Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( يمنون عليك أن أسلموا ) إشارة إلى قولهم : جئناك بالأثقال والعيال وأن في موضع نصب على تقدير لأن أسلموا ( قل لا تمنوا علي إسلامكم ) أي بإسلامكم ( بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) أن موضع نصب تقديره بأن وقيل : لأن وفي مصحف عبد الله إذ هداكم ( إن كنتم صادقين ) أنكم مؤمنون وقرأ عاصم إن هداكم بالكسر وفيه بعد لقوله : إن كنتم صادقين ولا يقال يمن عليكم أن يهديكم إن صدقتم والقراءة الظاهرة أن هداكم وهذا لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين لأن تقدير الكلام : إن آمنتم فذلك منة الله عليكم ( إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ) قرأ بن كثير وبن محيصن وأبو عمرو بالياء على الخبر ردا على قوله : قالت الأعراب الباقون بالتاء على الخطاب وجد في ز ما يأتي : والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبي ونعم الوكيل تم بعون الله تعالى الجزء السادس عشر من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء 17 < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة ق < > مكية كلها وهي خمس وأربعون آية مكية كلها في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر قال بن عباس وقتادة : إلا آية وهي قوله تعالى : ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ) وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت : لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ( ص ) واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ( ق والقرآن المجيد ) إلا عن لسان رسول الله ( ص ) يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله ( ص ) في الأضحى والفطر فقال : كان يقرأ فيهما ب ( ق والقرآن المجيد ) واقتربت الساعة وانشق القمر وعن جابر بن سمرة أن النبي ( ص ) كان يقرأ في الفجر ب ( ق والقرآن المحيد ) وكانت صلاته بعد تخفيفا < < ق : ( 1 ) ق والقرآن المجيد > > < > ( ق 1 : 5 ) <
> قوله تعالى : ( ق والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفا ) قرأ العامة ( قاف ) بالجزم وقرأ الحسن وآبن أبي إسحاق ونصر بن عاصم ( قاف ) بكسر الفاء لأن الكسر أخو الجزم فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف الحركات وقرأ هارون ومحمد بن السميقع ( قاف ) بالضم لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقد وقبل وبعد واختلف في معنى ( قاف ) ما هو فقال بن زيد وعكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء اخضرت السماء منه وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل ورواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس قال الفراء : كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في ( ق ) لأنه اسم وليس بهجاء قال ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقوله القائل : قلت لها قفي فقالت قاف أي أنا واقفة وهذا وجه حسن وقد تقدم أول البقرة وقال وهب : أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا صغارا فقال له : ما أنت قال : أنا قاف قال : فما هذه الجبال حولك قال : هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك الأرض فقال له : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله قال : إن شأن ربنا لعظيم وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا لولا هي لاحترقت من حر جهنم [ فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها وأين هي من الأرض ] قال : زدني قال : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله ترعد فرائصه يخلق الله من كل رعده مائة ألف ملك فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رؤوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا الله وهو قول تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا النبأ يعني قول : لا إله إلا الله وقال الزجاج : قوله ( ق ) أي قضي الأمر كما قيل في حم أي حم الأمر وقال بن عباس : ( ق ) اسم من أسماء الله تعالى أقسم به وعنه أيضا : أنه اسم من اسماء القرآن وهو قول قتادة وقال القرظي : افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاض وقابض وقال الشعبي : فاتحة السورة وقال أبو بكر الوراق : معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما وقال محمد بن عاصم الأنطاكي : هو قرب الله من عباده بيانه ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وقال بن عطاء : أقسم الله بقوة قلب حبيبه محمد ( ص ) حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله ( والقرآن المجيد ) أي الرفيع القدر وقيل : الكريم قاله الحسن وقيل : الكثير مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد من قولهم : كثير فلان في النفوس ومنه قول العرب في المثل السائر : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر قاله بن بحر وجواب القسم قيل هو : قد ( علمنا ما تنقص الأرض منهم ) على إرادة اللام أي لقد علمنا وقيل : هو إن في ذلك لذكرى ) وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال : ( ق ) قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة وأقسم أيضا بالقرآن المجيد ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السماوات والأرضين وأرزاق العباد وخلق الآدميين وصفة يوم القيامة والجنة والنار ثم قال : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال : ( ق ) أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما اقتصصت في هذه السورة لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) وقال بن كيسان : جوابه ( ما يلفظ من قول ) وقال أهل الكوفة : جواب هذا القسم ( بل عجبوا ) وقال الأخفش : جوابه محذوف كأنه قال : ( ق والقرآن المجيد لتبعثن يدل عليه ( أئذا متنا وكنا ترابا ) قوله تعالى : ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ( أن ) في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم منذر منهم يعني محمدا ( ص ) والضمير للكفار وقيل للمؤمنين والكفار جميعا ثم ميز بينهم بقوله تعالى : ( فقال الكافرون ) ولم يقل فقالوا بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر كما تقول : جاءني فلان فأسمعني المكروه وقال لي الفاسق أنت كذا وكذا ( هذا شيء عجيب ) العجيب الأمر الذي يتعجب منه وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه وكذلك الأعجوبة وقال قتادة : عجبهم أن دعوا إلى إله واحد وقيل : من إنذارهم بالبعث والنشور والذي نص عليه القرآن أولى قوله تعالى : ( أئذا متنا وكنا ترابا ) نبعث ففيه إضمار ( ذلك رجع بعيد ) الرجع الرد أي هو رد بعيد أي محال يقال : رجعته أرجعه رجعا ورجع هو يرجع رجوعا وفيه إضمار آخر أي وقالوا أنبعث إذا متنا وذكر البعث وإن لم يجرها هنا فقد جرى في مواضع والقرآن كالسورة الواحدة وأيضا ذكر البعث منطو تحت قوله : ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة قوله تعالى : ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة وفي التنزيل : قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى وفي الصحيح : ( كل بن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب ( وقد تقدم وثبت أن لأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم وقد بينا هذا في كتاب التذكرة وتقدم أيضا في هذا الكتاب وقال السدي : النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس وعن بن عباس : هو من يدخل في الإسلام من المشركين ( وعندنا كتاب حفيظ ) أي بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل وقيل : اللوح المحفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء وقيل : الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء كما تقول : كتبت عليك هذا أي حفظته وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة وقيل : أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها قوله تعالى : ( بل كذبوا بالحق ) أي بالقرآن في قول الجميع حكاه الماوردي وقال الثعلبي : بالحق القرآن وقيل : الإسلام وقيل : محمد ( ص ) ( فهم في أمر مريج ) أي مختلط يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن قاله الضحاك وبن زيد وقال قتادة : مختلف الحسن : ملتبس والمعنى متقارب وقال أبو هريرة : فاسد ومنه مرجت أمانات الناس أي فسدت ومرج الدين والأمر اختلط قال أبو دواد : مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد وقال بن عباس : المريج الأمر المنكر وقال عنه عمران بن أبي عطاء : ( مريج ) مختلط وأنشد : فجالت فالتمست به حشاها فخر كأنه خوط مريج الخوط الغصن وقال عنه العوفي : في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن وقيل : متغير وأصل المرج الاضطراب والقلق يقال : مرج أمر الناس ومرج أمر الدين ومرج الخاتم في أصبعي إذا قلق من الهزال وفي الحديث : ( كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وآماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا ( وشبك بين أصابعه أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب التذكرة < <
ق : ( 6 ) أفلم ينظروا إلى . . . . . > > < > ( ق 6 : 11 ) < > قوله تعالى : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ) نظر اعتبار وتفكر وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة ( كيف بنيناها ) فرفعناها بلا عمد ( وزيناها ) بالنجوم ( وما لها من فروج ) جمع فرج وهو الشق ومنه قول امرئ القيس : تسد به فرجها من دبر وقال الكسائي : ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ) تقدم في الرعد بيانه ( وأنبتنا فيها من كل زوج ) أي من كل نوع من النبات ( بهيج ) أي حسن يسر الناظرين وقد تقدم في الحج بيانه ( تبصرة ) أي جعلنا ذلك تبصرة لندل به على كمال قدرتناوقال أبو حاتم : نصب على المصدر يعني جعلنا ذلك تبصيرا وتنبيها على قدرتنا ( وذكرى معطوف عليه ( لكل عبد منيب ) راجع إلى الله تعالى مفكر في قدرته قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ) أي من السحاب ( ماءا مباركا ) أي كثير البركة ( فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ) التقدير : وحب النبت الحصيد وهو كل ما يحصد هذا قول البصريين وقال الكوفيون : هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه كما يقال : مسجد الجامع وربيع الأول وحق اليقين وحبل الوريد ونحوها قال الفراء والأصل الحب الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى النعت وقال الضحاك : حب الحصيد البر والشعير وقيل : كل حب يحصد ويدخر ويقتات ( والنخل باسقات ) نصب على الحال ردا على قوله : ( وحب الحصيد ) وباسقات ) حال والباسقات الطوال قاله مجاهد وعكرمة وقال قتادة وعبد الله بن شداد : بسوقها استقامتها في الطول وقال سعيد بن جبير مستويات وقال الحسن وعكرمة أيضا والفراء : مواقير حوامل يقال للشاة بسقت إذا ولدت قال الشاعر : فلما تركنا الدار ظلت منيفة بقران فيه الباسقات المواقر والأول في اللغة أكثر وأشهر [ يقال ] بسق النخل بسوقا إذا طال قال : لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا وفات ثمارها أيدي الجناة ويقال : بسق فلان على أصحابه أي علاهم وأبسقت الناقة إذا وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج فهي مبسق ونوق مباسيق وقال قطبة بن مالك : سمعت النبي ( ص ) يقرأ ( باصقات ) بالصاد ذكره الثعلبي قلت : الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال : صليت وصلى بنا رسول الله ( ص ) فقرأ ( ق والقرآن المجيد ) حتى قرأ ( والنخل باسقات ) قال فجعلت أرددها ولا أدري ما قال إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف ( لها طلع نضيد ) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل يقال : طلع الطلع طلوعا وأطلعت النخلة وطلعها كفراها قبل أن ينشق ( نضيد أي متراكب قد نضد بعضه على بعض وفي البخاري ( النضيد ) الكفرى ما دام في أكمامه ومعناه منضود بعضه على بعض فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد ( رزقا للعباد ) أي رزقناهم رزقا أو على معنى أنبتناها رزقا لأن الإنبات في معنى الرزق أو على أنه مفعول له أي أنبتناها لرزقهم والرزق ما كان مهيأ للإنتفاع به وقد تقدم القول فيه ( وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ) أي من القبور أي كما أحيا الله هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم فالكاف في محل رفع على الابتداء وقد مضى هذا المعنى في غير موضع وقال ( ميتا ) لأن المقصود المكان ولو قال ميتة لجاز < < ق : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > > < > ( ق 12 : 15 ) <
> قوله تعالى : ( كذبت قبلهم قوم نوح ) أي كما كذب هؤلاء فكذلك كذب أولئك فحل بهم العقاب ذكرهم نبأ من كان قبلهم من المكذبين وخوفهم ما أخذهم وقد ذكرنا قصصهم في غير موضع عند ذكرهم ( كل كذب الرسل ) من هذه الأمم المكذبة ( فحق وعيد ) أي فحق عليهم وعيدي وعقابي قوله تعالى : ( أفعيينا بالخلق الأول ) أي فعيينا به فنعيا بالبعث وهذا توبيخ لمنكري البعث وجواب قولهم : ( ذلك رجع بعيد ) يقال : عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ( بل هم في لبس من خلق جديد ) أي في حيرة من البعث منهم مصدق ومنهم مكذب يقال : ليس عليه الأمر يلبسه لبسا < < ق : ( 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > > < > ( ق 16 : 19 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ) يعني الناس وقيل آدم ( ونعلم ما توسوس به نفسه ) أي ما يختلج في سره وقلبه وضميره وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها ومن قال : إن المراد بالإنسان آدم فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة ثم هو عام لولده والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي قال الأعشى : للحلى وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل وقد مضى في الأعراف ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) هو حبل العاتق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه وهما وريدان عن يمين وشمال روي معناه عن بن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين وقال الحسن : الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب وهذا تمثيل للقرب أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه وليس على وجه قرب المسافة وقيل : أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليهوقيل : أي ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه لأنه عرق يخالط القلب فعلم الرب أقرب من علم القلب روي معناه عن مقاتل قال : الوريد عرق يخالط القلب وهذا القرب قرب العلم والقدرة وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ولا يحجب علم الله شيء قوله تعالى : ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ) أي نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان وهما الملكان الموكلان به أي نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة وتوكيدا للأمر عليه وقال الحسن ومجاهد وقتادة : ( المتلقيان ) ملكان يتلقيان عملك : أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك قال الحسن : حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك وقال مجاهد : وكل الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره إلزاما للحجة : أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات والآخر عن شماله يكتب السيئات فذلك قوله تعالى : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) وقال سفيان : بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب [ العبد ] قال لا تعجل لعله يستغفر الله وروي معناه من حديث أبي أمامة قال : قال النبي ( ص ) : ( كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر ( وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) قال : ( إن مقعد مليكك على ثنيتك لسانكقلمها وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما ( وقال الضحاك : مجلسهما تحت الثغر على الحنك ورواه عوف عن الحسن قال : وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته وإنما قال : ( قعيد ) ولم يقل قعيدان وهما اثنان لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه قاله سيبويه ومنه قول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال الفرزدق : إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى فكان وكنت غير غدور ولم يقل راضيان ولا غدورين ومذهب المبرد : أن الذي في التلاوة أول أخر اتساعا وحذف الثاني لدلالة الأول عليه ومذهب الأخفش والفراء : أن الذي في التلاوة يؤدي عن الاثنين والجمع ولاحذف في الكلام و ( قعيد ) بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد وقيل : ( قعيد ) بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم وقال الجوهري : فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع كقوله تعالى : إنا رسول رب العالمين وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير وقال الشاعر في الجمع أنشده الثعلبي : ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر والمراد بالقعيد ها هنا الملازم الثابت لا ضد القائم قوله تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) أي ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم وفي الرقيب ثلاثة أوجه : أحدهما أنه المتبع للأمور الثاني أنه الحافظ قاله السدي الثالث أنه الشاهد قاله الضحاك وفي العتيد وجهان : أحدهما أنه الحاضر الذي لا يغيب الثاني أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة قال الجوهري : اعتيد الشيء الحاضر المهيأ وقد عتده تعتيدا وأعتده إعتادا أي أعده ليوم ومنه قوله تعالى : وأعتدت لهن متكأ وفرس عتد وعتد بفتح التاء وكسرها المعد للجري قات : وكله يرجع إلى معنى الحضور ومنه قول الشاعر : لئن كنت مني في العيان مغيبا فذكرك عندي في الفؤاد عتيد قال أبو الجوزاء ومجاهد : يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه وقال عكرمة : لا يكتب إلا ما يؤجر أو ما يؤزر عليه وقيل : يكتب عليه كل ما يتكلم به فإذا كان آخر النهار محي عنه ما كان مباحا نحو انطلق اقعد كل مما لا يتعلق به أجر ولا وزر والله أعلم وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبي ( ص ) قال : ( ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أول الصحيفة خيرا وفي آخرها خيرا إلا قال الله تعالى لملائكته اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ( وقال علي رضي الله عنه : إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أولها وفي آخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك وأخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدثنا جدي محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا سهيل بن عبد الله قال : سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن بن مسعود قال : قال رسول الله ( ص ) : ( إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمة معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبد أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر فك الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) غريب من حديث الأعمش عن زيد لم يروه عنه إلا سهيل وروي من حديث أنس أن نبي الله ( ص ) قال : ( إن الله وكل بعبده ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى إن سمواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى إن أرضي مملوء من خلقي يسبحونني فيقولان يارب فأين نكون فيقول الله تعالى كونا على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة ( قوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) أي غمرته وشدته فالإنسان مادام حيا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده وقيل : الحق هو الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت وكذلك في قراءة أبي بكر وبن مسعود رضي الله عنهما لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين وقيل : يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى أي جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت وقيل : الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت ذكره المهدوي وقد زعم من طعن على القرآن فقال : أخالف المصحف كما خالف أبو بكر الصديق فقرأ : وجاءت سكرة الحق بالموت فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه روايتان : أحدهما موافقة للمصحف فعليها العمل والأخرى مرفوضة تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها أو الغلط من بعض من نقل الحديث قال أبو بكر الأنباري : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا علي بن عبد الله حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال : لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قال : هذا كما قال الشاعر : إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فقال أبو بكر : هلا قلت كما قال الله : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) وذكر الحديث والسكرة واحدة السكرات وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله ( ص ) كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : ( لا إله إلا الله إن للموت سكرات ( ثم نصب يده فجعل يقول : ( في الرفيق الأعلى ( حتى قبض ومالت يده خرجه البخاري وروي عن النبي ( ص ) أنه قال : ( إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة ( وقال عيسى بن مريم : يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه السكرة يعني سكرات الموت وروي : ( ( إن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ( ذلك ما كنت منه تحيد ) أي يقال لمن جاءته سكرة الموت ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه يقال : حاد عن الشيء يحيد حيودا وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل وأصله حيدودة بتحريك الياء فسكنت لأنه ليس في الكلام فعلول غير صعفوق وتقول في الأخبار عن نفسك : حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا إذا ملت عنه قال طرفة : أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدخض < <
ق : ( 20 ) ونفخ في الصور . . . . . > > < > ( ق 20 : 22 ) <
> قوله تعالى : ( ونفخ في الصور ) هي النفخة الأخيرة للبعث ( ذلك يوم الوعيد ) الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه وقد مضى الكلام في النفخ في الصور مستوفى والحمد لله قوله تعالى : ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) اختلف في السائق والشهيد فقال بن عباس : السائق من الملائكة من أنفسهم الأيدي والأرجل رواه العوفي عن بن عباس وقال أبو هريرة : السائق الملك والشهيد العمل وقال الحسن وقتادة : المعنى سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها وقال بن مسلم : السائق قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها وقال مجاهد : السائق والشهيد ملكان وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر : ( وجاءت كل نفس ومعها سائق وشهيد ) سائق : ملك يسوقها إلى أمر الله وشهيد : يشهد عليها بعملها قلت : هذا أصح فإن في حديث جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : ( إن بن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتبه شقيا أو سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك الملكان ثم جاء ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذأ قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحدا سائق والآخر شهيد ثم قال الله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) قال رسول الله ( ص ) : ( لتركبن طبقا عن طبق قال : ( حالا بعد حال ( ثم قال النبي ( ص ) : ( إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم ( خرجه أبو نعيم الحافظ من حديث جعفر بن محمد بن علي عن جابر وقال فيه : هذا حديث غريب من حديث جعفر وحديث جابر تفرد به عنه جابر الجعفي وعنه المفضل ثم في الآية قولان : أحدهما أنها عامة في المسلم والكافر وهو قول الجمهور الثاني أنهاخاصة في الكافر قاله الضحاك قوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ) قال بن زيد : المراد به النبي ( ص ) أي كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم وقال بن عباس والضحاك : إن المراد به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم وقال أكثر المفسرين : إن المراد به البر والفاجر وهو اختيار الطبري وقيل : أي لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية ( فكشفنا عنك غطاءك ) أي عماك وفيه أربعة أوجه : أحدها إذا كان في بطن أمه فولد قاله السدي الثاني إذا كان في القبر فنشر وهذا معنى قول بن عباس الثالث وقت العرض في القيامة قاله مجاهد الرابع أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة وهذا معنى قول بن زيد ( فبصرك اليوم حديد ) قيل : يراد بصر القلب كما يقال هو بصير بالفقه فبصر القلب وبصيرته تبصرته شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار كما تبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام وقيل : المراد به بصر العين وهو الظاهر أي بصر عينك اليوم حديد ) أي قوي نافذ يرى ما كان محجوبا عنك قال مجاهد : ( فبصرك اليوم حديد ) يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك وقاله الضحاك وقيل : يعاين ما يصير إليه من ثواب وعقاب وهو معنى قول بن عباس وقيل : يعني أن الكافر يحشر وبصره حديد ثم يرزق ويعمى وقريء ( لقد كنت ) ( عنك ) ( فبصرك ) بالكسر على خطاب النفس < <
ق : ( 23 ) وقال قرينه هذا . . . . . > > < > ( ق 23 : 29 ) <
> تعالى : ( وقال قرينه ) يعني الملك الموكل به في قول الحسن وقتادة والضحاك ( هذا ما لدي عتيد ) أي هذا ما عندي من كتابة عمله معد محفوظ وقال مجاهد : يقول هذا الذي وكلني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله وقيل : المعنى هذا ما عندي من العذاب حاضر وعن مجاهد أيضا : قرينه الذي قيض له من الشياطين وقال بن زيد في رواية بن وهب عنه : إنه قرينه من الإنس فيقول الله تعالى لقرينه : ( ألقيا في جهنم ) قال الخليل والأخفش : هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الاثنين فتقول : ويلك ارحلاها وازجراها وخذاه وأطلقاه للواحد قال الفراء : تقول للواحد قوما عنا وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان فجرى كلام الرجل على صاحبيه ومنه قولهم للواحد في الشعر : خليلي ثم يقول : يا صاح قال امرؤ القيس : خليلي مرابي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب وقال أيضا : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقال آخر : فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن [ تدعاني ] أحم عرضا ممنعا وقيل : جاء كذلك لأن القرين يقع للجماعة والاثنين وقال المازني : قوله ( ألقيا ) يدل على ألق ألق وقال المبرد : هي تثنية على التوكيد المعنى ألق ألق فناب ( ألقيا ) مناب التكرار ويجوز أن يكون ( ألقيا ) تثنية على خطاب الحقيقة من قول الله تعالى يخاطب به الملكين وقيل : هو مخاطبة للسائق والحافظ وقيل : إن الأصل ألقين بالنون الخفيفة تقلب في الوقف ألفا فحمل الوصل على الوقف وقرأ الحسن ( ألقين ) بالنون الخفيفة نحو قوله : وليكونا من الصاغرين وقوله : لنسفعا ( كل كفار عنيد ) أي معاند قاله مجاهد وعكرمة وقال بعضهم : العنيد المعرض عن الحق يقال عند يعند بالكسر عنودا أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند وجمع العنيد عند مثل رغيف ورغف ( مناع للخير ) يعني الزكاة المفروضة وكل حق واجب ( معتد ) في منطقه وسيرته وأمره ظالم ( مريب ) شاك في التوحيد قاله الحسن وقتادة يقال : أراب الرجل فهو مريب إذا جاء بالريبة وهو المشرك يدل عليه قوله تعالى : ( الذي جعل مع الله إلها آخر ) وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وأراد بقوله : ( مناع للخير ) أنه كان يمنع بني أخيه من الإسلام ( فألقياه في العذاب الشديد ) تأكيد للأمر الأول ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذبه ( ولكن كان في ضلال بعيد ) عن الحق وكان طاغيا باختياره وإنما دعوته فاستجاب لي وقرينه هنا هو شيطانه بغير اختلاف حكاه المهدوي وحكى الثعلبي قال بن عباس ومقاتل : قرينه الملك وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملك الذي كان يكتب سيئاته : رب إنه أعجلني فيقول الملك : ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته وقال سعيد بن جبير : يقول الكافر رب إنه زاد علي في الكتابة فيقول الملك : ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة فحينئذ يقول الله تعالى : ( لا تختصموا لدي ) يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين قال القشيري : وهذا يدل على أن القرين الشيطان ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) أي أرسلت الرسل وقيل : هذا خطاب لكل من اختصم وقيل : هو للإثنين وجاء بلفظ الجمع ( ما يبدل القول لدي ) قيل هو قوله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وقيل هو قوله : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال الفراء : ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب ( وما أنا بظلام للعبيد ) أي ما أنا بمعذب من لم يجرم قاله بن عباس وقد مضى القول في معناه في الحج وغيرها < <
ق : ( 30 ) يوم نقول لجهنم . . . . . > > < > ( ق 30 : 35 ) <
> قوله تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قرأ نافع وأبو بكر ( يوم يقول ) بالياء اعتبارا بقوله : ( لا تختصموا لدي ) الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى وهي نون العظمة وقرأ الحسن ( يوم أقول ) وعن بن مسعود وغيره ( يوم بقال ) وانتصب ( يوم ) على معنى ما يبدل القول لدي يوم وقيل : بفعل مقدر معناه : وأنذرهم ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت ) لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره والتحقيق لوعده والتقريع لأعدائه والتنبيه لجميع عباده ( وتقول ) جهنم ( هل من مزيد ) أي ما بقي في موضع للزيادة كقوله عليه السلام : ( هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل ( أي ما ترك فمعنى الكلام الجحد ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة أي هل من مزيد فأزداد وإنما صلح هذا للوجهين لأن في الاستفهام ضربا من الجحد وقيل : ليس ثم قول وإنما هو على طريق المثل أي إنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك كما قال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد وغيره أي هل في من مسلك قد امتلأت وقيل : ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح وهذا أصح على ما بيناه في سورة الفرقان وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي ( ص ) قال : ( لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة ( لفظ مسلم وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة : ( وأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط فهنالك تمتليء وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا ( قال علماؤنا رحمهم الله : أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم الله إلى النار وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار وكذلك الرجل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم يقال : رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد قال الشاعر : فمر بنا رجل من الناس وانزوى إليهم من الحي اليمانين أرجل قبائل من لخم وعكل حمير على ابني نزار بالعداوة أحفل ويبين هذا المعنى ما روي عن بن مسعود أنه قال : ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته فإذا استوفى [ كل واحد منهم ] ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة : قط قط حسبنا حسبنا أي اكتفينا اكتفينا وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث : ( ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة ( وقد زدنا هذا المعنى بيانا ومهدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله وقال النضر بن شميل في معنى قوله عليه السلام : ( حتى يضع الجبار فيها قدمه ( أي من سبق في علمه أنه من أهل النار قوله تعالى : ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) أي قربت منهم وقيل : هذا قبل الدخول في الدنيا أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم اجتنبوا المعاصي وقيل : بعد الدخول قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد ( غير بعيد ) أي منهم وهذا تأكيد ( هذا ما توعدون ) أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل وقراءة العامة ( توعدون ) بالتاء على الخطاب وقرأ بن كثير بالياء على الخبر لأنه أتى بعد ذكر المتقين ( لكل أواب حفيظ ) أواب أي رجاع إلى الله عن المعاص ثم يرجع ويذنب ثم يرجع هكذا قاله الضحاك وغيره وقال بن عباس وعطاء : الأواب المسبح من قوله : يا جبال أوبي معه وقال الحكم بن عتيبة : هو الذاكر لله في الخلوة وقال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها وهو قول بن مسعود وقال عبيد بن عمير : هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى فيه وعنه قال : كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال سبحان الله وبحمده اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا وفي الحديث : ( من قال إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس ( وهكذا كان النبي ( ص ) يقول وقال بعض العلماء : أنا أحب أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة ولا أحب أن أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته قلت : هذا استحسان واتباع الحديث أولى وقال أبو بكر الوراق : هو المتوكل على الله في السراء والضراء وقال القاسم : هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل ( حفيظ ) قال بن عباس : هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها وقال قتادة : حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته وأتمنه عليه وعن بن عباس أيضا : هو الحافظ لأمر الله مجاهد : هو الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه بالشكر قال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول وروى مكحول عن بن هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : ( من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوابا حفيظا ( ذكره الماوردي قوله تعالى : ( من خشي الرحمن بالغيب ) ( من ) في محل خفض على البدل من قوله : ( لكل أواب حفيظ ) أو في موضع الصفة ل ( أواب ) ويجوز الرفع على الاستئناف والخبر ( ادخلوها ) على تقدير حذف جواب الشرط والتقدير فيقال لهم : ( ادخلوها ) والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حين لا يراه أحد وقال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب ( وجاء بقلب منيب ) مقبل على الطاعة وقيل : مخلص وقال أبو بكر الوراق : علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا له متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه قلت : ويحتمل أن يكون القلب المنيب القلب السليم كما قال تعالى : ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) على ما تقدم والله أعلم ( ادخلوها ) أي يقال لأهل هذه الصفات : ( ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ) أي بسلامة من العذاب وقيل : بسلام من الله وملائكته عليهم وقيل : بسلامة من زوال النعم وقال : ( ادخلوها ) وفي أول الكلام ( من خشي ) لأن ( من ) تكون بمعنى الجمع قوله تعالى : ( لهم ما يشاءون فيها ) يعني ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم ( ولدينا مزيد ) من النعم مما لم يخطر على بالهم وقال أنس وجابر : المزيد النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي ( ص ) في قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال : الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم وذكر بن المبارك ويحيى بن سلام قالا : أخبرنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن بن مسعود قال : تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب قال بن المبارك : على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا وقال يحيى بن سلام : لمسارعتهم إلى الجمع في الدنيا وزاد ( فيحدث الله لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك ( قال يحيى : وسمعت غير المسعودي يزيد فيه قوله تعالى : ( ولدينا مزيد ) قلت : قوله في كثيب يريد أهل الجنة أي وهم على كثب كما في مرسل الحسن قال : قال رسول الله ( ص ) : ( إن أهل الجنة ينظرون ربهم في كل يوم جمعة على كثيب من كافور ( الحديث وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وقيل : إن المزيد ما يزوجون به من الحور العين رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا < <
ق : ( 36 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . . > > < > ( ق 36 : 38 ) < > قوله تعالى : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشد منهم بطشا وقوة ( فنقبوا في البلاد ) أي ساروا فيها طلبا للمهرب وقيل : أثروا في البلاد قاله بن عباس وقال مجاهد : ضربوا وطافوا وقال النضر بن شميل : دوروا وقال قتادة : طوفوا وقال المؤرج تباعدوا ومنه قول امريء القيس : وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ثم قيل : طافوا في أقاصي البلاد طلبا للتجارات وهل وجدوا من الموت محيصا وقيل : طوفوا في البلاد يلتمسون محيصا من الموت قال الحرث بن حلزة : نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ الحسن وأبو العالية ( فنقبوا ) بفتح القاف وتخفيفها والنقب هو الخرق والدخول في الشيء وقيل : النقب الطريق في الجبل وكذلك المنقب والمنقبة عن بن السكيتونقب الجدار نقبا واسم تلك النقبة نقب أيضا وجمع النقب النقوب أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها وقيل : أثروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب وقرأ السلمي ويحيى بن يعمر ( فنقبوا ) بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد أي طوفوا البلاد وسيروا فيها وانظروا ( هل من ) الموت ( محيص ) ومهرب ذكره الثعلبي وحكى القشيري ( فنقبوا ) بكسر القاف مع التخفيف أي أكثروا السير فيها حتى نقبت دوابهم الجوهري : ونقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه وأنقب الرجل إذا نقب بعيره ونقب الخف الملبوس أي تخرق والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا أي عدل وحاديقال : ما عنه محيص أي محيد ومهرب والانحياص مثله يقال للأولياء : حاصوا عن العدو وللأعداء انهزموا قوله تعالى : ( إن في ذلك لذكرى ) أي فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرة وموعظة ( لمن كان له قلب ) أي عقل يتدبر به فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه قال معناه مجاهد وغيره وقيل : لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها كما قال امرؤ القيس : أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل وفي التنزيل : لينذر من كان حيا وقال يحيى بن معاذ : القلب قلبان قلب محتش بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من الأمور الإخرة لم يدر ما يصنع وقلب قد احتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة ( أو ألقى السمع ) أي استمع القرآن تقول العرب : ألق إلي سمعك أي استمع وقد مضى في طه كيفية الاستماع وثمرته ( وهو شهيد ) أي شاهد القلب قال الزجاج : أي قلبه حاضر فيما يستمع وقال سفيان : أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب ثم قيل : الآية لأهل الكتاب قاله مجاهد وقتادة وقال الحسن : إنها في اليهود والنصارى خاصة وقال محمد بن كعب وأبو صالح : إنها في أهل القرآن خاصة قوله تعالى : ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ) تقدم في الأعراف وغيرها واللغوب التعب والاعياء تقول منه : لغب يلغب بالضم لغوبا ولغب بالكسر يلغب لغوبا لغة ضعيفة فيه وألغبته أنا أي أنصبته قال قتادة والكلبي : هذه الآية نزلت في يهود المدينة زعموا أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت فجعلوه راحة فأكذبهم الله تعالى في ذلك < < ق : ( 39 ) فاصبر على ما . . . . . > > < > ( ق 39 : 40 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فاصبر على ما يقولون ) خطاب للنبي ( ص ) أمره بالصبر على ما يقوله المشركون أي هون أمرهم عليك ونزلت قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة وقيل : هو ثابت للنبي ( ص ) وأمته وقيل معناه : فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم : إن الله استراح يوم السبت الثانية قوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) قيل : إنه أراد به الصلوات الخمس قال أبو صالح : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل الغروب صلاة العصر ورواه جرير بن عبد الله مرفوعا قال : كنا جلوسا عند النبي ( ص ) إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني العصر والفجر ثم قرأ جرير وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ( متفق عليه واللفظ لمسلم وقال بن عباس : ( قبل الغروب ) الظهر والعصر ( ومن الليل فسبحه ) يعني صلاة العشاءين وقيل : المراد تسبيحه بالقول تنزيها قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قاله عطاء الخرساني وأبو الأحوص وقال بعض العلماء في قوله : ( قبل طلوع الشمس ) قال ركعتي الفجر ( وقبل الغروب ) الركعتين قبل المغرب وقال ثمامة بن عبد الله بن أنس : كان ذوو الألباب من أصحاب محمد ( ص ) يصلون الركعتين قبل المغرب وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري وركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثر من يصليهما وقال قتادة : ما أدركت أحدا يصلي الركعتين إلا أنسا وأبا برزة ألأسلمي الثالثة قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ) فيه أربعة أقوال : الأول هو تسبيح الله تعالى في الليل قاله أبو الأحوص الثاني أنها صلاة الليل كله قاله مجاهد الثالث أنها ركعتا الفجر قاله بن عباس الرابع أنها صلاة العشاء الآخرة قاله بن زيد قال بن العربي : من قال إنه التسبيح في الليل فيعضده الصحيح ( من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( وأما من قال إنها الصلاة بالليل فإن الصلاة تسمى تسبيحا لما فيها من تسبيح الله ومنه سبحة الضحى وأما من قال إنها صلاة الفجر أو العشاء فلإنهما من صلاة الليل والعشاء أوضحه الرابعة قوله تعالى : ( وأدبار السجود ) قال عمر وعلي وأبو هريرة والحسن بن علي والحسن البصري والنخعي والشعبي والأوزاعي والزهري : أدبار السجود الركعتان بعد المغرب وأدبار النجوم والركعتان قبل الفجر ورواه العوفي عن بن عباس وقد رفعه بن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : ( ركعتان بعد المغرب أدبار السجود ( ذكره الثعلبي ولفظ الماوردي : وروي عن بن عباس قال : بت ليلة عند النبي ( ص ) فصلى ركعتين قبل الفجر ثم خرج إلى الصلاة فقال : ( يا بن عباس ركعتان قبل الفجر أدبار النجوم وركعتان بعد المغرب أدبار السجود ( : وقال أنس : قال النبي ( ص ) ( من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين ( قال أنس فقرأ في الركعة الأولى قل يأيها الكافرون وفي الثانيه قل هو الله أحد قال مقاتل : ووقتها ما لم يغرب الشفق الأحمر وعن بن عباسأيضا : هو الوتر قال بن زيد : هو النوافل بعد الصلوات ركعتان بعد كل صلاة مكتوبة قال النحاس : والظاهر يدل على هذا إلا أن الأولى اتباع الأكثر وهو صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال أبو الأحوص : هو التسبيح في أدبار السجود قال بن العربي وهو الأقوى في النظر وفي صحيح الحديث أن النبي ( ص ) كان يقول في دبر الصلاة المكتوبة ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ( وقيل : إنه منسوخ بالفرائض فلا يجب على أحد إلا خمس صلوات نقل ذلك الجماعة الخامسة قرأ نافع وبن كثير وحمزة ( وإدبار السجود ) بكسر الهمزة على المصدر من أدبر الشيء إدبارا إذا ولى الباقون بفتحها جمع دبر وهي قراءة علي وبن عباس ومثالها طنب وأطناب أو دبر كقفل وأقفال وقد استعملوه ظرفا نحو جئتك في دبر الصلاة وفي أدبار الصلاة ولا خلاف في آخر والطور ( وإدبار النجوم ) إنه بالكسر مصدر وهو ذهاب ضوئها إذا طلع الفجر وهو البياض المنشق من سواد الليل < <
ق : ( 41 ) واستمع يوم يناد . . . . . > > < > ( ق 41 : 45 ) <
> قوله تعالى : ( واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب ) مفعول الاستماع محذوف أي استمع النداء أو الصوت أو الصيحة وهي صيحة القيامة وهي النفخة الثانية والمنادي جبريل وقيل : إسرافيل الزمخشري : وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي فينادي بالحشر فيقول : هلموا إلى الحساب فالنداء على هذا في المحشر وقيل : واستمع نداء الكفار بالويل والثبور من مكان قريب أي يسمع الجميع فلا يبعد أحد عن ذلك النداء قال عكرمة : ينادي منادي الرحمن فكأنما ينادي في آذانهم وقال المكان القريب صخرة بيت المقدس يقال : إنها وسط الأرض وأقرب الأرض من السماء بإثنى عشر ميلا وقال كعب : بثمانية عشر ميلا ذكر الأول القشيري والزمخشري والثاني الماوردي فيقف جبريل أو إسرافيل على الصخرة فينادي بالحشر : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة وياعظاما نخرة ويا أكفانا فانية ويا قلوبا خاوية ويا أبدانا فاسدة ويا عيونا سائلة قوموا لعرض رب العالمين قال قتادة : هو إسرافيل صاحب الصور ( يوم يسمعون الصيحة بالحق ) يعني صيحة البعث ومعنى ( الخروج ) الاجتماع إلى الحساب ( ذلك يوم الخروج ) أي يوم الخروج من القبور إنا نحن نحيي ونميت ) نميت الأحياء ونحيي الموتى أثبت هنا الحقيقة ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ) إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس ( ذلك حشر علينا يسير ) أي هين سهل وقرأ الكوفيون ( تشقق ) بتخفيف الشين على حذف التاء الأولى الباقون بإدغام التاء في الشين وأثبت بن محيصن وبن كثير ويعقوب ياء المنادى في الحالين على الأصل وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل لا غير وحذف الباقون في الحالين قلت : وقد زادت السنة هذه الآية بيانا فروى الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي ( ص ) في حديث ذكره قال وأشار بيده إلى الشام فقال : ( من ها هنا إلى ها هنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه ( وفي رواية أخرى ( فخذه وكفه ( وخرج علي بن معبد عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) في حديث ذكره : ثم يقول يعني الله تعالى لإسرافيل : ( أنفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله عز وجل وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين واللسان يومئذ بالسريانية ( وذكر الحديث وقد ذكرنا جميع هذا وغيره في التذكرة مستوفى والحمد لله قوله تعالى : ( نحن أعلم بما يقولون ) أي من تكذيبك وشتمك ( وما أنت عليهم بجبار ) أي بمسلط تجبرهم على الإسلام فتكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال والجبار من الجبرية والتسلط إذ لايقال جبار بمعنى مجبر كما لا يقال خراج بمعنى مخرج حكاه القشيري النحاس : وقيل معنى جبار لست تجبرهم وهو خطأ لأنه لا يكون فعال أفعل وحكى الثعلبي : وقال ثعلب قد جاءت أحرف فعال بمعنى مفعل وهي شاذة جبار بمعنى مجبر ودراك بمعنى مدرك وسراع بمعنى مسرع وبكاء بمعنى مبك وعداء بمعنى معد وقد قرئ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد بتشديد الشين بمعنى المرشد وهو موسى وقيل : هو الله وكذلك قرئ أما السفينة فكانت لمساكين يعني ممسكين وقال أبو حامد الخارزنجي : تقول العرب : سيف سقاط بمعنى مسقط وقيل : ( بجبار ) بمسيطر كما في الغاشية لست عليهم بمصيطر قال الفراء : سمعت من العرب من يقول جبره على الأمر أي قهره فالجبار من هذه اللغة بمعنى القهر صحيح وقيل : الجبار من قولهم جبرته على الأمر أي أجبرته وهي لغة كنانية وهما لغتان الجوهري : وأجبرته على الأمر أكرهته عليه وأجبرته أيضا نسبته إلى [ الجبر كما تقول أكفرته إذا نسبته إلى الكفر ] ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) قال بن عباس : قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت : ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) أي ما أعددته لمن عصاني من العذاب فالوعيد العذاب والوعد الثواب قال الشاعر : وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إبعادي ومنجز وعدي وكان قتادة يقول : اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك وأثبت الياء في ( وعيدي ) يعقوب في الحالين وأثبتها ورش في الوصل دون الوقف وحذف الباقون في الحالين والله أعلم تم تفسير سورة ق والحمد لله <
> تفسير سورة الذاديات < > مكية في قول الجميع وهي ستون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < الذاريات : ( 1 ) والذاريات ذروا > > < > ( الذاريات 1 : 6 ) < > قوله تعالى : ( والذاريات ذروا ) قال أبو بكر الأنباري : حدثنا عبد الله بن ناجية حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أن رجلا قال لعمر رضي الله عنه : إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن فقال عمر : اللهم أمكني منه فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة وعمر يقرأ القرآن فلما فرغ قام إليه الرجل فقال : يا أمير المؤمنين ما ( الذاريات ذروا ) فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال : ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب وأبلغوا به حيه ثم ليقم خطيبا فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم وعن عامر بن واثلة أن أبن الكواء سأل عليا رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ما ( الذاريات ذروا ) [ قال ] : ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا ( والذاريات ذروا ) الرياح ( فالحاملات وقرا ) السحاب ( فالجاريات يسرا ) السفن ( فالمقسمات أمرا ) الملائكة وروى الحرث عن علي رضي الله عنه ( والذاريات ذروا قال : الرياح ( فالحاملات وقرا ) قال : السحاب تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر ( فالجاريات يسرا ) قال : السفن موقرة ( فالمقسمات أمرا ) قال : الملائكة تأتي بأمر مختلف جبريل بالغلظة وميكائيل صاحب الرحمة وملك الموت يأتي بالموت وقال الفراء : وقيل تأتي بأمر مختلف من الخصب والجدب والمطر والموت والحوادث ويقال : ذرت الريح التراب تذروه ذروا وتذريه ذريا ثم قيل : ( والذاريات ) وما بعده أقسام وإذا أقسم الرب بشيء أثبت له شرفا وقيل : المعنى ورب الذاريات والجواب ( إنما توعدون ) أي الذي توعدونه من الخير والشر والثواب والعقاب ( لصادق ) لا كذب فيه ومعنى ( لصادق ) لصدق وقع الاسم موقع المصدر ( وإن الدين لواقع ) يعني الجزاء نازل بكم ثم ابتدأ قسما آخر فقال : ( والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف ) وقيل : إن الذاريات النساء الولودات لأن في ذرايتهن ذرو الخلق لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات وأقسم بهن لما في ترائبهن من خيرة عباده الصالحين وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذاريا لأمرين : أحدهما لأنهن أوعية دون الرجال فلاجتماع الذروين فيهن خصصن بالذكر الثاني أن الذرو فيهن أطول زمانا وهن بالمباشرة أقرب عهدا ( فالحاملات وقرا ) السحاب وقيل : الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل والوقر بكسر الواو ثقل الحمل على ظهر أو في بطن يقال : جاء يحمل وقره وقد أوق بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار والوسق في حمل البعير وهذه امرأة موقرة بفتح القاف إذا حملت حملا ثقيلا وأوقرت النخلة كثر حملها يقال : نخلة موقرة وموقرة وموقرة وحكي موقر وهو على غير القياس لأن الفعل للنخلة وإنما قيل : موقر بكسر القاف على [ قياس ] قولك امرأة حامل لأن حمل الشجر مشبه بحمل النساء فأما موقر بالفتح فشاذ وقد روي في قول لبيد يصف نخيلا : عصب كوارع في خليج محلم حملت فمنها موقر مكموم والجمع مواقر فأما الوقر بالفتح فهو ثقل الأذن وقد وقرت أذنه توقر وقرا أي أصمت وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين وقد تقدم في الأنعام القول فيه ( فالجاريات يسرا ) السفن تجري بالرياح يسرا إلى حيث سيرت وقيل : السحاب وفي جريها يسرا على هذا القول وجهان : أحدهما إلى حيث يسيرها الله تعالى من البلاد والبقاع الثاني هو سهولة تسييرها وذلك معروف عند العرب كما قال الأعشى : كأن مشيتها من بيت جارتها مشي السحابة لا ريث ولا عجل < <
الذاريات : ( 7 ) والسماء ذات الحبك > > < > ( الذاريات 7 : 14 ) <
> قوله تعالى : ( والسماء ذات الحبك ) قيل : المراد بالسماء ها هنا السحب التي تظل الأرض وقيل : السماء مرفوعة بن عمر : هي السماء السابعة ذكره المهدوي والثعلبي والماوردي وغيرهم وفي ( الحبك ) أقوال سبعة : الأول قال بن عباس وقتادة ومجاهد والربيع : ذات الخلق الحسن المستوي وقاله عكرمة قال : ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه يقال منه حبك الثوب يحبكه بالكسر حبكا أي أجاد نسجه قال بن الأعرابي : كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد احتبكته والثاني ذات الزينة قاله الحسن وسعيد بن جبير وعن الحسن أيضا : ذات النجوم وهو الثالث الرابع قال الضحاك : ذات الطرائق يقال لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك ونحوه قول الفراء قال : الحبك تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة والماء القائم إذا مرت به الريح ودرع الحديد لها حبك والشعرة الجعدة تكسرها حبك وفي حديث الدجال : إن شعره حبك قال زهير : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها الخامس ذات الشدة قاله بن زيد وقرا وبنينا فوقكم سبعا شدادا والمحبوك الشديد الخلق من الفرس وغيره قال امرؤ القيس : قد غدا يحملني في أنفه لا حق الإطلين محبوك ممر وقال آخر : مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد وفي الحديث : أن عائشة رضي الله عنها كانت تحتبك تحت الدرع في الصلاة أي تشد الإزار وتحكمه السادس ذات الصفافة قاله خصيف ومنه ثوب صفيق ووجه صفيق بين الصفاقة السابع أن المراد بالطرق المجرة التي في السماء سميت بذلك لأنها كأثر المجر و ( الحبك ) جمع حباك قال الراجز : كأنما جللها الحواك طنفسة في وشيها حباك والحباك والحبيكة الطريقة في الرمل ونحوه وجمع الحباك حبك وجمع الحبيكة حبائك والحبكة مثل العبكة وهي الحبة من السويق عن الجوهري وروي عن الحسن في قوله : ( ذات الحبك ) ( الحبك ) و ( الحبيك ) و ( الحبك ) والحبك والحبك [ وقرأ أيضا ( الحبك ) ] كالجماعة وروي عن عكرمة وأبي مجلز ( الحبك ) و ( الحبك ) واحدتها حبيكة ( والحبك ) مخفف منه و ( الحبك ) واحدتها حبكة ومن قرأ ( الحبك ) فالواحدة حبكة كبرقة وبرق أو حبكة كظلمة وظلم ومن قرأ ( الحبك ) فهو كإبل وإطل و ( الحبك ) مخففة منه ومن قرأ ( الحبك ) فهو شاذ إذ ليس في كلام العرب فعل وهو محمول على تداخل اللغات كأنه كسر الحاء ليكسر الباء ثم تصور ( الحبك ) فضم الباء وقال جميعة المهدوي قوله تعالى : ( إنكم لفي قول مختلف ) هذا جواب القسم الذي هو ( والسماء ) أي إنكم يأهل مكة ( في قول مختلف ) في محمد والقرآن في مصدق ومكذب وقيل : نزلت في المقتسمين وقيل : اختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل افتراه بل هو مجنون بل هو كاهن بل هو أساطير الأولين وقيل : اختلافهم أن منهم من نفي الحشر ومنهم من شك فيه وقيل : المراد عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره قوله تعالى : ( يؤفك عنه من أفك ) أي يصرف عن الإيمان بمحمد والقرآن من صرف عن الحسن وغيره وقيل : المعنى يصرف عن الإيمان من أراده بقولهم هو سحر وكهانة وأساطير الأولين وقيل : المعنى يصرف عن ذلك الاختلاف من عصمه الله أفكه يأفكه أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء ومنه قوله تعالى : أجئتنا لتأفكنا وقال : مجاهد : معنى ( يؤفك عنه من أفك ) يؤفن عنه من أفن والأفن فساد العقل الزمخشري : وقريء ( يؤفن عنه من أفن ) أي يحرمه من حرم من أفن الضرع إذا أنهكه حلبا وقال قطرب : يخدع عنه من خدع وقال اليزيدي : يدفع عنه دفع والمعنى واحد وكله راجع إلى معنى الصرف قوله تعالى : ( قتل الخراصون ) في التفسير : لعن الكذابون وقال بن عباس : أي قتل المرتابون يعني الكهنة وقال الحسن : هم الذين يقولون لسنا نبعث ومعنى ( قتل ) أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين وقال الفراء : معنى ( قتل ) لعن قال : ( الخراصون ) الكذابون الذين يتخرصون بما لا يعلمون فيقولون : إن محمدا مجنون كذاب ساحر شاعر وهذا دعاء عليهم لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك قال بن الأنباري : علمنا الدعاء عليهم أي قولوا : ( قتل الخراصون ) وهو جمع خارص والخرص الكذب والخراص الكذاب وقد خرص يخرص بالضم خرصا أي كذب يقال : خرص واخترص وخلق واختلق وبشك وابتشك وسرج واسترج ومان بمعنى كذب حكاه النحاس والخرص أيضا حزر ما على النخل من الرطب تمرا وقد خرصت النخل والاسم الخرص بالكسر يقال : كم خرص نخلك والخراص الذي يخرصها فهو مشترك وأصل الخرص القطع على ما تقدم بيانه في الأنعام ومنه الخريص للخليج لأنه ينقطع إليه الماء والخرص حبة القرط إذا كانت منفردة لانقطاعها عن أخواتها والخرص العود لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته والخرص الذي به جوع وبرد لأنه ينقطع به يقال خرص الرجل بالكسر فهو خرص أي جائع مقرور ولا يقال للجوع بلا برد خرص ويقال للبرد بلا جوع خرص والخرص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة والجمع الخرصان ويدخل في الخرص قول المنجمين وكل من يدعي الحدس والتخمين وقال بن عباس : هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة واقتسموا القول في نبي الله ( ص ) ليصرفوا الناس عن الإيمان به قوله تعالى : ( الذين هم في غمرة ساهون ) الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ومنه نهر غمر أي يغمر من دخله ومنه غمرات الموت ( ساهون ) أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة قوله تعالى : ( يسألون أيان يوم الدين ) أي متى يوم الحساب يقولون ذلك استهزاء وشكا في القيامة ( يوم هم على النار يفتنون ) نصب ( يوم ) على تقدير الجزاء أي هذا الجزاء ( يوم هم على النار يفتنون ) أي يحرقون وهو من قولهم : فتنت الذهب أي أحرقته اتختبره وأصل الفتنة الاختبار وقيل : إنه مبني بنى لإضافته إلى غير متمكن وموضعه نصب على التقدير المتقدم أو رفع على البدل من ( يوم الدين ) وقال الزجاج : يقول يعجبني يوم أنت قائم ويوم أنت تقوم وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع فإنما انتصب هذا وهو في المعنى رفع وقال بن عباس : ( يفتنون ) يعذبون ومنه قول الشاعر : كل امريء من عباد الله مضطهد ببطن مكة مقهور ومفتون قوله تعالى : ( ذوقوا فتنتكم ) أي يقال لهم ذوقوا عذابكم قاله بن زيد مجاهد : حريقكم بن عباس : أي تكذيبكم يعني جزاءكم الفراء : أي عذابكم ( الذي كنتم به تستعجلون ) في الدنيا وقال : ( هذا ) ولم يقل هذه لأن الفتنة هنا بمعنى العذاب < <
الذاريات : ( 15 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( الذاريات 15 : 16 ) < > قوله تعالى : ( إن المتقين في جنات وعيون ) لما ذكر مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما يتنزه به ( آخذين ) نصب على الحال ( ما آتاهم ربهم ) أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات قاله الضحاك وقال بن عباس وسعيد بن جبير : ( آخذين ما آتاهم ربهم ) أي عاملين بالفرائض ( إنهم كانوا قبل ذلك ) أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا ( محسنين ) بالفرائض وقال بن عباس : المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم < < الذاريات : ( 17 ) كانوا قليلا من . . . . . > > < > ( الذاريات 17 : 19 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) معنى ( يهجعون ) ينامون والهجوع النوم ليلا والتهجاع النومة الخفيفة قال أبو قيس بن الأسلت : قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع وقال عمرو بن معدي كرب يتشوق أخته وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصمة : أين ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع يقال : هجع يهجع هجوعا وهيغ يهيغ هيوغا بالغين المعجمة إذا نام قاله الجوهري واختلف في ( ما ) فقيل : صلة زائدة قاله إبراهيم النخعي والتقدير كانوا قليلا من الليل يهجعون أي ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره قال عطاء : وهذا لما أمروا بقيام الليل وكان أبو ذر يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة قم الليل إلا قليلا الآية وقيل : ليس ( ما ) صلة بل الوقف عند قوله : ( قليلا ) ثم يبتدئ ( من الليل ما يهجعون ) ف ( ما ) للنفي وهو نفي النوم عنهم البتة قال الحسن : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نشطوا فجدوا إلى السحر روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال : اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم : ( كانوا قليلا ) معناه كان عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال : ( من الليل ما يهجعون ) على معنى الليل يهجعون قال بن الأنباري : وهذا فاسد لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم وبعد فلو ابتدأنا ( من الليل ما يهجعون ) على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم لأن الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون ( ما ) جحدا قلت : وعلى ما تأوله بعض الناس وهو قول الضحاك من أن عددهم كان يسيرا يكون الكلام متصلا بما قيل من قوله : ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) أي كان المحسنون قليلا ثم استأنف فقال : ( من الليل ما يهجعون ) وعلى التأويل الأول والثاني يكون ( كانوا قليلا من الليل ) خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ويكون الوقف على ( ما يهجعون ) وكذلك إن جعلت ( قليلا ) خبر كان وترفع ( ما ) بقليل كأنه قال : كانوا قليلا من الليل هجوعهم ف ( ما ) يجوز أن تكون نافية ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان التقدير كان هجوعهم من الليل وانصاب قوله : ( قليلا ) إن قررت ( ما ) زائدة مؤكدة ب ( يهجعون ) على تقدير كانوا وقتا قليلا أو هجوعا قليلا يهجعون وإن لم تقدر ( ما ) زائدة كان قوله : ( قليلا ) خبر كان ولم يجز نصبه ب ( يهجعون ) لأنه إذا قدر نصبه ب ( يهجعون ) مع تقدير ما مصدرا قدمت الصلة على الموصول وقال أنس وقتادة في تأويل الآية : أي كانوا يصلون بين العشاءين : المغرب والعشاء أبو العالية : كانوا لا ينامون بين العشاءين وقاله بن وهب وقال مجاهد : نزلت في الأنصار كانوا يصلون بين العشاءين في مسجد النبي ( ص ) ثم يمضون إلى قباء وقال محمد بن علي بن الحسين : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة قال الحسن : كأنه عد هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة وقال بن عباس ومطرف : قل ليلة لا تأتي عليهم لا يصلون الله فيها إما من أولها وإما من وسطها الثانية روي عن بعض المتهدجين أنه أتاه آت في منامه فأنشده : وكيف تنام الليل عين قريرة ولم تدر في أي المجالس تنزل وروي عن رجل من الأزد أنه قال : كنت لا أنام الليل فنمت في آخر الليل فإذا أنا بشابين أحسن ما رأيت ومعهما حلل فوقفا على كل مصل وكسواه حلة ثم انتهيا إلى النيام فلم يكسوهم فقلت لهما : اكسواني من حللكما هذا فقالا لي : إنها ليست حلة لباس إنما هي رضوان الله يحل على كل مصل ويروى عن أبي خلاد أنه قال : حدثني صاحب لي قال : فبينما أنا نائم في ليلة إذ مثلت لي القيلمة فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت وجوههم وأشرقت ألوانهم وعليهم الحلل من دون الخلائق فقلت : ما بال هؤلاء مكنسون والناس عراة ووجوههم مشرقة ووجوه الناس مغبرة فقال لي قائل : الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة والذين وجوههم مشرقة فأصحاب السهر والتهجد قال : ورأيت أقواما على نجائب فقلت : ما بال هؤلاء ركبانا والناس مشاة حفاة فقال لي : هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربا لله تعالى فأعطاهم الله بذلك خير الثواب قال : فصحت في منامي واها للعابدين ما أشرف مقامهم ثم استيقظت من منامي وأنا خائف الثالثة قوله تعالى : ( وبالأسحار هم يستغفرون ) مدح ثان أي يستغفرون من ذنوبهم قاله الحسن والسحر وقت يرجى فيه إجابة الدعاء وقد مضى في آل عمران القول فيه وقال بن عمر ومجاهد : أي يصلون وقت السحر فسموا الصلاة استغفارا وقال الحسن في قوله تعالى : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) مدوا الليل من أول الليل إلى السحر ثم استغفروا في السحر بن وهب : هي في الأنصار يعني أنهم كانوا يغدون من قباء فيصلون في مسجد النبي ( ص ) بن وهب عن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قالوا : كانوا ينحضون لناس من الأنصار بالدلاء على الثمار ثم يهجعون قليلا ثم يصلون آخر الليل الضحاك : صلاة الفجر قال الأحنف بن قيس : عرضت عملي على أعمال أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا لا نبلغ أعمالهم ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) وعرضت عملي على أعمال أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسوله وبالبعث بعد الموت فوجدنا خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا الرابعة قوله تعالى : ( وقي أموالهم حق للسائل والمحروم ) مدح ثالث قال محمد بن سيرين وقتادة : الحق هنا الزكاة المفروضة وقيل : إنه حق سوى الزكاة يصل به رحما أو يقري به ضيفا أو يحمل به كلا أو يغني به محروما وقاله بن عباس لأن السورة مكية وفرضت الزكاة بالمدينة بن العربي : والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة لقوله تعالى في سورة سأل سائل : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا موقت الخامسة قوله تعالى : ( للسائل والمحروم ) السائل الذي يسأل الناس لفاقته قاله بن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما ( والمحروم ) الذي حرم المال واختلف في تعيينه فقال بن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما : المحروم المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم وقالت عائشة رضي الله عنها : المحروم المحارف الذي لا يتيسر له مكسبه يقال : رجل محارف بفتح الراء أي محدود محروم وهو خلاف قولك مبارك وقد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يعلم بحاجته وقال الحسن ومحمد بن الحنيفة : المحروم الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم روي أن النبي ( ص ) بعث سرية فأصابوا وغنموا فجاء قوم بعد ما غرفوا فنزلت هذه الآية ( وفي أموالهم ) وقال عكرمة : المحروم الذي لا يبقى له مال وقال زيد بن أسلم : هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته وقال القرظي : المحروم الذي أصابته الجائحة ثم قرأ ( إنا لمغرمون بل نحن محرومون ) نظيره في قصة أصحاب الجنة حيث قالوا : ( بل نحن محرومون ) وقال أبو قلابة : كان رجل من أهل اليمامة له مال فجاء سيل فذهب بماله فقال رجل من أصحابه : هذا المحروم فأقسموا له وقيل : إنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه وهو يروي عن بن عباس أيضا وقال عبد الرحمن بن حميد : المحروم المملوك وقيل : إنه الكلب روي أن عمر بن عبد العزيز كان في طريق مكة فجاء كلب فانتزع عمر رحمه الله كتف شاة فرمى بها إليه وقال : يقولون إنه المحروم وقيل : إنه من وجبت نفقته بالفقر من ذوي الأنساب لأنه قد حرم كسب نفسه حتى وجبت نفقته في مال غيره وروى بن وهب عن مالك : أنه الذي يحرم الرزق وهذا قول حسن لأنه يعم جميع الأقوال وقال الشعبي : لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ رواه شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي وأصله في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع قال علقمة : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم وعن أنس أن النبي ( ص ) قال : ( ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأبعدنهم ( ثم تلا رسول الله ( ص ) ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) ذكره الثعلبي < <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?