Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Bagian V09/P106–V09/P107

والوجه الثاني : بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو ، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه ، ثم أعاد قوله : { فلا تحسبن } بضم الباء وقوله : { هم } رفع باسناد الفعل اليه ، والمفعول الأول محذوف والتقدير : ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والمفسرون ذكروا فيه وجوها : الأول : أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها على الاغمار من الناس ، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب ، وهو قول ابن عباس ، وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك ، فانهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم ، ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل العفاف والصدق والدين والثاني : روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس ، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني عليهم بذلك ، فأطلع رسول الله على هذا السر . والمعنى أن هؤلاء اليهود فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء . والثالث : يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم ، حيث ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه . الرابع : أنه نزل في المنافقين فانهم يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا / ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الايمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم . الخامس : قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو ، ويفرحون بقعودهم عنه فاذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم ، ثم طمعوا أن يثني عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين . السادس : المراد منه كتمانهم ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم ، / وبالاقرار بنبوته ودينه ، ثم أنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد ، وهو أن الانسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله . المسألة الثالثة : في قوله : { بما أتوا } بحثان : الأول : قال الفراء : قوله : { بما أتوا } يريد فعلوه كقوله : { واللذان يأتيانها منكم } ( النساء : 16 ) وقوله : { لقد جئت شيئا فريا } ( مريم : 27 ) أي فعلت . قال صاحب ( الكشاف ) : أتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى : { إنه كان وعده مأتيا } ( مريم : 61 ) { لقد جئت شيئا فريا } ويدل عليه قراءة أبي { يفرحون بما فعلوا } . البحث الثاني : قرىء آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه { بما أوتوا } .

Bagian V09/P107–V09/P108

المسألة الرابعة : قوله : { بمفازة من العذاب } أي بمنجاة منه ، من قولهم : فاز فلان اذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : { فقد فاز } ثم حقق ذلك بقوله : { ولهم عذاب أليم } ولا شبهة أن الآية ، واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم . ثم قال : { ولله ملك السماوات والارض والله على كل شيء قدير } أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب . ! 7 < { إن فى خلق السماوات والا رض واختلاف اليل والنهار لايات لا ولى الا لباب } . > 7 < آل عمران : ( 190 ) إن في خلق . . . . . > > @109@ اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الاحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والالهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية . قال ابن عمر : قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، / ثم قال لي : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ، فقلت : يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ، ثم قال : ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة : { إن في خلق السماوات والارض } ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وروي : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها . وعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ويقول : إن في خلق السموات والأرض . وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان اذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة . فعبدها فتى من فتيانهم فما اظلته السحابة ، فقالت له أمه : لعل فرطة صدرت منك في مدتك ، قال : ما أذكر ، قالت : لعلك نظرة مرة إلى السماء ولم تعتبر قال نعم ، قالت : فما أتيت إلا من ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة ، وذكرها هنا أيضا ، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله : { لآيات لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) وختمها ههنا بقوله : { لايات لاولى الالباب } وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى ، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل ، وههنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة : وهي السموات والأرض ، والليل والنهار ، فهذه أسئلة ثلاثة : السؤال الأول : ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين ؟ والسؤال الثاني : لم اكتفي ههنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية ؟

Bagian V09/P108–V09/P109

والسؤال الثالث : لم قال هناك : { لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) وقال ههنا : { لاولى الالباب } . فأقول والله أعلم بأسرار كتابه : إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين ، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر ، فكذلك ههنا إذا حدق الانسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر ، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر ، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر ، فعلى هذا : السالك إلى الله لا بد له في أول الأمر من تكثير الدلائل ، فاذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله ، فالسالك في أول أمره كان طالبا لتكثير الدلائل ، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالبا لتقليل الدلائل ، حتى إذا زالت / الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله / واليه الاشارة بقوله : { فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى } ( طه : 12 ) والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما ، وقيل له : إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل . إذا عرفت هذه القاعدة ، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل ، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها ، تنبيها على أن العارف بعد صيرورته عارفا لا بد له من تقليل الالتفات إلى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول ، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية ، التنبيه على ما ذكرناه ، ثم انه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية ، التي هي الدلائل الارضية ، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر ، والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشد ، ثم ختم تلك الآية بقوله : { لقوم يعقلون } وختم هذه الآية بقوله : { لاولى الالباب } لأن العقل له ظاهر وله لب ، ففي أول الأمر يكون عقلا ، وفي كمال الحال يكون لبا ، وهذا أيضا يقوي ما ذكرناه ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم . ! 7 < { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والا رض ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار } . > 7 < آل عمران : ( 191 - 192 ) الذين يذكرون الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الالهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية ، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام : التصديق بالقلب ، والاقرار باللسان ، والعمل بالجوارح ، فقوله تعالى : { يذكرون الله } إشارة إلى عبودية اللسان ، وقوله : { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } إشارة إلى عبودية الجوارح والاعضاء ، وقوله : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح ، والانسان ليس إلى هذا المجموع ، فاذا كان اللسان مستغرقا في الذكر ، والأركان في الشكر ، والجنان في الفكر ، كان هذا العبد مستغرفا بجميع أجزائه في العبودية ، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية ، وهذه الآية دالة على كمال العبودية ، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق ، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جناب الملك الغفور ، ونقول في الآية مسائل :

Bagian V09/P109–V09/P111

المسألة الأولى : للمفسرين في هذه الآية قولان : الأول : أن يكون المراد منه كون الانسان دائم الذكر لربه ، فان الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة . والقول الثاني : أن المراد من الذكر الصلاة ، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام ، فان عجزوا ففي حال القعود ، فان عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ) . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا صلى المريض مضطجعا وجب أن يصلي على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : بل يصلى مستلقيا حتى إذا وجد خفة قعد ، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى . واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الانسان مستلقيا على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعا على الجنب فانه غير مانع منه ، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا الوضع أولى ، لكونه أقرب إلى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر . المسألة الرابعة : محل { على جنوبهم } نصب على الحال عطفا على ما قبله ، كأنه قيل : قياما وقعودا ومضطجعين . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر ، لا جرم قال بعده : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله ، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في الله ، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض ، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق ) والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة / إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة ، فاذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها ، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف نفسه عرف ربه ) معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب ، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء ، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة ، فاذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول : إنه ليس بجوهر ولا عرض ، ولا مركب ولا مؤلف ، ولا في الجهة ، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله ، وأمر بالتفكر في المخلوقات ، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره ، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه ، بل أمر بالفكر في مخلوقاته .

Bagian V09/P111–V09/P112

المسألة الثانية : اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله ، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل ، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجماليا ، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة ، ودقائق لطيفة ، فانه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل . إذا عرفت هذا فنقول : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم ، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الانسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة ، رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها ، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين ، ثم يتشعب منها عروق دقيقة . ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر ، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه / الخلقة حكما بالغة وأسرارا عجيبة ، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم أن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم ، ولو أراد الانسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها لعجز عنه ، فاذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة ، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان ، عرف ان تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم ، فاذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض ، واذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الاحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين ، بل يسلم ان كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وان كان لا سبيل له إلى معرفتها ، فعند هذا يقول : سبحانكا والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم ، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول : فقنا عذاب النار . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال : أشهد أن لك ربا وخالقا ، اللهم اغفر لي فنظر الله اليه فغفر له ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا عبادة كالتفكر ) وقيل : الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تفضلوني على يونس بن متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض ) قالوا : وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة الله ، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات اليه . واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء . النوع الأول : قوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } وفيه مسائل :

Bagian V09/P112

المسألة الأولى : في الآية إضمار وفيه وجهان ، قال الواحدي رحمه الله : التقدير : يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا ، وقال صاحب ( الكشاف ) : انه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين . المسألة الثانية : هذا : في قوله : { ما خلقت هذا } كناية عن المخلوق ، يعني ما خلقت هذا المخلوق / العجيب باطلا ، وفي كلمة { هاذا } ضرب من التعظيم كقوله : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) . المسألة الثالثة : في نصب قوله { باطلا } وجوه : الأول : أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا . الثاني : أنه بنزع الخافض تقديره : بالباطل أو للباطل . الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : يجوز أن يكون ( باطلا ) حالا من ( هذا ) . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الاحسان إلى البعيد البعيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية قالوا : وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة : ان الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، قالوا : وقوله : { سبحانك } تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح ، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } ( الملك : 3 ) وقال : { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } ( النبأ : 12 ) فكان المراد من قوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة . فان قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه : الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل . الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : { فقنا عذاب النار } به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصي ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله : { وما خلقت هذا باطلا } بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم . الثالث : أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال : { وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } وقال في آية أخرى : { وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 38 39 ) وقال في آية أخرى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا إلى } ( المؤمنون : 115 ) قوله : { فتعالى الله الملك الحق } ( المؤمنون : 116 ) أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عباث ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى .

Bagian V09/P112–V09/P113

والجواب : اعلم ان بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده / أن كل ممكن لذاته فانه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لافعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله . واذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي : قوله : ولو كان كذلك لكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل . قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله : { سبحانك } معناه انك وان خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج اليه والانتفاع به فيكون قوله : { سبحانك } معناه هذا . قوله ثانيا : إنما حسن وصل قوله : { فقنا عذاب النار } به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم انه لما قال : { سبحانك } اعترف بكونه غنيا عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة اليه في الدنيا والآخرة فقال : { فقنا عذاب النار } وهذا الوجه في حسن النظم ان لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وان أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم . المسألة الخامسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الافلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الارضية ، قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية . قالوا : وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص . أجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسبابا على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة . أما قوله تعالى : { سبحانك } فقيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا إقرار بعجز العقول عن الاحاطة بآثار حكمة الله في خلق السموات / والأرض ، يعني : أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر ، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا ، بل خلقها لحكم عجيبة ، وأسرار عظيمة ، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها . المسألة الثانية : المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية .

Bagian V09/P113–V09/P114

أما قوله تعالى : { فقنا عذاب النار } فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى / وأبدانهم في طاعة الله ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثا ، فان كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم ، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا ، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) . النوع الثاني من دعواتهم : قوله تعالى حكاية عنهم : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله ، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقرونا بالاخص ، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء . المسألة الثانية : قال الواحدي : الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض . قال الزجاج : أخزى الله العدو ، أي أبعده وقال غيره : أخزاه الله . أي أهانه ، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي القرآن { ولا تخزون فى ضيفى } ( هود : 78 ) وقال المفضل : أخزاه الله . أي أهلكه وقال ابن الانباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . ثم قال صاحب ( الكشاف ) : { فقد أخزيته } أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال : من سبق فلانا فقد سبق ، ومن تعلم من فلان فقد تعلم . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية ، والمؤمن / لا يخزى لقوله تعالى : { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا .

Bagian V09/P114–V09/P115

والجواب : أن قوله { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( التحريم : 8 ) لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه : أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مخصوص بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فانما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم . ثانيها : قال : المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله : { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( التحريم : 8 ) يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الاطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة ، وثالثها : قال : الاخزاء يحتمل وجهين : أحدهما : الاهانة والاهلاك ، والثاني : التخجيل ، يقال : خزي خزاية اذا استحيا ، وأخزاه غيره اذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه . واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الاهلاك / واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعا ، واذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله : { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } غير المثبت في قوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى اذا كان لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما اذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب لأن قوله : { لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } لنفي الجنس وقوله : { فقد أخزيته } لاثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة . المسألة الرابعة : احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي . وكل من دخل النار فانه يخزي ، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار ، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى . لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى . إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) سمي الباغي حال كونه باغيا مؤمنا ، والبغي من الكبائر بالاجماع ، وأيضا / قال تعالى : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمنا ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله : { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( التحريم : 8 ) ولقوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } ( آل عمران : 194 ) . ثم قال تعالى : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فانه يخزى لقوله تعالى : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار .

Bagian V09/P115–V09/P116

والجواب عنه ما تقدم : أن قوله : { يوم لا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( التحريم : 8 ) لا يدل على نفي الاخزاء مطلقا ، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر . المسألة الخامسة : قوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } عام دخله الخصوص في مواضع منها : أن قوله تعالى : { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجى الذين اتقوا } ( مريم : 71 72 ) يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي . وثانيها : أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي . قال تعالى : { عليها ملئكة غلاظ شداد } ( التحريم : 6 ) . المسألة السادسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا : لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة . المسألة السابعة : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا : الخزي هو الهلاك / فقوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك . والجواب : أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول كلامكم . أما قوله تعالى : { وما للظالمين من أنصار } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع . / والجواب من وجوه : الأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر ، قال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } وثانيها : إن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا باذن الله ، قال تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) واذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة إلا بعد الاذن ، واذا حصل الاذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله : { وما للظالمين من أنصار } يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال : { ألا له الحكم } وقال : { والامر يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ) لا يقال : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه الحجة . اما الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الاطلاق . الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم . المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، قالوا : لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له ، والآية دالة على أنه لا ناصر له ألبتة . والجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة . النوع الثالث : من دعواتهم .

Bagian V09/P116–V09/P117

! 7 < { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فأامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الا برار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 193 ) ربنا إننا سمعنا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في المنادى قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) { وداعيا إلى الله بإذنه } ( الأحزاب : 46 ) { أدعو إلى الله } ( يوسف : 108 ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : { قل أوحى إلى أنه يهدى إلى الرشد فئامنا به } ( الجن : 1 2 ) قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا / وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : { تدعوا من أدبر وتولى } ( المعارج : 17 ) إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع المسألة الثانية : في قوله : { ينادى للإيمان } وجوه : الأول : ان اللام بمعنى ( إلى ) كقوله : { ثم يعودون لما نهوا عنه } ( المجادلة : 3 ) { ثم يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 8 ) { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ) ويقال : دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : { ربنا إننا سمعنا } أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) . المسألة الثالثة : قوله : { سمعنا مناديا ينادى } نظيره قولك : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فاغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وانه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله . المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟

Bagian V09/P117–V09/P118

وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فاذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . المسألة الخامسة : قوله : { وإذا أنزلت } فيه حذف أو إضمار / والتقدير : آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار } وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها : غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد : في ليلة كفر النجوم ظلامها اذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد . أما المفسرون فذكروا فيه وجوها : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها : أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني : ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا . وأما قوله : { وتوفنا مع الابرار } ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين : الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الإعتقاد ، والثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) .

Bagian V09/P118–V09/P119

المسألة الثانية : احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } ( آل عمران : 16 ) والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه لأنه قال في آخر الآية : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة . والثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله : { فاغفر } فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه بقوله : { فاستجاب لهم ربهم } فدلت هذه الآية على ان مجرد الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من / هذين الوجهين على حصول العفو . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فاذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى . النوع الرابع : من دعائهم . ! 7 < { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . > 7 ! < < آل عمران : ( 194 ) ربنا وآتنا ما . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على } فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : { من } وهو التصديق . المسألة الثانية : ههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟ والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : { قل رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) وقوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) . والوجه الثاني في الجواب : أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله : { ربنا وءاتنا ما } معناه : وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب / والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية . الوجه الثالث : ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .

Bagian V09/P119–V09/P120

المسألة الثالثة : الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : { إنك لا تخلف الميعاد } وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . المسألة الرابعة : ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما . والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } المراد منه المنافع ، وقوله : { ولا تخزنا } المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، واذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه . المسألة الخامسة : قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } شبيه بقوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) فانه ربما ظن الانسان أنه على الإعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد / ثم قال حكماء الاسلام : وذلك هو العذاب الروحاني . قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني . ! 7 < { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الا نهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } . > 7 ! < < آل عمران : ( 195 ) فاستجاب لهم ربهم . . . . .

Bagian V09/P120–V09/P121

> > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله : { إن في خلق السماوات والارض } ( البقرة : 164 ) إلى قوله : { لايات لاولى الالباب } ( آل عمران : 190 ) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله : { الذين يذكرون الله قياما } وعلى التفكر وهو قوله : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) إلى قوله : { إنك لا تخلف الميعاد } ( آل عمران : 194 ) بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال : { فاستجاب لهم ربهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : يقال استجابه واستجاب له ، قال الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( الأنفال : 34 ) . المسألة الثالثة : أني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء { لا أضيع } بالتشديد . المسألة الرابعة : من : في قوله : { من ذكر } قيل للتبيين كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وقيل : إنها مؤكدة للنفي بمعنى : عمل عامل منكم ذكر أو أنثى . / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله : { لا أضيع } نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم ، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم . فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟ قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } اجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه .

Bagian V09/P121–V09/P122

وأما قوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } فالمعنى : أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . أما قوله تعالى : { بعضكم من بعض } ففيه وجوه : أحسنا أن يقال : { من } بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من غشنا فليس منا ) وقال : ( ليس منا من حمل علينا السلاح ) فقوله : { بعضكم من بعض } أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ / ثم قال تعالى : { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } والمراد من قوله : { الذين هاجروا } الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من { الذين أخرجوا من ديارهم } الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : { وأوذوا فى سبيلى } أي من أجله وسببه { وقاتلوا وقتلوا } لان المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو { وقاتلوا } بالالف أولا { وقتلوا } مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر { وقاتلوا } أولا { وقتلوا } مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله : { مفتحة لهم الابواب } ( ص: 50 ) وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي { وقتلوا } بغير ألف أولا { وقاتلوا } بالالف بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : { واسجدى واركعى } ( آل عمران : 43 ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، اذا ظهرت أمارات القتل ، أو اذا قتل قومه وعشائره . والثالث : باضمار ( قد ) أي قتلوا وقد قاتلوا .

Bagian V09/P122–V09/P123

ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله : { لاكفرن عنهم سيئاتهم } وذلك هو الذي طلبوه بقولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ) وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : { ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : { من عند الله } وهو الذي قالوه : { ولا تخزنا يوم القيامة } لانه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، واذا قال السلطان العظيم لعبده : اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : { ثوابا } مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله ، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم . ثم قال : { والله عنده حسن الثواب } وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، غنيا عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ، فكان عنده حسن الثواب . روي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم . ! 7 < { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } . > 7 < آل عمران : ( 196 - 197 ) لا يغرنك تقلب . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال : { لا يغرنك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك : غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه ، وتقول العرب في الثواب إذا نشر ثم أعيد إلى طيه : رددته على غرة . المسألة الثانية : المخاطب في قوله : { لا يغرنك } من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة . قال قتادة : والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله ، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله : { ولا وكان من الكافرين } ( هود : 42 ) { ولا تكونن من المشركين } ( الأنعام : 14 ) { ولا تطع المكذبين } ( القلم : 8 ) والثاني : وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا يغرنك أيها السامع :

Bagian V09/P123–V09/P124

المسألة الثالثة : تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان : الأول : نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني : قال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب . ثم قال تعالى : { متاع قليل } قيل : أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء : ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب / بالآفات والحسرات ، ثم أنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل . ثم قال تعالى : { ثم مأواهم جهنم } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) وقوله : { وأملى لهم إن كيدى متين } ( الأعراف : 183 ) . ثم قال : { وبئس المهاد } أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } ( الزمر : 16 ) فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار . ! 7 < { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 198 ) لكن الذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : { لكن الذين اتقوا ربهم } يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات . واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) وقوله : { نزلا } نصب على الحال من { جنات } لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : { وما عند الله } من الكثير الدائم { خير للابرار } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { نزلا } بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع { لكن الذين اتقوا } بالتشديد . ! 7 < { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بأايات الله ثمنا قليلا أولائك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . > 7 < آل عمران : ( 199 - 200 ) وإن من أهل . . . . . > >

Bagian V09/P124–V09/P125

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال : { وإن من أهل الكتاب } واختلفوا في نزولها ، فقال ابن عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المنافقون : إنه يصلي على نصراني لم يره قط ، وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل : نزلت في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب ، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الايمان بالله ، وثانيها : الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وثالثها : الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام . ورابعها : كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل { يؤمن } لأن { من يؤمن } في معنى الجمع . وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته . ثم قال تعالى في صفتهم : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات ، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب . قوله تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . / واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الانسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة .

Bagian V09/P125–V09/P126

أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات . ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : { اصبروا } يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم ، فثبت ان قوله { اصبروا } تناول كل ما تعلق به وحده { وصابروا } تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره . واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : { ورابطوا } ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز عن الافعال الذميمة ، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ثم / ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات ، وذلك هو تقوى الله ، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق ، وهو الفلاح ، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية ، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه . ولنذكر ما قاله المفسرون : قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء .

Pertanyaan