Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V08/P012–V08/P013

السؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله { إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه } شرط وقوله { يعلمه الله } جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى . والجواب : أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، ثم إن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام . السؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : { إن تخفوا ما فى صدوركم } ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم ؟ . الجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : { يوسوس فى صدور الناس } ( الناس : 5 ) وقال : { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) . السؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيدا على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق . الجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله { لله ما فى السماوات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ( البقرة : 284 ) . ثم قال تعالى : { ويعلم ما فى السماوات وما في الارض } . واعلم أنه رفع على الاستئناف ، وهو كقوله { قاتلوهم يعذبهم الله } ( التوبة : 14 ) جزم الأفاعيل ، ثم قال : { ويتوب الله } فرفع ، ومثله قوله { فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل } ( الشورى : 24 ) رفعا ، وفي قوله { ويعلم ما فى السماوات وما في الارض } غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير . ثم قال تعالى : { والله على كل شيء قدير } إتماما للتحذير ، وذلك لأنه لما بين أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالما بما في قلبه ، وكان عالما بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادرا على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب . ! 7 < { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد } . > 7 ! < < آل عمران : ( 30 ) يوم تجد كل . . . . . > > اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي تقدم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في العامل في قوله { يوم } وجوها الأول : قال ابن الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى الله المصير يوم تجد الثاني : العامل فيه قوله { ويحذركم الله نفسه } في الآية السابقة ، كأنه قال : ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث : العامل فيه قوله / { والله على كل شيء قدير } أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تفضيلا له لعظم شأنه كقوله { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) الرابع : أن العامل فيه قوله { تود } والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصبا بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس .

Bagian V08/P013–V08/P014

المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) وقال : { فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه } ( المجادلة : 6 ) الثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : { محضرا } يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضرا ، كقوله { ووجدوا ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ) وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان . أما قوله : { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل { ما } ههنا بمنزلة الذي ، ويكون { عملت } صلة لها ، ويكون معطوفا على { ما } الأول ، ولا يجوز أن تكون { ما } شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب { تود } أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلا على أن { ما } ههنا بمعنى الذي . فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ، ودت . قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة . المسألة الثانية : الواو في قوله { وما عملت من سوء } فيه قولان الأول : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء ، وأما قوله { تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني : أن يكون حالا ، والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضرا حال ما تود بعده عنها . والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلا على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضرا وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد . المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها / ونظيره قوله تعالى : { قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } ( الزخرف : 38 ) .

Bagian V08/P014–V08/P015

/ واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : { ويحذركم الله نفسه } وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال : { والله رءوف بالعباد } وفيه وجوه الأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يمهل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال : { ويحذركم الله نفسه } وهو للوعيد أتبعه بقوله { والله رءوف بالعباد } وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه والرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا } ( الفرقان : 63 ) وقال تعالى : { عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال : { والله رءوف بالعباد } أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين . ! 7 < { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } . > 7 ! < < آل عمران : ( 31 ) قل إن كنتم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) فنزلت هذه الآية ، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال : يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، فقالت قريش : إنما نعبد هذه حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حبا لله ، فنزلت هذه الآية ، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محبا لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه ، فإن لم تحصل هذه المتابعة دل ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام المستقصى في المحبة ، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة : 165 ) والمتكلمون مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله ، أو محبة طاعته ، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع .

Bagian V08/P015–V08/P017

واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان محبوبا لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبا بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته ، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال لله سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه . المسألة الثانية : القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين لله تعالى ، وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم الله تعالى ، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين أحدهما : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، لأن المعجزات دلت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني : إن كنتم تحبون أن يحبكم الله فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله ، والله تعالى يحب كل من أطاعه ، وأيضا فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة الله تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره ، ومن أحب الله كان راغبا فيه ، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب . المسألة الثالثة : خاض صاحب ( الكشاف ) في هذا المقام في الطعن في أولياء الله تعالى وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى / نسأل الله العصمة والهداية ، ثم قال تعالى : { ويغفر لكم ذنوبكم } والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه الثواب ، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب ، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل ، ثم قال : { والله غفور رحيم } يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه . ! 7 < { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 32 ) قل أطيعوا الله . . . . . > > يروى أنه لما نزل قوله { قل إن كنتم تحبون الله } الآية قال عبد الله بن أبي : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزلت هذه الآية ، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين ، وهي أن محمدا يدعي لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى ، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة ، فقال : { قل أطيعوا الله والرسول } يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله ، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبه التي ألقاها المنافق في الدين . ثم قال تعالى : { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة الله ، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه ، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة ، وذلك ضد المحبة والله أعلم .

Bagian V08/P017

! 7 < { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } . > 7 < آل عمران : ( 33 - 34 ) إن الله اصطفى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم فقال : { إن الله اصطفى آدم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المخلوقات على قسمين : المكلف وغير المكلف واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف ، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة : الملائكة ، والإنس والجن ، والشياطين ، أما الملائكة ، فقد روي في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول : أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني : لهذا السبب قدروا على حمل العرش ، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث : لهذا السبب سموا روحانيين ، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور ، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول : أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السماوات ، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى : { وكان من الكافرين } ( البقرة : 34 ) وأما سائر الشياطين فهم أيضا كفرة بدليل قوله تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( الأنعام : 121 ) ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى : { ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو } ( الكهف : 50 ) وقال : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن } ( الأنعام : 112 ) ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) وقال : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن ، قال تعالى : { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } ( الجن : 14 ) أما الإنس فلا شك أن لهم والدا هو والدهم الأول ، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دل على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم على ما قال تعالى في هذه السورة { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) وقال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) . إذا عرفت هذا فنقول : اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين ، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى : { اسجدوا لادم فسجدوا } ( الأعراف : 11 ) والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة ، فلما بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين .

Bagian V08/P017–V08/P018

فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال / ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض ، فوجب حمله على هذا المعنى دفعا للتناقض وأيضا قال تعالى في صفة بني إسرائيل { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ) ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله : اصطفى آدم على العالمين ، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك ، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل . المسألة الثانية : { اصطفى } في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى { إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي } ( الأعراف : 144 ) وقال في إبراهيم { وإسحاق ويعقوب وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } ( ص : 47 ) . إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعا إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال / الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني : أنه موافق لقوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وذكر الحليمي في كتاب ( المنهاج ) أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة .

Bagian V08/P018–V08/P019

أما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصا بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : ( زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها ) والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري ) ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض } ( الأنعام : 75 ) ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى ) فسمع أطيط السماء والثاني : أنه سمع دويا وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل { قالت نملة يأيها أيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضا في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها : تقوية قوة الشم / كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب { إنى لاجد ريح يوسف } ( يوسف : 94 ) فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها : تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال : ( إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم ) وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار بردا وسلاما عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ ، قال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب ) فإذا كان حال الولي هكذا ، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم . وأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج ، وعروج عيسى حيا / إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال الله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ( النمل : 40 ) . وأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء .

Bagian V08/P019–V08/P020

واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء . إذا عرفت هذا فقوله { إن الله اصطفى آدم ونوحا } معناه : إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام ، هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة . المسألة الثالثة : من الناس من قال . المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله { النار يعرضون عليها } ( غافر : 46 ) والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : { إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا . وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة / واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها : أن المذكور عقيب قوله { إن الله اصطفى آدم } هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها : أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلاهية عيس بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراما من الله تعالى إياه بها ، وذلك لأنه / تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ) واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم . أما قوله تعالى : { ذرية بعضها من بعض } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في نصب قوله { ذرية } وجهان الأول : أنه بدل من آل إبراهيم والثاني : أن يكون نصبا على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض .

Bagian V08/P020–V08/P021

المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه الأول : ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ( التوبة : 67 ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني : ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم . أما قوله تعالى : { والله سميع عليم } فقال القفال : المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفى من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا ، ونظيره قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وقوله { زوجه إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 ) وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالما بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصرا عليه ، فالله تعالى كأنه يقول : والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بيانا لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديدا لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم . واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصا كثيرة : القصة الاولى واقعة حنة أم مريم عليهما السلام ! 7 < { إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالا نثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هاذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } . > 7 < آل عمران : ( 35 - 37 ) إذ قالت امرأة . . . . . > > / وفيه مسائل : المسألة الأولى : في موضع { إذ } من الإعراب أقوال الأول : قال أبو عبيدة : إنها زائدة لغوا ، والمعنى : قالت امرأة عمران ، ولا موضع لها من الإعراب ، قال الزجاج : لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئا ، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى ، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني : قال الأخفش والمبرد : التقدير اذكر { إذ قالت امرأت عمران } ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث : قال الزجاج ، التقدير : واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران ، وطعن ابن الأنباري فيه وقال : إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح ، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحا قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال : إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهرر عند وجوده ، وظهور طاعاته ، فجاز أن يقال : إن الله اصطفى آدم عند وجوده ، ونوحا عند وجوده ، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع : قال بعضهم : هذا متعلق بما قبله ، والتقدير : والله سميع عليم إذ قالت امرأة / عمران هذا القول . فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد ؟

Bagian V08/P021–V08/P022

قلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات . المسألة الثانية : أن زكريا بن أذن ، وعمران بن ماثان ، كانا في عصر واحد ، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم ، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة ، ثم في كيفية هذا النذر روايات : الرواية الأولى : قال عكرمة . إنها كانت عاقرا لا تلد ، وكانت تغبط النساء بالأولاد ، ثم قالت : ( اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته ) . والرواية الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت ، وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولدا فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت جعلته لله محررا ، أي خادما للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي . المسألة الثالثة : المحرر الذي جعل حرا خالصا ، يقال : حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئا من وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه تعلق / والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصا للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادما للبيعة ، وقيل : عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل : خادما لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفا على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس . المسألة الرابعة : هذا التحرير لم يكن جائزا إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقا إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر . / المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { محررا } وجهان الأول : أنه نصب على الحال من { ما } وتقديره : نذرت لك الذي في بطني محررا والثاني : وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررا . ثم قال الله تعالى حاكيا عنها : { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } التقبل : أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ، ثم قالت { إنك أنت السميع العليم } والمعنى : أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي .

Bagian V08/P022–V08/P023

واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام . قال تعالى : { فلما وضعتها } واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائدا إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالما بأنها كانت أنثى أو يقال : إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال : عادت إلى المنذورة . ثم قال تعالى : { قالت رب إنى وضعتها أنثى } واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت { رب إنى وضعتها أنثى } خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى ، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار . ثم قال الله تعالى : { والله أعلم بما وضعت } قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر { وضعت } برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها ، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت { إنى وضعتها أنثى } خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى ، فأزالت الشبهة بقولها { والله أعلم بما وضعت } وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام ، والباقون بالجزم على أنه كلام الله ، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال : والله أعلم بما وضعت تعظيما لولدها ، وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد ، ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسرت / وفي قراءة ابن عباس { والله أعلم بما وضعت } على خطاب الله لها ، أي : أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات . ثم قال تعالى حكاية عنها { وليس الذكر كالانثى } وفيه قولان الأول : أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى ، وسبب هذا التفضيل من وجوه أحدها : أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني : أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ، ولا يصح / ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث : الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع : أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس : أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى . والقول الثاني : أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر ، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى ، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله ، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه . ثم حكى تعالى عنها كلاما ثانيا وهو قولها { وإنى سميتها مريم } وفيه أبحاث : البحث الأول : أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم ، فلذلك تولت الأم تسميتها ، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء . البحث الثاني : أن مريم في لغتهم : العابدة ، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا ، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } .

Bagian V08/P023–V08/P024

البحث الثالث : أن قوله { وإنى سميتها مريم } معناه : وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسما لها ، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة . ثم حكى الله تعالى عنها كلاما ثالثا وهو قولها { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلا خادما للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم ، وأن يجعلها من الصالحات القانتات ، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب . ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال : { فتقبلها ربها بقبول } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما قال { فتقبلها ربها بقبول حسن } ولم يقل : فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى : { والله أنبتكم من الارض نباتا } ( نوح : 17 ) أي إنباتا ، والقبول مصدر قولهم : قبل فلان الشيء قبولا إذا رضيه ، قال سيبويه : خمسة مصادر جاءت على فعول : قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم ، وأجاز الفراء والزجاج : قبولا بالضم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال : قبلته قبولا وقبولا ، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة ، فكذا ههنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول . / فإن قيل : فلم لم يقل : فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل ؟ والجواب : أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع ، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة / ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع ، بل على وفق الطبع ، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى ، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها ، وهذا الوجه مناسب معقول . المسألة الثانية : ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوها : الوجه الأول : أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم وابنها ) ثم قال أبو هريرة : اقرؤا إن شئتم { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان } طعن القاضي في هذا الخبر وقال : إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده ، وإنما قلنا : إنه على خلاف الدليل لوجوه أحدها : أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني : أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم والثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره ، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء ، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه ، واعلم أن هذه الوجوه محتملة ، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم .

Bagian V08/P024–V08/P025

الوجه الثاني : في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن ، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، وقالت : خذوا هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا . الوجه الثالث : روى القفال عن الحسن أنه قال : إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثديا قط ، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة . الوجه الرابع : في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلا قادرا على خدمة المسجد ، وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة / قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد ، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن . ثم قال الله تعالى : { وأنبتها نباتا حسنا } قال ابن الأنباري : التقدير أنبتها فنبتت هي نباتا حسنا ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا ، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين ، أما الأول فقالوا : المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد ، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة . ثم قال الله تعالى : { وكفلها زكريا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : كفل يكفل كفالة وكفلا فهو كافل ، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه ، وفي الحديث ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) وقال الله تعالى : { أكفلنيها } . المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وكفلها } بالتشديد ، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ ( زكرياء ) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه / وهو الاختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى : { أيهم يكفل مريم } وعليه الأكثر ، وعن ابن كثير في رواية { كفلها } بكسر الفاء ، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا ، وقرأ مجاهد { فتقبلها ربها وأنبتها وكفلها } على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب { ربها } كأنها كانت تدعو الله فقالت : اقبلها يا ربها ، وأنبتها يا ربها ، واجعل زكريا كافلا لها . المسألة الثالثة : اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، فقال الأكثرون : كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم : بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : { وأنبتها نباتا حسنا } ثم قال : { وكفلها زكريا } وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني : أنه تعالى قال : { وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم مريم أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معا .

Bagian V08/P025–V08/P026

وأما الحجة الثانية : فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة . ثم قال الله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { المحراب } الموضع العالي الشريف ، قال عمر بن أبي ربيعة : / ربة محراب إذا جئتها لم أدن حتى أرتقي سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى : { إذ تسوروا المحراب } ( ص: 21 ) والتسور لا يكون إلا من علو ، وقيل : المحراب أشرف المجالس وأرفعها ، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب . المسألة الثانية : احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية ، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم : أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقا للعادة ، أو لا يكون ، فإن قلنا : إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه الأول : أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلا على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية { هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة } والقرآن دل على أنه كان آيسا من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله { هنالك دعا زكريا ربه } أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقا للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سببا لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث : أن التنكر في قوله { وجد عندها رزقا } يدل على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل : رزقا . أي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقا للعادة الرابع : هو أنه تعالى قال : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ) ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق ، وإلا لم يصح ذلك . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولدا من غير ذكر ؟

Bagian V08/P026–V08/P027

قلنا : ليس هذا بآية ، بل يحتاج تصحيحه إلى آية ، فكيف نحمل الآية على ذلك ، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها ، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس : ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلا خارقا للعادة ، فنقول : إما أن يقال : إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك ، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام ، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالما بحاله وشأنه ، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم { أنى لك هاذا } وأيضا فقوله تعالى : { هنالك دعا زكريا ربه } مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من / المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال : إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام ، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء . اعترض أبو علي الجبائي وقال : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام ، وبيانه من وجهين الأول : أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقا ، وأنه ربما كان غافلا عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى ، فإذا رأى شيئا بعينه في وقت معين قال لها { أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني : يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقا معتادا إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذرا من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره . المقام الثاني : أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقا على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئا من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في ( تفسيره ) وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك معجزا لزكريا عليه السلام كان مأذونا له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذونا في ذلك الطلب كان عالما قطعا بأن يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضا لقوله { هنالك دعا زكريا ربه } فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني . وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضا فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق . أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلا على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم .

Bagian V08/P027–V08/P028

والجواب من وجوه الأول : وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي ، فإن ادعى صاحبه النبوة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبيا ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه وليا والثاني : قال بعضهم : الأنبياء مأمورون بإظهارها ، والأولياء مأمورون / بإخفائها والثالث : وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به ، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع : أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق . ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى ، وقوله { بغير حساب } أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 3 ) وههنا آخر الكلام في قصة حنة . القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام ! 7 < { هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء } . > 7 < آل عمران : ( 38 ) هنالك دعا زكريا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قولنا : ثم ، وهناك ، وهنالك ، يستعمل في المكان ، ولفظة : عند ، وحين يستعملان في الزمان ، قال تعالى : { فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } ( الأعراف : 119 ) وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه ، وقال تعالى : { إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) أي في ذلك المكان الضيق ، ثم قد يستعمل لفظة { هنالك } في الزمان أيضا ، قال تعالى : { هنالك الولاية لله الحق } ( الكهف : 44 ) فهذا إشارة إلى الحال والزمان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { هنالك دعا زكريا ربه } إن حملناه على المكان فهو جائز ، أي في ذلك المكان الذي كان قاعدا فيه عند مريم عليها السلام ، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه ، وإن حملناه على الزمان فهو أيضا جائز ، يعني في ذلك الوقت دعا ربه . المسألة الثانية : اعلم أن قوله { هنالك دعا } يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء ، وقد اختلفوا فيه ، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا : هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء ، ومن فاكهة الشتاء في الصيف ، فلما رأى خوارق العادات عندها ، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضا فيرزقه الولد / من الزوجة الشيخة العاقر . والقول الثاني : وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء ، وإرهاصات الأنبياء قالوا : إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك ، واعلم أن القول الأول أولى ، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات ، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة ، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضا فعلا خارقا للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم ، والزوجة العاقر من خوارق العادات ، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى . فإن قيل : إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام .

Bagian V08/P028–V08/P030

فإن قلنا : إنه كان عالما بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سببا لزيادة علمه بقدرة الله تعالى ، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك ، فلا يبقى لقوله هنالك أثر . والجواب : أنه كان قبل ذلك عالما بالجواز ، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالما به ، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي ، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى ، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات . المسألة الثالثة : إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن ، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة ، فحينئذ تصير دعوته مردودة ، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، هكذا قاله المتكلمون ، وعندي فيه بحث ، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقا ، وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا يكون معصية ، ثم إنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، وذلك لا يكون نقصانا بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون فإن أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق . أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام : { هب لى من لدنك ذرية طيبة } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام في لفظة { لدن } فسيأتي في سورة الكهف والفائدة في ذكره ههنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى : أريد منك إلاهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من هذه الأسباب . / المسألة الثانية : لذرية النسل ، وهو لفظ يقع على الواحد ، والجمع ، والذكر والأنثى ، والمراد منه ههنا : ولد واحد ، وهو مثل قوله { فهب لى من لدنك وليا } ( مريم : 5 ) قال الفراء : وأنث { طيبة } لتأنيث الذرية في الظاهر ، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ ، وتارة على المعنى ، وهذا إنما نقوله في أسماء الأجناس ، أما في أسماء الأعلام فلا ، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة ، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص ، فإذا كان ذلك الشخص مذكرا لم يجز فيها إلا التذكير . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إنك سميع الدعاء } ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم ، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه ، وهو كقول المصلين : سمع الله لمن حمده ، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين ، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( مريم : 4 ) . ! 7 < { فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذالك الله يفعل ما يشآء } . > 7 < آل عمران : ( 39 - 40 ) فنادته الملائكة وهو . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : فناداه الملائكة ، على التذكير والإمالة ، والباقون على التأنيث على اللفظ ، وقيل : من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم ، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة ، وقرأ ابن عامر { المحراب } بالإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وفي قراءة ابن مسعود : فناداه جبريل .

Bagian V08/P030–V08/P031

المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة ، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم ، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه . وحملنا هذ اللفظ على التأويل ، فإنه يقال : فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) وهم نعيم بن مسعود / إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك . أما قوله { وهو قائم يصلى فى المحراب } فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه . أما قوله { أن الله يبشرك بيحيى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( البقرة : 25 ) وفي قوله { يبشرك بيحيى } وجهان الأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني : أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحمزة { ءان } بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك . المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي { يبشرك } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون { يبشرك } وقرىء أيضا { يبشرك } قال أبو زيد يقال : بشر يبشر بشرا ، وبشر يبشر تبشيرا ، وأبشر يبشر ثلاث لغات . المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي { يحيى } بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع : الصفة الأولى : قوله { مصدقا بكلمة من الله } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي قوله { مصدقا بكلمة من الله } نصب على الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة . المسألة الثانية : في المراد { بكلمة من الله } قولان الأول : وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة .

Bagian V08/P031

والقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله { بكلمة من الله } هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضا حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله { مصدقا بكلمة من الله } وقال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل : لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته } ( النساء : 171 ) قلنا : فيه وجوه الأول : أنه خلق بكلمة الله ، وهو قوله { كن } / من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله { كن } وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى : كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقا ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني : أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلما بالغا مبلغا عظيما ، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملا فيهما والثالث : أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلاهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحا من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى الله القرآن روحا فقال : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) والرابع : أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله ، فلما جاء قيل : هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا : ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال : قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى : { وكذالك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } ( غافر : 6 ) وقال : { ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ( الزمر : 71 ) الخامس : أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله ، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم : كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال : أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلا في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل . الصفة الثانية : ليحيى عليه السلام قوله { وسيدا } والمفسرون ذكروا فيه وجوها الأول : قال ابن عباس : السيد الحليم ، وقال الجبائي : إنه كان سيدا للمؤمنين ، رئيسا لهم في الدين ، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع ، وقال مجاهد : الكريم على الله ، وقال ابن المسيب : الفقيه العالم ، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب ، قال القاضي : السيد هو المتقدم المرجوع إليه ، فلما كان سيدا في الدين كان مرجوعا إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع . الصفة الثالثة : قوله { وحصورا } وفيه مسألتان :

Bagian V08/P031–V08/P033

المسألة الأولى : في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصرا وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : فلهم قولان أحدهما : أنه كان عاجزا عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، / فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما . والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائما ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل . الصفة الرابعة : قوله { ونبيا } واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما : قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة . الصفة الخامسة : قوله { من الصالحين } وفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه من أولاد الصالحين والثاني : أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( أنه من الصالحين ) والثالث : أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما من نبي إلا وقد عصى ، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم ) . فإن قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟ قلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى قدرا والله أعلم . / قوله تعالى : { قال رب أنى يكون لي غلام } في الآية سؤالات :

Pertanyaan