Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V08/P156–V08/P157

والجواب : قال القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال ، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات : الكفر بالله ، فكان الجهاد في الدين محملا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع ، لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : قوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إلاه إلا الله ويقروا بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه و ( لا إلاه إلا الله ) أعظم المعروف ، والتكذيب هو أنكر المنكر . ثم قال القفال : فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف ، وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة ، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه ، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل ، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق ، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم . السؤال الثاني : لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان بالله لا بد وأن يكون مقدما على كل الطاعات ؟ . والجواب : أن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة ، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة ، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل ، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الأمم ، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثرا في صفة الخيرية ، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر / وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير ، والمؤثر ألصق / بالأثر من شرط التأثير ، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان . السؤال الثالث : لم اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لا بد منه . والجواب : الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوة ، لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقا ، والإيمان بكونه صادقا لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقا لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول ، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيها على هذه الدقيقة . ثم قال تعالى : { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفيه وجهان الأول : ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضا لهم ، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني : إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة ، فكان ذلك خيرا لهم مما قنعوا به .

Bagian V08/P157–V08/P158

واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما : قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) وثانيتهما : قوله { لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } قال صاحب ( الكشاف ) : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاء { من } غير عاطف . أما قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ففيه سؤالان : السؤال الأول : الألف واللام في قوله { المؤمنون } للاستغراق أو للمعهود السابق ؟ . والجواب : بل للمعهود السابق ، والمراد : عبد الله بن سلام ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى . السؤال الثاني : الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق . والجواب : الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيكون مردودا عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقا فيما بينهم ، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان : منهم من آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء . أما قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم / وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله { كنتم خير أمة } رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ( آل عمران : 100 ) فهذا وجه النظم ، فأما قوله { لن يضروكم إلا أذى } فمعناه : أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم { عزير ابن الله } ( التوبة : 30 ) و { المسيح ابن الله } ( التوبة : 30 ) و { الله ثالث ثلاثة } ( المائدة : 73 ) وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ، ومن الناس من قال : إن قوله { إلا أذى } استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضررا يسيرا ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى . ثم قال تعالى : { وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } وهو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين { ثم لا ينصرون } أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة البتة ، ومثله قوله تعالى : { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون } ( الحشر : 12 ) قوله { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم } ( آل عمران : 12 ) وقوله { نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 44 ، 45 ) وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر .

Bagian V08/P158–V08/P159

واعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة ، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم ، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا ، ومنها أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها ، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزا وههنا سؤالات : السؤال الأول : هب أن اليهود كذلك ، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا : هذه الآيات مخصوصة باليهود ، وأسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال . السؤال الثاني : هلا جزم قوله { ثم لا ينصرون } . قلنا : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون ، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبدا دائما . / السؤال الثالث : ما الذي عطف عليه قوله { ثم لا ينصرون } ؟ . الجواب : هو جملة الشرط والجزاء ، كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وإنما ذكر لفظ { ثم } لإفادة معنى التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الاخبار بتوليتهم الأدبار . ! 7 < { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذالك بأنهم كانوا يكفرون بأايات الله ويقتلون الا نبيآء بغير حق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 112 ) ضربت عليهم الذلة . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما بين أنهم إن قاتلوا رجعوا مخذولين غير منصورين ذكر أنهم مع ذلك قد ضربت عليهم الذلة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة ، والمعنى جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به ، ومنه قولهم : ما هذا علي بضربة لازب ، ومنه تسمية الخراج ضريبة . المسألة الثانية : الذلة هي الذل ، وفي المراد بهذا الذل أقوال الأول : وهو الأقوى أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ) . ثم قال تعالى : { إلا بحبل من الله } والمراد إلا بعهد من الله وعصمة وذمام من الله ومن المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام ، فلا قتل ولا غنيمة ولا سبي الثاني : أن هذه الذلة هي الجزية ، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار والثالث : أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكا قاهرا ولا رئيسا معتبرا ، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون .

Bagian V08/P159–V08/P160

واعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة فقط لأن قول { إلا بحبل من الله } يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل والجزية والصغار والدناءة لا يزول شيء منها عند حصول هذا الحبل ، فامتنع حمل الذلة على الجزية فقط ، وبعض من نصر هذا القول ، أجاب عن هذا السؤال بأن قال : إن هذا الاستثناء منقطع ، وهو قول محمد بن جرير الطبري ، فقال : اليهود قد ضربت عليهم الذلة ، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة ، فقوله { إلا بحبل من الله } تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس . واعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ { إلا } على ( لكن ) خلاف الظاهر ، وأيضا إذا حملنا الكلام على أن المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة ههنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز ، بل ههنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني : القتل ، والأسر ، وسبي الذراري ، وأخذ المال ، وإلحاق الصغار ، والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام ، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية ، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم ، فهذا هو القول في هذا الموضع ، وقوله { أينما ثقفوا } أي وجدوا وصودفوا ، يقال : ثقفت فلانا في الحرب أي أدركته ، وقد مضى الكلام فيه عند قوله { حيث ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ) . المسألة الثالثة : قوله { إلا بحبل من الله } فيه وجوه الأول : قال الفراء : التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، وأنشد على ذلك : رأتني بحبلها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق واعترضوا عليه / فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني : أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم ، فكأنه قيل : لا تنفك عنهم الذلة ، ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( مع ) كقولهم : اخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير : إلا مع حبل من الله . المسألة الرابعة : المراد من حبل الله عهده ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفا ، صار ذلك الخوف مانعا له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيها بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر . / فإن قيل : إنه عطف على حبل الله حبلا من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة ؟

Bagian V08/P160–V08/P161

قلنا : قال بعضهم : حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال : أو حبل من الناس ، وقال آخرون : المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضا ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما : الذي نص الله عليه وهو أخد الجزية والثاني : الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول : هو المسمى بحبل الله والثاني : هو المسمى بحبل المؤمنين والله أعلم . ثم قال : { وباءوا بغضب من الله } وقد ذكرنا أن معناه : أنهم مكثوا ، ولبثوا وداموا في غضب الله ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه : تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه ، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه ، وسواء قولك : حل بهم الغضب وحلوا به . ثم قال : { وضربت عليهم المسكنة } والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية ، وقال آخرون : المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيا موسرا ، وقال بعضهم : هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقا للمسلمين فيصيرون مساكين ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال : { ذالك بأنهم كانوا يكفرون بئايات الله ويقتلون الانبياء بغير حق } والمعنى : أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها : جعل الذلة لازمة لهم وثانيا : جعل غضب الله لازما لهم وثالثها : جعل المسكنة لازمة لهم ، ثم بين في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي : أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، وهنا سؤالات : السؤال الأول : هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام ، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بأدوار وأعصار ، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة والمسكنة ، والموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة ، فكان الإشكال لازما . والجواب عنه : أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك ، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم ، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلا لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال . السؤال الثاني : لم كرر قوله { ذالك بما عصوا } وما الحكمة فيه ولا يجوز أن يقال التكرير / للتأكيد ، لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد ، والعصيان أقل حالا من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان ؟ .

Bagian V08/P161–V08/P162

والجواب من وجهين الأول : أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل الأنبياء ، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية ، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالا فحالا ، ونور الإيمان يضعف حالا فحالا ، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر ، وإليه الإشارة بقوله { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ( المطففين : 14 ) فقوله { ذالك بما عصوا } إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاملات ، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة ، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر الثاني : يحتمل أن يريد بقوله { ذالك بأنهم كانوا يكفرون } من تقدم منهم ، ويريد بقوله { ذالك بما عصوا } من حضر منهم في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا لا يلزم التكرار ، فكأنه تعالى بين علة عقوبة من تقدم ، ثم بين أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته وعداوته مستوجبا لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا من باب العدل والحكمة . ! 7 < { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ءايات الله ءانآء اليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الا خر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وأولائك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } . > 7 < آل عمران : ( 113 - 115 ) ليسوا سواء من . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في قوله { ليسوا سواء } قولين أحدهما : أن قوله { ليسوا سواء } كلام تام ، وقوله { من أهل الكتاب أمة قائمة } كلام مستأنف لبيان قوله { ليسوا سواء } كما وقع قوله { تأمرون بالمعروف } ( آل عمران : 110 ) بيانا لقوله { كنتم خير أمة } ( آل عمران : 110 ) والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم / ليسوا سواء ، وهو تقرير لما تقدم من قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ، ثم ابتدأ فقال : { من أهل الكتاب أمة قائمة } وعلى هذا القول احتمالان أحدهما : أنه لما قال : { من أهل الكتاب أمة قائمة } كان تمام الكلام أن يقال : ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معا ، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما ، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر . قال أبو ذؤيب : دعاني إليها القلب إني لامرؤ مطيع فلا أدري أرشد طلابها أراد ( أم غي ) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي ، وهذا قول الفراء وابن الأنباري ، وقال الزجاج : لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة ، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى ، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معا كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر ، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل دين زكي ، فيغني هذا عن أن يقال : وعبد الله ليس كذلك ، فكذا ههنا لما تقدم قوله { ليسوا سواء } أغنى ذلك عن الإضمار .

Bagian V08/P162–V08/P163

والقول الثاني : أن قوله { ليسوا سواء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده ، بل هو متعلق بما بعده ، والتقدير : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة ، فأمة رفع بليس وإنما قيل { ليسوا } على مذهب من يقول : أكلوني البراغيث ، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة والله أعلم . المسألة الثانية : يقال فلان وفلان سواء ، أي متساويان وقوم سواء ، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في { سوآء } في أول سورة البقرة . المسألة الثالثة : في المراد بأهل الكتاب قولان الأول : وعليه الجمهور : أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام ، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ، وقيل : إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفا بالصفات الحميدة والخصال المرضية ، قال الثوري : بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء / وعن عطاء : أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام . / والقول الثاني : أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان ، وعلى هذا القول يكون المسلمين من جملتهم ، قال تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : ( أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم ) وقرأ هذه الآية ، قال القفال رحمه الله : ولا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفرا من مؤمني أهل الكتاب ، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ، ولم يبعد أيضا أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب ، كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا ، يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيدا لما تقدم من قوله { كنتم خير أمة } ( آل عمران : 110 ) وهو كقوله { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) . ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية . الصفة الأولى : أنها قائمة وفيها أقوال الأول : أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } ( الفرقان : 64 ) وقوله { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل } ( المزمل : 20 ) وقوله { قم اليل } ( المزمل : 2 ) وقوله { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله { وهم يسجدون } والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة .

Bagian V08/P163–V08/P164

والقول الثاني : في تفسير كونها قائمة : أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله { إلا ما دمت عليه قائما } ( آل عمران : 75 ) أي ملازما للاقتضاء ثابتا على المطالبة مستقصيا فيها ، ومنه قوله تعالى : { قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . وأقول : إن هذه الآية دلت على كون المسلم قائما بحق العبودية وقوله { قائما بالقسط } يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال : { أوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله : إن أناسا من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه ، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود ، قال الحسن : متحيرون مترددون ( أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية ) وفي رواية أخرى قال عند ذلك : ( إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى ، وكلفتم / أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوة وعشيا والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني ) فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب / فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال : { من أهل الكتاب أمة قائمة } . القول الثالث : { أمة قائمة } أي مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله { كنتم خير أمة } . الصفة الثانية : قوله تعالى : { يتلون ءايات الله ءاناء اليل } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { يتلون ويؤمنون } في محل الرفع صفتان لقوله { أمة } أي أمة قائمة تالون مؤمنون . المسألة الثانية : التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ . المسألة الثالثة : آيات الله قد يراد بها آيات القرآن ، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى . المسألة الرابعة : { أمن هو } أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا ، مثل : معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء ، مكسور الأول ساكن الثاني ، قال القفال رحمه الله ، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات ، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة ( آذيت وآنيت ) أي دافعت الأوقات .

Bagian V08/P164–V08/P165

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وهم يسجدون } وفيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون حالا من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في ( تفسيره ) حديثا : أن ذلك غير جائز ، وهو قوله عليه السلام : ( ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا ) الثاني : يحتمل أن يكون كلاما مستقلا والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } ( الفرقان : 64 ) وقوله { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) قال الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث : يحتمل أن يكون المراد بقوله { وهم يسجدون } أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجودا وسجدة وركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة ، قال تعالى : { واركعوا مع الراكعين } ( البقرة : 43 ) أي صلوا وقال : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) والمراد الصلاة الرابع : يحتمل أن يكون المراد بقوله { وهم يسجدون } أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجودا كقوله { ولله يسجد ما فى السماوات وما في الارض } ( النمل : 49 ) وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله . الصفة الرابعة : قوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } واعلم أن اليهود كانوا أيضا يقومون / في الليالي للتهجد وقراءة التوراة ، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد . واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله ، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، فقوله { يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية / وذلك أكمل أحوال الإنسان ، وهي المرتبة التي يقال لها : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية . الصفة الخامسة : قوله { ويأمرون بالمعروف } . الصفة السادسة : قوله { وينهون عن المنكر } واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين ، وذلك بطريقين ، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف ، أو يمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : { يأمرون بالمعروف } أي بتوحيد الله وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم { وينهون عن المنكر } أي ينهون عن الشرك بالله ، وعن إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل ، فهو يتناول كل معروف وكل منكر .

Bagian V08/P165–V08/P166

الصفة السابعة : قوله { ويسارعون فى الخيرات } وفيه وجهان أحدهما : أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت ، والآخر : يعملونها غير متثاقلين . فإن قيل : أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام : ( العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن ) فما الفرق بين السرعة وبين العجلة ؟ قلنا : السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه ، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه ، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين ، لأن من رغب في الأمر ، آثر الفور على التراخي ، قال تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ( آل عمران : 133 ) وأيضا العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) . الصفة الثامنة : قوله { وأولئك من الصالحين } والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم / الصلاة والسلام فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم { وأدخلناهم فى رحمتنا إنهم من الصالحين } ( الأنبياء : 86 ) وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وقال : { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } ( التحريم : 4 ) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك في العقائد ، أو في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون ، فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات . ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال : { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظرا إلى العلة . وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت / ثم قال : وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاما بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } ( البقرة : 197 ) وما تفعلوا من خير يوف إليكم } { } { وما تفعلوا من خير تجدوه عند الله } وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين .

Bagian V08/P166–V08/P167

المسألة الثانية : { فلن } أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول : أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكرا قال الله تعالى : { خيرا فإن الله شاكر عليم } ( البقرة : 158 ) وقال : { فأولئك كان سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 19 ) فلما سمى إيصال الجزاء شكرا سمى منعه كفرا والثاني : أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفرا ، لأنه بمنزلة الجحد والستر . فإن قيل : لم قال : { فلن } فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها . قلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان ، فكان كأنه قال : فلن تحرموه ، ولن / تمنعوا جزاءه . المسألة الثالثة : احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال : صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه ، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) . ثم قال : { والله عليم بالمتقين } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك محال في حقه لأنه عليم بكل المعلومات ، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إلاه جميع المحدثات ، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة ، وقوله { عليم } يدل على عدم الجهل ، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء ، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم ، إنما قال : { عليم بالمتقين } مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى . ! 7 < { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 116 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب ، وأخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعا بين الزجر والترغيب والوعد والوعيد ، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار ، فقال : { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله { إن الذين كفروا } قولان الأول : المراد منه بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس : يريد قريظة والنضير ، وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) وثانيها : أنها نزلت في مشركي قريش ، فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا } ( مريم : 74 ) / وقوله { خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية } ( العلق : 17 ، 18 ) وثالثها : أنها نزلت في أبي سفيان ، فإنه أنفق مالا كثيرا على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم .

Bagian V08/P167–V08/P168

والقول الثاني : أن الآية عامة في حق جميع الكفار ، وذلك لأنهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالفقر ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ولأن اللفظ عام ، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا : إنه تعالى قال بعد هذه الآية { مثل ما ينفقون } فالضمير في قوله { ينفقون } عائد إلى هذا الموضع ، وهو قوله { إن الذين كفروا } ثم إن قوله { ينفقون } مخصوص ببعض الكفار ، فوجب أن يكون هذا أيضا مخصوصا . المسألة الثانية : إنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بين تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى : { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } ( الشعراء : 88 ، 89 ) وقوله { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) الآية وقوله { فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) وقوله { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } ( سبأ : 37 ) ولما بين تعالى أنه لا انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم ، قال : { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبدا فقالوا قوله { وأولئك أصحاب النار } كلمة تفيد الحصر فإنه يقال : أولئك أصحاب زيد لا غيرهم وهم المنتفعون به لا غيرهم ولما أفادت هذه الكلمة معنى الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا للكافر . ! 7 < { مثل ما ينفقون فى هاذه الحيواة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولاكن أنفسهم يظلمون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 117 ) مثل ما ينفقون . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا ، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم / في وجوه الخيرات ، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك ، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة ، وبين أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات ، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع . فإن قيل : فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك ، فكيف شبه الإنفاق بالريح الباردة المهلكة .

Bagian V08/P168–V08/P169

قلنا : المثل قسمان منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين ، وهذا هو المسمى بالتشبيه المركب ، ومنه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين ، وبين أجزاء كل واحدة منهما ، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال السؤال ، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه الأول : أن يكون التقدير : مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون ، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني : مثل ما ينفقون ، كمثل مهلك ريح ، وهو الحرث الثالث : لعل الإشارة في قوله { مثل ما ينفقون } إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع العساكر عليه ، وكان هذا الإنفاق مهلكا لجميع ما أتوا به من أعمال الخير والبر وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم وتأخير ، والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث ، وهذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع ، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر . المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين الأول : أن المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه الله إنفاقا كما سمى ذلك بيعا وشراء في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } ( التوبة : 111 ) إلى قوله { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } ( التوبة : 111 ) ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) والمراد به جميع أعمال الخير وقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) والمراد جميع أنواع الانتفاعات . والقول الثاني : وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله { لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم } ( آل عمران : 10 ) . المسألة الثالثة : قوله { مثل ما ينفقون } المراد منه جميع الكفار أو بعضهم ، فيه قولان : الأول : المراد بالإخبار عن جميع الكفار ، وذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبق منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وإن كان / لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به ، فثبت أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة / ولعلهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والاحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل ، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات ، فكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف ، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم ، فالذي قلناه فيه أسد وأشد ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) وقال : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } ( الأنفال : 36 ) وقوله { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } ( النور : 39 ) فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب ، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) وهذا القول هو الأقوى والأصح .

Bagian V08/P169–V08/P170

واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة ولا يبعد أيضا تفسيرها بخيبتهم في الدنيا ، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق ثم انقلب الأمر عليهم ، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة . والقول الثاني : المراد منه الإخبار عن بعض الكفار ، وعلى هذا القول ففي الآية وجوه الأول : أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف من المسلمين وعلى سبيل المداراة لهم فالآية فيهم الثاني : نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام الثالث : نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف والرابع : المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس كذلك . المسألة الرابعة : اختلفوا في { الصر } على وجوه الأول : قال أكثر المفسرين وأهل اللغة : الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد والثاني : أن الصر : هو السموم الحارة والنار التي تغلي ، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر بن الأنباري ، قال ابن الأنباري : وإنما وصفت النار بأنها { فيها صر } لتصويتها عند الالتهاب ، ومنه صرير الباب ، والصرصر مشهور ، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة } ( الذاريات : 29 ) وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في { فيها صر } قال فيها نار ، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل ، لأنه سواء كان بردا مهلكا أو حرا محرقا فإنه يصير مبطلا للحرث والزرع فيصح التشبيه به . المسألة الخامسة : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط ، وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق ، وهذا إنما يصح إذا قلنا : إنه لولا الكفر / لكان ذلك الإنفاق موجبا لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط ، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد ، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان ، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه لأن الكفر أزاله بعد ثبوته ، ودلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة . ثم قال تعالى : { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } وفيه سؤال : وهو أن يقال : لم لم يقتصر على قوله { أصابت حرث قوم } وما الفائدة في قوله { ظلموا أنفسهم } . قلنا : في تفسير قوله { ظلموا أنفسهم } وجهان الأول : أنهم عصوا الله فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم ، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء ، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى ، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه والثاني : أن يكون المراد من قوله { ظلموا أنفسهم } هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه ، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع ، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعا ، فكذا ههنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعا والله أعلم .

Bagian V08/P170–V08/P172

ثم قال تعالى : { وما ظلمهم الله ولاكن أنفسهم يظلمون } والمعنى أن الله تعالى ما ظلمهم حيث لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله تعالى قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ولاكن } بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها ، ولا يجوز أن يراد ، ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن ، لأنه لا يجوز إلا في الشعر . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الا يات إن كنتم تعقلون } . > 7 ! / < < آل عمران : ( 118 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين في هذه الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم ؟ على أقوال : الأول : أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنا منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه ، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضا كذلك الثاني : أنهم هم المنافقون ، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية ، فالله تعالى منعهم عن ذلك ، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا } ( آل عمران : 119 ) ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن } ( البقرة : 14 ) الثالث : المراد به جميع أصناف الكفار والدليل عليه قوله تعالى : { تتخذوا بطانة من دونكم } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار وقال تعالى : { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظا ولا أحسن خطأ منه ، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا ، فامتنع عمر من ذلك وقال : إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين ، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلا على النهي عن اتخاذ بطانة ، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية ، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاما وآخرها إذا كان خاصا لم يكن خصوص آخر الآية مانعا من عموم أولها . المسألة الثانية : قال أبو حاتم عن الأصمعي : بطن فلان بفلان يبطن به بطونا وبطانة ، إذا كان خاصا به داخلا في أمره ، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع ، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر ، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته ، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { لا تتخذوا بطانة } نكرة في سياق النفي فيفيد العموم . أما قوله { من دونكم } ففيه مسائل :

Bagian V08/P172–V08/P173

المسألة الأولى : من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ { من دونكم } يحسن حمله على هذا الوجه كما يقال الرجل : قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا ، وهو يريد أحسنتم إلى / إخواننا ، وقال تعالى : { ويقتلون النبيين بغير حق } ( آل عمران : 21 ) أي آباؤهم فعلوا ذلك . المسألة الثانية : في قوله { من دونكم } احتمالان أحدهما : أن يكون متعلقا بقوله { لا تتخذوا } أي لا تتخذوا من دونكم بطانة والثاني : أن يجعل وصفا للبطانة والتقدير : بطانة كائنات من دونكم . فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخدوا من دونكم بطانة ، وبين قوله { لا تتخذوا بطانة من دونكم } ؟ . قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله : لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود . المسألة الثالثة : قيل { من } زائدة ، وقيل للنبيين : لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم . فإن قيل : هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق ، وقال تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم } ( الممتحنة : 8 ، 9 ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : لا شك أن الخاص يقدم على العام . واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي وهي أمور أحدها : قوله تعالى : { لا يألونكم خبالا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : يقال ( ألا ) في الأمر يألوا إذا قصر فيه ، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نصحا ، ولا آلوك جهدا على التضمين ، والمعنى لا أمنعك نصحا ولا أنقصك جهدا . المسألة الثانية : الخبال الفساد والنقصان ، وأنشدوا : لستم بيد إلا يدا أبدا مخبولة العضد أي فاسدة العضد منقوضتها ، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل ، وقال تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) أي فسادا وضررا . المسألة الثالثة : قوله { لا يألونكم خبالا } أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم ، يقال : ما ألوته نصحا ، أي ما قصرت في نصيحته ، وما ألوته شرا مثله . المسألة الرابعة : انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر ، لأن معنى قوله { لا يألونكم خبالا } لا يخبلونكم خبالا وثانيها : قوله تعالى : { ودوا ما عنتم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال وددت كذا ، أي أحببته و ( العنت ) شدة الضرر والمشقة قال تعالى : { ولو شاء الله لاعنتكم } ( البقرة : 220 ) . المسألة الثانية : ما مصدرية كقوله { ذلكم بما كنتم تفرحون فى الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون } ( غافر : 75 ) أي بفرحكم ومرحكم وكقوله { والسماء وما بناها والارض وما طحاها } ( الشمس : 5 ، 6 ) أي بنائه إياها وطحيه إياها . المسألة الثالثة : تقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر . المسألة الرابعة : قال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله { ودوا ما عنتم } لأنه استئناف بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله { لا يألونكم خبالا } فلو كان هذا صفة أيضا لوجب إدخال حرف العطف بينهما .

Bagian V08/P173–V08/P174

المسألة الخامسة : الفرق بين قوله { لا يألونكم خبالا } وبين قوله { ودوا ما عنتم } في المعنى من وجوه الأول : لا يقصرون في إفساد دينكم ، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني : لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا ، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث : لا يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج ، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم وثالثها : قوله تعالى : { قد بدت البغضاء من أفواههم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : البغضاء أشد البغض ، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء . المسألة الثانية : الأفواه جمع الفم والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ، يقال : فوه وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول ، وأفوه إذا كان واسع الفهم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم حذفت الهاء تخفيفا ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان . المسألة الثالثة : قوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول : أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقة لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره قوله تعالى : { ولتعرفنهم فى لحن القول } ( محمد : 30 ) الثاني : قال قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضا على ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق ، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وأن يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } . ثم قال تعالى : { وما تخفى صدورهم أكبر } يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد ، ثم بين تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم ، فقال : { قد بينا لكم الايات إن كنتم تعقلون } أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل : { إن كنتم تعقلون } الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم . ! 7 < { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الا نامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } . > 7 ! / < < آل عمران : ( 119 ) ها أنتم أولاء . . . . . > > واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال السيد السرخسي سلمه الله { ها } للتنبيه و { وإذ أنتم } مبتدأ و { أولاء } خبره و { تحبونهم } في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة ، ويجوز أن تكون { أولاء } بمعنى الذين و { تحبونهم } صلة له ، والموصول مع الصلة خبر { أنتم } وقال الفراء { أولاء } خبر و { تحبونهم } خبر بعد خبر .

Bagian V08/P174–V08/P175

المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر في هذه الآية أمورا ثلاثة ، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول : قوله { تحبونهم ولا يحبونكم } وفيه وجوه : أحدها : قال المفضل { تحبونهم } تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء { ولا يحبونكم } لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني : { تحبونهم } بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة { ولا يحبونكم } بسبب كونكم مسلمين الثالث : { تحبونهم } بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان { ولا يحبونكم } بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع : قال أبو بكر الأصم { تحبونهم } بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن { ولا يحبونكم } بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس : { تحبونهم } بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب { ولا يحبونكم } لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس : { تحبونهم } أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم { ولا يحبونكم } أي لا يفعلون مثل ذلك بكم . واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعيا من حيث الطبع ، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين . / والسبب الثاني لذلك : قوله تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية إضمار ، والتقدير : وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معا فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . المسألة الثانية : ذكر ( الكتاب ) بلفظ الواحد لوجوه أحدها : أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس وثانيها : أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل ، فلهذا لم يقل الكتب بدلا من الكتاب ، وإن كان لو قاله لجاز توسعا . المسألة الثالثة : تقدير الكلام : أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ، ونظيره قوله تعالى : { فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } ( النساء : 104 ) . السبب الثالث لقبح هذه المخالطة : قوله تعالى : { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا } والمعنى : أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة ، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل ، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه ، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان ، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان : إنه يعض يده غيظا وإن لم يكن هناك عض ، قال المفسرون : وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم . ثم قال تعالى : { قل موتوا بغيظكم } وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي . فإن قيل : قوله { قل موتوا بغيظكم } أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك الغيظ كفر ، فكان هذا أمرا بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز . قلنا : قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال :

Bagian V08/P175–V08/P176

وأيضا فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون . ثم قال : { إن الله عليم بذات الصدور } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ( ذات ) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن ( ذو ) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول / وأن لا تكون أما الأول : فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه أما الثاني : وهو أن لا يكون داخلا في المقول فمعناه : قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون قوله { قل موتوا بغيظكم } أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ، كأنه قيل : حدث نفسك بذلك والله تعالى أعلم . ! 7 < { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } . > 7 ! < < آل عمران : ( 120 ) إن تمسسكم حسنة . . . . . > > واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبين تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماسا ) على سبيل التشبيه فيقال : فلان مسه التعب والنصب ، قال تعالى : { وما مسنا من لغوب } ( ق : 38 ) وقال : { وإذا مسكم الضر فى البحر } ( الإسراء : 67 ) قال صاحب ( الكشاف ) : المس ههنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى : { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة } ( التوبة : 50 ) وقوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) وقال : { إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 20 / 21 ) . المسألة الثانية : المراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها ، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والالفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب ، والقتل والنهب والغارة ، فبين تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم . المسألة الثالثة : يقال ساء الشيء يسوء فهو سيء ، والأنثى سيئة أي قبح ، ومنه قوله تعالى : { ساء ما يعملون } ( المائدة : 66 ) والسوأى ضد الحسنى . / ثم قال : { وأن تصبروا } يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم { وتتقوا } كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله { لا يضركم كيدهم شيئا } وفيه مسائل :

Bagian V08/P176–V08/P177

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { لا يضركم } بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء ، وهو من ضاره يضيره ، ويضوره ضورا إذا ضره ، والباقون { لا يضركم } بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر ، وأصله يضرركم جزما ، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة ، اتباعا لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد ، وقال بعضهم : هو على التقديم والتأخير تقديره : ولا يضركم كيدهم شيئا إن تصبروا وتتقوا ، قال صاحب ( الكشاف ) : وروى المفضل عن عاصم { لا يضركم } بفتح الراء . المسألة الثانية : الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ، وابن عباس فسر الكيد ههنا بالعداوة . المسألة الثالثة : { شيئا } نصب على المصدر أي شيئا من الضر . المسألة الرابعة : معنى الآية : أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين . وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 2 / 3 ) إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره ، وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل . ثم قال تعالى : { إن الله بما يعملون محيط } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه ، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة ، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله . المسألة الثانية : إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز ، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه ، وذلك من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء قادرا على كل الممكنات ، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها ، ومنه قوله { والله من ورائهم محيط } ( البروج : 20 ) وقال : { والله محيط بالكافرين } ( البقرة : 19 ) وقال : { ولا يحيطون به علما } ( طه : 11 ) وقال : { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عددا } ( الجن : 28 ) . المسألة الثالثة : إنما قال : { إن الله بما يعملون محيط } ولم يقل إن الله محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وليس المقصود ههنا بيان كونه تعالى عالما ، بينا أن / جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ومجازيهم عليها فلا جرم قد ذكر العمل والله أعلم . ! 7 < { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 < آل عمران : ( 121 - 122 ) وإذ غدوت من . . . . . > >

Pertanyaan