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال : إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من القتال جبرا وقسرا وإذا كان كذلك فقوله : { ولو شاء الله } المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ، وهذا كما يقال : لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى الخمر ، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال : إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية . والجواب : أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة ، لا من حيث إنها مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلا ، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي إما مشيئة الهلاك ، أو مشيئة سلب القوى والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق وهو غير جائز ، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع ، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالما بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال ، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق . ثم قال : { ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر } فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي ، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعا للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضا من هذا الوجه على صحة مذهبنا . ثم قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا } فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ؟ . قلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيدا للكلام وتكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى .
ثم قال : { ولاكن الله يفعل ما يريد } فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله / واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضا لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أنه تقييد للمطلق والثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بيانا للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلا على كمال قدرته وعلو مرتبته والله أعلم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } . > 7 ! < < البقرة : ( 254 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ثم أعقبه بقوله : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : { يريد يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } . إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : { أنفقوا مما رزقناكم } فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { أنفقوا } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام / في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لا بيع فيه ولا خلال } ( إبراهيم : 31 ) وفي الطور { لا لغو فيها ولا تأثيم } ( الطور : 23 ) والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال } ( البقرة : 197 ) . المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) . أما قوله : { لا بيع فيه } ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) وقال : { ولا يقبل منها عدل } ( البقرة : 123 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 7 ) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال . أما قوله : { ولا خلة } فالمراد المودة / ونظيره من الآيات قوله تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { وتقطعت بهم الاسباب } ( البقرة : 166 ) وقال : { ويوم القيامة يكفرون بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال حكاية عن الكفار : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ) وقال : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) وأما قوله : { ولا شفاعة } يقتضي نفي كل الشفاعات . واعلم أن قوله : { ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ) { لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة } ( البقرة : 48 ) . واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن } ( عبس : 37 ) والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : { عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار / مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما .
أما قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { ولا خلة ولا شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ، فذكر تعالى عقيبه : { والكافرون هم الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : { والكافرون هم الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم . والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله . التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ( الكهف : 49 ) . والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله . والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ، وقالوا أيضا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه . والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 3 ) أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر . والتأويل السادس : { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم . ! 7 < { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الا رض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والا رض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم } . > 7 ! < < البقرة : ( 255 ) الله لا إله . . . . .
> > اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض ، أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم القصص ، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال ، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر ، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى ، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد ، فقال : { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : / ( ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ) وعن علي أنه قال : سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول : ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله ) وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين أنتم من آية الكرسي ، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي ) وعن علي أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع ، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات .
المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة { الله } قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله { لا إلاه إلا هو } قد تقدم في قوله { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله : { الحى القيوم } وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله { الحى القيوم } وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره / ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعا وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايرا لكل الممكنات لم يكن ممكنا فقد وجد موجود ليس بممكن ، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضا باطل . لأنه لو حصل / وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي ، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة ، فيكون كل واحد منهما مركبا في الوجوب الذي به المشاركة ، ومن الغير الذي به الممايزة ، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره ، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال ، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وإن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته ، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته ، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه ، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته ، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده ، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات ، فالقيوم هو المتقوم بذاته ، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده ، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل ، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثرا على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثرا على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثرا بالعلية والإيجاب بقوله { الحى القيوم } فإن { الحى } هو الدرك الفعال ، فبقوله { الحى } دل على كونه عالما قادرا ، وبقوله { القيوم } دل على كونه قائما بذاته ومقوما لكل ما عداه ، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد .
فأولها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء ، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره ، وكل مركب فهو متقوم بغيره ، والمتقوم بغيره لا يكون متقوما بذاته ، فلا يكون قيوما ، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد ، فهذا الأصل له لازمان أحدها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعين ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركبا من جزأين ، وقد بينا بيان أنه محال . اللازم الثاني : أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزا ، لأن كل متحيز فهو منقسم ، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزا امتنع كونه في الجهة ، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة ، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون . وثانيها : أنه لما كان قيوما كان قائما بذاته ، وكونه قائما بذاته يستلزم أمور : / اللازم الأول : أن لا يكون عرضا في موضوع ، ولا صورة في مادة / ولا حالا في محل أصلا لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوما بذاته . واللازم الثاني : قال بعض العلماء : لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم ، فإذا كان قيوما بمعنى كونه قائما بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضررة عند ذاته ، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور ، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته ، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره ، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوما لغيره ، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بد وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضا كونه عالما بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه ، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائما بالنفس لذاته كونه عالما بذاته ، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوما كونه عالما بجميع المعلومات . وثالثها : لما كان قيوما لكل ما سواه كان كل ما سواه محدثا ، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل محدثا .
ورابعها : أنه لما كان قيوما لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة ، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقا ، وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلاهي إلا بواسطة كونه تعالى حيا قيوما فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا ، وأما سائر الآيات الإلاهية ، كقوله { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) وقوله { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ( آل عمران : 18 ) ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وأما قوله { قل هو الله أحد } ( الصمد : 1 ) ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء ، وأما قوله { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } ( الأعراف : 54 ) ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة ، أما قوله { الحى القيوم } فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوما يقتضي أن يكون قائما بذاته ، وأن يكون مقوما لغيره وكونه قائما بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته ، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة ، وأيضا كونه قيوما بمعنى كونه مقوما لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسما كان أو روحا عقلا كان أو نفسا ، ويقتضي استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه ، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلاهي ، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى . / ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } والمعنى : أنه لا يغفل عن تدبير الخلق ، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل ، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات ، وقيوم الممكنات ، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم ، فقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائما ، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم ، ثم إنه تعالى لما بين كونه قيوما بمعنى كونه قائما بذاته ، مقوما لغيره ، رتب عليه حكما وهو قوله { له ما في السماوات وما في الارض } لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته / وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكا له وملكا له ، وهو المراد من قوله { له ما في السماوات وما في الارض } ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه ، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره ، وهو المراد بقوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ثم لما بين أنه يلزم من كونه مالكا للكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه ، بين أيضا أنه يلزم من كونه عالما بالكل وكون غيره غير عالم بالكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه ، وهو قوله { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالما بالكل ، ثم قال : { ولا يحيطون بشيء من علمه } وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات ، ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السماوات وفي الأرض ، بين أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل ، وأن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين ، فقال : { وسع كرسيه السماوات والارض } ثم بين أن نفاذ حكمه وملكه في الكل على نعت واحد ، وصورة واحدة ، فقال : { ولا يؤده حفظهما } ثم لما بين كونه قيوما بمعنى كونه مقوما للمحدثات والممكنات والمخلوقات ، بين كونه قيوما بمعنى قائما بنفسه وذاته ، منزها عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور ، فتعالى عن أن يكون متحيزا حتى يحتاج إلى مكان ، أو متغيرا حتى يحتاج إلى زمان ، فقال : { وهو العلى العظيم } فالمراد منه العلو والعظمة ، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور ، ولا ينسب غيره في صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت ، فقال : { وهو العلى العظيم } إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوما بمعنى كونه قائما بذاته مقوما لغيره ، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلاهية كلام أكمل ، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات .
وإذا عرفت هذه الأسرار ، فلنرجع إلى ظاهر التفسير . أما قوله { الله لا إلاه إلا هو } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : { الله } رفع بالابتداء ، وما بعده خبره . / المسألة الثانية : قال بعضهم : الإلاه هو المعبود ، وهو خطأ لوجهين الأول : أنه تعالى كان إلاها في الأزل ، وما كان معبودا والثاني : أنه تعالى أثبت معبودا سواه في القرآن بقوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } ( الأنبياء : 98 ) بل الإلاه هو القادر على ما إذا فعله كان مسحتقا للعبادة . أما قوله { الحى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الحي أصله حيي كقوله : حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما ، وقال ابن الأنباري : أصله الحيو ، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكنا فجعلنا ياء مشددة . المسألة الثانية : قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم ويقدر ، واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا ، فقال بعضهم : إنه عبارة عن كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ويقدر ، وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة ، وقال المحققون : ولما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع ، وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي ، إذ لو كان وصفا موجودا لكان الموصوف به موجودا ، فيكون ممتنع الوجود موجودا وهو محال ، وثبت أن الامتناع عدم ، وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع . وثبت أن عدم العدم وجود ، لزم أي يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات ، فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات . والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة ، بل كل شيء كان كاملا في جنسه ، فإنه يسمى حيا ، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى : إحياء الموات ، وقال تعالى : { فانظر إلىءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتها } ( الروم : 50 ) وقال : { إلى بلد ميت فأحيينا به الارض } ( فاطر : 9 ) والصفة المسماة في عرف المتكلمين ، إنما سميت بالحياة لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفا بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة وكمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة وكمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته ، وإذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ، ولما لم يكن ذلك مقيدا بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق ، فقوله الحي يفيد كونه كاملا على الإطلاق ، والكامل هو أن لا يكون قابلا للعدم ، لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقة ولا في صفاته النسبية والإضافية ، ثم عند هذا إن خصصنا القيوم بكونه سببا لتقويم غيره فقد زال الإشكال ، لأن كونه سببا لتقويم غيره يدل على كونه متقوما بذاته ، وكونه قيوما يدل على كونه مقوما لغيره ، وإن جعلنا القيوم اسما يدل على كونه / يتناول المتقوم بذاته والمقوم لغيره كان لفظ القيوم مفيدا فائدة لفظ الحي مع زيادة ، فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم . أما قوله تعالى : { القيوم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : القيوم في اللغة مبالغة في القائم ، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكنا جعلتا ياء مشددة ، ولا يجوز أن يكون على فعول ، لأنه لو كان كذا لكان قووما ، وفيه ثلاث لغات : قيوم ، وقيام وقيم ، ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ : الحي القيام ومن الناس من قال هذه اللفظة عبرية لا عربية ، لأنهم يقولون : حيا قيوما ، وليس الأمر كذلك ، لأنا بينا أن له وجها صحيحا في اللغة ، ومثله ما في الدار ديار وديور ، ودير ، وهو من الدوران ، أي ما بها خلق يدور ، يعني : يجيء ويذهب ، وقال أمية بن أبي الصلت : قدرها المهيمن القيوم المسألة الثانية : اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب ، فقال مجاهد : القيوم القائم على كل شيء ، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم ، وفي أرزاقهم ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) وقال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ( آل عمران : 18 ) إلى قوله { قائما بالقسط } وقال : { إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } ( فاطر : 41 ) وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوما لغيره ، وقال الضحاك : القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول : هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائما بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم : القيوم الذي لا ينام بالسريانية ، وهذا القول بعيد ، لأنه يصير قوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } . أما قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : { السنة } ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس . فإن قيل : إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال : { القيوم لا تأخذه سنة } فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر النوم تكريرا . قلنا : تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه النوم . المسألة الثانية : الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على الله تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالما ، ويصح أن لا يكون عالما ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال ، / وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا . المسألة الثالثة : يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه : هل ينام الله تعالى أم لا ، فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، فضرب الله تعالى ذلك مثلا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرض . واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام ، فإن من جوز النوم على الله أو كان شاكا في جوازه كان كافرا ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى ، بل إن صحت الرواية ، . فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه .
أما قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض } فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك ، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحدا كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد . فإن قيل : لم قال : { له ما في السماوات } ولم يقل : له من في السماوات ؟ . قلنا : لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية ، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ { ما } وأيضا فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة ، وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة ، فعبر عنها بلفظ { ما } للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة . واعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، قالوا : لأن قوله { له ما في السماوات وما في الارض } يتناول كل ما في السماوات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق ، وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده ، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ، وإلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهو محال . أما قوله تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { من ذا الذى } استفهام معناه الإنكار والنفي ، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وقولهم { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ثم بين تعالى / أنهم لا يجدون هذا المطلوب . فقال : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } ( يونس : 18 ) فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله { إلا بإذنه } ونظيره قوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( النبأ : 38 ) . المسألة الثانية : قال القفال : إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين ، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية ، وطول في تقريره .
وأقول : إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الإعتقاد في كلماتهم ، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم ، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول ، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع ، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم ، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلا ، فإن كان القفال على مذهب الكعبي ، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال ، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول : أن العقاب حق الله تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه ، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه ، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي والثاني : أن قوله : لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل ، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيبات ، والتمكين من المرادات وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه ، فكيف لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع ، ولا يكون خائفا من العقاب ، والمذنب يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة ، ثم يخلصه الله تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم . واعلم أن القفال رحمه الله كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة . أما قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير لما في السماوات والأرض ، لأن فيهم العقلاء ، أو لما دل عليه { من ذا } من الملائكة والأنبياء . المسألة الثانية : في الآية وجوه أحدها : قال مجاهد ، وعطاء ، والسدي { ما بين أيديهم } ما كان قبلهم من أمور الدنيا { وما خلفهم } ما يكون بعدهم من أمر الآخرة والثاني : قال الضحاك والكلبي { يعلم ما بين أيديهم } يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها { وما خلفهم } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم والثالث : قال عطاء عن ابن عباس { يعلم ما بين أيديهم } من السماء إلى الأرض { وما خلفهم يريد ما في السماوات بإذنه يعلم ما بين أيديهم } بعد انقضاء آجالهم { وما خلفهم } أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس : ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك . واعلم أن المقصود من هذا الكلام : أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب ، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية ، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى ، ولا يعلمون أن الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك ، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله تعالى . المسألة الثالثة : هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم الملائكة ، وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . أما قوله { ولا يحيطون بشيء من علمه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد بالعلم هاهنا كما يقال : اللهم اغفر لنا علمك فينا ، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة ، قيل : هذه قدرة الله ، أي مقدوره والمعنى : أن أحدا لا يحيط بمعلومات الله تعالى .
المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم لله تعالى وهو ضعيف لوجوه أحدها : أن كلمة { من } للتبعيض ، وهي داخلة هاهنا على العلم . فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة الله تعالى وهو محال والثاني : أن قوله { بما شاء } لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم والثالث : أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات ، والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، والخلق لا يعلمون كل المعلومات ، بل لا يعلمون منها إلا القليل . المسألة الثالثة : قال الليث : يقال لكل من أحرز شيئا ، أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به ، وذلك لأنه علم بأول الشيء وآخره بتمامه صار العلم كالمحيط به . أما قوله { إلا بما شاء } ففيه قولان أحدها : أنهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا { لا علم لنا إلا ما علمتنا } والثاني : أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب ، كما قال : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } . أما قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والارض } فاعلم أنه يقال : وسع فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به ، ولا يسعك هذا ، أي لا تطبقه ولا تحتمله ومنه قوله عليه السلام : ( لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أتباعي ) أي لا يحتمل غير ذلك وأما الكرسي فأصله في اللغة من تركب الشيء بعضه على بعض ، والكرسي أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها فوق / بعض ، وأكرست الدار إذا كثرت فيها الأبعار والأبوال وتلبد بعضها على بعض ، وتكارس الشيء إذا تركب ، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض { والكرسي } هو هذا الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض . واختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول : أنه جسم عظيم يسع السماوات والأرض ، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن { الكرسي } هو نفس العرش ، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش ، وبأنه كرسي ، لكون كل واحد منهما بحيث يصح التمكن عليه ، وقال بعضهم : بل الكرسي غير العرش ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : إنه دون العرش وفوق السماء السابعة ، وقال آخرون إنه تحت الأرض وهو منقول عن السدي . واعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه ، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : موضع القدمين ، ومن البعيد أن يقول ابن عباس : هو موضع قدمي الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء ، وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى . القول الثاني : أن المراد من { الكرسي } السلطان والقدرة والملك ، ثم تارة يقال : الإلاهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد ، والعرب يسمون أصل كل شيء { الكرسي } وتارة يسمى الملك بالكرسي ، لأن الملك يجلس على الكرسي ، فيسمى الملك باسم مكان الملك . القول الثالث : أن { الكرسي } هو العلم ، لأن العلم موضع العالم ، وهو الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه ، والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه ، ومنه يقال للعلماء : كراسي ، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم : أوتاد الأرض .
والقول الرابع : ما اختاره القفال ، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ، وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا ، فقال { العلى الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) ثم وصف عرشه فقال { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) ثم قال : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمده ربهم } ( الزمر : 75 ) وقال : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } وقال : { الذين يحملون العرش ومن حوله } ( غافر : 7 ) ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال : { وسع كرسيه السماوات والارض } . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي ، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ولما توافقنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه منزه عن الكعبة ، فكذا الكلام في العرش والكرسي ، وهذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو الأول ، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز والله أعلم . أما قوله تعالى : { ولا يؤده حفظهما } فاعلم أنه يقال : آده يؤده : إذا أثقله وأجهده ، وأدت العود أودا ، وذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته ، والمعنى : لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما أي حفظ السماوات والأرض . ثم قال : { وهو العلى العظيم } واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة ، وقد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة ، ونزيد هاهنا وجهين آخرين الأول : أنه لو كان علوه بسبب المكان ، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهيا في جهة فوق ، أو غير متناه في تلك الجهة ، والأول باطل لأنه إذا كان متناهيا في جهة فوق ، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه ، فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه ، بل يكون غيره أعلى منه ، وإن كان غير متناه فهذا محال ، لأن القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية ، وأيضا فإنا إذا قدرنا بعدا لا نهاية له ، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية ، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى ، وإما أن لا يحصل ، فإن كان الأول كانت النقطة طرفا لذلك البعد ، فيكون ذلك البعد متناهيا ، وقد فرضناه غير متناه . هذا خلف ، وإن لم يوجد فيها نقطة إلا وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلا ، ولا يكون فيها ما يكون فوقا على الاطلاق ، فحينئذ لا يكون لشيء من النفقات المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية . الحجة الثانية : أن العالم كرة ، ومتى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علوا بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلا بالنسبة إلى الوجه الثاني ، فينقلب غاية العلو غاية السفل .
الحجة الثالثة : أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته / وللآخر بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل ، وفي العرضي أقل وأضعف ، فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتية ، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولا بتبعية حصوله في المكان ، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى ، فيكون علو الله ناقصا وعلو غيره كاملا وذلك محال ، فهذه الوجوه قاطعة في أن علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة ، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله / { قل لمن ما فى السماوات والارض قل لله } ( الأنعام : 12 ) قال : وهذا يدل على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته ، ثم قال : { وله ما سكن فى اليل والنهار } ( الأنعام : 13 ) وهذا يدل على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته ، فتعالى وتقدس عن أن يكون علوه بسبب المكان وأما عظمته فهي أيضا بالمهابة والقهر والكبرياء ، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم ، لأنه إن كان غير متناه في كل الجهات أو في بعض الجهات فهو محال لما ثبت بالبراهين القاطعة عدم إثبات أبعاد غير متناهية ، وإن كان متناهيا من كل الجهات كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه ، فلا يكون مثل هذا الشيء عظيما على الاطلاق ، فالحق أنه سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس الجواهر والأجسام تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ! 7 < { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } . > 7 < البقرة : ( 256 ) لا إكراه في . . . . . > > فيه مسألتان : المسألة الأولى : اللام في { الدين } فيه قولان أحدهما : أنه لام العهد والثاني : أنه بدل من الإضافة ، كقوله { فإن الجنة هى المأوى } ( النازعات : 41 ) أي مأواه ، والمراد في دين الله . المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه أحدها : وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة : معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر ، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ) وقال في سورة أخرى { ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ، 4 ) وقال في سورة الشعراء { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعين } ومما يؤكد هذا / القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية { قد تبين الرشد من الغي } يعني ظهرت الدلائل ، ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه ، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل .
القول الثاني : في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر : إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى : { لا إكراه فى الدين } أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس ، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم ، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم ، فقال بعضهم : إنه يقر عليه ؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية ، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله { لا إكراه فى الدين } عاما في كل الكفار ، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه ، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم ، وكان قوله { لا إكراه } مخصوصا بأهل الكتاب . والقول الثالث : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها ، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره ، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) . أما قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح ، ومنه المثل : قد تبين الصبح لذي عينين ، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي بيانا لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره ، والرشد في اللغة معناه إصابة الخير ، وفيه لغتان : رشد ورشد والرشاد مصدر أيضا كالرشد ، والغي نقيض الرشد ، يقال غوي يغوي غيا وغواية ، إذا سلك غير طريق الرشد . المسألة الثانية : { تبين الرشد من الغي } أي تميز الحق من الباطل / والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة ، قال القاضي : ومعنى { قد تبين الرشد } أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول : قد ذكرنا أن معنى { تبين } انفصل وامتاز ، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين ، وعلى هذا كان اللفظ مجري على ظاهره . أما قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت } فقد قال النحويون : الطاغوت وزنه فعلوت ، نحو جبروت ، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا ، وتقديره طغووت ، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب ، نحو : الصاقعة والصاعقة ، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها ، قال المبرد في الطاغوت : الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي : وليس الأمر عندنا كذلك ، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت ، فكما / أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع ، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله { أولياؤهم الطاغوت } فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال : هم رضاهم عدل ، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع ، أما في الواحد فكما في قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } ( النساء : 60 ) وأما في الجمع فكما في قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } ( البقرة : 257 ) وقالوا : الأصل فيه التذكير ، فأما قوله : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } ( الزمر : 17 ) فإنما أنثت إرادة الآلهة .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?