Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
الذاريات : ( 20 ) وفي الأرض آيات . . . . . > > < > ( الذاريات 20 : 23 ) <
> قوله تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين ) لما ذكر أمر الفريقين بين أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور فمنها عود النبات بعد أن صار هشيما ومنها أنه قدر الأقوات فيها قواما للحيوانات ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة والموقنون هم العارفون المحققون وحدانية ربهم وصدق نبوة نبيهم خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات وتدبرها قوله تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) قيل : التقدير وفي الأرض وفي أنفسكم آيات للموقنين وقال قتادة : المعنى من سار في الأرض رآى آيات وعبرا ومن تفكر في نفسه علم أنه خلق ليعبد الله بن الزبير ومجاهد : المراد سبيل الخلاء والبول وقال السائب بن شريك : يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه الغائط فتلك الآية في النفس وقال بن زيد : المعنى أنه خلقكم من تراب وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ثم إذا أنتم بشر تنتشرون السدي : ( وفي أنفسكم ) أي في حياتكم وموتكم وفيما يدخل ويخرج من طعامكم الحسن : وفي الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة والشيب بعد السواد وقيل : المعنى وفي خلقأنفسكم من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح وفي اختلاف الألسنة والألوان والصور إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وما خصت به من أنواع المعاني والفنون وبالألسن والنطق ومخارج الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلفت له وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والثني وأنه إذا جسا شيء منها جاء العجز وإذا استرخى أناخ الذل فتبارك الله أحسن الخالقين ( أفلا تبصرون ) يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته وقيل : إنه نجح العاجز وحرمان الحازم قلت : كل ماذكر مراد في الأعتبار وقد قدمنا في آية التوحيد في سورة البقرة أن ما في بدن الإنسان الذي هو العالم الصغير شيء إلا له نظير في العالم الكبير وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويغني لمن تدبر قوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق وقال سعيد بن جبير : كل عين قائمة فإنها من الثلج وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم وقال أهل المعاني : ( وفي السماء رزقكم ) معناه وفي المطر رزقكم سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل قال الشاعر : إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا وقال بن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم نظيره : وما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها وقال سفيان الثوري : ( وفي السماء رزقكم ) أي عند الله في السماء رزقكم وقيل : المعنى وفي السماء تقدير رزقكم وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب وعن سفيان قال : قرأ واصل الأحدب ( وفي السماء رزقكم ) فقال : ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة رطب وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما وقرأ بن محيصن ومجاهد ( وفي السماء رزقكم ) بالألف وكذلك في آخرها ( إن الله هو الرزاق ) ( وما توعدون ) قال مجاهد : يعني من خير وشر وقال غيره : من خير خاصة وقيل : الشر خاصة وقيل : الجنة عن سفيان بن عيينة الضحاك : ( وما توعدون ) من الجنة والنار وقال بن سيرين : ( وما توعدون ) من أمر الساعة وقاله الربيع قوله تعالى : ( فورب السماء والأرض إنه لحق ) أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله : ( مثل ما أنكم تنطقون ) وخص النطق بين ستئر الحواس لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه كالدئ يرى في المرآة واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها والدوي والطنين في الأذن والنطق سالم من ذلك ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به وقال بعض الحكماء : كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره وقال الحسن : بلغني أن نبي الله ( ص ) قال : ( قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ولم يصدقوه قال الله تعالى : ( فورب السماء والأرض إنه لحق ( ) وقال الأصمعي : أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه فدنا وسلم وقال : ممن الرجل قلت من بني أصمع قال : أنت الأصمعي قلت : نعم قال : ومن أين أقبلت قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال : والرحمن كلام يتلوه الآدميون قلت : نعم قال : فاتل علي منه شيئا فقرأت ( والذاريات ذروا ) إلى قوله : ( وفي السماء رزقكم ) فقال : يا أصمعي حسبك ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها وقال : أعني على توزيعها ففرقناها على من أقبل وأدبر ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فمقت نفسي ولمتها ثم حججت مع الرشيد فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر فسلم علي وأخذ بيدي وقال : اتل علي كلام الرحمن وأجلسني من وراء المقام فقرأت ( والذاريات ) حتى وصلت إلى قوله تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فقال الأعرابي : لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا وقال : وهل غير هذا قلت : نعم يقول الله تبارك وتعالى : ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) قال فصاح الأعرابي وقال : يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شيء فقال : اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به فشبع وروي من غير طعام ولا شراب وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي ( ص ) : ( لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت ( أسنده الثعلبي وفي سنن بن ماجه عن حبة وسواء ابنى خالد قالا : دخلنا على النبي ( ص ) وهو يعالج شيئا فأعناه عليه فقال : ( لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله ( وروي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله فخرجت عليهم أعرابية فقالت : مالي أراكم قد نكستم رءوسكم وضاقت صدوركم وهو ربنا والعالم بنا رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء ثم أنشأت تقول : لو كان في صخرة في البحر راسبة صما ململمة ملسا نواحيها رزق لنفس يراها الله لانفلقت حتى تؤدى إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مسلكها لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها إن لم تنله وإلا سوف يأتيها قلت : وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي ( ص ) فسمع قوله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فرجع ولم يكلم النبي ( ص ) وقال : ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب وقد ذكرناه في سورة هود وقال لقمان : يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة الآية وقد مضى في لقمان وقد استوفينا هذا الباب في كتاب : قمع الحرص بالزهد والقناعة والحمد لله وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء وهو فراغ القلب من الرب رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه مقوله تعالى : ( مثل ما أنكم تنطقون ) قراءة العامة ( مثل ) بالنصب أي كمثل ( ما أنكم ) فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و ( ما ) زائدة قاله بعض الكوفيين وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد أي لحق حقا مثل نطقك فكأنه نعت لمصدر محذوف وقول سيبويه : إنه مبني بنى حين أضيف إلى غير متمكن و ( ما ) زائدة للتوكيد المازني : ( مثل ) مع ( ما ) بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح لذلك واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال : ولأن من العرب من يجعل مثلا منصوبا أبدا فتقول : قال لي رجل مثلك ومررت برجل مثلك بنصب [ مثل على معنى كمثل ] وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش ( مثل ) بالرفع على أنه صفة لحق لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة إذ لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين و ( مثل ) مضاف إلى ( أنكم ) و ( ما ) زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر إذ لا فعل معها تكون معه مصدرا ويجوز أن تكون بدلا من ( لحق ) < <
الذاريات : ( 24 ) هل أتاك حديث . . . . . > > < > ( الذاريات 24 : 28 ) <
> قوله تعالى : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذبين بآياته كما فعل بقوم لوط ( هل أتاك ) أي ألم يأتك وقيل : ( هل ) بمعنى قد كقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم في هود والحجر ( المكرمين ) أي عند الله دليله قوله تعالى : بل عباد مكرمون قال بن عباس : يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل زاد عثمان بن حصين ورفائيل عليهم الصلاة والسلام وقال محمد بن كعب : كان جبريل ومعه تسعة وقال عطاء وجماعة : كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر قال بن عباس : سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين وقال مجاهد : سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه قال عبد الوهاب : قال لي علي بن عياض : عندي هريسة ما رأيك فيها قلت : ما أحسن رأيي فيها قال : امض بنا فدخلت الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب فما راعني إلا به ومعه القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون لو علمت يا أبا الحسن أن الأمر هكذا قال : هون عليك فإنك عندنا مكرم والمكرم إنما يخدم بالنفس انظر إلى قوله تعالى : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) قوله تعالى : ( إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ) تقدم في الحجر ( قال سلام ) أي عليكم سلام ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ( سلم ) بكسر السين ( قوم منكرون ) أي أنتم قوم منكرون أي غرباء لا نعرفكم وقيل : لأنه رآهم على غير صورة البشر وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم فقال : ( قوم منكرون ) وقيل : أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض وقيل : خافهم يقال : أنكرته إذا خفته قال الشاعر : فأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى : ( فراغ إلى أهله ) قال الزجاج : أي عدل إلى أهله وقد مضى في الصافات ويقال : أراغ وارتاغ بمعنى طلب وماذا تريغ أي تريد وتطلب وأراغ إلى كذا أي مال إليه سردا وحاد فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى ( فجاء بعجل سمين ) أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في هود : فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ويقال : إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام قوله تعالى : ( فقربه إليهم ) يعني العجل ( فقال ألا تأكلون ) قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم البقر واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم وقيل : العجل في بعض اللغات الشاة ذكره القشيري وفي الصحاح : العجل ولد البقر والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة عن أبي الجراح وبقرة معجل ذات عجل وعجل قبيلة من ربيعة قوله تعالى : ( فأوجس منهم خيفة ) أي أحس منهم في نفسه خوفا وقيل : أضمر لما لم يتحرموا بطعامه ومن أخلاق الناس : أن من تحرم بطعام إنسان أمنه وقال عمرو بن دينار : قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن قال : كلوا وأدوا ثمنه قالوا : وما ثمنه قال : تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لهذا اتخذك الله خليلا وقد تقدم هذا في هود ولما رأوا بإبراهيم من الخوف ( قالوا لا تخف ) وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله ( وبشروه بغلام عليم ) أي بولد يولد له من سارة زوجته وقيل : لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدقهم فدعوا الله فأحيا العجل الذي قربه إليهم وروى عون بن أبي شداد : أن جبريل مسح العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار ومعنى ( عليم ) أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق وقال مجاهد وحده : هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول : وبشرناه بإسحق وهذا نص < <
الذاريات : ( 29 ) فأقبلت امرأته في . . . . . > > < > ( الذاريات 29 : 30 ) < > قوله تعالى : ( فأقبلت امرأته في صرة ) أي في صيحة وضجة عن بن عباسي وغيره ومنه أخذ صرير الباب وهو صوته وقال عكرمة وقتادة : إنها الرنة والتأوه ولم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان قال الفراء : وإنما هو كقولك أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي وقيل : أقبلت في صرة أي في جماعة من النساء تسمع كلام الملائكة قال الجوهري : الصرة الضجة والصيحة والصرة الجماعة والصرة الشدة من كرب وغيره قال امرؤ القيس : فألحقه بالهاديات ودونه جواحرها في صرة لم تزيل يحتمل هذا البيت الوجوه الثلاثة وصرة القيظ شدة حره فلما سمعت سارة البشارة صكت وجهها أي ضربت يدها على وجهها على عادة النسوان عند التعجب قاله سفيان الثوري وغيره وقال بن عباس : صكت وجهها لطمته وأصل الصك الضرب صكه أي ضربه قال الراجز : يا كرومانا صك فاكبأنا قال الأموي : كبن الظبي إذا لطأ بالأرض واكبأن انقبض ( وقال عجوز عقيم ) أي أتلد عجوز عقيم الزجاج : أي وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد كمت قالت : يا وليلتا أألد وأنا عجوز ( قلوا كذلك ) أي كما قلنا لك وأخبرناك ( قال ربك ) فلا تشكي فيه وكان بين 2 البشارة والولادة سنة وكانت سارة لم تلد قبل ذلك فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم يومئذ بن مائة سنة وقد مضى هذا ( إنه هو الحكيم العليم ) حكيم فيما يفعله عليم بمصالح خلقه < < الذاريات : ( 31 ) قال فما خطبكم . . . . . > > < > ( الذاريات 31 : 37 ) < > قوله تعالى : ( قال فما خطبكم أيها المرسلون ) لما تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم : ( فما خطبكم ) أي ما شأنكم وقصتكم ( أيها المرسلون ) ( قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يريد قوم لوط ( لنرسل عليهم حجارة من طين ) أي لنرجمهم بها ( مسومة ) أي معلمة قيل : كانت مخططة بسواد وبياض وقيل : بسواد وحمرة وقيل : ( مسومة ) أي معروفة بأنها حجارة العذاب وقيل : على كل حجر اسم من يهلك به وقيل : عليها أمثال الخواتيم وقد مضى هذا كله في هود فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشذاذهم فلم يفلت منهم مخبر ( عند ربك ) أي عند الله وقد أعدها لرجم من قضي برجمه ثم قيل : كانت مطبوخة طبخ الآجر قاله بن زيد وهو معنى قوله تعالى : ( حجارة من سجيل ) على ما تقدم بيانه في هود وقيل : هي الحجارة التي نراها وأصلها طين وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور وإنما قال : ( من طين ) ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البرد حكاه القشيري قوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين لئلا يهلك المؤمنون وذلك قوله تعالى : فأسر بأهلك ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) يعني لوطا وبنتيه وفيه إضمار أي فما وجدنا فيها غير أهل بيت وقد يقال بيت شريف يراد به الأهل وقوله : ( فيها ) كناية عن القرية ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى مفهوم وأيضا فقوله تعالى : ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يدل على القرية لأن القوم إنما يسكنون قرية وقيل : الضمير فيها للجماعة والمؤمنون والمسلمون ها هنا سواء فجنس اللفظ لئلا يتكرر كما قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقيل : الإيمان تصديق القلب والإسلام الانقياد بالظاهر فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا فسماهم في الآية الأولى مؤمنين لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم وقد مضى الكلام في هذا المعنى في البقرة وغيرها وقوله : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام وهو مقتضى حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم وغيره وقد بيناه في غير موضع قوله تعالى : ( وتركنا فيها آية ) أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم نظيره : ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ثم قيل : الآية المتروكة نفس القرية الخربة وقيل : الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي الآية ( للذين يخافون ) لأنهم المنتفعون < <
الذاريات : ( 38 ) وفي موسى إذ . . . . . > > < > ( الذاريات 38 : 40 ) < > قوله تعالى : ( وفي موسى ) أي وتركنا أيضا في قصة موسى آية وقال الفراء : هو معطوف على قوله : وفي الأرض آيات ( وفي موسى ) ( إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ) أي بحجة بينة وهي العصا وقيل : أي المعجزات من العصا وغيرها قوله تعالى : ( فتولى بركنه ) أي فرعون أعرض عن الإيمان ( بركنه ) أي بجموعه وأجناده قاله بن زيد وهو معنى قول مجاهد ومنه قوله : أو آوي إلى ركن شديد يعني المنعة والعشيرة وقال بن عباس وقتادة : بقوته ومنه قول عنترة : فما أوهى مراس الحرب ركني ولكن ما تقادم من زماني وقيل : بنفسه وقال الأخفش : بجانبه كقوله تعالى : أعرض ونأى بجانبه وقال المؤرج الجوهري : وركن الشيء جانبه الأقوى وهو يأوي إلى ركن شديد أي عزة ومنعة القشيري : والركن جانب البدن وهذا عبارة عن المبالغة في الإعراض عن الشيء ( وقال ساحر أو مجنون ) ( أو ) بمعنى الواو لأنهم قالوهما جميعا قاله المؤرج والفراء وأنشد بيت جرير : أثعلبة الفوارس أو رياحا عدلت بهم طهية والخشابا وقد توضع ( أو ) بمعنى الواو كقوله تعالى : ولا تطع منهم آثما أو كفورا والواو بمعنى أو كقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وقد تقدم جميع هذا ( فأخذناه وجنوده ) لكفرهم وتوليهم عن الإيمان ( فنبذناهم ) أي طرحناهم ( في اليم وهو مليم ) يعني فرعون لأنه أتى ما يلام عليه < < الذاريات : ( 41 ) وفي عاد إذ . . . . . > > < > ( الذاريات 41 : 42 ) < > قوله تعالى : ( وفي عاد ) أي وتركنا في عاد آية لمن تأمل ( إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) وهي التي لا تلقح سحابا ولا شجرا ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة ومنه امرأة عقيم لاتحمل ولا تلد ثم قيل : هي الجنوب روى بن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن النبي ( ص ) قال : ( الريح العقيم الجنوب ( وقال مقاتل : هي الدبور كما في الصحيح عن النبي ( ص ) ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ( وقال بن عباس : هي النكباء وقال عبيد بن عمير : مسكنها الأرض الرابعة وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور وروى بن أبي نجيح عن مجاهد أيضا أنها الصبا فالله أعلم قوله تعالى : ( ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ) أي كالشيء الهشيم يقال للنبت إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم قال بن عباس : كالشيء الهالك البالي وقاله مجاهد ومنه قول الشاعر : تركتني حين كف الدهر من بصري وإذ بقيت كعظيم الرمة البالي وقال قتادة : إنه الذي ديس من يابس النبات وقال أبو العالية والسدي : كالتراب المدقوق قطرب : الرميم الرماد وقال يمان : ما رمته الماشية من الكلأ بمرمتها ويقال للشفة المرمة والمقمة بالكسر والمرمة بالفتح لغة فيه وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلى تقول منه : رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم قال [ الشاعر ] : ورأى عواقب خلف ذاك مذمة تبقى عليه والعظام رميم والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام ونظير هذه الآية : تدمر كل شيء حسب ما تقدم < < الذاريات : ( 43 ) وفي ثمود إذ . . . . . > > < > ( الذاريات 43 : 45 ) <
> قوله تعالى : ( وفي ثمود ) أي وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا ( حتى حين ) أي إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام كما في هود : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وقيل : معنى ( تمتعوا ) أي أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم ( فعتوا عن أمر ربهم ) أي خالفوا أمر الله فعقروا الناقة ( فأخذتهم الصاعقة ) أي الموت وقيل : هي كل عذاب مهلك قال الحسين بن واقد : كل صاعقة في القرآن فهو العذاب وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وبن محيصن ومجاهد والكسائي ( الصعقة ) يقال صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه وصعقتهم السماء أي ألقت عليهم الصاعقة والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في البقرة وغيرها ( وهم ينظرون ) إليها نهارا ( فما استطاعوا من قيام ) قيل : معناه من نهوض وقيل ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم تقول : لا أقوم لهذا الأمر أي لا أطيقه وقال بن عباس : أي ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب ( وما كانوا منتصرين ) أي ممتنعين من العذاب حين أهلكوا أي ما كان لهم ناصر < < الذاريات : ( 46 ) وقوم نوح من . . . . . > > < > ( الذاريات 46 ) < > قوله تعالى : ( وقوم نوح من قبل ) قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو ( وقوم نوح ) بالخفض أي وفي قوم نوح آية أيضا الباقون بالنصب على معنى وأهلكناه قوم نوح أو يكون معطوفا على الهاء والميم في ( أخذتهم ) أو الهاء في ( أخذناه ) أي فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم نوح أو نبذناهم في اليم ونبذنا قوم نوح أو يكون بمعنى اذكر < < الذاريات : ( 47 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . . > > < > ( الذاريات 47 : 49 ) < > قوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد ) لما بين هذه الآيات قال : وفي السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما آيتان ومعنى ( بأيد ) أي بقوة وقدرة عن بن عباس وغيره ( وإنا لموسعون ) قال بن عباس : لقادرون وقيل : أي وإنا لذو سعة وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده وقيل : أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا عن بن عباس أيضا الحسن : وإنا لمطيقون ومنه أيضا : وإنا لموسعون الرزق بالمطر وقال الضحاك : أغنيناكم دليله : على الموسع قدره وقال القتبي : ذو سعة على خلقنا والمعنى متقارب وقيل : جعلنا بينهما وبين الأرض سعة الجوهري : وأوسع الرجل أي صار ذا سعة وغنى ومنه قوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) أي أغنياء قادرون فشمل جميع الأقوال ( والأرض فرشناها ) أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها ( فنعم الماهدون ) أي فنعم الماهدون نحن لهم والمعنى في الجمع التعظيم مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها قوله تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) أي صنفين ونوعين مختلفين قال بن زيد : أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ذلك مجاهد : يعني الذكر والأنثى والسماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنور والظلام والسهل والجبل والجن والإنس والخير والشر والبكرة والعشي وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة وقيل : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ) لتعلموا أن خالق الأزواج فرد فلا يقدر في صفته حركة ولا سكون ولا ضياء ولا ظلام ولا قعود ولا قيام ولا ابتداء ولا انتهاء إذ هو عز وجل وتر ليس كمثله شيء ( لعلكم تذكرون ) < <
الذاريات : ( 50 ) ففروا إلى الله . . . . . > > < > ( الذاريات 50 : 55 ) < > قوله تعالى : ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) لما تقدم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم لذلك قال الله تعالى : لنبيه ( ص ) قل لهم يا محمد أي قل لقومك : ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) أي فروا من معاصيه إلى طاعته وقال بن عباس : فروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم وعنه فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان : ( ففروا إلى الله ) اخرجوا إلى مكة وقال الحسين بن الفضل : احترزوا من كل شيء دون الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه وقال أبو بكر الوراق : فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن وقال الجنيد : الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه وقال ذو النون المصري : ففروا من الجهل إلى العلم ومن الكفر إلى الشكر وقال عمرو بن عثمان : فروا من أنفسكم إلى ربكم وقال أيضا : فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم وقال سهل بن عبد الله : فروا مما سوى الله إلى الله ( إني لكم منه نذير مبين ) أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية قوله تعالى : ( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) أمر محمدا ( ص ) أن يقول هذا للناس وهو النذير وقيل : هو خطاب من الله للخلق ( إني لكم منه ) أي من محمد وسيوفه ( نذير ) أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي قاله بن عياس قوله تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول ) هذا تسلية للنبي ( ص ) أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذب من قبلهم وقالوا مثل قولهم والكاف من ( كذلك ) يجوز أن تكون نصبا على تقدير أنذركم إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم أو رفعا على تقدير الأمر كذلك أي كالأول والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين والثاني لمن أشرك به من الملحدين والتمام على قوله ( كذلك ) عن يعقوب وغيره قوله تعالى : ( أتواصوا به ) أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه والألف للتوبيخ والتعجب ( بل هم قوم طاغون ) أي لم يوصي بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الكفر قوله تعالى : ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم واصفح عنهم ( فما أنت بملوم ) عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة وثم نسخ هذا بقوله تعالى : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وقيل : نسخ بآية السيف والأول قول الضحاك لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة وقال مجاهد : ( فتول عنهم ) فأعرض عنهم ( فما أنت بملوم ) أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك ( وذكر ) أي بالعظة فإن العظة ( تنفع المؤمنين ) وقيل : ذكرهم بالعقوبة وأيام الله وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون بها < < الذاريات : ( 56 ) وما خلقت الجن . . . . . > > < > ( الذاريات 56 : 60 ) <
> قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) قيل : إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص والمعنى : وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون قال القشيري : والآية دخلها التخصيص على القطع لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة وقد قال الله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة فالآية محمولة على المؤمنين منهم وهو كقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا وإنما قال فريق منهم ذكره الضحاك والكلبي والفراء والقتبي وفي قراءة عبد الله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وقال علي رضي الله عنه : أي ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة واعتمد الزجاج على هذا القول ويدل عليه قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فإن قيل : كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته قيل : قد تذللوا لقضائه عليهم لأن قضائه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه وقيل : ( إلا ليعبدون ) أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها رواه علي بن أبي طلحة عن بن عباس فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة مجاهد : إلا ليعرفوني الثعلبي : وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده ودليل هذا التأويل قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم وما أشبه هذا من الآيات وعن مجاهد أيضا : إلا لآمرهم وأنهاهم زيد بن أسلم : هو ما جلبوا عليه من الشقوة والسعادة فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة وخلق الأشقياء منهم للمعصية وعن الكلبي أيضا : إلا ليوحدون فأما المؤمن فيوحده في الشدة الرخاء أما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء يدل عليه قوله تعالى : وإذا غشيهم موج كالظل دعوا الله مخلصين له الدين الآية وقال عكرمة : إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد وقيل : المعنى إلا لأستعبدهم والمعنى متقارب تقول : عبد بين العبودة والعبودية وأصل العبودية الخضوع والذل والتعبيد التذليل يقال : طريق معبد قال : وظيفا وظيفا فوق مور معبد والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا وكذلك الاعتباد والعبادة : الطاعة والتعبد التنسك فمعنى ( ليعبدون ) ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا ( ما أريد منهم من رزق ) ( من ) صلة أي رزقا بل أنا الرزاق والمعطي وقال بن عباس وأبو الجوزاء أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها وقيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم ( إن الله هو الرزاق ) وقرأ بن محيصن وغيره ( الرازق ) ( ذو القوة المتين ) أي الشديد القوي وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والنخعي ( المتين ) بالجر على النعت للقوة الباقون بالرفع على النعت ل ( الرزاق ) أو ( ذو ) من قوله : ( ذو القوة ) أو يكون خبر ابتداء محذوف أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع أو خبرا بعد خبر قال الفراء : كان حقه المتينة فذكره لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل يقال : حبل متين وأنشد الفراء : لكل دهر قد لبثت أثوبا حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا من ريطة واليمنة المعصبا فذكر المعصب لأن اليمنة صنف من الثياب ومن هذا الباب قوله تعالى : فمن جاءه موعظة أي وعظ وأخذ الذين ظلموا الصيحة أي الصياح والصوت قوله تعالى : ( فإن للذين ظلموا ) أي كفروا من أهل مكة ( ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ) أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة وقال بن الأعرابي : يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب من هذا قال الراجز : لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب وقال علقمة : وفي كل يوم قد خبطت بنعمة فحق لشأس من نداك ذنوب وقال آخر : لعمرك والمنايا طارقات لكل بني أب منها ذنوب الجوهري : والذنوب الفرس الطويل الذنب والذنوب النصيب والذنوب لحم أسفل المتن والذنوب الدلو الملآي ماء وقال بن السكيت : فيها ماء قريب من الملء يؤنث ويذكر ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب مثل قلوص وقلائص ( فلا يستعجلون ) أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم لأنهم قالوا : يا محمد فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده وعجل بهم انتقامه ثم لهم في الآخرة العذاب الدائم والخزي القائم الذي لا انقطاع له ولا نفاد ولا غاية ولا آباد تم تفسير سورة والذاريات والحمد لله <
> تفسير سورة والطور < > مكية كلها في قول الجميع وهي تسع وأربعون آية روى الأئمة عن جبير بن مطعم قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقرأ بالطور في المغرب متفق عليه بسم الله الرحمن الرحيم < < الطور : ( 1 ) والطور > > < > ( الطور 1 : 8 ) <
> قوله تعالى : ( والطور ) الطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه من الآيات وهو أحد جبال الجنة وروى إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال : قال رسول الله ( ص ) : ( أربعة أجبل من جبال الجنة وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة ( قيل : فما الأجبل قال : ( جبل أحد يحبنا ونحبه والطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من جبال الجنة [ والجودي جبل من جبال الجنة ] ( وذكر الحديث وقد استوفيناه في كتاب التذكرة قال مجاهد : الطور هو بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا وقاله السدي وقال مقاتل بن حيان هما طوران يقال لأحدهما طور سينا والآخر طور زيتا لأنهما ينبتان التين والزيتون وقيل : هو جبل بمدين واسمه زبير قال الجوهري : والزبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام قلت : ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام وقيل : إن الطور كل جبل أنبت وما لا ينبت فليس بطور قاله بن عباس وقد مضى في البقرة مستوفى قوله تعالى : ( وكتاب مسطور ) أي مكتوب يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ كما قال تعالى : إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون وقيل : يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء وكان كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته وقال الكلبي : هو ما كتب الله لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم وقال الفراء : هو صحائف الأعمال فمن آخذ كتابه بيمينه ومن آخذ كتابه بشماله نظيره : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وقوله : وإذا الصحف نشرت وقيل : المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين بيانه : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان قلت : وفي هذا القول تجوز لأنه عبر بالقلوب عن الرق قال المبرد : الرق ما رقق من الجلد ليكتب فيه والمنشور المبسوط وكذا قال الجوهري في الصحاح قال : والرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق ومنه قوله تعالى : ( في رق منشور ) والرق أيضا العظيم من السلاحف قال أبو عبيدة : وجمعه رقوق والمعنى المراد ما قاله الفراء والله أعلم وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها ومنه قول المتلمس : فكأنما هي من تقادم عهدها رق أتيح كتابها مسطور وأما الرق بالكسر فهو الملك يقال : عبد مرقوق وحكى الماوردي عن بن عباس : أن الرق بالفتح ما بين المشرق والمغرب قوله تعالى : ( والبيت المعمور ) قال علي وبن عباس وغيرهما : هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون منه فلا يعودون إليه قال علي رضي الله عنه : هو بيت في السماء السادسة وقيل : في السماء الرابعة روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال : قال رسول الله ( ص ) : ( أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حيال الكعبة لو خر خر عليها يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه ( ذكره الماوردي وحكى القشيري عن بن عباس أنه في السماء الدنيا وقال أبو بكر الأنباري : سأل بن الكواء عليا رضي الله عنه قال : فما البيت المعمور قال : بيت فوق سبع سماوات تحت العرش يقال له الضراح وكذا في الصحاح : والضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن بن عباس وعمر أنه كثرة غاشيته من الملائكة وقال المهدوي عنه : حذاء العرش والذي في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي ( ص ) في حديث الإسراء : ( ثم رفع إلي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ( وذكر الحديث وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ( ص ) قال : ( أتيت بالبراق ( الحديث وفيه : ( ثم عرج بنا إلى السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد ( ص ) قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ( وعن بن عباس أيضا قال : لله في السماوات والأرضين خمسة عشر بيتا سبعة في السماوات وسبعة في الأرضين والكعبة وكلها مقابلة للكعبة وقال الحسن : البيت المعمور هو الكعبة البيت الحرام الذي هو معمور من الناس يعمره الله كل سنة بستمائة ألف فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة وهو أول بيت وضعه الله للعبادة في الأرض وقال الربيع بن أنس : أن البيت المعمور كان في الأرض موضع الكعبة في زمان آدم عليه السلام فلما كان زمان نوح عليه السلام أمرهم أن يحجوا فأبوا عليه وعصوه فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا فيعمره كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرجعون إليه حتى ينفخ في الصور قال : فبوأ الله جل وعز لإبراهيم مكان البيت حيث كان قال الله تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( والسقف المرفوع ) يعني السماء سماها سقفا لأنها للأرض كالسقف للبيت بيانه : وجعلنا السماء سقفا محفوظا الأنبياء وقال بن عباس : هو العرش وهو سقف الجنة ( والبحر المسجور ) قال مجاهد : الموقد وقد جاء في الخبر : ( إن البحر يسجر يوم القيامة فيكون نارا ( وقال قتادة : المملوء وأنشد النحويون للنمر بن تولب : إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسماسما يريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة فيجوز أن يكون المملوء نارا فيكون كالقول المتقدم وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش بأنه الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور ومنه قيل : للمسعر مسجر ودليل هذا التأويل قوله تعالى : وإذا البحار سجرت أي أوقدت سجرت التنور أسجره سجرا أي أحميته وقال سعيد بن المسيب : قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود : أين جهنم قال : البحر قال ما أراك إلا صادقا وتلا : ( والبحر المسجور ) وإذا البحار سجرت مخففة وقال عبد الله بن عمرو : لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم [ وقال كعب : يسجر البحر غدا فيزاد في نار جهنم فهذا قول ] وقال بن عباس : المسجور الذي ذهب ماؤه وقاله أبو العالية وروى عطية وذو الرمة الشاعر عن بن عباس قال : خرجت أمة لتستقى فقالت : إن الحوض مسجور أي فارغ قال بن أبي داود : ليس لذي الرمة حديث إلا هذا وقيل : المسجور أي المفجور دليله : وإذا البحار فجرت الانفطار أي تنشفها الأرض فلا يبقى فيها ماء وقول ثالث قاله علي رضي الله عنه وعكرمة قال أبو مكين : سألت عكرمة عن البحر المسجور فقال : هو بحر دون العرش وقال علي : تحت العرش فيه ماء غليظ ويقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم وقال الربيع بن أنس : المسجور المختلط العذب بالملح قلت : وإليه يرجع معنى ( فجرت ) في أحد التأويلين أي فجر عذبها في مالحها : والله أعلم وسيأتي وروي علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال : المسجور المحبوس ( إن عذاب ربك لواقع ) هذا جواب القسم أي واقع بالمشركين قال جبير بن مطعم : قدمت المدينة لأسأل رسول الله ( ص ) في أسارى بدر فوافيته يقرأ في صلاة المغرب ( والطور ) إلى قوله : ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب وقال هشام بن حسان : أنطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ ( والطور ) حتى بلغ ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه ولما ولي بكار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان فتوجهت على أحدهما اليمين فرغب إلى الصلح بينهما وإنه يعطي خصمه من عنده عوضا من يمينه فأبى إلا اليمين فأحلفه بأول ( والطور 4 ) إلى أن قال له قل : ( إن عذاب ربك لواقع ) إن كنت كاذبا فقالها فخرج فكسر من حينه < <
الطور : ( 9 ) يوم تمور السماء . . . . . > > < > ( الطور 9 : 16 ) < > ) العامل في يوم قوله : ( واقع ) أي يقع العذاب بهم يوم القيامة وهو اليوم الذي تمور فيه السماء قال أهل اللغة : مار الشيء يمور مورا أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدان أي الطويلة والتمور مثله وقال الضحاك : يموج بعضها في بعض مجاهد : تدور دورا أبو عبيدة والأخفش : تكفأ وأنشد للأعشى : كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل وقيل تجري جريا ومنه قول جرير : وما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل وقال بن عباس : تمور السماء يومئذ بما فيها وتضطرب وقيل : يدور أهلها فيها ويموج بعضهم في بعض والمور أيضا الطريق ومنه قول طرفة : فوق مور معبد والمور الموج وناقة موارة اليد أي سريعة والبعير يمور عضداه إذا ترددا في عرض جنبه قال الشاعر : على ظهر موار الملاط حصان الملاط الجنب وقولهم : لا أدري أغار أم مار أي أتى غورا أم دار فرجع إلى نجد والمور بالضم الغبار بالريح وقيل : إن السماء ها هنا الفلك وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره قاله بن بحر ( وتسير الجبال سيرا ) قال مقاتل : تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض وقيل : تسير كسير السحاب اليوم في الدنيا بيانه وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب النمل وقد مضى هذا المعنى في الكهف ( فويل يومئذ للمكذبين ) ( ويل ) كلمة تقال للهالك وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة ( الذين في خوض يلعبون ) أي في تردد في الباطل وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب وقيل : في خوض في أسباب الدنيا يلعبون لا يذكرون حسابا ولا جزاء وقد مضى في براءة قوله تعالى : ( يوم يدعون ) ( يوم ) بدل من يومئذ و ( يدعون ) معناه يدفعون إلى جهنم بشدة وعنف يقال : دععته أدعه دعا أي دفعته ومنه قوله تعالى : فذلك الذي يدع اليتيم الماعون وفي التفسير : إن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم في النار دفعا على وجوههم وزخا في أعناقهم حتى يردوا النار وقرأ أبو رجاء العطاردي وبن السميقع ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) بالتخفيف من الدعاء فإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة : ( هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) في الدنيا قوله تعالى : ( أفسحر هذا ) استفهام معناه التوبيخ والتقريع أي يقال لهم : ( أفسحر هذا ) الذي ترون الآن عليكم بأعينكم ( أم أنتم لا تبصرون ) وقيل : ( أم ) بمعنى بل أي بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون قوله تعالى : ( اصلوها ) أي تقول لهم الخزنة ذوقوا حرها بالدخول فيها ( فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) أي سواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن ف ( سواء ) خبره محذوف أي سواء عليكم الجزع والصبر فلا ينفعكم شيء كما أخبر عنهم أنهم يقولون : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا إبراهيم ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) < < الطور : ( 17 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( الطور 17 : 20 ) <
> قوله تعالى : ( إن المتقين في جنات وعيون ) لما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين أيضا ( فاكهين ) أي ذو فاكهة كثيرة يقال : رجل فاكه أي ذو فاكهة كما يقال : لابن وتامر أي ذو لبن وتمر قال : وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمر أي ذو لبن وتمر وقرأ الحسن وغيره : ( فكهين ) بغير ألف ومعناه معجبين ناعمين في قول بن عباس وغيره يقال : فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا والفكه أيضا الأشر البطر وقد مضى في الدخان القول في هذا ( بما آتاهم ) أي أعطاهم ( ربهم ووقاهم عذاب الجحيم ) ( كلوا واشربوا ) أي يقال لهم ذلك ( هنيئا ) الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر قال الزجاج : أي ليهنئكم ما صرتم إليه ( هنيئا ) وقيل : أي متعتم بنعيم الجنة إمتاعا هنيئا وقيل : أي كلوا واشربوا هنئتم ( هنيئا ) فهو صفة في موضع المصدر وقيل ( هنيئا ) أي حلالا وقيل : لا أذى فيه ولا غائلة وقيل : ( هنيئا ) أي لا تموتون فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان معه منغص غير هنيء قوله تعالى : ( متكئين على سرر ) سرر جمع سرير وفي الكلام حذف تقديره : متكئين على نمارق وسرر ( مصفوفة ) قال بن الأعرابي : أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا وفي الأخبار أنها تصف في السماء بطول كذا وكذا فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له فإذا جلس عليها عادت إلى حالها قال بن عباس : هي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير ما بين مكة أيلة ( وزوجناهم بحور عين ) أي قرناهم بهن قال يونس بن حبيب : تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة قال : وقول الله عز وجل : وزوجناهم بحور عين أي قرناهم بهن من قوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم أي وقرناءهم وقال الفراء : تزوجت بامرأة لغة في أزد شنوءة وقد مضى القول في معنى الحور العين < < الطور : ( 21 ) والذين آمنوا واتبعتهم . . . . . > > < > ( الطور 21 : 24 ) <
> قوله تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) قرأ العامة ( واتبعتهم ) بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء وقرأ أبو عمرو ( وأتبعناهم ) بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون اعتبارا بقوله : ( ألحقنا بهم ) ليكون الكلام على نسق واحد فأما قوله : ( ذريتهم ) الأولى فقرأها بالجمع بن عامر وأبو عمرو ويعقوب ورواها عن نافع إلا أن أبا عمرو كسر التاء على المفعول وضم باقيهم وقرأ الباقون ( ذريتهم ) على التوحيد وضم التاء وهو المشهور عن نافع فأما الثانية فقرأها نافع وبن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر التاء على الجمع الباقون ( ذريتهم ) على التوحيد وفتح التاء واختلف في معناه فقيل عن بن عباس أربع روايات : الأولى أنه قال : إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه وتلا هذه الآية ورواه مرفوعا النحاس في الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن رسول الله ( ص ) قال : ( إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقربهم عينه ( ثم قرأ ( والذين آمنوا وأتبعنا ذرياتهم بإيمان ) الآية قال أبو جعفر : فصار الحديث مرفوعا عن النبي ( ص ) وكذا يجب أن يكون لأن بن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله ( ص ) لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله وبمعنى أنه أنزلها جل ثناؤه الزمخشري : فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم وبمزاوجة الحور العين وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم وعن بن عباس أيضا أنه قال : إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان قاله المهدوي والذرية تقع على الصغار والكبار فإن جعلت الذرية ها هنا للصغار كان قوله تعالى : ( بإيمان ) في موضع الحال من المفعولين وكان التقدير ( بإيمان ) من الآباء وإن جعلت الذرية للكبار كان قوله : ( بإيمان ) حالا من الفاعلين القول الثالث عن بن عباس : أن المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار والذرية التابعون وفي رواية عنه : إن كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء وإن كان الأبناء أرفع درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء فالآباء داخلون في اسم الذرية كقوله تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون يس وعن بن عباس أيضا يرفعه إلى النبي ( ص ) قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال لهم إنهم لم يدركوا ما أدركت فيقول يا رب إني عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به ( وقالت خديجة رضي الله عنها : سألت النبي ( ص ) عن ولدين لي ماتا في الجاهلية فقال لي : ( هما في النار ( فلما رأى الكراهية في وجهي قال : ( لو رأيت مكانهما لأبغضتهما ( قالت : يا رسول الله فولدي منك قال : ( في الجنة ( ثم قال : ( إن المؤمنين وأولادهم في الجنة والمشركين وأولادهم في النار ( ثم قرأ ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) الآية ( وما ألتناهم من عملهم من شيء ) أي ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم والهاء والميم راجعان إلى قوله تعالى : ( والذين آمنوا ) وقال بن زيد : المعنى ( واتبعتهم ذريتهم بإيمان ) ألحقنا بالذرية أبناءهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل فالهاء والميم على هذا القول للذرية وقرأ بن كثير ( وما ألتناهم ) بكسر اللام وفتح الباقون وعن أبي هريرة ( آلتناهم ) بالمد قال بن الأعرابي : ألته يألته ألتا وآلته يؤلته إيلاتا ولاته يليته ليتا كلها إذا نقصه وفي الصحاح : ولاته عن وجهه يلوته ويليته أي حبسه عن وجهه وصرفه وكذلك ألاته عن وجهه فعل وأفعل بمعنى ويقال أيضا : ما ألاته من عمله شيئا أي ما نقصه مثل ألته وقد مضى بالحجرات ( كل امريء بما كسب رهين ) قيل : يرجع إلى أهل النار قال بن عباس : ارتهن أهل جهنم بأعمالهم وصار أهل الجنة إلى نعيمهم ولهذا قال : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين المدثر ) وقيل : هو عام لكل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله فأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من الله ويحتمل أن يكون هذا في الذرية الذين لم يؤمنوا فلا يلحقون آباءهم المؤمنين بل يكونون مرتهنين بكفرهم قوله تعالى : ( وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ) أي أكثرنا لهم من ذلك زيادة من الله أمدهم بها غير الذي كان لهم قوله تعالى : ( يتنازعون فيها كأسا ) أي يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة والكأس إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره فإذا فرغ لم يسم كأسا وشاهد التنازع والكأس في اللغة قول الأخطل : وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري وقال امرؤ القيس : فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال وقد مضى هذا في والصافات ( لا لغو فيها ) أي في الكأس أي لا يجري بينهم لغو ( ولا تأثيم ) ولا ما فيه إثم والتأثيم تفعيل من الإثم أي تلك الكأس لا تجعلهم آثمين لأنه مباح لهم وقيل : ( لا لغو فيها ) أي في الجنة قال بن عطاء : أي لغو يكون في مجلس محله جنة عدن وسقاتهم الملائكة وشربهم على ذكر الله وريحانهم وتحيتهم من عند الله والقوم أضياف الله ( ولا تأثيم ) أي ولا كذب قاله بن عباس الضحاك : يعني لا يكذب بعضهم بعضا وقرأ بن كثير وبن محيصن وأبو عمرو : ( لا لغو فيها ولا تأثيم ) بفتح آخره الباقون بالرفع والتنوين وقد مضى هذا في البقرة عند قوله تعالى : ولا خلة ولا شفاعة والحمد لله قوله تعالى : ( ويطوف عليهم غلمان لهم ) أي بالفواكه والتحف والطعام والشراب ودليله : يطاف عليهم بصحاف من ذهب الزخرف يطاف عليهم بكأس من معين ثم قيل : هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم فأقر الله تعالى بهم أعينهم وقيل : إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم وقيل : هم غلمان خلقوا في الجنة قال الكلبي : لا يكبرون أبدا ( كأنهم ) في الحسن والبياض ( لؤلؤ مكنون ) في الصدف والمكنون المصون وقوله تعالى : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون ) قيل : هم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة ولكنه أخبر بأنهم على نهاية النعيم وعن عائشة رضي الله عنها : أن نبي الله ( ص ) قال : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف كلهم لبيك لبيك ( وعن عبد الله بن عمر قال : قال النبي ( ص ) : ( ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل غلام على عمل ليس عليه صاحبه ( وعن الحسن أنهم قالوا : يا رسول الله إذا كان الخادم كاللؤلؤ فكيف يكون المخدوم فقال : ( ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب ( قال الكسائي : كننت الشيء سترته وصنته من الشمس وأكننته في نفسي أسررته وقال أبو زيد : كننته وأكننته بمعنى في الكن وفي النفس جميعا تقول : كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكن وكننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة ومكنة < <
الطور : ( 25 ) وأقبل بعضهم على . . . . . > > < > ( الطور 25 : 28 ) < > قوله تعالى : ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) قال بن عباس : إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضا وقيل : في الجنة ( يتساءلون ) أي يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم وقيل : يقول بعضهم لبعض بم صرت في هذه المنزلة الرفيعة ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) أي قال كل مسؤول منهم لسائله : ( إنا كنا قبل ) أي في الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله ( فمن الله علينا ) بالجنة والمغفرة وقيل : بالتوفيق والهداية ( ووقانا عذاب السموم ) قال الحسن : ( السموم ) اسم من أسماء النار وطبقة من طباق جهنم وقيل : هو النار كما تقول جهنم وقيل : نار عذاب السموم والسموم الريح الحارة تؤنث يقال منه : سم يومنا فهو مسموم والجمع سمائم قال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد تكون بالليل والحرور بالليل وقد تكون بالنهار وقد تستعمل السموم في لفح البرد [ وهو في لفح الحر ] والشمس أكثر قال الراجز : اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه قوله تعالى : ( إنا كنا من قبل ندعوه ) أي في الدنيا بأن يمن علينا بالمغفرة عن تقصيرنا وقيل : ( ندعوه ) أي نعبده ( إنه هو البر الرحيم ) وقرأ نافع والكسائي ( أنه ) بفتح الهمزة أي لأنه الباقون بالكسر على الإبتداء و ( البر ) اللطيف قاله بن عباس وعنه أيضا : أنه الصادق فيما وعد وقاله بن جريج < < الطور : ( 29 ) فذكر فما أنت . . . . . > > < > ( الطور 29 : 34 ) <
> قوله تعالى : ( فذكر ) أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن ( فما أنت بنعمة ربك ) يعني برسالة ربك ( بكاهن ) تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي ( ولا مجنون ) وهذا رد لقولهم في النبي ( ص ) فعقبة بن أبي معيط قال : إنه مجنون وشيبة بن ربيعة قال إنه ساحر وغيرهما قال : كاهن فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم ثم قيل : إن معنى ( فما أنت بنعمة ربك ) القسم أي وبنعمة الله ما أنت بكاهن ولا مجنون وقيل : ليس قسما وإنما هو كما تقول : ما أنت بحمد الله بجاهل أي قد برأك الله من ذلك قوله تعالى : ( أم يقولون شاعر ) أي بل يقولون محمد شاعر قال سيبويه : خوطب العباد بما جرى في كلامهم قال أبو جعفر النحاس : وهذا كلام حسن إلا أنه غير مبين ولا مشروح يريد سيبويه أن ( أم ) في كلام العرب لخروج من حديث إلى حديث كما قال : أتهجر غانية أم تلم فتم الكلام ثم خرج إلى شيء آخر فقال : أم الحبل واه بها منجذم فما جاء في كتاب الله تعالى : من هذا فمعناه التقرير والتوبيخ والخروج من حديث إلى حديث والنحويون يمثلونها ببل ( نتربص به ريب المنون ) قال قتادة : قال قوم من الكفار وتربصوا بمحمد الموت يكفيكموه كما كفى شاعر بني فلان قال الضحاك : هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء وأن أباه مات شابا فربما يموت كما مات أبوه وقال الأخفش : نتربص به إلى ريب المنون فحذف حرف الجر كما تقول : قصدت زيدا وقصدت إلى زيد والمنون : الموت في قول بن عباس قال أبو الغول الطهوي : هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون أي المنايا يقول : إن الضرب يجمع بين قوم متفرقي الأمكنة لو أتتهم مناياهم في أماكنهم لأتتهم متفرقة فاجتمعوا في موضع واحد فأتتهم المنايا مجتمعة وقال السدي عن أبي مالك عن بن عباس : ( ريب ) في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور ( ريب المنون ) يعني حوادث الأمور وقال الشاعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها وقال مجاهد : ( ريب المنون ) حوادث الدهر والمنون هو الدهر قال أبو ذؤيب : أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال الأعشى أأن رأت رجلا أعشى أضربه ريب المنون ودهر متبل خبل قال الأصمعي : المنون الليل والنهار وسميا بذلك لأنهما ينقصان الأعمار ويقطعان الآجال وعنه : إنه قيل للدهر منون لأنه يذهب بمنة الحيوان أي قوته وكذلك المنية أبو عبيدة : قيل للدهر منون لأنه مضعف من قوله حبل منين أي ضعيف والمنين الغبار الضعيف قال الفراء : والمنون مؤنثة وتكون واحدة وجمعا الأصمعي : المنون واحد لا جماعة له الأخفش : هو جماعة لا واحد له والمنون يذكر ويؤنث فمن ذكره جعله الدهر أو الموت ومن أنثه فعلى الحمل على المعنى كأنه أراد المنية قوله تعالى ( قل تربصوا ) أي قل لهم يا محمد تربصوا أي انتظروا ( فإني معكم من المتربصين ) أي من المنتظرين بكم العذاب فعذبوا يوم بدر بالسيف قوله تعالى : ( أم تأمرهم أحلامهم ) أي عقولهم ( بهذا ) أي بالكذب عليك ( أم هم قوم طاغون ) أي أم طغوا بغير عقول وقيل ( أم ) بمعنى بل أي بل كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق وقيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل فقال : تلك عقول كادها الله أي لم يصحبها بالتوفيق وقيل ( أحلامهم أي أذهانهم لأن العقل لا يعطى للكافر ولو كان له عقل لآمن وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة والذهن يقبل العلم جملة والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي وروي عن النبي ( ص ) أن رجلا قال : يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني فقال : ( مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ( ) وفي حديث بن عمر : فزجره النبي ( ص ) ثم قال : ( مه فإن العاقل من يعمل بطاعة الله ( ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده ( أم يقولون تقوله ) أي افتعله وافتراه يعني القرآن والتقول تكلف القول وإنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر ويقال قولتني ما لم أقل وأقولتني ما لم أقل أي ادعيته علي وتقول عليه أي كذب عليه واقتال عليه تحكم قال : ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال من حكم على طبيب فأم الأولى للإنكار والثانية للإيجاب أي ليس كما يقولون ( بل لا يؤمنون ) جحدا واستكبارا ( فليأتوا بحديث مثله ) أي بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم ( إن كانوا صادقين ) في أن محمدا افتراه وقرأ الجحدري ( فليأتوا بحديث مثله ) بالإضافة والهاء في ( مثله ) للنبي ( ص وأضيف الحديث الذي يراد به القرآن إليه لأنه المبعوث به والهاء على قراءة الجماعة للقرآن < <
الطور : ( 35 ) أم خلقوا من . . . . . > > < > ( الطور 35 : 43 ) <
> قوله تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء ) ( أم ) صلة زائدة والتقدير أخلقوا من غير شيء قال بن عباس : من غير رب خلقهم وقدرهم وقيل : من غير أم ولا أب فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجة ليسوا كذلك أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة قاله بن عطاء وقال بن كيسان : أم خلقوا عبثا وتركوا سدى ( من غير شيء ) أي لغير شيء فمن ) بمعنى اللام ( أم هم الخالقون ) أي أيقولون إنهم خلقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر الله وهم لا يقولون ذلك وإذا أقروا أن ثم خالقا غيرهم فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون الأصنام ومن الإقرار بأنه قادر على البعث ( أم خلقوا السماوات والأرض ) أي ليس الأمر كذلك فإنهم لم يخلقوا شيئا ( بل لا يوقنون ) بالحق ( أم عندهم خزائن ربك ) أم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويعرضوا عن أمره وقال بن عباس : خزائن ربك المطر والرزق وقيل : مفاتيح الرحمة وقال عكرمة : النبوة أي أفبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا وضرب المثل بالخزائن لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس فلا نهاية لها ( أم هم المسيطرون ) قال بن عباس : المسلطون الجبارون وعنه أيضا المبطلون وقاله الضحاك وعن بن عباس أيضا : أم هم المتولون عطاء : أم هم أرباب قاهرون قال عطاء : يقال تسيطرت علي أي اتخذتني خولا لك وقاله أبو عبيدة وفي الصحاح : المسيطر والمصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر والذي يفعله مسطر ومسيطر يقال سيطرت علينا بن بحر : ( أم هم المسيطرون ) أي هم الحفظة مأخوذ من تسطير الكتاب الذي يحفظ ما كتب فيه فصار المسيطر ها هنا حافظا ما كتبه الله في اللوح المحفوظ وفيه ثلاث لغات : الصاد وبها قرأت العامة والسين وهي قراءة بن محيصن وحميد ومجاهد وقنبل وهشام وأبي حيوة وبإشمام الصاد الزاي وهي قراءة حمزة كما تقدم في الصراط قوله تعالى : ( أم لهم سلم ) أي أيدعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعدا وسببا ( يستمعون فيه ) أي عليه الأخبار ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد ( ص ) بطريق الوحي ( فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) أي بحجة بينة أن هذا الذي هم عليه حق والسلم واحد السلالم التي يرتقى عليها وربما سمى الغرز بذلك قال أبو الربيس الثعلبي يصف ناقته : مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها بسلم غرز في مناخ يعاجله وقال زهير : ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم وقال آخر : تجنيت لى ذنبا وما إن جنيته لتتخذي عذرا إلى الهجر سلما وقال بن مقبل في الجمع : لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا يبنى له في السماوات السلاليم الأحجاء النواحي مثل الأرجاء واحدها حجا ورجا مقصور ويروى : أعناء البلاد والأعناء أيضا الجوانب والنواحي واحدها عنو بالكسر وقال بن الأعرابي : واحدها عنا مقصور وجاءنا أعناء من الناس واحدهم عنو بالكسر وهم قوم من قبائل شتى ( يستمعون فيه ) أي عليه كقوله تعالى : في جذوع النخل أي عليها قاله الأخفش وقال أبو عبيدة : يستمعون به وقال الزجاج : أي ألهم كجبريل الذي يأتي النبي ( ص ) بالوحي قوله تعالى : ( أم لهم البنات ولكم البنون ) سفه أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا أي أتضيفون إلى الله البنات مع أنفتكم منهن ومن كان عقله هكذا فلا يستبعد منه إنكار البعث ( أم تسألهم أجرا ) أي على تبليغ الرسالة ( فهم من مغرم مثقلون ) أي فهم من المغرم الذي تطلبهم به ( مثقلون ) مجهدون لما كلفتهم به ( أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب وقيل : أي أم عندهم علم ما غاب عن الناس حتى علموا أن ما أخبرهم به الرسول من أمر القيامة والجنة والنار والبعث باطل وقال قتادة : لما قالوا نتربص به ريب المنون قال الله تعالى : ( أم عندهم الغيب ) حتى علموا متى يموت محمدا أو إلى ما يؤول إليه أمره وقال بن عباس : أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس بما فيه وقال القتبي : يكتبون يحكمون والكتاب الحكم ومنه قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة أي حكم وقوله عليه الصلاة والسلام : ( والذي نفسي بيده لأحكمن بينكم بكتاب الله ( أي بحكم الله قوله تعالى : ( أم يريدون كيدا ) أي مكرا بك في دار الندوة ( فالذين كفروا هم المكيدون ) أي الممكور بهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فاطر وذلك أنهم قتلوا ببدر ( أم لهم إله غير الله ) يخلق ويرزق ويمنع ( سبحان الله عما يشركون ) نزه نفسه أن يكون له شريك قال الخليل : كل ما في سورة والطور من ذكر ( أم ) فكلمة استفهام وليس بعطف < <
الطور : ( 44 ) وإن يروا كسفا . . . . . > > < > ( الطور 44 : 46 ) < > قوله تعالى : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ) قال ذلك جوابا لقولهم : فأسقط علينا كسفا من السماء وقولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فأعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا : ( سحاب مركوم ) أي بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى عليه التقليد وكان في المشركين القسمان والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء يقال : أعطني كسفا من ثوبك ويقال في جمعها أيضا : كسف ويقال : الكسف والكسفة واحد وقال الأخفش : من قرأ كسفا جعله واحدا ومن قرأ ( كسفا ) جعله جمعا وقد تقدم القول في هذا في سبحان وغيرها والحمد لله قوله تعالى : ( فذرهم ) منسوخ بآية السيف ( حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) بفتح الياء قراءة العامة وقرأ بن عامر وعاصم بضمها قال الفراء : هما لغتان صعق وصعق مثل سعد وسعد قال قتادة : يوم يموتون وقيل : هو يوم بدر وقيل : يوم النفخة الأولى وقيل : يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم وقيل : ( يصعقون ) بضم الياء من أصعقة الله قوله تعالى : ( يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ) أي ما كادوا به النبي ( ص ) في الدنيا ( ولا هم ينصرون ) من الله و ( يوم ) منصوب على البدل من ( يومهم الذي فيه يصعقون ) < < الطور : ( 47 ) وإن للذين ظلموا . . . . . > > < > ( الطور 47 : 49 ) <
> قوله تعالى : ( وإنا للذين ظلموا ) أي كفروا ( عذابا دون ذلك ) قيل : قبل موتهم بن زيد : مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا وذهاب الأموال والأولاد مجاهد : وهو الجوع والجهد سبع سنين بن عباس : هو القتل وعنه : عذاب القبر وقاله البراء بن عازب وعلي رضي الله عنهم ف ( دون ) بمعنى غير وقيل : عذابا أخف من عذاب الآخرة ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) [ أن العذاب نازل بهم ] وقيل : ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما يصيرون إليه قوله تعالى : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) فيه مسألتان : الأولى ( واصبر لحكم ربك ) قيل : لقضاء ربك فيما حملك من رسالته وقيل : لبلائه فيما ابتلاك به من قومك ثم نسخ بآية السيف الثانية قوله تعالى : ( فإنك بأعيننا ) أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل وقيل : بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك والمعنى واحد ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام : ولتصنع على عيني أي بحفظي وحراستي وقد تقدم قوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) اختلف في تأويل قوله : ( حين تقوم ) فقال عون بن مالك وبن مسعود وعطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص : يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول : سبحان الله وبحمده أو سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت ثناء حسنا وإن كان غير ذلك كان كفارة له ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : ( من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ( قال : حديث حسن صحيح غريب وفيه عن بن عمر قال : كنا نعد لرسول الله ( ص ) في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم : ( ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور ( قال حديث حسن صحيح غريب وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع : المعنى حين تقوم إلى الصلاة قال الضحاك يقول : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا قال الكيا الطبري : وهذا فيه بعد فإن قوله : ( حين تقوم ) لا يدل على التسبيح بعد التكبير فإن التكبير هو الذي يكون بعد القيام والتسبيح يكون وراء ذلك فدل على أن المراد فيه حين تقوم من كل مكان كما قال بن مسعود رضي الله عنه وقال أبو الجوزاء وحسان بن عطية : المعنى حين تقوم من منامك قال حسان ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله وقال الكلبي : واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر وفي هذا روايات مختلفات صحاح منها حديث عبادة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم : ( من تعار في الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أودعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته ( خرجه البخاري تعار الرجل من الليل : إذا هب من نومه مع صوت ومنه عار الظليم يعار عرارا وهو صوته وبعضهم يقول : عر الظليم يعر عرارا كما قالوا زمر النعام يزمر زمارا وعن بن عباس أن رسول الله ( ص ) كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل : ( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السماوات ولأرض ومن فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك ( متفق عليه وعن بن عباس أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل مسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران وقال زيد بن أسلم : المعنى حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر قال بن العربي : أما نوم القائلة فليس فيه أثر وهو ملحق بنوم الليل وقال الضحاك : إنه التسبيح في الصلاة إذا قام إليها الماوردي : وفي هذا التسبيح قولان : أحدهما وهو قوله سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود الثاني أنه التوجه في الصلاة يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك قال بن العربي : من قال إنه التسبيح للصلاة فهذا أفضله والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ( ص ) أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : ( وجهت وجهي ( الحديث وقد ذكرناه وغيره في آخر سورة الأنعام وفي البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال : ( قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم الثانية قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم ) تقدم في ق مستوفى عند قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وإدبار السجود ) وأما ( إدبار النجوم ) فقال علي وبن عباس وجابر وأنس : يعني ركعتي الفجر فحمل بعض العلماء الآية على هذا القول على الندب وجعلها منسوخة بالصلوات الخمس وعن الضحاك وبن زيد : أن قوله : ( وإدبار النجوم ) يريد به صلاة الصبح وهو اختيار الطبري وعن بن عباس : أنه التسبيح في آخر الصلوات وبكسر الهمزة في ( إدبار النجوم ) قرأ السبعة على المصدر حسب ما بيناه في ق وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميقع ( وأدبار ) بالفتح ومثله روي عن يعقوب وسلام وأيوب وهو جمع دبر ودبر ودبر الأمر ودبره آخره وروى الترمذي من حديث محمد بن فضيل عن رشدين بن كريب عن أبيه عن بن عباس عن النبي ( ص ) قال : ( إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب قال : حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل عن رشدين بن كريب وسألت محمد بن إسماعيل عن محمد بن فضيل ورشدين بن كريب أيهما أوثق فقال : ما أقربهما ومحمد عندي أرجح قال : وسألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا فقال : ما أقربهما ورشدين بن كريب أرجحهما عندي قال الترمذي والقول ما قال أبو محمد ورشدين بن كريب عندي أرجح من محمد وأقدم وقد أدرك رشدين بن عباس ورآه وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن النبي ( ص ) على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح وعنها عن النبي ( ص ) قال : ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ( تم تفسير سورة والطور والحمد لله <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?