Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والثاني : المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمنا بذلك عارفا به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر . أما قوله تعالى : { قال بلى ولاكن ليطمئن قلبى } فاعلم أن اللام في { ليطمئن } متعلق بمحذوف ، والتقدير : سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ، قالوا . والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين . وهاهنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض ، وفيه سؤال صعب ، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزا لنقيضه ، وإما أن لا يكون ، فإن جوز نقيضه بوجه من الوجوه ، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم ، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم . واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء ، أما لو قلنا : المقصود شيء آخر فالسؤال زائل . أما قوله تعالى : { فخذ أربعة من الطير } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : أخذ طاوسا ونسرا وغرابا وديكا ، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما : حمامة بدل النسر ، وهاهنا أبحاث : البحث الأول : أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين الأول : أن الطيران في السماء ، والارتفاع في الهواء ، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته . والوجه الثاني : أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة ، ووضع على رأس كل جبل قطعا مختلطة ، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله ، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح ، ويقرره قوله تعالى : { يخرجون من الاجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) . البحث الثاني : أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلا بحيوان واحد ، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات ، وفيه وجهان الأول : أن المعنى فيه أنك سألت واحدا على قدر العبودية وأنا أعطي أربعا على قدر الربوبية والثاني : أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس . البحث الثالث : إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب / الزينة والجاه والترفع ، قال تعالى : { زين للناس حب الشهوات } ( آل عمران : 14 ) والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب ، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب ، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحا وراحة من نور جلال الله . أما قوله تعالى : { فصرهن إليك } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة { فصرهن إليك } بكسر الصاد ، والباقون بضم الصاد ، أما الضم ففيه قولان الأول : أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف ، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } على معنى : فضرب فانفلق لأن قوله { ثم اجعل على كل جبل منهن } يدل على التقطيع . فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ . قلنا : الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . والقول الثاني : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد { أنزلنا إليك } معناه قطعهن ، يقال : صار الشيء يصوره صورا ، إذ قطعه / قال رؤبة يصف خصما ألد : صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسر هذه الكلمة أيضا تارة بالإمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفراء : هذه لغة هذيل وسليم : صاره يصيره إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره { صرهن } بكسر الصاد : قطعهن . يقال : صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفراء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا : عثا وعاث ، قال المبرد : وهذا لا يصح ، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل أحدهما فرعا عن الآخر . المسألة الثانية : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها على بعض ، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك ، وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك ، فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته ، ثم ادعهن / يأتينك سعيا ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه : فقطعهن . واحتج عليه بوجوه الأول : أن المشهور في اللغة في قوله { الطير فصرهن } أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه ، فكان إدراجه في الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني : أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك ، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن .
قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث : أن الضمير في قوله { ثم ادعهن } عائد إليها لا إلى أجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائدا إلى تلك الأجزاء لا إليها ، وهو خلاف الظاهر ، وأيضا الضمير في قوله { يأتينك سعيا } عائدا إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في { يأتينك } عائدا إلى أجزائها لا إليها ، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول : أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبو مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها ، فيكون إنكار ذلك إنكارا للإجماع والثاني : أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون له فيه مزية على العير والثالث : أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى ، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع : أن قوله { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه : أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب : أن ما ذكرته وإن كان محتملا إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير : فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأ أو بعضا . أما قوله تعالى : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر قوله { على كل جبل } جميع جبال الدنيا ، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضا أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب / وقال السدي وابن جريج : سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير ، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة ، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة . / المسألة الثانية : روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءا جزءا وخلط دمائها ولحومها ، وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعا من كل طائر ، ثم يصيح بها : تعالين بإذن الله تعالى ، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته ، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى . المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل { جزءا } مثقلا مهموزا حيث وقع ، والباقون مهمزا مخففا وهما لغتان بمعنى واحد . أما قوله تعالى : { ثم ادعهن يأتينك سعيا } فقيل عدوا ومشيا على أرجلهن ، لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل طيرانا وليس يصح ، لأنه لا يقال للطير إذا طار : سعى ، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة ، فإن كانت الحركة طيرانا فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة ، وذلك لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حيا فاهما للنداء ، قادرا على السعي والعدو ، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة قال القاضي : الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها .
والجواب : أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء ، والقدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها ، كان دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة . أما قوله تعالى : { واعلم أن الله عزيز حكيم } فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات { حكيم } أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء . ! 7 < { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 261 ) مثل الذين ينفقون . . . . . > > إعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف . / فالحكم الأول : في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه الله : إنه تعالى لما أجمل في قوله { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء ولإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإلاه المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثا ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعيا إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا ، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة . الوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم ، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته . والوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين ، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت . المسألة الثانية : في الآية إضمار ، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة . المسألة الثالثة : معنى { ينفقون أموالهم في سبيل الله } يعني في دينه ، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله . فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟ . قلنا : الجواب عنه من وجوه الأول : أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة ، وسبعمائة ، وإذا كان هذا المعنى معقولا سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلا مستقيما ، وهذا قول القفال رحمه الله وهو حسن جدا .
والجواب الثاني : أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس ، وهذا الجواب في غاية الركاكة . / المسألة الرابعة : كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين في قوله { أنبتت سبع سنابل } لأنهما حرفان مهموسان ، والباقون بالإظهار على الأصل . ثم قال : { والله يضاعف لمن يشاء } وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة ، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة ، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين / ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص ، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب . ثم قال : { والله سميع } أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والافضال عليهم ، بمقادير الانفاقات ، وكيفية ما يستحق عليها ، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعا عند الله تعالى . ! 7 < { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . > 7 ! < < البقرة : ( 262 ) الذين ينفقون أموالهم . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما اعظم أمر الانفاق في سبيل الله ، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب ، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول : يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه ، وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية . المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه ، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبين تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد . / المسألة الثالثة : { المن } في اللغة على وجوه أحدها : بمعنى الانعام ، يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منة ، وأنشد ابن الأنباري : فمني علينا بالسلام فإنما كلامك ياقوت ودر منظم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة ) يريد أكثر إنعاما بماله ، وأيضا الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم . والوجه الثاني : في التفسير { المن } النقص من الحق والبخس له ، قال تعالى : { وإن لك لاجرا غير ممنون } أي غير مقطوع وغير ممنوع ، ومنه سمي الموت : منونا لأنه ينقص الأعمار ، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة ، لأن ينقص النعمة ، ويكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ، قال قائلهم : زاد معروفك عندي عظما أنه عندي مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو في العالم مشهور كثير
إذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموما لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه ، وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع ، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد ، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيرا بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه ، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصا بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبدا تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك ، فبين سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل . فإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني / لا يبطل الأجر . قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله { لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها ، وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى ، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة . أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الانفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلا ، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن ، ولم ينفق لطلب رضوان الله ، ولا على وجه القربة والعبادة ، فلا جرم بطل الأجر ، طعن القاضي في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بين أن هذا الانفاق قد صح ، ولذلك قال : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا } وكلمة { ثم } للتراخي ، وما يكون متأخرا عن الانفاق موجب للثواب ، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلا حال حصول المؤثر لا بعده . أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول : أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخرا عن الانفاق ، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهرا على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله ، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني : هب أن هذا الشرط متأخر ، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة ، وتقريره معلوم في علم الكلام . المسألة الخامسة : الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل .
أما قوله { لهم أجرهم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلا لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط . المسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله { لهم أجرهم عند ربهم } مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة / لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد . أما قوله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى : { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } ( طه : 112 ) والثاني : أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة ، كما قال : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } ( النمل : 89 ) وقال : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) . ! 7 < { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غنى حليم ياأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والا ذى كالذى ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الا خر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير } . > 7 < البقرة : ( 263 - 265 ) قول معروف ومغفرة . . . . . > > أما القول المعروف ، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره ، والمراد منه هاهنا أن يرد / السائل بطريق جميل حسن ، وقال عطاء : عدة حسنة ، أما المغفرة ففيه وجوه أحدها : أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك ، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان ، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته وثانيها : أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل وثالثها : أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره ، والمراد من القول المعرروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ورابعها : أن قوله { قول معروف } خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق ، وقوله { ومغفرة } خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد ، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة ، ثم بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى ، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى ، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء ، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار ، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار ، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار ، فكان هذا خيرا من الأول .
واعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع ، لأن الواجب لا يحل منعه ، ولا رد السائل منه ، وقد يحتمل أن يراد به الواجب ، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير . ثم قال : { والله غنى } عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها { حليم } إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما : الذي يتبعه المن والأذى والثاني : الذي لا يتبعه المن والأذى ، فشرح حال كل واحد منهما ، وضرب مثلا لكل واحد منهما . فقال في القسم الأول : الذي يتبعه المن والأذى { حليم يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر } وفي الآية مسائل ؛ المسألة الأولى : قال القاضي : إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بين أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت ، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى . واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين ، فمثله أولا : بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر / لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى ، ثم مثله ثانيا : بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ، ثم أصابه المطر القوي ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلا ، فالكافر كالصفوان ، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل / الكافر ، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير ، قال الجبائي : وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضا ، وذلك لأن من أطاع وعصى ، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين ، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال ، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنه حقه ، وأن يكون ظلما من حيث إنه منع الإثابة ، فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال ، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة . وأما أصحابنا فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله { لا تبطلوا } النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا ، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان ، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل : أولها : أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارىء زوال النافي ، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارىء أولى من زوال النافي ، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع .
ثانيها : أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضا محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال ، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال . وثالثها : أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللا بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . ورابعها : أن الطارىء إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارىء شيئا أو لا يعدم منه شيئا ، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل ، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معا اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجودا حال كون كل واحد منهما معدوما وهو محال . / وأما الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي فهو أيضا باطل لأن العقاب الطارىء لما أزال الثواب السابق ، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلا لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة ، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . وخامسها : وهو أنكم تقولون : الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض ، وذلك محال من القول / لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية ، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق ، أو لا نزيل شيئا منها وهو المطلوب . وسادسها : وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم ، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها والأول : باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للمكن من غير مرجح وهو محال ، والقسم الثاني باطل ، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب ، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال ، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنيا عنهما معا حال كونه محتاجا إليهما معا وهو محال . وسابعها : وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده : احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق ، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد ، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده ، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة ، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت ، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة ، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول .
وثامنها : أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون ، والأول : محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجودا في الزمان الماضي ، فلو كان لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعا للتأثير في الزمان الماضي وهو محال ، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا / الطارىء مانعا من ظهور الأثر على ذلك السابق ، لأنا نقول : إذا كان هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلا وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال ، واندفاع أثر هذا الطارىء ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس . وتاسعها : أن هؤلاء المعتزلة يقولون : إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص ، وذلك محال . لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة ، والأعظم لا يحيط بالأقل ، قال الجبائي : إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة ، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه ، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه ، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظما وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات ، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصدا ، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة ، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم ، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول . وعاشرها : أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة / فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة ، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم ، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة ، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول : قوله تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } يحتمل أمرين أحدهما : لا تأتوا به باطلا ، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة ، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة ، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة .
الوجه الثاني : أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب ، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلا لثواب تلك الصدقة ، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية ، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما : يطابق الاحتمال الأول ، وهو قوله { كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله } إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلا أنه دخل في الوجود باطلا ، لا أنه دخل صحيحا ، ثم يزول ، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر ، والكفر مقارن له ، فيمتنع دخوله صحيحا في الوجود ، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل ، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل ، فهذا يشهد لتأويلهم ، لأنه تعالى جعل / الوابل مزيلا لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزبلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر ، إلا أن لنا أن نقول : لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر ، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقرونا بالنية الفاسدة لكان موجبا لحصول الأجر والثواب ، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه ، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى ، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقا به ولا غائصا فيه ألبتة ، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال ، فهو في مرأى العين متصل ، وفي الحقيقة غير متصل ، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى ، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر ، وفي الحقيقة ليس كذلك ، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف ، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين ، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة . المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم ، وبالأذى لذلك السائل ، وقال الباقون : بالمن على الفقير ، وبالأذى للفقير . وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل ، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحا بفعله ، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله ، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له . أما قوله { كالذى ينفق ماله رئاء الناس } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : الكاف في قوله { كالذى } فيه قولان الأول : أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس ، فبين تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، كما أن النفاق والرياء يبطلانها ، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى ، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى ، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضا إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه ، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى ، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلا ، لا أن المقصود الإتيان به صحيحا / ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى . والقول الثاني : أن يكون الكاف في محل النصب على الحال ، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس .
المسألة الثانية : الرياء مصدر ، كالمراءاة يقال : راأيته رياء ومراءاة ، مثل : راعيته مراعاة ورعاء ، وهو أن ترائي بعملك غيرك ، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني ، فقال { فمثله } وفي هذا الضمير وجهان أحدهما : أنه عائد إلى المنافق ، فيكون / المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق ، ثم شبه المنافق بالحجر ، ثم قال : { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس ، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد ، وكل ذلك مقصور ، وقال بعضهم : الصفوان جمع صفوانه ، كمرجان ومرجانة ، وسعدان وسعدانة ، ثم قال : { أصابه وابل } الوابل المطر الشديد ، يقال : وبلت السماء تبل وبلا ، وأرض موبولة ، أي أصابها وابل ، ثم قال : { فتركه صلدا } الصلد الأمس اليابس ، يقال : حجر صلد ، وجبل صلد إذا كان براقا أملس وأرض صلدة ، أي لا تنبت شيئا كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور نارا . واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي ، ولعمل المنافق ، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا ، كما يرى التراب على هذا الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب ، وأما المعتزلة فقالوا : إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب ، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر ، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان ، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين الأول : ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب ، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا ، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل . الوجه الثاني : في التشبيه ، قال القفال رحمه الله تعالى ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة ، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذرا في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته ، ويجده وقت حاجته ، والصفوان محل بذر المنافق ، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر ، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذرا في صفوان صلد عليه غبار قليل ، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعا بذره خاليا لا شيء فيه ، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة ، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل ، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستانا في ربوة من الأرض ، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة ، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق ، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب ، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئا ، ومن الملحدة من طعن في التشبيه ، فقال : إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهرا نقيا نظيفا عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق ، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه ، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه ، قال القاضي : وأيضا فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه أحدها : أنه أصلح في الاستقرار عليه وثانيها : الانتفاع بها في التيمم وثالثها : الانتفاع به فيما يتصل بالنبات ، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول .
أما قوله تعالى : { لا يقدرون على شىء مما كسبوا } فاعلم أن الضمير في قوله { لا يقدرون } إلى / ماذا يرجع ؟ فيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان / لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى ، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني : أنه عائد إلى قوله { كالذى ينفق ماله } وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله { كالذى ينفق ماله } إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه الله : وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردودا على قوله { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك نخسف بهم } ( يونس : 22 ) . ثم قال : { والله لا يهدي القوم الكافرين } ومعناه على قولهم : سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم . ثم قال تعالى : { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما } . إعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانا ومؤذيا ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبين تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغيت وابتغيت . والغرض الثاني : هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك اتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد { وتثبيتا من بعض أنفسهم } وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت يبذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه { من } التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله { وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ( الصف : 11 ) وهذا الوجه ذكره صاحب ( الكشاف ) ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض / العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } ( الإنسان : 9 ) ووصف إنفاق أبي بكر فقال : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى } ( الليل : 19 ، 20 ، 21 ) فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض . فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولا في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله { وتثبيتا من أنفسهم } وخامسها : أنه ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات .
إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما : حصول هذا المعنى والثاني : صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس ، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس ، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح ، فإتيان العبد بالطاعة لله ، ولابتغاء مرضاة الله ، يفيد هذه الملكة المستقرة ، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس ، وهو المراد أيضا بقوله { يثبت الله الذين ءامنوا } وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية ، فصار العبد كما قاله بعض المحققين : غائبا حاضرا ، ظاعنا مقيما وسادسها : قال الزجاج : المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم ، ولا يخيب رجاءهم ، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق ، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعا ، لأنه لا يؤمن بالثواب ، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف ، قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإذا كان لله أعطى ، وإن خالطه أمسك ، قال الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت ، بمعنى التثبيت ، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق ، وصرف المال في وجهه ، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلا ، فقال : { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر { بربوة } بفتح الراء وفي المؤمنين { إلى ربوة } وهو لغة تميم ، والباقون بضم الراء فيهما ، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش ، وفيه سبع لغات { ربوة } بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و { رباوة } بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و { ربو } والربوة المكان المرتفع ، قال الأخفش : والذي اختاره { إلى ربوة } بالضم ، لأن جمعها الربى ، وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ، ومنه الرابية ، لأن أجزاءها ارتفعت ، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد ، ومنه الربا ، لأنه يأخذ الزيادة . واعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعا . / ولي فيه إشكال : وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيرا فلا يحسن ريعه ، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار ، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضا ريعه ، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة ، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه ، بل المراد منه كون الأرض طينا حرا ، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما ، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ربعها ، وتكمل الأشجار فيها ، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما : قوله تعالى : { وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني : أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول ، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر ، ولا يربو ، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه ، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو ، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده .
ثم قال تعالى : { أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { أكلها } بالتخفيف ، والباقون بالتثقيل ، وهو الأصل ، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى : { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } ( إبراهيم : 25 ) أي ثمرتها وما يؤكل منها ، فالأكل في المعنى مثل الطعمة ، وأنشد الأخفش : فما أكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بقرام وقال أبو زيد : يقال إنه لذو أكل إذا كان له حظ من الدنيا . المسألة الثانية : قال الزجاج : { اتت أكلها ضعفين } يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائدا عليه ، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء : حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين ، وقال الأصم : ضعف ما يكون في غيرها ، وقال أبو مسلم : مثلي ما كان يعهد منها . ثم قال تعالى : { فإن لم يصبها وابل فطل } الطل : مطر صغير الفطر ، ثم في المعنى وجوه : الأول : المعنى أن هذه الجنة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل ، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني : معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد وأن يصيبها طل يعطي ثمرا دون ثمر الوابل ، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر ، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلا كان أو كثيرا . ثم قال : { والله بما تعملون بصير } والمراد من البصير العليم ، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها ، والأمور الباعثة عليها ، وأنه تعالى مجاز بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ! 7 < { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } > 7 ! < < البقرة : ( 266 ) أيود أحدكم أن . . . . . > > اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى ، والمعنى أن يكون للإنسان جنة في غاية الحسن والنهاية ، كثيرة النفع ، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة ، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضا في غاية الحاجة ، وفي غاية العجز ، ولا شك أن كونه محتاجا أو عاجزا مظنة الشدة والمحنة ، وتعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة ، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة بالكلية ، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة ، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس ، وثانيا : بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئا ، وثالثا : بسبب تعلق غيره به ، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة ، فكذلك من أنفق لأجل الله ، كان ذلك نظيرا للجنة المذكورة وهو يوم القيامة ، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة ، وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة ، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله ، لم يجد هناك شيئا فيبقى لا محالة في أعظم غم ، وفي أكمل حسرة وحيرة ، وهذا المثل في غاية الحسن ، ونهاية الكمال ، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية . أما قوله { أيود أحدكم } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : الود ، هو المحبة الكاملة . المسألة الثانية : الهمزة في { أيود } استفهام لأجل الإنكار ، وإنما قال : { أيود } ولم يقل / أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال : { أيود أحدكم } حصول مثل هذه الحالة تنبيها على الإنكار التام ، والنفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه . أما قوله { جنة من نخيل وأعناب } فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث : الصفة الأول : كونها من نخيل وأعناب ، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل والأعناب ، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب ، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب ، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها . والصفة الثانية : قوله { تجرى من تحتها الانهار } ولا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة . الصفة الثالثة : قوله { له فيها من كل الثمرات } ولا شك أن هذا يكون سببا لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها ، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن ، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع ، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك ، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة ، فقال : { وأصابه الكبر } وذلك لأنه إذا صار كبيرا ، وعجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه / وملبسه ، ومسكنه ، ومن يقوم بخدمته ، وتحصيل مصالحه ، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب ، إلا من تلك الجنة ، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة . فإن قيل : كيف عطف { وأصابه } على { أيود } وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل . قلنا الجواب عنه من وجوه الأول : قال صاحب ( الكشاف ) { الواو } للحال لا للعطف ، ومعناه { بصير أيود أحدكم أن تكون له جنة } حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق . والجواب الثاني : قال الفراء : وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى ، كأنه قيل : أيود أحدكم إن كان له جنة وأصابه الكبر . ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنة فقال : { وله ذرية ضعفاء } والمراد من ضعف الذرية : الضعف بسبب الصغر والطفولية ، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر ، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر . ثم قال تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } والاعصار ريح ترتفع وتستدير نحو السماء / كأنها عمود ، وهي التي يسميها الناس الزوبعة ، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر : إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله ، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة ، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله ، بل يقرن بها أمورا تخرجها عن كونها موجبة للثواب ، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وقوله { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . ثم قال : { كذالك يبين الله لكم الآيات } أي كما بين الله لكم آياته ودلائله في هذا الباب ترغيبا وترهيبا كذلك يبين الله لكم آياته ودلائله في سائر أمور الدين { لعلكم تتفكرون } . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن : لعل ، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى . المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مرارا . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الا رض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد } . > 7 ! < < البقرة : ( 267 ) يا أيها الذين . . . . . > > إعلم أنه تعالى رغب في الإنفاق ، ثم بين أن الإنفاق على قسمين : منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يتبعه ذلك . ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين ، وضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه . ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال : { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } واختلفوا في أن قوله { أنفقوا } المراد منه ماذا فقال الحسن : / المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم : المراد منه التطوع وقال ثالث : إنه يتناول الفرض والنفل ، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله { أنفقوا } أمر وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة ، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد : أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بئس ما صنع صاحب هذا ) فأنزل الله تعالى هذه الآية ، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز ، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل ، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر . إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان ، فيدخل فيه زكاة التجارة ، وزكاة الذهب والفضة ، وزكاة النعم ، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب ، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض ، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جدا ، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا الغموم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس في الخضراوات صدقة ) وأيضا مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلا كان أو كثيرا وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) . المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين : القول الأول : أنه الجيد من المال دون الرديء ، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة ، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء . والقول الثاني : وهو قول ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال ، والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه : الحجة الأولى : إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد . الحجة الثانية : أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض ، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله : ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء ، فيكون المعنى : ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال ، أمن حلاله أو من حرامه . / الحجة الثالثة : أن هذا القول متأيد بقوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقون مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها ، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته ، واحتج القاضي للقول الثاني فقال : أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال ، فإذا بطل الأول تعين الثاني ، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمرا بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراما أو حلالا وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل ، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال ، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب هاهنا ما يكون طيبا من كل الوجوه فيكون طيبا بمعنى الحلال ، ويكون طيبا بمعنى الجودة ، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمي طيبا لأنه يستطيبه العقل والدين ، والجيد إنما يسمى طيبا لأنه يستطيبه الميل والشهوة ، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين ، فكان اللفظ محمولا عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول : الأموال الزكية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة ، فإن كان الكل شريفا كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك ، وإن كان الكل خسيسا كان الزكاة أيضا من ذلك الخسيس ولا يكون خلافا للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيسا من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء ، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطا فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ( أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم ) هذا كله إذا قلنا المراد من قوله { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } الزكاة الواجبة ، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع ، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع ، فنقول : إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه ، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية ، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها ، فكذا هاهنا ، بقي في الآية سؤال واحد ، وهو أن يقال ما الفائدة في كلمة { من } في قوله { ومما أخرجنا لكم من الارض } .
وجوابه : تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض ، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه . أما قوله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : أممته ، ويممته ، وتأممته ، كله بمعنى قصدته قال الأعشى : تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شرف / المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحده { ولا تيمموا } بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى ، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون موضعا : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق بكم ، تلقف ، تولوا ، تنازعوا ، تربصون ، فإن تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ، تبدل ، تناصرون ، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل الملائكة ، وهاهنا بحثان : البحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز ، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : أدارأتم / وارتبتم وأطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع . البحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة ، فقال بعضهم : هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفراء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها . أما قوله تعالى : { منه تنفقون } . فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول : أنه تم الكلام عند قوله { ولا تيمموا الخبيث } ثم ابتدأ ، فقال : { منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } فقوله { منه تنفقون } استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله { إلا أن تغمضوا فيه } ويكون الذي مضمرا ، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } ( البقرة : 256 ) والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها . أما قوله تعالى : { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الاغماض في اللغة غض البصر ، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض . المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد بالإغماض هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا ، فقوله { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن . ثم ختم الآية بقوله { واعلموا أن الله غني حميد } والمعنى أنه غني عن صدقاتكم ، ومعنى حميد ، أي / محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله { غنى } كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و { حميد } بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله { فأولئك كان سعيهم مشكورا } .
! 7 < { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 268 ) الشيطان يعدكم الفقر . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال : { الشيطان يعدكم الفقر } أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيرا فلا تبال بقوله فإن الرحمن { يعدكم مغفرة منه وفضلا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء . المسألة الثانية : الوعد يستعمل في الخير والشر ، قال الله تعالى : { النار وعدها الله الذين كفروا } ( الحج : 72 ) ويمكن أن يكون هذا محمولا على التهكم ، كما في قوله { فبشرهم بعذاب أليم } . المسألة الثالثة : الفقر والفقر لغتان ، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار ، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار ، قال طرفة . إنني لست بمرهون فقر قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء الفقر بالضم والفقر بفتحتين . المسألة الرابعة : أما الكلام في حقيقة الوسوسة ، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : إن للشيطان لمة وهي الإيعاد بالشر ، وللملك لمة وهي الوعد بالخير ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وقرأ هذه الآية وروى الحسن ، قال بعض المهاجرين : من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر . أما قوله تعالى : { ويأمركم بالفحشاء } ففيه وجوه الأول : أن الفحشاء هي البخل { ويأمركم بالفحشاء } أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل ، قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل ، قال تعالى : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقد نبه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل ، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة ، وهي التخويف من الفقر .
Pertanyaan
- Apa itu tauhid, keyakinan Islam akan keesaan Allah?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa yang diajarkan Nabi Muhammad (saw) tentang akhlak yang baik?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?